🕌 الحواسُّ الخَمس... نَوافِذُ الرُّوحِ على عالَمِ الشُّهود
#خطبة_جمعة #شكر_النعم #الحواس #التفكر #غض_البصر #حفظ_اللسان #رقائق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الإنسانَ في أحسَنِ تَقويم، وشَقَّ سَمعَهُ وبَصَرَهُ بلُطفِهِ العَميم، وجَعَلَ الحَواسَّ نَوافِذَ للرُّوحِ لِتَعرِفَ خالِقَها العَظيم. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادَةً نُبصِرُ بِها طَريقَ النَّجاةِ في دَربٍ بَهيم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أزكى البَشَرِ نَفْساً، وأطهَرُهُم قَلباً، وأصدَقُهُم حِسّاً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا رَجُلًا يَملِكُ مَلايينَ الدَّنانير، لكنَّهُ يَعيشُ عِيشةَ المُتَسَوِّلين، يَبكي الفَقرَ ويَشكو الجوع. جَميعُنا نَتَعَجَّبُ مِن حُمقِه، لكِنَّنا نَفعَلُ الفِعلَ ذاتَه كُلَّ صَباح! نَستَيقِظُ ونَحنُ نَملِكُ ثَرَواتٍ لا تُقَدَّرُ بِثَمَن، ثمَّ نَشتَكي ضِيقَ الحالِ وكَثرَةَ الهُموم. ما هي هذه الثَّرَواتُ الصَّامِتَة؟ وكَيفَ تُسرَقُ مِنَّا في كُلِّ لَحظَةٍ ونَحنُ غافِلون؟ الجَوابُ اليَومَ قد يُغَيِّرُ طَريقَتَكَ في الحَياةِ للأبَد.
أيُّها الإخوَةُ الكِرام، متى آخِرُ مَرَّةٍ وَقَفتَ فيها أمامَ المِرآة، فنَظَرتَ إلى عَينَيكَ لا لِتَرى مَظهَرَك، بل لِتَتَأمَّلَ هذه المُعجِزَةَ الرَّبَّانيَّة؟ متى آخِرُ مَرَّةٍ أغمَضتَ فيها عَينَيكَ دَقيقَةً واحِدَة، وحاوَلتَ أن تَمشيَ في بَيتِك، فاصطَدَمتَ بالجِدار، وشَعَرتَ بالعَجزِ التَّام، ثُمَّ فَتَحتَهُما وقُلتَ مِن أعمَقِ نُقطَةٍ في قَلبِك: الحَمدُ لله؟
إنَّنا نَعيشُ في غَفلَةِ الإلْف. النِّعمَةُ إذا طالَت أُلِفَت، وإذا أُلِفَت نُسِيَت، وإذا نُسِيَت كُفِرَت. يَقولُ مَولانا جَلَّ جَلالُه، يُذَكِّرُنا بِهذا الرَّأسِ مالِ الذي وُلِدنا بِه: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: 23].
تَأمَّلوا مَعي يا عِبادَ الله... خَتَمَ الآيَةَ بِقَولِه: ﴿قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾. لأنَّهُ يَعلَمُ سُبحانَهُ أنَّنا سَنَستَخدِمُ هذه الحَواسَّ لِنَأكُلَ ونَشرَبَ ونَعمَل، لكِنَّنا سَنَنسى المُنعِمَ بِها. السَّمعُ والبَصَرُ والذَّوقُ والشَّمُّ واللَّمس... هذه الخَمسُ لَيسَت مُجَرَّدَ أدَواتٍ بَيولوجيَّةٍ لِلبَقاءِ على قَيدِ الحَياة. الخَيلُ تَسمَع، والنُّسورُ تُبصِر، بَل لَرُبَّما كانَ بَصَرُ الصَّقرِ أطوَلَ مِن بَصَرِك، وسَمعُ الذِّئبِ أحَدَّ مِن سَمعِك! فَلِماذا أعطاكَ اللهُ إيَّاها إذن؟
أعطاكَ اللهُ هذه الحَواسَّ لِتَكونَ "نَوافِذَ لِلرُّوح" تَطِلُّ مِن خِلالِها على عَظَمَةِ الخالِق. هي مَداخِلُ لِلقَلب. ما تراهُ عَينُكَ يَصُبُّ في قَلبِك، وما تَسمَعُهُ أُذُنُكَ يَستَقِرُّ في فُؤادِك. ولِهَذا، قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله: "العَينُ مِرآةُ القَلب، فإذا غَضَّ العَبدُ بَصَرَهُ غَضَّ القَلبُ شَهوَتَهُ وإرادَتَه، وإذا أطلَقَ البَصَرَ أطلَقَ القَلبُ الشَّهوَة". الحَواسُّ هي الأبواب، والقَلبُ هو المَلِكُ في الدَّاخِل. فإن تَرَكتَ الأبوابَ مَفتوحَةً لِكُلِّ قَذَرٍ وسُمٍّ، مَرِضَ المَلِكُ ومات!
يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، دَعوني أسألُكُم سُؤالًا: ما الفَرقُ بَينَ مَن يَنظُرُ إلى الجِبالِ فَيَراها حِجارَةً صَمَّاء، وبَينَ مَن يَنظُرُ إلَيها فَيَدمَعُ قَلبُهُ قَبلَ عَينِه؟ كِلاهُما يَملِكُ عَيناً، لكِنَّ الأوَّلَ فَقَدَ "البَصيرَة"، والثَّاني استَخدَمَ بَصَرَهُ لِيُوقِظَ بَصيرَتَه.
يَقولُ رَبُّنا تَبَارَكَ وتَعالى مُعاتِباً أُولئِكَ الذين عَطَّلوا وَظيفَةَ حَواسِّهِم: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].
واسمَعوا لهذه القِصَّةِ العَجيبَة، التي تَهُزُّ أركانَ النَّفسِ وتَفضَحُ تَقصيرَنا المَخيف.
مَرَّ رَجُلٌ بِخَيمَةٍ في الصَّحراء، فاقترَبَ مِنها، فَسَمِعَ صَوتاً مِنداخِلِها يَقول: "اللَّهُمَّ أوزِعني أن أشكُرَ نِعمَتَكَ التي أنعَمتَ بِها عَلَيَّ، وفَضَّلتَني على كَثيرٍ مِمَّن خَلَقتَ تَفضيلاً".
يَقولُ الرَّجُل: فَدَخَلتُ الخَيمَةَ لِأرى مَن هذا الشَّاكِرُ الحامِد؟ فَوَجَدتُ رَجُلاً مَقطوعَ اليَدَين، مَقطوعَ الرِّجلَين، أعمى البَصَر، مَشلولَ الجَسَد! لَيسَ فيهِ عُضوٌ يَتَحَرَّكُ سِوى لِسانِه!
فَقُلتُ لَه مَدهوشاً: يا هذا! على أيِّ نِعمَةٍ تَشكُرُه؟ وعلى أيِّ تَفضيلٍ تَحمَدُه؟ وأنتَ بِهذا الحال!
فابتَسَمَ الرَّجُلُ ـ وهو أبو قِلابَةَ رَحِمَهُ الله ـ وقال: "يا هذا، ألَم تَرَ ماذا صَنَعَ رَبِّي بي؟ واللهِ لَو أرسَلَ السَّماءَ عَلَيَّ ناراً فأحرَقَتني، والجِبالَ فَدَمَّرَتني، ما ازددتُ لَهُ إلَّا حُبّاً وشُكراً... أليسَ قد أبقى لي لِساناً ذاكِراً، وقَلباً شاكِراً؟!".
اللهُ أكبَر! عِندَما حَيِيَتِ الرُّوح، لَم يَضُرَّ الرَّجُلَ فُقدانُ حَواسِّهِ وأطرافِه. عَرَفَ اللهَ بِقَلبِه، فَصارَ أعمى البَصَرِ أبصَرَ مِن أُلوفِ المُبصِرينَ الغافِلين! فما عُذرُنا نَحنُ صِحاحَ الأجسادِ، مُكتَمِلي الحَواسِّ، نَتَقَلَّبُ في النِّعَمِ ثُمَّ نَعصي المُنعِمَ بِها؟
أخِي الكَريم، في هذا العَصرِ ـ عَصرِ الشَّاشاتِ المُضيئَةِ والهَواتِفِ الذَّكيَّة ـ صِرنا نَستَهلِكُ حَواسَّنا استِهلاكاً بَشِعاً. انظُروا إلى حالِنا اليَوم: الواحِدُ مِنَّا يَستَيقِظُ، فأوَّلُ ما يَطلُبُهُ هاتِفُه. يُسلِّطُ هذا الضَّوءَ السَّاطِعَ على عَينَيه، ويُدخِلُ في أُذُنَيهِ ضَجيجَ العالَم، وأخبارَ النَّاس، وتَفاهاتِ المَشاهير، ومَقاطِعَ السُّخرِيَة، ولَرُبَّما صُوَرَ الحَرامِ الصَّريح.
ساعاتٌ طِوالٌ والعَينُ تَلتَهِمُ المَعاصي، والأُذُنُ تَشرَبُ الغِيبَةَ واللَّغو والمُوسيقا. ثُمَّ نَأتي بَعدَ ذلِك نَشتَكي: "يا شَيخ، لا أجِدُ خُشوعاً في صَلاتي! ياشَيخ، قَلبي قاسٍ لا يَتَأثَّرُ بالقُرآن!".
يا عَبدَ الله... كَيفَ يَرِقُّ قَلبٌ تَمزَّقَت مَداخِلُه؟ كَيفَ تَدخُلُ أنوارُ القُرآنِ مِن نافِذَةٍ لَطَّختَها بِوَحَلِ المُحَرَّمات؟
قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ العَينَينِ تَزنِيانِ وزِناهُما النَّظَر، والأُذُنَينِ تَزنِيانِ وزِناهُما الاستِماع» (رواه أحمد). هذا الاستِهلاكُ المُفرِطُ للحَواسِّ في غَيرِ طاعَةِ الله، يُصابُ مَعَهُ القَلبُ بِمَرَضِ "التَّبَلُّدِ الإيماني". تَمُرُّ عَلَيكَ الجَنازَةُ فلا تَتَّعِظ. تَقرَأُ آيَةَ العَذابِ فلا تَخاف. تَرى النِّعمَةَ العَظيمَةَ فلا تَفرَح. لأنَّ الحَواسَّ فَقَدَت صَفاءَها، فَلَم تَعُد تَستَقبِلُ رَسائِلَ السَّماء.
ولِذلِكَ، كانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أشَدَّ النَّاسِ حِراسَةً لِحَواسِّهِم. كانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقول: "مَن حَفِظَ طَرَفَهُ ـ أي بَصَرَه ـ أورَثَهُ اللهُ نوراً في بَصيرَتِه". لَقَد أدرَكوا أنَّ حِفظَ الجَوارِحِ هو حِفظٌ لِلرَّأسِ مال.
يا مَعاشِرَ المُصَلِّين... هل تَأمَّلتُم يَوماً ماذا سَيَحدُثُ لِهذِه الحَواسِّ يَومَ القِيامَة؟
نَحنُ اليَومَ نَملِكُها، نُوَجِّهُها، نُغمِضُ العَينَ مَتى شِئنا، ونَفتَحُها مَتى شِئنا. نُحَرِّكُ اللِّسانَ بالكَلِمَة، أو نَسكت. لكِنْ هُناك... في عَرَصاتِ القِيامَة، حَيثُ تَطيرُ الصُّحُف، وتَذهَلُ كُلُّ مُرضِعَةٍ عَمَّا أرضَعَت... هُناك تَتَمَرَّدُ عَلَيكَ أعضاؤُك!
نَعَم، يَتَمَرَّدُ الجَسَدُ على صاحِبِه. اللِّسانُ الذي كُنتَ تَكذِبُ بِهِ وتُجادِل، يُختَمُ عَلَيه. والعَينُ التي كُنتَ تَختَلسُ بِها النَّظَراتِ الحَرامَ في ظُلمَةِ اللَّيلِ تَنطِق. والأُذُنُ تَشهَد. يَقُولُ الجَبَّارُ جَلَّ جَلالُه وَصْفاً لِهذا المَشهَدِ المُرعِب: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: 65].
تَخَيَّلِ الصَّدمَة... بَعدَ أن تَنطِقَ جَوارِحُكَ بِفَضائِحِك، ويَشهَدَ عَلَيكَ سَمعُكَ وبَصَرُكَ وجِلدُك، تَلْتَفِتُ أنتَ في رُعبٍ وقَهرٍ إلى أطرافِك، تُعاتِبُ جِلدَكَ الذي كُنتَ في الدُّنيا تُرَفِّهُهُ وتُطَعِّمُه وتَحرسُه! ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: 20-22].
أينَ المَفَرُّ؟ العَينُ شَهِدَت، والأُذُنُ نَطَقَت! ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. مسئولاً عن كُلِّ مَقطَعٍ شاهَدتَه، وعن كُلِّ أغنيَةٍ سَمِعتَها، وعن كُلِّ كَلِمَةٍ قَرَأتَها أو كَتَبتَها، وعن كُلِّ نَظرَةِ احتِقارٍ وَجَّهتَها لِمُسلِم.
ولِذلِك، عَرَفَ الأنبِياءُ والصَّالِحونَ وَظيفَةَ هذه الحَواسّ، فاستَعمَلوها فيمَا خُلِقَت لَه. واسمَعوا لِهذا المَوقِفِ العَظيم.
يَروي بِلالٌ رَضيَ اللهُ عَنهُ أنَّهُ جاءَ يُؤذِنُ النَّبيَّ ﷺ بِصَلاةِ الفَجر، فَوَجَدَهُ يَبكي بُكاءً شَديداً حتَّى بَلَّ لِحيَتَه! فَقالَ: يا رَسولَ الله، تَبكي وقد غَفَرَ اللهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّر؟ فَقالَ النَّبيُّ ﷺ: «وَيْلَكَ يا بِلال! ومَا يَمنَعُني أن أبكيَ وقد أُنزِلَت عَلَيَّ اللَّيلَةَ آياتٌ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾... ثمَّ قالَ مُحَذِّراً أُمَّتَه: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَها وَلَم يَتَفَكَّرْ فِيهَا!» (رواه ابن حبان).
يَبكي ﷺ لأنَّهُ استَخدَمَ عَينَيهِ وعَقلَهُ في قِراءَةِ الكَون، في التَّفَكُّر، في النَّظَرِ إلى السَّماء. "وَيلٌ لِمَن قَرأها ولَم يَتَفَكَّر"... وَيلٌ لِمَن فَتَحَ عَينَيهِ في الدُّنيا فَلَم يَرَ سِوى الدِّرْهَمِ والدِّينار، ولَم يَرَ بَصَماتِ الجَبَّارِ في خَلقِه.
أيُّها الأحِبَّة، لَقَد رَسَمَ لنا رَبُّنا مَرتَبَةً عاليَةً جِدّاً، مَرتَبَةً إذا بَلَغَها العَبد، تَغَيَّرَت حَواسُّهُ بِالكُلِّيَّة، وصارَ يَرى ما لا يَرى النَّاس، ويَسمَعُ ما لا يَسمَعون.
ما هِيَ هذه المَرتَبَة؟ اسْتَمِعوا إلى هذا الحَديثِ القُدسِيِّ الجَليل، الذي رَواهُ البُخاريُّ في صَحيحِه، يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: «ومَا يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه...».
اللهُ أكبَر! حتَّى يُحِبَّه! وماذا يَحدُثُ إذا أحَبَّكَ مَلِكُ المُلوك؟ اسمَعوا التَّتِمَّة:
«فإذا أحبَبْتُهُ: كُنتُ سَمعَهُ الذي يَسمَعُ بِه، وبَصَرَهُ الذي يُبصِرُ بِه، ويَدَهُ التي يَبطِشُ بِها، ورِجلَهُ التي يَمشي بِها. وإن سَألَني لأُعطِيَنَّه، ولَئِن استَعاذَني لأُعيذَنَّه».
ماذا يَعني «كُنتُ سَمعَهُ وبَصَرَه»؟ قالَ الحافِظُ ابنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ الله: "يَعني أنْ يَمتَلِئَ قَلبُ العَبدِ بِمَعرِفَةِ اللهِ ومَحَبَّتِه، فَلا يَتَحَرَّكُ لَهُ جارِحَةٌ إلَّا للهِ ولِما يُرضي الله، فلا يَسمَعُ إلَّا ما يُحِبُّهُ الله، ولا يَنظُرُ إلَّا إلى ما أمَرَهُ اللهُ بِالنَّظَرِ إليه".
إذا أحَبَّكَ الله، عَصَمَ عَينَكَ عَنِ الحَرام، فتُصبِحُ تَنفُرُ مِنَ المَعصِيَةِ كما تَنفُرُ مِنَ النَّار. يَعصِمُ أُذُنَكَ عن سَماعِ الغِيبَةِ واللَّغو. تَتَحَوَّلُ حَواسُّكَ كُلُّها إلى جُنودٍ تَخدُمُ رُوحَكَ في طَريقِها إلى الجَنَّة.
فيا مَن يَشكو ضَعفاً في بَصَرِهِ أو سَمعِه، أو فِقداناً لِحاسَّةٍ مِن حَواسِّه... أبشِر. صَبرُكَ واحتِسابُكَ هو البَصَرُ الحَقيقيّ. ويا مَن مَتَّعَهُ اللهُ بِكَمَالِ الحَواسّ... احذَر. احذَر أن تَكونَ هذه الحَواسُّ شاهِدَةً عَلَيكَ يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون. فَكُلُّ لَحظَةٍ تَمُرُّ وأنتَ غافِل، هي لَحظَةٌ لَن تَعود.
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كَثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، مَنَحنا النِّعَمَ ظاهِرَةً وباطِنَة، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورَسولُه، أوفى النَّاسِ شُكراً لِرَبِّه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن عِظَمِ نِعمَةِ الحَواسّ، وكَيفَ أنَّها نَوافِذُ الرُّوحِ ومَفاتيحُ التَّفَكُّر. ووَقَفنا مَعَ المَشهَدِ المُرعِبِ لِشَهادَةِ الجَوارِحِ على الإنسانِ يَومَ القِيامَة، وعَرَفنا أنَّ أعظمَ مَقامٍ هُوَ أن يَكونَ اللهُ سَمعَ العَبدِ وبَصَرَه. والآن، إخوَتي، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأكثَرِ إلحاحاً: كَيفَ نَترجِمُ هذا الكَلامَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا اليَومِيَّة المَليئَةِ بالمُشتِّتات؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، مَن حَفِظَها حَفِظَ حَواسَّه:
الأُولى (قَلبِيَّة): استَحضِر نِيَّةَ الشُّكرِ كُلَّ صَباح. عِندَما تَستَيقِظُ وتَفتَحُ عَينَيكَ وتَسمَعُ صَوتَ أهلِك، قُل مِن قَلبِك: "الحَمدُ للهِ الذي رَدَّ إلَيَّ رُوحي وعافاني في جَسَدي". هذا الاستِحضارُ الصَّادِقُ يَطوَدُ الغَفلَةَ ويَربِطُ القَلبَ بِالمُنعِمِ سُبحانَه.
الثَّانِيَة (لِسانِيَّة وسَمعِيَّة): صُم أُذُنَيكَ عَنِ الغِيبَةِ واللَّغو. اليَومَ، وإن جَلَستَ مَجلِساً يُخاضُ فيهِ في أعراضِ النَّاس، فَقُم مِنهُ أو غَيِّرِ الحَديث. إنَّ استِماعَ الخَبَثِ يُقَسِّي القَلبَ تَماماً كالنُّطقِ بِه. احفَظ سَمعَكَ كَما تَحفَظُ كَرامَتَك.
الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة فِعلِيَّة): غُضَّ بَصَرَكَ عَنِ الحَرامِ في شاشَةِ هاتِفِك! هذه أهَمُّ خُطوَةٍ في هذا العَصر. اليَوم، قَبلَ أن تَنام، ألْغِ مُتابَعَةَ أيِّ حِسابٍ يَبُثُّ الحَرامَ أو يَسرِقُ وَقتَكَ وعِفَّتَك. وتَذَكَّر: النَّظرَةُ سَهمٌ مَسمومٌ مِن سِهامِ إبليس، ومَن غَضَّ بَصَرَهُ للهِ، أبدَلَهُ اللهُ حَلاوَةً يَجِدُها في قَلبِه.
الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): انظُر إلى والِدَيكَ وأهلِ بَيتِكَ بِنَظرَةِ رَحمَةٍ وحُبّ. استَخدِم نِعمَةَ البَصَرِ لِتُدْخِلَ السُّرورَ عَلَيهِم. النَّظرَةُ الحانِيَةُ لِلأُمِّ أوِ الأبِ عِبادَة. والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ التي تُسمِعُها لِزَوجَتِكَ أو أبنائِكَ، تَبني بِها بَيتاً مِنَ المَوَدَّةِ لا يَنهَدِم.
الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): خَصِّص لِنَفسِكَ "خَمسَ دَقائِقَ لِلتَّفَكُّر". اليَوم، اجلِس وَحدَكَ بِلا هاتِفٍ ولا صَخَب. انظُر إلى السَّماء، تأمَّل في خَلقِ الأشجار، أرهِف سَمعَكَ لِتَسبيحِ الكائِناتِ الصَّامِت. غَذِّ رُوحَكَ بِالتَّأمُّلِ كَما تُغَذِّي جَسَدَكَ بِالطَّعام.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ حَواسَّكُم رَأسُ مالِكُم، فإيَّاكُم أن تُفلِسوا يَومَ تُنصَبُ المَوازين.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، فَقالَ في مُحكَمِ تَنزيلِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحَمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَنِ اتَّبَعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ يا مَن تَسمَعُ كَلامَنا وتَرى مَكانَنا، أن تُمتِّعَنا بِأسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا ما أحيَيتَنا، واجعَلهُ الوارِثَ مِنَّا.
اللَّهُمَّ اجعَل حَواسَّنا شاهِدَةً لَنا لا عَلَينا يَومَ نَلقاك.
اللَّهُمَّ عَصِّم أعيُنَنا عنِ الحَرام، وأسماعَنا عنِ الخَنى والآثام، واجعَل قُلوبَنا أوعِيَةً لِلقُرآن.
اللَّهُمَّ مَن فَقَدَ حاسَّةً مِن حَواسِّهِ أوِ ابتُلِيَ في جَسَدِه، فَعَوِّضهُ بِها نُوراً في قَلبِهِ وقُصوراً في جَنَّتِك، وارزُقهُ الصَّبرَ والرِّضا.
اللَّهُمَّ رُدَّنا إلَيكَ رَدّاً جَميلاً، ولا تَجعَلنا مِمَّن لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها، وأعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها، وآذانٌ لا يَسمَعونَ بِها.
اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِ المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج هَمَّ المَهمومين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدينين، واغفِر لِمَوتانا ومَوتى المُسلِمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبالحواس الخمس: نوافذ الروح على العالم
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.