من مكتبة مِداد الخطيب

مَزَالِقُ الأَسْمَاءِ.. حِينَ يَصِيرُ الدِّينُ عَصَبِيَّةً جَاهِلِيَّة!

مشاركة
🕌 مَزَالِقُ الأَسْمَاءِ.. حِينَ يَصِيرُ الدِّينُ عَصَبِيَّةً جَاهِلِيَّة! #خطبة_جمعة #التعصب #وحدة_الأمة #أخلاق_الاختلاف #الولاء_والبراء #الفرقة #آفات_اللسان الحمدُ للهِ الذي ألَّفَ بينَ قلوبِ المؤمنينَ فأصبَحوا بنعمتِهِ إخوانًا، والحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإسلامَ سَفينةَ نجاةٍ تَسَعُ الأمَّةَ كلَّها، وحَذَّرَنا من التَّفَرُّقِ والتَّشَرذُمِ الذي يُذهِبُ الرِّيحَ ويُمَزِّقُ البُنيان. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، سَمَّانا المُسلمين، وارتَضى لنا الدِّين، وأشهدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقين، ومُعَلِّمُ النَّاسِ أَدَبَ الخِلافِ وسَعَةَ الصَّدر، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِم إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، هل يُمكِنُ لأعظَمِ الأسماءِ الشَّرعيَّةِ وأشرفِها، أن تَقودَ صاحبَها إلى النَّار؟ وهل يُمكِنُ لشابٍّ يَظُنُّ أنَّهُ يُدافِعُ عنِ السُّنَّةِ والدِّين، أن يكونَ في الحقيقةِ يُحيي عاداتِ أبي جَهلٍ وأبي لَهَب؟ اليومَ سأَضَعُ أيديَكُم على مَرَضٍ خَفيٍّ يَتَسَلَّلُ إلى قُلوبِ كثيرٍ مِنَ الصَّالحين، مَرَضٍ جَعَلَ الأمَّةَ الواحدةَ طَوائفَ مُتَناحِرة، يَضرِبُ بَعضُها رِقابَ بَعضٍ بالسِّنَةٍ حِداد. فانتَبِهوا لِما سَيُقال، لَعَلَّ اللهَ أن يُطَهِّرَ قُلوبَنا من جَاهِليَّةٍ نَظُنُّها دِينًا. أيها الإخوةُ الأحبَّة، تَأمَّلوا معي واقِعَنا اليوم. تَدخُلُ إلى مَجالِسِ النَّاس، أو تَتَصَفَّحُ مَواقِعَ التَّواصُل، فَتَرى عَجَبًا. تَرى شَابًّا قَد أطلَقَ لِحيَتَهُ، وحَفِظَ شَيئًا مِن نُصوصِ الشَّرع، يَشتِمُ شَابًّا آخَرَ يُصَلِّي مَعَهُ في نَفسِ المَسجِد. تَرى طَالِبَ عِلمٍ يُسقِطُ عَالِمًا جَليلًا، ويُحَذِّرُ مِنه، ويَجعَلُهُ في عِدادِ الهالكين. لماذا؟ لأنَّ الأوَّلَ يَقول: "أنا سَلَفي"، والثَّاني يَقول: "أنا حَنَفي"، أو "أنا أشعَري"، أو "أنا أثَري". أسماءٌ عَظيمة! الانتماءُ لِمَنهَجِ السَّلَفِ الصَّالحِ شَرَفٌ ونجاة، والتَّفَقُّهُ على مَذهَبِ الإمامِ الأعظَمِ أبي حَنيفةَ النُّعمانِ، أو غيرِهِ مِن أئمَّةِ الهُدى رَحِمَهُم الله، طريقٌ للعِلمِ والفَهم. لكن، أينَ الخَلَل؟ الخَلَلُ حِينَ تَتَحَوَّلُ هذه الألقابُ العِلميَّةُ والمَناهِجُ الفِقهيَّةُ إلى "أصنامٍ" تُعبَدُ مِن دونِ الله! حينَ تَتَحَوَّلُ إلى راياتِ عَصَبيَّةٍ، يُوالَى عَلَيها ويُعادَى عَلَيها، فَيُحِبُّ المَرءُ مَن يُوافِقُهُ في اللَّقَبِ ولو كانَ ظالمًا، ويَكرَهُ مَن يُخالِفُهُ في اللَّقَبِ ولو كانَ وَلِيًّا للهِ تَقِيًّا! هذه — يا عبادَ الله — هي الجاهِليَّةُ المَحضَة، وإن لَبِسَت ثِيابَ الإسلام. واسمَعوا لِهذا المَشهَدِ التَّاريخيِّ الذي يَقسِمُ الظَّهر، لِتَعرِفوا خُطورةَ هذا المَرَض. في غَزوَةِ بَني المُصطَلِق، كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرينَ رَجُلًا مِنَ الأنصار (أي ضَرَبَهُ مِن خَلفِه). فغَضِبَ الأنصاريُّ، ونادى بأعلى صَوتِه: "يَا لَلْأَنصَارِ!" (يَستَنجِدُ بقَبيلَتِه). فَغَضِبَ المُهاجِريُّ ونادى: "يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!". وكادَتِ السُّيوفُ أن تَخرُجَ مِن أغمادِها بَينَ الصَّحابَة. تَوَقَّفوا هنا لَحظَة. بِماذا استَنجَدوا؟ هل استَنجَدوا بأسماءٍ شِركيَّة؟ لا! "المُهاجِرونَ" و"الأنصارُ" هي أطهَرُ أسماءٍ بَعدَ اسمِ الإسلام. هي أسماءٌ سَمَّاهُمُ اللهُ بِها في القُرآن: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]. مُسَمَّياتٌ قُرآنيَّةٌ، شَرعيَّةٌ، عَميقةُ الدَّلالة. لكن، ماذا قالَ النَّبيُّ ﷺ حينَ سَمِعَ هذا النِّداء؟ خَرَجَ غَضبانَ يَتَلَوَّنُ وَجهُهُ الشَّريف، وقالَ صيحَتَهُ المُدَوِّيَة: «أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ!». يا سُبحانَ الله! يَصِفُ التَّعَصُّبَ لاسمِ "المُهاجِرين" واسمِ "الأنصار" بأنَّهُ دَعوى جاهِليَّة، وبأنَّهُ مُنتِن! لماذا؟ لأنَّ الانتماءَ إذا خَرَجَ عَن نِطاقِ التَّعريفِ والتَّعاوُن، وأصبَحَ أداةً للتَّحَزُّبِ، ونُصرَةِ الظَّالمِ لأنَّهُ مِن حِزبي، ومُعاداةِ المُحِقِّ لأنَّهُ مِن غيرِ حِزبي — فَقَد رَجَعنا إلى دِينِ الجاهِليَّةِ "انصُر أخاكَ ظالمًا أو مَظلومًا" بمَفهومِها الأعمى. فكيفَ بِمَن يَتَعَصَّبُ اليومَ لأسماءَ دُونَ ذلكَ بكثير؟! كيفَ بِمَن يَجعَلُ النَّجاةَ مَحصورةً فيمَن يَحمِلُ لَقَبَ "السَّلَفي"، أو يَجعَلُ العِلمَ مَحصورًا فيمَن يَحمِلُ لَقَبَ "الحَنَفي" أو "الأشعَري"، ثُمَّ يَستَبيحُ عِرضَ أخيهِ المُسلِم، ويُسقِطُ عَدالَتَه، ويُشَوِّهُ سُمعَتَه، فَقَط لأنَّهُ لا يَحمِلُ نَفسَ الشِّعار؟! يقولُ شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله — وهوَ مَن هو في ذَبِّهِ عن عَقيدةِ السَّلَف —
مُحَذِّرًا مِن هذا المَنزَلَقِ الدَّقيق: "وليسَ لِأحَدٍ أن يَنصِبَ للأمَّةِ شَخصًا يَدعو إلى طَريقَتِه، ويُوالي ويُعادي عَلَيها غيرَ النَّبيِّ ﷺ، ولا يَنصِبَ لَهُم كَلامًا يُوالي عَلَيهِ ويُعادي غيرَ كَلامِ اللهِ ورَسولِه. بَل هذا مِن فِعلِ أهلِ البِدَعِ الذينَ يَنصِبونَ لَهُم شَخصًا أو كَلامًا يُفَرِّقونَ بِهِ بَينَ الأمَّة". كَلِماتٌ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب! إيَّاكَ أن تَجعَلَ حُبَّكَ وبُغضَكَ مَربوطًا بشِعارٍ أو لَقَبٍ بَشَري. واللهِ يا إخوَة، لَقَد رَأَينا مَن يَدَّعي السَّلَفيَّةَ، وهو أبعَدُ النَّاسِ عن أخلاقِ السَّلَفِ وأدَبِهِم وحِلمِهِم وابتِعادِهِم عن أعراضِ النَّاس. رَأَينا مَن يَدَّعي حُبَّ السُّنَّةِ، وسُنَّتُهُ الفِعليَّةُ هي الجِفوةُ، والقَسوةُ، وتَصنيفُ العِبادِ، والامتِحانُ بالأسماء. ورَأَينا مَن يَتَعَصَّبُ للمَذاهِبِ الفِقهيَّة، فَيَرفُضُ سُنَّةَ النَّبيِّ ﷺ الصَّحيحةَ الصَّريحةَ لأنَّها خالَفَت قَولَ إمامِه! وهل أرادَ الإمامُ أبو حَنيفةَ، أو مالِك، أو الشَّافِعي، أو أحمَد، هل أرادوا مِنَ النَّاسِ أن يَعبُدوا أقوالَهُم مِن دونِ نُصوصِ الوَحي؟! يقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ الله مُشَخِّصًا داءَ التَّعَصُّب: "مَن تَعَصَّبَ لِمَقالَةٍ لا نَصَّ مَعَها، فَقَد بَرِئَ مِن عَهْدِ اللهِ ورَسولِه". تَأمَّلوا في حَالِ أئمَّتِنا الحَقيقيِّين، لِتَعلَموا الفَرقَ بَينَ أصحابِ المَناهِجِ الرَّبَّانيَّة، وبَينَ المُتَعَصِّبينَ الجَهَلَة. يومَ اختَلَفَ الإمامُ الشَّافِعيُّ مَعَ تِلميذِهِ يُونُسَ بنِ عَبدِ الأعلى في مَسألَةٍ عِلميَّة، فغَضِبَ يُونُسُ وقامَ مِنَ المَجلِسِ وذَهَبَ إلى بَيتِه. فماذا فَعَلَ الشَّافِعي؟ هل أصدَرَ بَيانًا يُحَذِّرُ فيهِ مِن يُونُس؟ هل قالَ لِطُلَّابِهِ: "لقَد بانَ مَنهَجُهُ فاحذَرُوه"؟ كَلَّا! بل جاءَهُ الشَّافِعيُّ ليلًا، وذَهَبَ إلى بَيتِه، وطَرَقَ بابَه. فَلَمَّا فَتَحَ يُونُسُ تَعَجَّب! فَقالَ لَهُ الشَّافِعيُّ الكَلِمَةَ الَّتي يَنبَغي أن تُحفَظَ في صُدورِنا: "يا أبا موسى، ألَا يَستَقيمُ أن نَكونَ إخوانًا، وإن لَم نَتَّفِق في مَسألَة؟". هذه هي السَّلَفيَّةُ الحَقيقيَّة! هذا هو التَّفَقُّهُ الصَّحيح! سَعَةُ صَدرٍ، ورَحمَةٌ بالمُخالِف، وحِفظٌ للأُخُوَّةِ الإيمانيَّة، وبُعدٌ عن تَحويلِ مَسائلِ الاجتِهادِ إلى سُيوفٍ نُمَزِّقُ بِها جَسَدَ الأمَّة. عبادَ الله، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا: لِماذا أُصيبَتِ الأمَّةُ بِهذا الضَّعفِ والهَوان، وتَكالَبَت عَلَيها الأُمَم؟ سَبَبُهُ الأكبَرُ حَذَّرَ مِنهُ القُرآنُ صَراحَةً. يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105]. ويَقولُ في آيَةٍ تَرجُفُ لَها القُلوبُ الحَيَّة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: 159]. يا ويحَ مَن بَرِئَ مِنهُ رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ القيامَةِ لأنَّهُ كانَ سَبَبًا في تَفريقِ الأمَّةِ وتمزيقِ شَملِها تَحتَ شِعاراتٍ بَرَّاقة! إنَّ الشَّيطانَ إذا يِئسَ أن تَسجُدَ لَهُ في المَسجِد، فإنَّهُ يَأتيكَ مِن بابٍ آخَر. اسمَعوا لهذا الحَديثِ المَهيب؛ يَقولُ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (رواه مسلم). والتَّحريشُ هو الإيقاعُ بَينَ الإخوَة، وزَرعُ سُوءِ الظَّنِّ، وبِناءُ حَواجِزِ الوَهمِ المُسَمَّاةِ بِألقابٍ مَا أنزَلَ اللهُ بِها مِن سُلطان، لِيَكرَهَ المُسلِمُ أخاهُ أكثرَ ممَّا يَكرَهُ عَدُوَّ الله! ... تَأمَّلوا مَعي هذا الحالَ المُبكِي. تَجِدُ الشَّابَّ المِسكينَ يَقرَأُ في كُتُبِ السَّلَفِ أنَّهُم هَجَروا المُبتَدِعَة، فَيُنَزِّلُ هذا الهَجرَ على أيِّ أخٍ لَهُ في اللهِ خالَفَهُ في رَأيٍ فِقهيٍّ، أو رُؤيَةٍ دَعويَّة! يَهجُرُهُ، ولا يُسَلِّمُ عَلَيه، وَيَطوِي قَلبَهُ على غِلٍّ وحِقدٍ، ثُمَّ يَقِفُ في صَلاةِ اللَّيلِ يَبكي وَيَدعو! أيُّ إيمانٍ هذا الذي يَبكي في مِحرابِه، ويَشتِمُ إخوانَهُ في مَجلِسِه؟ أيُّ عِلمٍ هذا الذي يورِثُ الكِبرَ وقَسوَةَ القَلب؟ قالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ رَحِمَهُ الله: "نَحنُ إلى قَليلٍ مِنَ الأدَب، أحوَجُ مِنَّا إلى كَثيرٍ مِنَ العِلم". أيها الإخوَةُ، لَقَد أعطانا اللهُ اسمًا واحِدًا جامِعًا، اسمًا يُذيبُ كُلَّ الفَوارِق، ويُمَزِّقُ كُلَّ العَصَبيَّات، ويَجمَعُ الأبيَضَ والأسوَد، والعَرَبيَّ والعَجَمي، والحَنَفيَّ والشَّافِعي، اسمًا تَفتَخِرُ بِهِ أمامَ اللهِ يومَ القيامَة. يقولُ اللهُ تبارَكَ وتَعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ
اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]. ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾! هذا هو الشِّعارُ الأعظَم. كُلُّ شِعارٍ سِواهُ يَجِبُ أن يَكونَ خادِمًا لَهُ لا بَديلًا عَنه، وَتابِعًا لَهُ لا قاضِيًا عَلَيه. فإن رَأَيتَ لَقَبَكَ يَدفعُكَ لاحتِقارِ المُسلِمين، فاعلَم أنَّكَ في بَراثِنِ الجاهِليَّة، وإن كُنتَ تَلبَسُ ثِيابَ العُلَماء. نَسألُ اللهَ أن يُطَهِّرَ قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ للمُؤمِنين، وأن يَجعَلَنا مِنَ الذِّينَ يَستَمِعونَ القَولَ فَيَتَّبِعونَ أحسَنَه. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، جَعَلَ المُؤمِنينَ إخوَةً، وحَرَّمَ الظُّلمَ والبَغيَ والعُدوان، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن خُطورَةِ التَّعَصُّبِ لِلأسماءِ والمَناهِج، وكيفَ أنَّ الشِّعاراتِ الشَّرعيَّةِ كالسَّلَفيَّةِ أوِ الحَنَفيَّة، إذا استُخدِمَت للوَلاءِ والبَراءِ والتَّفريقِ بَينَ المُسلِمينَ، انقَلَبَت إلى دَعوى جاهِليَّةٍ حَذَّرَ مِنها النَّبيُّ ﷺ. ووَقَفنا مَعَ أخلاقِ الأئمَّةِ السَّابِقينَ الذينَ كانوا أرحَمَ النَّاسِ بالنَّاس. والآن، كَيفَ نُعالِجُ هذا الدَّاءَ في أنفُسِنا وفي واقِعِنا؟ أوصيكم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن كِبرِ الانتماء. لا تَظُنَّ أنَّ انتِماءَكَ لِمَذهَبٍ أو طَريقَةٍ دَعويَّةٍ يَجعَلُكَ مِنَ النَّاجينَ حَتمًا، وأنَّ غيرَكَ مِنَ الهالكين. الجَنَّةُ لا تُدخَلُ بالشِّعاراتِ، بَل بالقَلبِ السَّليم. الثانية (لِسانيَّة): احفَظ لِسانَكَ وتَغريداتِكَ مِن وتَصنيفِ المُسلِمينَ وتَبديعِهِم بِمُجَرَّدِ الخِلافِ في وِجهاتِ النَّظَر. كَلِمَةٌ واحِدَةٌ تَكتُبُها في مَواقِعِ التَّواصُلِ تَطعَنُ بِها في عِرضِ أخيكَ أو داعِيَةٍ أو عالِم، قَد تَهوي بِكَ في جَهَنَّمَ سَبعينَ خَريفًا. الثالثة (عَمَليَّة): كُن مُنصِفًا طالِبًا لِلحَق. إذا اختَلَفتَ مَعَ شَخصٍ، فاقرَأ قَولَهُ هوَ قَبلَ أن تَقرَأَ ما يُقالُ عَنه. وإذا وَجَدتَ الحَقَّ مَعَهُ فاقبَلهُ وإن كانَ مِن غيرِ "طَريقَتِك"، فالحِكمَةُ ضالَّةُ المُؤمِن. الرابعة (اجتماعيَّة): ابتَسِم في وَجهِ المُخالِفِ لَكَ في المَسائِلِ الفَرعِيَّة، صَلِّ بِجانِبِه، سَلِّم عَلَيه، وادعُ لَهُ بالخَير. أَرِهِ أنَّ أُخُوَّةَ لا إلهَ إلَّا اللهِ أوسَعُ وأعظَمُ مِن أيِّ خِلافٍ فِقهيٍّ أو اجتِهادي. الخامسة (موضوعيَّة): تَمسَّكُوا بِشِعارِكُمُ الأعظَمِ: ﴿الْمُسْلِمِينَ﴾. كُونوا شَامَةً في النَّاسِ بِحُسنِ الخُلُق، كَما كانَ سَلَفُكُمُ الصَّالِح. فالمُسلِمُ الحَقيقيُّ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِهِ وَيَدِه. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّكُم مَوقوفونَ بَينَ يَدَي رَبِّكُم، فَلا تَحمِلوا مَعَكُم ظُلماتِ البَغيِ والعَصَبيَّة. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَلَيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمَعين. اللَّهمَّ يا مُقَلِّبَ القُلوبِ، طَهِّر قُلوبَنا مِنَ الغِلِّ والحِقدِ والحَسَدِ لإخوانِنا المُؤمِنين. اللَّهمَّ ألِّف بَينَ قُلوبِ المُسلِمين، واجمَع كَلِمَتَهُم على الحَقِّ والهَدى، وادْفَع عَنَّا وعَنهُمُ شَرَّ الفِتَنِ وتَفَرُّقِ الأهواء. اللَّهمَّ أرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه. اللَّهمَّ اجعَلنا إخوَةً مُتَحابِّينَ في جَلالِك، مُجتَمِعينَ على كَلامِك، وأَظِلَّنا بِظِلِّكَ يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّك. اللَّهمَّ احفَظ إخوانَنا المُستَضعَفينَ والمَظلومينَ في كُلِّ مَكان، وكُن لَهُم عَونًا ونَصيرًا يا رَبَّ العالَمين. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب
الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.