من مكتبة مِداد الخطيب

سَمَاحَةُ الإِسْلَامِ وَبَرَاءَتُهُ مِنَ الفِكْرِ التَّكْفِيرِيِّ وَقَتْلِ الأَبْرِيَاءِ: حُرْمَةُ دِمَاءِ المُعَاهَدِينَ وَكَيْفَ تَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ النَّصَارَى وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؟

مشاركة
سَمَاحَةُ الإِسْلَامِ وَبَرَاءَتُهُ مِنَ الفِكْرِ التَّكْفِيرِيِّ وَقَتْلِ الأَبْرِيَاءِ: حُرْمَةُ دِمَاءِ المُعَاهَدِينَ وَكَيْفَ تَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ النَّصَارَى وَأَهْلِ الذِّمَّةِ؟ الحَمدُ للهِ الحَكَمِ العَدلِ، الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، وَأَمَرَ بِالعَدلِ وَالإِحسَانِ وَالوَفَاءِ بِالعُهُودِ، وَحَرَّمَ الظُّلمَ وَالبَغيَ وَالغَدرَ وَسَفكَ الدِّمَاءِ المَعصُومَةِ وَتَعدِّيَ الحُدُودِ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ الصَّافِي النَّقِيِّ البَرِيءِ مِنَ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ وَتَوحِيدٍ تَعصِمُ الدِّمَاءَ وَتَحفَظُ الحُقُوقَ وَتَعمُرُ الأَرضَ بِالقِسطِ وَالصَّلَاحِ. وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، نَبِيُّ المَرحَمَةِ، وَإِمَامُ العَدلِ وَالمَكرُمَةِ، الَّذِي حَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن مَسَالِكِ الغُلَاةِ المَارِقِينَ، وَتَوَعَّدَ مَن قَتَلَ مُعَاهَدًا أَو ظَلَمَهُ بِأَن يَكُونَ هُوَ ﷺ خَصمَهُ وَحَجِيجَهُ يَومَ الدِّينِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ فَتَحُوا الدُّنيَا بِعَدلِهِم وَوَفَائِهِم وَرَحمَتِهِم قَبلَ سُيُوفِهِم، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، وَيَا عُمَّارَ بُيُوتِ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَاستَمسِكُوا بِهَديِ كِتَابِ رَبِّكُم وَسُنَّةِ نَبِيِّكُم ﷺ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَصدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَأَنَّ الغُلُوَّ فِي الدِّينِ مَهلَكَةٌ أَهلَكَت مَن كَانَ قَبلَنَا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 77]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ هَذَا الدِّينَ العَظِيمَ الَّذِي شَرَّفَنَا اللهُ بِالانتِسَابِ إِلَيهِ هُوَ دِينُ الرَّحمَةِ العَامَّةِ، وَالعَدلِ المُطلَقِ، وَالسَّمَاحَةِ الرَّبَّانِيَّةِ الَّتِي وَسِعَتِ الخَلقَ أَجمَعِينَ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصفِ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، فَلَم يَقُل سُبحَانَهُ: رَحمَةً لِلمُؤمِنِينَ فَحَسبُ، بَل جَعَلَ مَبعَثَهُ وَشَرِيعَتَهُ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ كُلِّهِم؛ فَمَن آمَنَ بِهِ نَالَ رَحمَةَ الهِدَايَةِ فِي الدُّنيَا وَالفَوزِ فِي الآخِرَةِ، وَمَن لَم يُؤمِن بِهِ وَدَخَلَ فِي عَهدِ المُسلِمِينَ وَذِمَّتِهِم وَأَمَانِهِم نَالَ رَحمَةَ العَدلِ وَالأَمنِ وَالبِرِّ وَحِفظِ النَّفسِ وَالمَالِ وَالعِرضِ! لَقَد عَظَّمَ الإِسلَامُ حُرمَةَ النَّفسِ البَشَرِيَّةِ المَعصُومَةِ تَعظِيمًا لَم تَعرِفهُ شَرِيعَةٌ وَلَا حَضَارَةٌ عَلَى وَجهِ الأَرضِ؛ فَجَعَلَ الاعتِدَاءَ عَلَى نَفسٍ وَاحِدَةٍ مَعصُومَةٍ بِلَا حَقٍّ جَرِيمَةً تُعَادِلُ فِي شَنَاعَتِهَا قَتلَ البَشَرِيَّةِ جَمعَاءَ! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». وَإِنَّ مِن أَعظَمِ البَلَايَا الَّتِي ابتُلِيَت بِهَا الأُمَّةُ الإِسلَامِيَّةُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، ظُهُورَ نَابِتَةِ «الفِكرِ التَّكفِيرِيِّ الخَارِجِيِّ»؛ ذَلِكَ الفِكرِ المَنحَرِفِ الَّذِي يَختَطِفُ نُصُوصَ الوَحيِ مِن سِيَاقِهَا، وَيُفَارِقُ فَهْمَ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الهُدَى، فَيُكَفِّرُ المُسلِمِينَ بِالكَبَائِرِ أَو بِالشُّبُهَاتِ، وَيَنقُضُ عُهُودَ الأَمَانِ وَالذِّمَّةِ، وَيَستَحِلُّ دِمَاءَ المَعصُومِينَ مِنَ المُسلِمِينَ وَغَيرِ المُسلِمِينَ، ثُمَّ يَزعُمُ -بِجهلٍ مُرَكَّبٍ وَضَلَالٍ مُبِينٍ- أَنَّ إِرَاقَةَ الدِّمَاءِ الحَرَامِ وَتَروِيعَ الآمِنِينَ جِهَادٌ وَتَقَرُّبٌ إِلَى اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ! وَحَاشَا دِينَ اللهِ الحَنِيفَ أَن يُمَثِّلَهُ هَذَا الفِكرُ التَّكفِيرِيُّ الدَّخِيلُ! بَل إِنَّ أَوَّلَ مَن تَبَرَّأَ مِن هَذَا الفِكرِ وَفَضَحَ أَهلَهُ وَحَذَّرَ الأُمَّةَ مِن شَرِّهِم هُوَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ -أَي صِغَارُ العُقُولِ ضِعَافُ البَصِيرَةِ-، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَصَفَ صَنِيعَهُمُ الإِجرَامِيَّ فَقَالَ: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ»! تَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- دِقَّةَ الوَصفِ النَّبَوِيِّ: «يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ»، فَهُم يَرفَعُونَ شِعَارَاتٍ بَرَّاقَةً مِن آيَاتِ القُرآنِ، وَلَكِنَّ إِيمَانَهُم وَفِقهَهُم لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُم إِلَى قُلُوبِهِم! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي وَصفِ الخَوَارِجِ التَّكفِيرِيِّينَ: «إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا إِلَى آيَاتٍ نَزَلَتْ فِي الْكُفَّارِ المُحَارِبِينَ فَجَعَلُوهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ!»، وَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَيضًا: «إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا: سَفْكَ الدَّمِ الْحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ!». إِخوَةَ الإِيمَانِ: وَمِن أَخطَرِ ضَلَالَاتِ هَذَا الفِكرِ التَّكفِيرِيِّ الخَارِجِيِّ: زَعمُهُم أَنَّ قَتلَ الأَبرِيَاءِ المَعصُومِينَ مِن غَيرِ المُسلِمِينَ -كَالنَّصَارَى وَغَيرِهِم مِنَ المُوَاطِنِينَ وَالمُعَاهَدِينَ وَأَهلِ الذِّمَّةِ وَالمُستَأْمَنِينَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ بَينَ المُسلِمِينَ بِعَهدٍ وَأَمَانٍ- قُربَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ! وَلَعَمرُ اللهِ إِنَّ هَذَا لَهُوَ البُهتَانُ العَظِيمُ عَلَى شَرِيعَةِ اللهِ، وَالخِيَانَةُ الكُبرَى لِذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ! فَإِنَّ العِصمَةَ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ كَمَا تَثبُتُ لِلمُسلِمِ بِإِسلَامِهِ، تَثبُتُ لِغَيرِ المُسلِمِ بِالعَهدِ وَالذِّمَّةِ وَالأَمَانِ؛ فَيَحرُمُ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرضُهُ تَحرِيمًا قَاطِعًا، وَيَكُونُ الاعتِدَاءُ عَلَيهِ أَو قَتلُهُ غَدرًا كَبِيرَةً مِن أَعظَمِ الكَبَائِرِ الَّتِي تَحجُبُ صَاحِبَهَا عَن شَمِّ رَائِحَةِ الجَنَّةِ! استَمِعُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- إِلَى هَذَا الوَعِيدِ النَّبَوِيِّ الرَّهِيبِ الَّذِي يَقطَعُ دَابِرَ كُلِّ شُبهَةٍ؛ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»! يَا اللهُ! كَيفَ يَكُونُ قَتلُ البَرِيءِ المَعصُومِ قُربَةً إِلَى اللهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يُخبِرُ أَنَّ فَاعِلَهُ لَا يَشَمُّ رَائِحَةَ الجَنَّةِ الَّتِي تُشَمُّ مِن مَسِيرَةِ أَربَعِينَ سَنَةً؟! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ -أَي فِي غَيرِ حَقٍّ يَستَوجِبُ ذَلِكَ- حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»! بَل إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَم يَقتَصِر عَلَى تَحرِيمِ قَتلِهِم فَحَسبُ، بَل حَرَّمَ ظُلمَهُم أَوِ انتِقَاصَ حُقُوقِهِم أَو أَخذَ دِرهَمٍ مِن أَموَالِهِم بِغَيرِ طِيبِ نَفسٍ، وَنَصَّبَ نَفسَهُ الشَّرِيفَةَ خَصمًا يَومَ القِيَامَةِ لِكُلِّ مَن ظَلَمَ ذِمِّيًّا أَو مُعَاهَدًا؛ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عِدَّةٍ مِن أَبنَاءِ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَن آبَائِهِم عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»! فَمَن هَذَا الَّذِي يُطِيقُ أَن يَقِفَ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ وَخَصمُهُ وَمُحَاجُّهُ هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟! بَل انظُرُوا إِلَى رَحمَةِ الإِسلَامِ وَعَدلِهِ حَتَّى فِي سَاحَاتِ القِتَالِ المَشرُوعِ ضِدَّ الجُيُوشِ المُحَارِبَةِ؛ لَقَد حَرَّمَ الإِسلَامُ قَتلَ مَن لَم يُشَارِك فِي القِتَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَطفَالِ وَالشُّيُوخِ وَالرُّهبَانِ وَالمَرضَى وَالزُّرَّاعِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «وُجِدَتِ امْرَأَةٌ مَقْتُولَةً فِي بَعْضِ مَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ»، وَكَانَ أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا بَعَثَ جُيُوشَهُ أَوصَاهُم قَائِلًا: «لَا تَخُونُوا، وَلَا تَغدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا، وَلَا تَقتُلُوا طِفلًا صَغِيرًا، وَلَا شَيخًا كَبِيرًا، وَلَا امرَأَةً، وَلَا تَعقِرُوا نَخلًا وَلَا تُحَرِّقُوهُ، وَلَا تَقطَعُوا شَجَرَةً مُثمِرَةً، وَسَتَمُرُّونَ بِأَقوَامٍ قَد فَرَّغُوا أَنفُسَهُم فِي الصَّوَامِعِ فَدَعُوهُم وَمَا فَرَّغُوا أَنفُسَهُم لَهُ»! فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكمَ الإِسلَامِ فِي أَرضِ المَعرَكَةِ، فَكَيفَ بِمَن يَعِيشُ فِي بِلَادِ المُسلِمِينَ آمِنًا مُعَاهَدًا مُسَالِمًا فِي بَيتِهِ أَو مَتجَرِهِ أَو طَرِيقِهِ؟! عِبَادَ اللهِ: اِقرَؤُوا سِيرَةَ نَبِيِّكُم مُحَمَّدٍ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، لِتَرَوا بِأَعيُنِكُم كَيفَ تَعَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ النَّصَارَى وَالمُعَاهَدِينَ وَأَهلِ الذِّمَّةِ؛ لِنَعلَمَ البَونَ الشَّاسِعَ بَينَ هَديِ النُّبُوَّةِ المَعصُومِ وَبَينَ جَهَالَاتِ الخَوَارِجِ وَالغُلَاةِ! انظُرُوا أَوَّلًا إِلَى مَوقِفِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ «وَفدِ نَصَارَى نَجرَانَ» حِينَ قَدِمُوا عَلَيهِ فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي سِتِّينَ رَاكِبًا؛ أَينَ أَنزَلَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَينَ استَقبَلَهُم؟ لَقَد استَقبَلَهُم فِي مَسجِدِهِ الشَّرِيفِ، وَحَاوَرَهُم بِالحُجَّةِ وَالبَيَانِ وَالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: 46]، فَلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ عَلَى عَهدٍ وَذِمَّةٍ، لَم يُكرِههُم النَّبِيُّ ﷺ، وَلَم يَغدِر بِهِم وَهُم فِي قَبضَتِهِ فِي قَلبِ المَدِينَةِ، بَل كَتَبَ لَهُم عَهدًا نَبَوِيًّا يَحفَظُ دِمَاءَهُم وَأَموَالَهُم وَبِيَعَهُم، جَاءَ فِيهِ: «وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ، عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَبِيَعِهِمْ... لَا يُغَيَّرُ أُسْقُفٌّ عَنْ أُسْقُفِّيَّتِهِ، وَلَا رَاهِبٌ عَنْ رَهْبَانِيَّتِهِ»، ثُمَّ أَرسَلَ مَعَهُم أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ لِيَقضِيَ بَينَهُم فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ المَالِ بِالقِسطِ وَالأَمَانَةِ! وَانظُرُوا ثَانِيًا إِلَى وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصحَابِهِ بِأَقبَاطِ مِصرَ قَبلَ أَن تُفتَحَ بِلَادُهُم بِسَنَوَاتٍ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا»! وَانظُرُوا كَيفَ اختَارَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصحَابِهِ المُستَضعَفِينَ فِي مَكَّةَ أَن يُهَاجِرُوا إِلَى الحَبَشَةِ، وَقَالَ عَن مَلِكِهَا النَّجَاشِيِّ قَبلَ إِسلَامِهِ: «إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا»؛ فَحَفِظَ الإِسلَامُ النَّقِيُّ قِيمَةَ العَدلِ وَالإنصَافِ وَلَو صَدَرَ مِن غَيرِ مُسلِمٍ! وَانظُرُوا ثَالِثًا إِلَى المَنهَجِ العَمَلِيِّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَصحَابِهِ فِي البِرِّ وَالقِسطِ وَالجِوَارِ وَالمُعَامَلَةِ؛ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُ المَرِيضَ مِن أَهلِ الكِتَابِ، وَيَقبَلُ هَدِيَّتَهُم، وَيَبِيعُ وَيَشتَرِي مِنهُم، حَتَّى قُبِضَ ﷺ وَدِرعُهُ مَرهُونَةٌ عِندَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِن شَعِيرٍ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، مَعَ قُدرَتِهِ ﷺ عَلَى أَن يَأخُذَ مَا شَاءَ، لِيُعَلِّمَ أُمَّتَهُ صِيَانَةَ حُقُوقِ غَيرِ المُسلِمِينَ! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مُجَاهِدٍ أَنَّ عَبدَ اللهِ بنَ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا ذُبِحَت لَهُ شَاةٌ فِي أَهلِهِ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: «أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»! وَانظُرُوا رَابِعًا إِلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ حِينَ دَخَلَ بَيتَ المَقدِسِ فَاتِحًا، فَأَعطَى أَهلَ إِيلِيَاءَ مِنَ النَّصَارَى عُهدَتَهُ العُمَرِيَّةَ المَشهُورَةَ، وَحَانَتِ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي كَنِيسَةِ القِيَامَةِ، فَأَبَى أَن يُصَلِّيَ دَاخِلَهَا لِئَلَّا يَأتِيَ جُهَّالٌ مِن بَعدِهِ فَيَنتَزِعُوهَا مِنَ النَّصَارَى وَيَقُولُوا: هُنَا صَلَّى عُمَرُ! ثُمَّ انظُرُوا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفسِهِ عَلَى فِرَاشِ الشَّهَادَةِ بَعدَ أَن طُعِنَ غَدرًا؛ مَاذَا كَانَت وَصِيَّتُهُ لِلخَلِيفَةِ مِن بَعدِهِ كَمَا رَوَاهَا البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ؟ قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ: أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلَّفُوا إِلَّا طَاقَتَهُمْ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ تَعلِيقًا مَجزُومًا بِهِ قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا ذِمِّيًّا قُتِلَ بِالْمَشْرِقِ وَرَضِيَ بِقَتْلِهِ رَجُلٌ بِالْمَغْرِبِ لَشَرِكَ فِي دَمِهِ»! وَلَمَّا أَغَارَ أَمِيرٌ عَلَى قَريَةٍ مِن أَهلِ العَهدِ فِي لُبنَانَ لِخُرُوجِ بَعضِ أَهلِهَا، فَأَجلَى جَمِيعَ أَهلِهَا، انبَرَى لَهُ إِمَامُ الشَّامِ الأَوزَاعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ بِخطَابٍ شَدِيدٍ قَالَ فِيهِ: «كَيفَ تُؤخَذُ عَامَّةٌ بِذَنبِ خَاصَّةٍ حَتَّى يُخرَجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم، وَحُكمُ اللهِ تَعَالَى أَلَّا تَزِرَ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى، وَهُوَ أَحَقُّ مَا وُقِفَ عِندَهُ وَاتُّبِعَ؟! وَأَحقُّ الوَصَايَا أَن تُحفَظَ وَصِيَّةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: أَلَا مَن ظَلَمَ مُعَاهَدًا فَأَنَا حَجِيجُهُ يَومَ القِيَامَةِ!». أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخطبة الثانية الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد تَبَيَّنَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ القَاطِعَةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَنَّ الإِسلَامَ دِينُ العَدلِ وَالبِرِّ وَالوَفَاءِ بِالعُهُودِ، وَأَنَّ الفِكرَ التَّكفِيرِيَّ الخَارِجِيَّ مَارِقٌ عَن هَديِ الإِسلَامِ، وَأَنَّ قَتلَ الأَبرِيَاءِ المَعصُومِينَ -وَلَو كَانُوا نَصَارَى أَو غَيرَ مُسلِمِينَ مِنَ المُعَاهَدِينَ وَالمُستَأْمَنِينَ- جَرِيمَةٌ مُوبِقَةٌ تُحرِّمُ عَلَى فَاعِلِهَا الجَنَّةَ وَتَجعَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَصمَهُ يَومَ القِيَامَةِ. إِنَّ مَنهَجَ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ هُوَ المَنهَجُ الوَسَطُ العَدلُ؛ فَنَحنُ نَعتَزُّ بِتَوحِيدِنَا وَعَقِيدَتِنَا وَنَشهَدُ أَنَّ الإِسلَامَ هُوَ دِينُ الحَقِّ الَّذِي لَا يَقبَلُ اللهُ سِوَاهُ، وَفِي الوَقتِ نَفسِهِ نَلتَزِمُ بِأَمرِ رَبِّنَا فِي العَدلِ وَالقِسطِ وَالإِحسَانِ وَحُرمَةِ الدِّمَاءِ وَالعُهُودِ، وَلَا نَظلِمُ أَحَدًا وَلَو خَالَفَنَا فِي الدِّينِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. وَإِنَّ أَعظَمَ مَن أَسَاءَ إِلَى دَعوَةِ الإِسلَامِ فِي عَصرِنَا، وَقَدَّمَ لِأَعدَاءِ الدِّينِ الذَّرَائِعَ لِتَشوِيهِ صُورَةِ الإِسلَامِ وَالتَّنفِيرِ مِنهُ، هُم دُعَاةُ الغُلُوِّ وَالتَّكفِيرِ وَسَفكِ الدِّمَاءِ الحَرَامِ! وَحَتَّى نَحمِيَ دِينَنَا وَمَسَاجِدَنَا وَشَبَابَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا مِن هَذَا الفِكرِ الدَّخِيلِ، فَإِنَّنَا نَتَوَاصَى بِخَمسِ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ: الأُولَى: تَمَسَّكُوا بِالمَنهَجِ النَّبَوِيِّ الوَسَطِيِّ القَائِمِ عَلَى العِلمِ الشَّرعِيِّ الصَّحِيحِ وَفَهمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِيَّاكُم وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ أَوِ التَّسَاهُلَ فِي أَمرِ التَّكفِيرِ وَالدِّمَاءِ؛ فَقَد قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَهْ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ. الثَّانِيَةُ: صُونُوا الدِّمَاءَ المَعصُومَةَ كُلَّهَا -دِمَاءَ المُسلِمِينَ وَدِمَاءَ المُعَاهَدِينَ وَالذِّمِّيِّينَ وَالمُستَأْمَنِينَ-، وَاحفَظُوا أَموَالَهُم وَأَعرَاضَهُم، وَاعلَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا». الثَّالِثَةُ: حَصِّنُوا أَبنَاءَكُم وَشَبَابَ المَسَاجِدِ مِن خَطَّافِي العُقُولِ فِي مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ وَالغُرَفِ المُغلَقَةِ الَّذِينَ يَستَغِلُّونَ حَمَاسَةَ الشَّبَابِ وَعَاطِفَتَهُم لِيَزُجُّوا بِهِم فِي مَسَالِكِ التَّكفِيرِ وَالعُنفِ، وَعَوِّدُوهُم أَن يَأخُذُوا دِينَهُم عَنِ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ المَعرُوفِينَ بِالسُّنَّةِ وَالحِكمَةِ وَالبَصِيرَةِ. الرَّابِعَةُ: كُونُوا فِي مُعَامَلَاتِكُم وَجِوَارِكُم وَبَيعِكُم وَشِرَائِكُم تَرجَمَةً حَيَّةً لِعَدلِ الإِسلَامِ وَبِرِّهِ وَسَمَاحَتِهِ وَوَفَائِهِ بِالعُهُودِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ حِينَ يَرَونَ فِي المُسلِمِ صِدقَ الحَدِيثِ، وَأَدَاءَ الأَمَانَةِ، وَإِنصَافَ المُخَالِفِ، وَكَرَمَ الجِوَارِ. الخَامِسَةُ: كُونُوا يَدًا وَاحِدَةً فِي حِفظِ أَمنِ بِلَادِكُم وَمُجتَمَعَاتِكُم وَاستِقرَارِهَا، وَاقطَعُوا الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مَن يُرِيدُ إِشعَالَ الفِتَنِ الطَّائِفِيَّةِ أَو تَروِيعَ الآمِنِينَ؛ فَإِنَّ بِالأَمنِ وَالعَدلِ تَقُومُ مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنيَا وَتُعمَرُ المَسَاجِدُ وَالدِّيَارُ. اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ، وَلَا تَجعَلهُ مُلتَبِسًا عَلَينَا فَنَضِلَّ، اللَّهُمَّ احفَظ عَلَينَا دِينَنَا وَعَقِيدَتَنَا وَأَمنَنَا وَإِيمَانَنَا، وَجَنِّبنَا وَشَبَابَنَا مَسَالِكَ الغُلُوِّ وَالتَّكفِيرِ وَالضَّلَالِ، اللَّهُمَّ اعصِم دِمَاءَنَا وَأَموَالَنَا وَأَعرَاضَنَا، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وَعَبَثِ العَابِثِينَ وَفِتَنِ الضَّالِّينَ المُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ اهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالأَعمَالِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، وَاغفِر لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ وَالمُسلِمَاتِ، الأَحيَاءِ مِنهُم وَالأَموَاتِ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيبُ الكريم، فالمِنبرُ أمانة، ووقتُ النَّاسِ وقلوبُهم وديعةٌ بينَ يديك؛ فإن شِئتَ ألقَيتَها كما هي، وإن رأيتَ أنَّ مقامَ النَّاسِ يَقتضي اختصارًا أو تقديمًا وتأخيرًا فافعَل، وإن كنتَ تُريدُها على وَجهٍ آخَرَ منَ البَسطِ أوِ الإيجازِ، أو على نَظمٍ غيرِ هذا النَّظم، فاذكُر لي ما تُريدُ على وَجهِ التَّحديد، فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.