من مكتبة مِداد الخطيب

حُرمَةُ الدِّمَاء.. عِندَمَا يَغِيبُ الوَازِعُ وَتَبكِي الإِنسَانِيَّة

مشاركة
🕌 حُرمَةُ الدِّمَاء.. عِندَمَا يَغِيبُ الوَازِعُ وَتَبكِي الإِنسَانِيَّة #خطبة_جمعة #جريمة_القتل #حفظ_الدماء #الوازع_الديني #أخلاق #اجتماعيات الحمدُ للهِ العَلِيِّ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ وَسَوَّاهُ، وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَكَرَّمَهُ وَرَعَاهُ، وَجَعَلَ حُرمَةَ دَمِهِ أَعظَمَ عِندَهُ مِن حُرمَةِ البَيتِ الَّذِي بَنَاهُ، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ؛ حَرَّمَ الظُّلمَ عَلَى نَفسِهِ وَجَعَلَهُ بَينَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا لِيَأْمَنَ مَن اتَّقَاهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ بِالرَّحمَةِ وَالهُدَى، أَشَدُّ النَّاسِ تَعظِيمًا لِحُرُمَاتِ اللهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أمَّا بعدُ: أَيُّهَا الإِخوَةُ، تَخَيَّلُوا مَعِي مَشهَدًا يَتَكَرَّرُ فِي زَمَانِنَا هَذَا بِكَثرَةٍ مُفزِعَة: شِجَارٌ بَسِيطٌ يَبدَأُ بِكَلِمَة، ثُمَّ يَرتَفِعُ الصَّوتُ، ثُمَّ تَعْمَى البَصِيرَةُ، وَيَتَدَخَّلُ الشَّيطَانُ لِيَنفُخَ فِي نَارِ الغَضَبِ، وَفِي كَسرٍ مِنَ الثَّانِيَةِ.. تَخرُجُ آلَةٌ حَادَّةٌ، أَو يُرفَعُ سِلاحٌ، وَتُسفَكُ الدِّمَاءُ. رُوحٌ بَرِيئَةٌ تُزهَقُ، وَزَوجَةٌ تُرَمَّلُ، وَأَطفَالٌ يُيَتَّمُونَ، وَعَائِلَتَانِ تُدَمَّرَانِ؛ إِحْدَاهُمَا فِي المَقَابِرِ وَالأُخرَى خَلفَ قُضبَانِ السُّجُونِ. كُلُّ هَذَا لِمَاذَا؟ لِأَنَّ قَلبًا فِي لَحظَةِ غَضَبٍ نَسِيَ اللهَ، وَفَقَدَ وَازِعَهُ الدِّينِيَّ! عبادَ الله، إِنَّنَا نَقِفُ اليَومَ أَمَامَ كَارِثَةٍ تَهزُّ أَركَانَ مُجتَمَعَاتِنَا، كَارِثَةِ استِسهَالِ الدِّمَاءِ، وَاستِرخَاصِ الأَروَاحِ. لَقَد بَاتَت أَخبَارُ جَرَائِمِ القَتلِ تَتَصَدَّرُ مَجَالِسَنَا، وَالَّذِي يُدْمِي القَلبَ أَنَّ الدَّوَافِعَ غَالِبًا مَا تَكُونُ تَافِهَةً لا تُسَاوِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ؛ خِلافٌ عَلَى مَوقِفِ سَيَّارَة، أَو نِزَاعٌ عَلَى حَدِّ أَرض، أَو نِقَاشٌ حَادٌّ، أَو نَظرَةٌ لَم تُعجِبِ الآخَرَ. لِمَاذَا وَصَلنَا إِلَى هَذَا المُستَوَى مِنَ الوَحشِيَّةِ؟ الجَوَابُ يَا عِبَادَ اللهِ يُمكِنُ تَلوخِيصُهُ فِي جُملَةٍ وَاحِدَة: لَقَد رَقَّ الإِيمَانُ، وَضَعُفَ اليَقِينُ، وَغَابَ الوَازِعُ الدِّينِيُّ الَّذِي يَصرِخُ فِي قَلبِ المُؤمِنِ حِينَ يَغضَب: "إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ". واسمعوا لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي إِذَا تَأَمَّلتُمُوهَا لَن تَبقَى قُلُوبُكُم كَمَا كَانَت. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مُتَوَعِّدًا قَاتِلَ المُؤمِنِ بِخَمسِ عُقُوبَاتٍ لَم تَجتَمِع لِذَنبٍ آخَرَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. تَأَمَّلُوا هَذَا الوَعِيدَ المُرعِب! خُلُودٌ فِي جَهَنَّمَ، وَغَضَبٌ مِنَ الجَبَّارِ جَلَّ جَلالُهُ، وَطَردٌ مِن رَحمَةِ اللهِ (اللَّعنَة)، وَعَذَابٌ عَظِيمٌ يَنْتَظِرُهُ. وَقَد بَلَغَ مِن رُعبِ هَذِهِ الآيَةِ فِي قُلُوبِ السَّلَفِ، أَنَّ حَبرَ الأُمَّةِ عَبدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَانَ يَرَى أَنَّ قَاتِلَ المُؤمِنِ عَمدًا لا تَوبَةَ لَهُ! رَغْمَ أَنَّ جُمهُورَ العُلَمَاءِ يَرَونَ أَنَّ التَّوبَةَ مَقبُولَةٌ إِذَا تَحَقَّقَت شُرُوطُهَا، إِلَّا أَنَّ فَتْوَى ابنِ عَبَّاسٍ تَعكِسُ حَجمَ الجَرِيمَةِ الَّتِي لا تَكَادُ تُمْحَى. وَيُقَرِّرُ اللهُ جَلَّ فِي عُلاهُ قِيمَةَ الرُّوحِ البَشَرِيَّةِ بِآيَةٍ تُزَلزِلُ الكِيَانَ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. مَن يَقتُل رُوحًا وَاحِدَةً بِغَيرِ حَقٍّ، فَكَأَنَّمَا جَمَعَ البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَأَبَادَهَا! لِأَنَّهُ هَتَكَ العِصمَةَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ لِلدِّمَاءِ، وَاستَبَاحَ حِمَى اللهِ تَعَالَى. أَيُّهَا الإِخوَةُ فِي اللهِ، هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَومًا: كَيفَ يَنظُرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى سَفكِ الدِّمَاءِ الحَرَامِ؟ انْتَبِهُوا لِهَذِهِ الكَلِمَاتِ الَّتِي خَرَجَت مِن فَمِ أَصدَقِ مَن نَطَقَ بِالضَّادِ، لِتَعرِفُوا أَيَّ مُصِيبَةٍ يَقتَرِفُهَا مَن يَرفَعُ سِلاحَهُ عَلَى أَخِيه. يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» [رواه الترمذي].
يَا لله! أَن تَزُولَ السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ، وَتَتَدَمَّرَ الجِبَالُ وَالبِحَارُ، أَهوَنُ عِندَ خَالِقِهَا مِن أَن تُقطَرَ قَطرَةُ دَمٍ وَاحِدَةٍ مِن مُسلِمٍ بِغَيرِ حَقٍّ! فَأَيُّ وَيلٍ يَنْتَظِرُ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَستَعرِضُونَ قُوَّتَهُم بِإِزهَاقِ الأَروَاحِ فِي الشَّوَارِعِ وَالأَسوَاقِ؟ وَلَقَد صَوَّرَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ مَوقِفَ القَاتِلِ وَالمَقتُولِ يَومَ القِيَامَةِ فِي مَشهَدٍ يَخلَعُ القُلُوبَ. يَقُولُ المَعصُومُ ﷺ: «يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَاصِيًا -أَيْ مَاسِكًا بِنَاصِيَتِهِ وَرَأسِهِ- رَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ» [رواه الترمذي]. تَخَيَّل هَذَا المَشهَد! لَن يَنفَعَكَ حِينَهَا نَسَبٌ وَلا قَبِيلَةٌ، وَلَن تَحْمِيَكَ سُلطَةٌ وَلا مَال. المَقتُولُ يُمسِكُ بِرَأسِكَ، وَدَمُهُ يَسِيلُ عَلَيكَ، يَجُرُّكَ جَرًّا حَتَّى يَقِفَ بِكَ أَمَامَ عَرشِ الرَّحمَنِ مُطَالِبًا بِالقِصَاصِ. فَبِمَاذَا سَيُجِيبُ القَاتِلُ رَبَّهُ؟ هَل سَيَقُولُ: قَتَلتُهُ لِأَنَّهُ شَتَمَنِي؟ أَم لِأَنَّهُ سَابَقَنِي فِي الطَّرِيقِ؟ أَم لِأَجلِ قِطعَةِ أَرضٍ مَلعُونَةٍ سَتَأكُلُ جَسَدَهُ بَعدَ أَيَّام؟ عِبَادَ اللهِ، إِنَّ غِيَابَ الوَازِعِ الدِّينِيِّ هُوَ المَرَضُ الأَكْبَرُ الَّذِي أَورَثَنَا هَذِهِ المَآسِي. إِنَّ النَّاسَ لَمَّا ابتَعَدُوا عَنِ القُرآنِ، وَغَفَلُوا عَن ذِكرِ الآخِرَةِ، صَارَت حَيَاتُهُم مَادِّيَّةً جَافَّة، لا تَرُدُّهُم فِيهَا حُرمَةٌ، وَلا يَردَعُهُم فِيهَا خَوفٌ مِن وُقُوفٍ بَينَ يَدَيِ اللهِ. قَدِيمًا كَانَ الرَّجُلُ إِذَا هَمَّ بِمَعصِيَةٍ، وَتَذَكَّرَ عَذَابَ اللهِ، ارتَعَدَت فَرَائِصُهُ، أَمَّا اليَومَ، فَالغَضَبُ هُوَ الإِلَهُ الَّذِي يُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ عِندَ كَثِيرٍ مِنَ الجُهَّالِ. وَمَا عَرَفَتِ البَشَرِيَّةُ قِصَّةً تُوَضِّحُ الفَارِقَ بَينَ الإِنسَانِ الَّذِي يَمْلِكُ وَازِعًا دِينِيًّا وَبَينَ مَن فَقَدَهُ، أَعظَمَ مِن قِصَّةِ ابنَي آدَمَ عليه السلام، قَابِيلَ وَهَابِيلَ. أَوَّلُ جَرِيمَةِ قَتلٍ عَلَى وَجْهِ الأَرضِ. اسْتَمِعُوا إِلَى القُرآنِ وَهُوَ يَصِفُ الحِوَارَ قَبْلَ الجَرِيمَةِ. قَابِيلُ يَتَوَعَّدُ أَخَاهُ: ﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾. هَكَذَا بِكُلِّ بُرُودٍ وَوَقَاحَةٍ. بِمَاذَا رَدَّ هَابِيلُ؟ هَل كَانَ جَبَانًا؟ لا. هَل كَانَ ضَعِيفًا لا يَقْوَى عَلَى الدِّفَاعِ عَن نَفسِهِ؟ أَبَدًا. لَكِنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ دَاخِلَ صَدرِهِ أَعْظَمَ جِهَازِ رَدعٍ وُجِدَ فِي التَّارِيخِ.. رَدَّ قَائِلًا: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 28]. تَأَمَّلُوا.. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾! هَذَا هُوَ الوَازِعُ الدِّينِيُّ. هَذِهِ هِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي لَوِ استَحْضَرَهَا كُلُّ شَابٍّ يَحْمِلُ سِكِّينًا فِي الشَّارِعِ، لَأَسقَطَهَا مِن يَدِهِ بَاكِيًا. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ تَعنِي أَنَّنِي أُفَضِّلُ أَن أَمُوتَ مَظلُومًا عَلَى أَن أَقِفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ قَاتِلًا. فَمَاذَا حَدَثَ لِقَابِيلَ الَّذِي غَابَ عَنهُ هَذَا الوَازِعُ؟ ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قَتَلَهُ لِحَظِّ النَّفسِ وَالحَسَدِ. وَلَكِن هَل ارْتَاحَ بَعدَ أَن قَتَلَ؟ هَل سَكَنَ غَضَبُهُ؟ كَلَّا! بَل أَورَثَهُ ذَلِكَ خِزيًا فِي الدُّنيَا وَعَذَابًا فِي الآخِرَةِ، حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ» [متفق عليه]. إِخوَتِي فِي اللهِ، إِنَّ الإِسلامَ لَم يَتَسَاهَل قَطُّ فِي مَسأَلَةِ الدِّمَاءِ، حَتَّى فِي أَقسَى ظُرُوفِ الحَربِ وَالمُوَاجَهَةِ بَينَ المُسلِمِينَ وَالمُشرِكِينَ! وَاسْمَعُوا لِهَذَا المَوقِفِ العَظِيمِ الَّذِي وَقَعَ لِلصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ، حِبِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَابْنِ حِبِّهِ. يَقُولُ أُسَامَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ! فَطَعَنْتُهُ (أَيْ قَتَلَهُ ظَانًّا أَنَّهُ قَالَ الكَلِمَةَ خَوفًا مِنَ السَّيفِ).
فَلَمَّا عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ وَعَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ، تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، وَاشتَدَّ غَضَبُهُ، وَقَالَ لِأُسَامَةَ: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟!» قَالَ أُسَامَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا! (أَيْ خَائِفًا). فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ مُوَبِّخًا وَمُؤَسِّسًا لِأَعظَمِ مَبدَأٍ فِي حِفظِ الدِّمَاءِ: «هَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَرِّرُهَا: «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» حَتَّى قَالَ أُسَامَةُ: تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ! [مسلم]. تَأَمَّلُوا.. رَجُلٌ مُشرِكٌ، مُحَارِبٌ، كَانَ يَقتُلُ المُسلِمِينَ فِي المَعرَكَةِ، وَلَمَّا رُفِعَ عَلَيهِ السَّيفُ نَطَقَ بِالكَلِمَةِ! رَغمَ ذَلِكَ، عَظَّمَ النَّبِيُّ ﷺ حُرمَةَ دَمِهِ، وَلَم يَقبَل التَّبرِيرَ! فَكَيفَ بِمَن يَستَلُّ سِكِّينَهُ أَو سِلاحَهُ لِيَقتُلَ جَارَهُ المُسلِمَ، الَّذِي يَركَعُ وَيَسجُدُ مَعَهُ فِي نَفسِ المَسجِدِ؟ كَيفَ يَصنَعُ القَاتِلُ اليَومَ إِذَا جَاءَ المَقتُولُ يَومَ القِيَامَةِ وَمَعَهُ "لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" تُحَاجِجُ عَنهُ؟ بِمَاذَا سَتُجِيبُ رَبَّكَ أَيُّهَا القَاتِل؟ وَيُقَرِّرُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ مَعنًى عَظِيمًا حِينَ قَالَ: "إِنَّ فَسَادَ القَلبِ بِتَركِ مَحَبَّةِ اللهِ وَخَشيَتِهِ يُورِثُ الجَرَاءَةَ عَلَى الدِّمَاءِ، وَإِنَّمَا تُزهَقُ الأَنفُسُ بِغَيرِ حَقٍّ حِينَ تَصِيرُ قِيمَةُ الدُّنيَا فِي قَلبِ الإِنسَانِ أَعظَمَ مِن قِيمَةِ الآخِرَة". نَعَم، هَذَا هُوَ التَّشخِيصُ الدَّقِيق. لَمَّا غَابَتِ الآخِرَةُ عَنِ النُّفُوسِ، كَبُرَت حُظُوظُ النَّفسِ. فَأَصبَحَ رَدُّ الشَّتِيمَةِ بِالقَتلِ شَجَاعَةً فِي نَظَرِ السُّفَهَاءِ، وَأَصبَحَ الثَّأرُ المَذمُومُ بُطُولَةً عِندَ الجُهَّالِ. عِبَادَ اللهِ، إِنَّ الجَرِيمَةَ إِذَا وَقَعَت، لا تَلتَهِمُ القَاتِلَ وَالمَقتُولَ فَحَسْب، بَل تَلتَهِمُ الأُسرَتَينِ مَعًا! زَوجَةُ المَقتُولِ تُصبِحُ أَرمَلَةً تَنوحُ، وَأَطفَالُهُ أَيْتَامًا قَد كُسِرَت ظُهُورُهُم. وَفِي المُقَابِلِ، عَائِلَةُ القَاتِلِ تُشَرَّدُ، وَيَلحَقُهَا العَارُ، وَتَعِيشُ فِي رُعبِ الثَّأرِ، وَيُصبِحُ القَاتِلُ إِمَّا طَرِيدًا تَتَبَعُهُ اللَّعَنَاتُ، أَو سَجِينًا يَنْتَظِرُ حَبلَ المِشنَقَةِ أَو سَيفَ القِصَاصِ. ضَيَّعَ دُنيَاهُ وَآخِرَتَهُ فِي ثَانِيَةٍ مِن شَهوَةِ الغَضَبِ الجَاهِلِيِّ. وَقَد كَانَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: "يَابْنَ آدَمَ، الغَضَبُ جَمْرَةٌ مِن نَارِ الشَّيطَانِ، فَإِذَا غَضِبتَ فَاكظِم، فَإِنَّكَ إِن لَم تَكظِم أَوقَدتَ نَارًا تَأكُلُ دِينَكَ وَدُنيَاك". أَيُّهَا الإِخوَةُ فِي اللهِ، إِنَّ الدِّمَاءَ دَينٌ يُستَوفَى يَومَ العَرضِ الأَكْبَرِ. فَاحذَرُوا أَن تَقِفُوا بَينَ يَدَيِ اللهِ وَفِي رِقَابِكُم قَطرَةُ دَمٍ حَرَام. احذَرُوا أَن تُمَكِّنُوا الشَّيطَانَ مِن قُلُوبِكُم عِندَ الغَضَبِ. لا خَيرَ فِي دُنيَا نُفسِدُ بِهَا آخِرَتَنَا. وأقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنَّه هو الغفورُ الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أمَّا بعدُ: عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثنَا فِي خُطبَتِنَا الأُولَى عَن حُرمَةِ الدِّمَاءِ فِي الإِسلامِ، وَوَقَفنَا مَعَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ لِقَاتِلِ النَّفسِ، وَتَدَبَّرنَا كَيفَ أَنَّ غِيَابَ الوَازِعِ الدِّينِيِّ هُوَ المُحَرِّكُ الأَسَاسِيُّ لِهَذِهِ الجَرَائِمِ، وَخَتَمنَا بِمَآسِي الأُسَرِ الَّتِي تَتَمَزَّقُ بِسَبَبِ لَحظَةِ طَيشٍ غَاظِب. وَالآن، كَيفَ نُوقِفُ هَذَا النَّزِيفَ؟ كَيفَ نَحْمِي أَنفُسَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا مِن هَذِهِ الآفَةِ المُدَمِّرَةِ؟ أُوصِيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أَن تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُم، فِيهَا العِلاجُ وَالحِمَايَةُ بِإِذْنِ الله: الأُولَى (قَلبِيَّة): رَبُّوا أَنفُسَكُم وَأَبنَاءَكُم عَلَى تَعظِيمِ اللهِ وَمُرَاقَبَتِهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ. إِذَا نَزَغَكَ الشَّيطَانُ فِي مَوقِفٍ غَاضِبٍ، ذَكِّر نَفسَكَ بِوُقُوفِكَ يَومَ القِيَامَةِ، وَالمَقتُولُ يَجُرُّكَ بِنَاصِيَتِكَ. لا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّكَ، فَكُلُّ مَا فِيهَا لا يَسوَى قَطرَةَ دَم. الثَّانِيَة (لِسَانِيَّة): إِذَا غَضِبتَ، أَحكِم قُفلَ شَفَتَيكَ وَاحفَظ لِسَانَكَ، وَاستَعِذ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيم. الصَّمتُ عِندَ الغَضَبِ قُوَّةٌ لَيسَ ضَعفًا. قال النبي ﷺ: «وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ». لا تَرُدَّ الشَّتِيمَةَ بِمِثلِهَا لِئَلَّا تَتَطَوَّرَ إِلَى عِرَاكٍ، فَمِنَ الكَلِمَةِ يَبْدَأُ الدَّمُ. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة فِعلِيَّة): سَارِعُوا دَائِمًا إِلَى الإِصلاحِ بَينَ النَّاسِ (إِصلَاحِ ذَاتِ البَينِ). لا تَقِفُوا مُتَفَرِّجِينَ أَمَامَ أَيِّ خِلافٍ بَينَ جَارَينِ أَو صَدِيقَينِ حَتَّى يَكبَرَ وَيَتَحَوَّلَ إِلَى جَرِيمَةٍ. تَدَخَّلُوا بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَة، فَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾. الإِصلَاحُ اليَومَ يَحْقِنُ دَمَ الغَد. الرَّابِعَة (اجتِمَاعِيَّة): رَاقِبُوا مَا يُشَاهِدُهُ أَبنَاؤُكُم، وَابنُوا فِي قُلُوبِهِمُ الرَّحمَة. أَبعِدُوهُم عَن مُشَاهَدَةِ مَا يُمَجِّدُ العُنفَ وَالوَحشِيَّةَ (البَلطَجَة) فِي الإِعلامِ وَالأَلعَاب. الإِنسَانُ ابنُ بِيئَتِهِ وَمَا يَتَلَقَّاهُ؛ مَن يَتَغَذَّى عَلَى صُوَرِ العُنفِ سَيَستَسهِلُ الدِّمَاءَ عِندَ أَوَّلِ اختِبَارٍ حَقِيقِيّ. الخَامِسَة (مَوضُوعِيَّة): انبِذُوا العَصَبِيَّةَ القَبَلِيَّةَ وَالِاصطِفَافَ الأَعمَى خَلفَ الأَقَارِبِ عَلَى البَاطِلِ. إِذَا أَخطَأَ ابنُكَ أَو قَرِيبُكَ، فَكُن أَوَّلَ مَن يُحَاسِبُهُ قَبْلَ أَن يَتَمَادَى، وَاترُكُوا أَمرَ الجَرَائِمِ لِشَرعِ اللهِ وَلِلقَانُونِ، وَإِيَّاكُم وَالثَّأرَ الأَعمَى الَّذِي يَحْصِدُ الأَبرِيَاءَ بِمَنطِقِ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. وَلْيَحذَر كُلُّ مَن تَتَسَوَّلُ لَهُ نَفسُهُ العَبَثَ بِأَروَاحِ النَّاسِ، أَنَّ الدَّمَ لا يَنَامُ، وَأَنَّ ظُلمَ العِبَادِ دَينٌ يُرَدُّ فِي الدُّنيَا بِالخَرَابِ وَفِي الآخِرَةِ بِالعَذَابِ. فَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا مُتَرَاحِمِينَ مُتَسَامِحِينَ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الحَاصِنَةُ الَّتِي تَحْمِلُكُم عَلَى حِفْظِ الحُرُمَاتِ وَتُبْعِدُكُم عَن مَسَالِكِ الهَلَكَات. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ، فَقَد قَالَ رَبُّكُم جَلَّ جَلالُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِمَّن يُعَظِّمُ حُرُمَاتِكَ، وَيَخَافُ مَقَامَكَ، وَيَحْفَظُ دِمَاءَ المُسلِمِينَ وَأَعرَاضَهُم وَأَموَالَهُم. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحِقدِ وَالحَسَدِ، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ. اللَّهُمَّ أَصلِح ذَاتَ بَينِنَا، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا، وَاهدِنَا سُبُلَ السَّلامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
اللَّهُمَّ قِنَا شَرَّ أَنفُسِنَا، وَشَرَّ نَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ، وَاحقِن دِمَاءَ المُسلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِمَّن إِذَا غَضِبَ كَظَم، وَإِذَا أُسِيءَ إِلَيهِ عَفَا وَرَحِم، وَارزُقنَا الحِلمَ وَالأَنَاةَ الَّتِي تُحِبُّهَا وَتَرضَاهَا يَا ذَا الجَلالِ وَالإِكرَام. عِبَادَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.