من مكتبة مِداد الخطيب

جَسَدٌ واحِدٌ في مَواجَهَةِ النِّيران.. دُروسٌ وعِبَرٌ من هَبَّةِ التَّضامُن

مشاركة
🕌 جَسَدٌ واحِدٌ في مَواجَهَةِ النِّيران.. دُروسٌ وعِبَرٌ من هَبَّةِ التَّضامُن #خطبة_جمعة #التضامن #الأخوة_في_الله #حرائق_الجزائر #الابتلاء #الجسد_الواحد #أخلاق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ المُؤمنينَ إخوةً مُتَحابِّين، وألَّفَ بينَ قُلوبِهم فأصبَحوا بنِعمَتِهِ مُتآلِفين، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَبتَلي عِبادَهُ بالضَّرَّاءِ لِيَكشِفَ مَعادِنَهم، ويَبتَليهم بالسَّرَّاءِ لِيَختَبِرَ شُكرَهم، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، إمامُ المُتَراحِمين، وقُدوَةُ المُتَكافِلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعدُ: تَخيَّلوا مَعي مَشهدًا تَدْمَعُ له العُيون وتَنفَطِرُ لهُ القُلوب... نِيرانٌ مُستَعِرةٌ تَلتَهِمُ الأخضَرَ واليابِس، دُخانٌ أسوَدُ يَحجُبُ عِينَ الشَّمس، وأُسَرٌ تَفِرُّ من بِيوتِها لا تَحمِلُ سِوى أرواحِها، وصَرَخاتٌ تَشُقُّ عِنانَ السَّماء. وفي وَسَطِ هذا الظَّلامِ المُخيف، واليَأسِ الخانِق، يَبرُقُ نُورٌ عَجيب... مَلايينُ الأيادي تَمتَدُّ من كُلِّ فَجٍّ، قَوافِلُ تَشُقُّ الطُّرقاتِ لَيلًا ونَهارًا، لا تَحمِلُ طَعامًا ودَواءً فَحسْب، بَل تَحمِلُ أرواحًا مُستَعِدَّةً للفِداء. ما السِّرُّ الذي جَعَلَ هذا الشَّعبَ يَنتَفِضُ كَرَجُلٍ واحِد؟ وما الذي دَفَعَ الفَقيرَ قَبلَ الغَنِيِّ لِيُقاسِمَ أخاهُ رَغيفَهُ وغِطاءَه؟ الجَوابُ — يا عِبادَ الله — أعمَقُ من مُجَرَّدِ عَاطِفةٍ بَشَريَّة؛ إنَّهُ سِرٌّ رَبَّانيٌّ عظيمٌ سَنَقِفُ على حَقائِقِهِ في خُطبَتِنا اليَوم. أيُّها المُسلِمون، عِندَما تَحتَرِقُ الأرض، وتَتَحَوَّلُ الغاباتُ الجَميلةُ إلى رَمادٍ مُتَفَحِّم، تَحتَرِقُ مَعها قُلوبُنا حُزنًا وألَمًا. لَكِنَّ اللهَ — جَلَّ جَلالُهُ — بَلَطيفِ حِكمَتِهِ وعَظيمِ تَدبيرِهِ، يُخرِجُ الحَيَّ من المَيِّت، ويُخرِجُ المِنحَةَ من رَحِمِ المِحنَة. لَقَد رَأَينا في الأيَّامِ القَليلةِ الماضِيَةِ آيَةً من آياتِ اللهِ تَتَجَلَّى بَينَنا، لَيسَت آيَةً في السَّماء، بَل آيَةً في الأرض، في قُلوبِ هَذا الشَّعبِ المُسلِم. رَأينا تَرجَمَةً حَيَّةً تَمشي على قَدَمَين لِقَولِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. تَأمَّلوا هَذِهِ الآيَةَ جَيِّدًا.. لَم يَقُلِ اللهُ: المُؤمِنونَ أصدِقاء، ولَم يَقُل: المُؤمِنونَ جِيران، بَل قال: ﴿إِخْوَةٌ﴾. والأُخُوَّةُ هُنا لَيسَت أُخُوَّةَ دَمٍ ونَسَب؛ فَرُبَّما تَنقَطِعُ أُخُوَّةُ النَّسَبِ بِخِلافٍ عَلى مِيراثٍ أو حُطامِ دُنيا، لَكِنَّ أُخُوَّةَ الإيمانِ عُروَةٌ وُثقى رَبَطَها اللهُ بِيَدِهِ في السَّماء، فَلا تَقطَعُها مَسافاتٌ، ولا تُفَرِّقُها وِلاياتٌ أو جِهات. جاءَت كَلِمَةُ «إِنَّمَا» أداةَ حَصرٍ في اللُّغَة، لِتُؤَكِّدَ أنَّهُ لا إيمانَ حَقيقيٌّ مُكتَمِلٌ بِلا هَذِهِ الأُخُوَّة، فَالرَّابِطَةُ الَّتي تَجمَعُ ابنَ الشَّرقِ بِابنِ الغَرب، وابنَ الشِّمالِ بِابنِ الجَنوب، والصَّحراءِ بالسَّاحِل، هِيَ أقوى مِن كُلِّ رَوابِطِ الدُّنيا؛ إنَّها رابِطَةُ «لا إلهَ إلَّا الله». واسمَعوا هَذا الحَديثَ العَظيم، الَّذي لَطالَما حَفِظناهُ صِغارًا، لَكِنَّنا اليَومَ شَهِدناهُ واقِعًا يُبصَرُ بالعُيون. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). تَوَقَّفوا هُنا لَحْظَةً... دَعونا نُفَكِّك هَذِهِ الكَلِماتِ النَّبَويَّةَ المُعجِزَة. النَّبيُّ ﷺ قَسَّمَ مَشاعِرَ المُؤمِنينَ إلى ثَلاثِ دَرَجات: «تَوادِّهِم»، وهُوَ المَحَبَّةُ القَلبيَّة. «تَراحُمِهِم»، وهُوَ الرَّحمَةُ الَّتي تَدفَعُ لِلمُساعَدَة. «تَعاطُفِهِم»، وهُوَ الشُّعورُ العَميقُ بِمُعاناةِ الآخَر. ثُمَّ ضَرَبَ المَثَلَ بِالجَسَدِ الواحِد. عِندَما تُصابُ قَدَمُكَ بِجُرحٍ صَغير، هَل تَنامُ عَينُك؟ هَل تَرتَاحُ يَدُك؟ لا والله، بَل يَرتَفِعُ نَبضُ قَلبِك، وتُصابُ بِالحُمَّى، وتَطيرُ مِن عَينِكَ نَشوةُ النَّوم، لِماذا؟ لِأنَّهُ عُضوٌ مِنكَ. وهَذا بِالضَّبطِ ما حَدَثَ في هَذِهِ الحَرائِقِ المُفجِعَة. حِينَمَا اشتَكَى عُضوٌ في وَطَنِنا — حِينَمَا ارتَفَعَت ألسِنَةُ اللَّهَبِ وتَعالَت صَرَخاتُ المُستَغيثين — ماذا حَدَث؟ هَل باتَ النَّاسُ في باقي المُدُنِ آمِنينَ مُطمَئِنِّين؟ لا وَالله.. لَقَد «تَداعَى» لَهُ سائِرُ الجَسَد. لَقَد سَهِرَ الشَّبابُ يَجمَعونَ الإعانات، وبَكَتِ الأُمَّهاتُ الدُّموعَ الحارَّةَ أمامَ الشَّاشات، وتَحَرَّكَتِ الشَّاحِناتُ الكَبيرةُ والصَّغيرةُ كَأنَّها شَرايينُ تَضُخُّ الدَّمَ إلى العُضوِ المُصاب. هَذا هُوَ الإسْلامُ يَمشِي بَينَنا، هَذا هُوَ إعجازُ كَلامِ النَّبيِّ ﷺ يَتَجَسَّدُ بَعدَ
أربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا! ولَعَلَّكُم تَسأَلون: لِماذا يَبتَلينا اللهُ بِمِثلِ هَذِهِ الكَوارِث؟ لِماذا الخَوفُ والنَّارُ وفَقدُ الأرواحِ والمُمتَلَكات؟ أيُّها الإخوَة، الإجابَةُ عِندَ خَالِقِ السَّماواتِ والأرضِ القائِل: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-156]. الابتِلاءُ سُنَّةٌ رَبَّانيَّةٌ ماضِيَة. لَكِنَّ مِن أعظَمِ حِكَمِ الابتِلاءاتِ الجَماعِيَّةِ أنَّها تُوقِظُ الفِطرَةَ النَّائِمَة، وتُذيبُ الخِلافاتِ التَّافِهَة، وتَكشِفُ عَن مَعادِنِ الرِّجال. يَقُولُ شَيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: «والمَصائِبُ الَّتي تُحَرِّكُ القُلوبَ إلَى اللهِ وتَكسِرُ كِبرَ النُّفوس، خَيرٌ مِنَ النِّعَمِ الَّتي تُنسي العَبدَ رَبَّهُ وتُورِثُهُ البَطَرَ والطُّغيان». لَقَد جَاءَت هَذِهِ النِّيرانُ لِتَلتَهِمَ الغَابات، لَكِنَّها في الوَقتِ نَفسِهِ أحرَقَت مَعها العُصبيَّاتِ المَقيتَة، وأحرَقَتِ الأنانيَّةَ البارِدَة، وَوَحَّدَت صُفوفًا كادَتِ الدُّنيا أن تُفَرِّقَها. يا عِبادَ الله، دَعوني أَنقُلُكُم لَحْظَةً إلى صُوَرٍ حَيَّةٍ سَطَّرَها الشَّعبُ في هَذِهِ الهَبَّة، صُوَرٍ تُذَكِّرُنا بِأخلاقِ الصَّحابَةِ رِضوانُ اللهِ عَلَيهِم. لَقَد رَأَينا العَجوزَ الشَّمطاءَ الَّتي لا تَملِكُ مِن حُطامِ الدُّنيا شَيئًا، تَأتِي بِغِطائِهَا الوَحيدِ ومُؤنَتِها اليَسيرَةِ وتَدفَعُها لِلقَوافِل وهِيَ تَبكي وتَقول: "هَذا جُهدي لإخوَتي". ورَأَينا الشَّبابَ الَّذينَ تَرَكوا أعمَالَهُم وعائِلاتِهِم، وسافَروا مِئاتِ الكيلومِترات، لِيَقتَحِموا النِّيرانَ بِمَعَدَّاتِهِمُ البَسيطَةِ وصُدورِهِمُ العارِيَة، يُخاطِرونَ بِحَياتِهِم لِيُخرِجوا شَيخًا مُحاصَرًا أو طِفلًا يَختَنِق، وكَثيرٌ مِنهُم لا يَعرِفُ هَؤُلاءِ الَّذينَ يُنقِذُهُم! ألَا يُذَكِّرُكُم هَذا المَشهَدُ العَظيمُ بِقَولِ اللهِ تَعالى عَن صَفوةِ خَلقِهِ بَعدَ الأنبِياء، عَنِ الأنصارِ الَّذينَ استَقبَلوا إخوَتَهُمُ المُهاجِرين؟ قالَ عَزَّ مِن قائِل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]. «خَصاصَةٌ» يَعني الفَقرَ والحاجَةَ الشَّديدَة. أن تُعطِيَ وأنتَ غَنِيٌّ فَهَذا جَميل، لَكِن أن تُعطِيَ رَغيفَكَ الوَحيد، وتُخرِجَ مالَكَ الَّذي ادَّخَرتَهُ لِعِلاجِك أو زَواجِك أو بَقاءِ عِيالِك، لِتُغيثَ أخًا لا تَعرِفُ اسمَه — هَذا هُوَ الإيثارُ الَّذي يَهزُّ أبوابَ السَّماء! واسمَعوا كَيفَ مَدَحَ النَّبيُّ ﷺ قَومًا منَ اليَمَنِ اسمُهُمُ الأشعَريُّون، كانُوا يَفعَلونَ بِالضَّبطِ مَا فَعَلَهُ هَذا الشَّعبُ الأبِيّ. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الْغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). اللهُ أكبَر! «هُم مِنِّي وأنا مِنهُم»! أيُّ وِسامِ شَرَفٍ هَذا؟ وأيُّ فَخرٍ يَعتَمرُ في الصُّدور؟ حِينَمَا تَجمَعُ الأمَّةُ مُصابَها، وتَقتَسِمُ رَغيفَها ودَواءَها وخِيامَها بِالسَّوِيَّة، فَإنَّها تَرتَقِي لِتَنالَ هَذا الوَصفَ النَّبَويَّ الشَّريف. إنَّ القَوافِلَ الَّتي سارَت مُحَمَّلَةً بِالخَيرِ لا تَحمِلُ الطَّعامَ فَحسْب، بَل تَحمِلُ الشَّفَاعَةَ والمَغفِرَة، وتَحمِلُ رِسالَةً لِلعَالَمِ أجمَع: هَذِهِ أمَّةٌ لا تَموت. ولَكِن... هَل سَأَلنا أنفُسَنا يَومًا: ما الَّذي يَجعَلُ العَطاءَ في هَذِهِ اللَّحَظاتِ لَذيذًا رُغمَ المَرَارَة؟ وكَيفَ يَتَحَوَّلُ الألَمُ إلَى أمَل؟ يُجيبُنا الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ إجابَةً تَلمِسُ شِغافَ القُلوب، يَقُولُ في بَيانِ أثَرِ العَطاء: «إنَّ لِلصَّدَقَةِ والإِحسانِ تأثِيرًا عَجيبًا في دَفعِ البَلاء، وانشِراحِ الصَّدرِ، وطُمَأنِينَةِ القَلب، حَتَّى إنَّ العَبدَ لَيَجِدُ مِن لَذَّةِ العَطاءِ ما يُنسيهِ لَذَّةَ الأخذ، وهَذا سِرٌّ لا يَعرِفُهُ إلَّا مَن ذاقَه». نَعَم يا كِرام، هَذِهِ هِيَ اللَّذَّةُ الَّتي رَأيناها في وُجوهِ المُتَطَوِّعينَ والمُتَبَرِّعين، رُغمَ التَّعَبِ والإرهاقِ وقِلَّةِ النَّوم، كانَت وُجوهُهُم تُشرِقُ بِنُورِ العَطاءِ الَّذي تَنَزَّلَ مِنَ السَّماء. وقَد قالَ رَبُّنا جَلَّ وعَلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وهَل هُناكَ بِرٌّ أعظَمُ مِن إغاثَةِ المَلهوف،
وإيواءِ الشَّريد، ومُواساةِ المَكلوم؟ هَل هُناكَ تَقوى أعظَمُ مِن أن تَبكِيَ لِبُكاءِ أخيك، وتَسعَى في قَضاءِ حَاجَتِه؟ قالَ رَسولُ الهُدى ﷺ: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»، وقالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رَواهُ مُسلِم). كُلُّ قَارورَةِ ماءٍ سَقَيتَ بِها عَطشانًا، وكُلُّ كِسوةٍ دَفَّأتَ بِها بَردانًا، وكُلُّ كَلِمَةٍ مُواسِيَةٍ مَسَحتَ بِها دَمعَةَ يَتيمٍ أو ثَكلى، هِيَ رَصيدٌ لَكَ عِندَ مَلِكِ المُلوك، تُدَّخَرُ لَكَ لِيَومٍ تَشخَصُ فيهِ الأبصار، وتَبلُغُ القُلوبُ الحَناجِر. ألَا فَاعلَموا يا عِبادَ الله — وهُنا مَربِطُ الفَرَس — أنَّ هَذِهِ النِّيرانَ الَّتي رَأيناها تأكُلُ الجِبالَ والأشجار، والمَنازِلَ والأرواح، وتَجعَلُ الرِّجالَ الأشِدَّاءَ يَقِفونَ أمامَها عاجِزينَ يَبكونَ حَسرَةً، هِيَ رِسالَةٌ وتَذكير. تَذكيرٌ بِماذا؟ تَذكيرٌ بِنَارٍ أُخرَى أشَدَّ حَرًّا، وأعظَمَ هَولًا، وأدْوَمَ بَقاءً! قالَ النَّبيُّ ﷺ: «نَارُكُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ، جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيه). يا الله! جُزءٌ واحِدٌ مِن سَبعينَ جُزءًا يَصنَعُ كُلَّ هَذا الدَّمار، ويَبُثُّ كُلَّ هَذا الرُّعب، ويَجعَلُ النَّاسَ يَفِرُّونَ حُفاةً عَراةً لا يَنظُرونَ خَلفَهُم! فَكَيفَ بِنارِ جَهَنَّمَ أعاذَنا اللهُ وإيَّاكُم مِنها؟ السُّؤالُ الَّذي يَجِبُ أن نَطرَحَهُ اليَومَ بِكُلِّ صِدق: إذا كُنَّا قَد هَبَبنا جَميعًا، وتَكاتَفنا وتَعاوَنَّا، وأنفَقنا الأموالَ والأرواحَ لِنُطفِئَ نارَ الدُّنيا الَّتي تُصيبُ أجسادَ إخوَتِنا... ألَيسَ مِنَ الأَولَى والأوجَبِ أن نَتَكاتَفَ ونَتَعاوَنَ ونَتَناصَحَ لِنُنقِذَ أنفُسَنا وإخوَتَنا مِن نارِ الآخِرَة؟ إذا رَأيتَ أخاكَ يَقتَرِبُ مِن نارِ الدُّنيا، فَإنَّكَ تَصرُخُ بِهِ وتَجذِبُهُ بِقُوَّةٍ لِتُنجِيَه، حَتَّى وإن غَضِبَ مِنك. فَكَيفَ تَرى أخاكَ يَقتَرِبُ مِن نارِ جَهَنَّمَ بِتَركِ الصَّلاةِ، أو بِأكلِ الحَرام، أو بِالظُّلمِ، أو بِقَطيعَةِ الرَّحِم، ثُمَّ تَسكُتُ عَنهُ وتَترُكُهُ يَحتَرِق؟ يَقُولُ اللهُ تَعالى صَراحَةً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. الأُخُوَّةُ الحَقيقيَّةُ لَيسَت فَقَط في تَقاسُمِ رَغيفِ الخُبزِ عِندَ الجوع، بَل في التَّناصُحِ والأمرِ بِالمَعروفِ والنَّهيِ عَنِ المُنكَر، لِنَنجُوَ جَميعًا يَومَ العَرضِ الأكبَر. أيُّها المُسلِمون، لَقَد أثبَتَ هَذا الشَّعبُ أنَّهُ حَيٌّ، وأنَّ نَبضَ الإيمانِ فيهِ يَدُقُّ بِقُوَّة. ﴿فَأَمَّا مَن يُعْطِي وَيَتَّقِي ۝ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ ۝ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ﴾ [الليل: 5-7]. لَقَد أعطَيتُم، واتَّقَيتُم، وصَدَّقتُم رِسالَةَ الأُخُوَّةِ بِالعَمَل، فَنَسألُ اللهَ أن يُيَسِّرَ هَذِهِ الأُمَّةَ لِليُسرى، وأن يُخَمِّدَ نِيرانَ المِحنَةِ بِبَردِ اليَقين، وأن يَتقَبَّلَ شُهَداءَنا الَّذينَ قَضَوا في هَذِهِ الحَرائِقِ في عِلِّيِّين. أقولُ قَولي هَذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هُوَ الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عَليهِ وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسليمًا كَثيرًا. أمَّا بَعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن مِحنَةِ النِّيران الَّتي أصابَت جُزءًا غاليًا مِن جَسَدِنا، وكَيفَ تَحَوَّلَت هَذِهِ اللَّحَظاتُ المُؤلِمَةُ إلَى لَوحَةٍ عَظيمَةٍ مِنَ التَّضامُنِ والأُخُوَّة، ووُقوفِ الشَّعبِ صَفًّا واحِدًا كَالبُنيانِ المَرصوص. وَقَفنا مَعَ البَذلِ العَجيب، والأرواحِ المُتَآلِفَة، والدُّروسِ العَميقَةِ الَّتي صَفَعَت كُلَّ مُرْجِفٍ يُريدُ تَفريقَنا. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأكثَرِ حَسمًا: كَيفَ نُتَرجِمُ حَماسَةَ هَذِهِ الهَبَّةِ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ في أيَّامِنا كُلِّها، لا في لَحَظاتِ الكَوارِثِ فَحَسْب؟ وأُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولَى (قَلبِيَّة): طَهِّر نيَّتَكَ في كُلِّ عَطاءٍ تُقَدِّمُه — سَواءً في هَذِهِ الأزمَةِ أو
في حَياتِكَ العامَّة. حينَ أخرَجتَ مالَكَ لإغاثَةِ إخوَتِك، اجعَلها للهِ خالِصَة، لا تَنتَظِر شُكرًا مِن بَشَر، ولا تَصويرًا في عَدَسَة. قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾. التَّضامُنُ عِبادَةٌ، والعبادَةُ لا تُقبَلُ إلَّا بِالإخلاص. الثَّانِيَة (لِسانِيَّة): اِحفَظ لِسانَكَ اليَومَ عَن نَشرِ الشَّائِعاتِ، أو بَثِّ الرُّعبِ واليَأسِ بَينَ النَّاس. في أوقاتِ الكَوارِث، يَكثُرُ الإرجاف. استَخدِم لِسانَكَ وسائِلَ تَواصُلِكَ في بَثِّ الأمَل، ونَقلِ صُوَرِ التَّعاوُن، والدُّعاءِ لِلمُصابين، والاحتِساب. النَّبيُّ ﷺ كانَ يُعجِبُهُ الفَألُ اليَسير، فَكُن مِفتاحًا لِلخَيرِ مِغلاقًا لِلشَّر. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة): استَمِرَّ في الصَّدَقَةِ والبَذلِ حَتَّى بَعدَ أن تَنطَفِئَ النِّيران. الحَريقُ قَد يَتَوَقَّف، لَكِنَّ إعادَةَ البِناءِ وبَلْسَمَةَ الجِراحِ تَأخُذُ أشهُرًا وسَنَوات. لا تَكُن مِمَّن يَتحَمَّسُ يَومَينِ ثُمَّ يَنسى. صَدَقَةٌ قَليلَةٌ دَائِمَةٌ تَحفَظُكَ مِن مَيتَةِ السُّوء، قالَ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». اِجعَل مِن رَاتِبِكَ اليَومَ أو مَداخيلِكَ جُزءًا لِدَعمِ المَنكوبينَ دائِمًا. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): أصلِح ما فَسَدَ في مُحيطِكَ القَريب. أيُّها الأخُ الكَريم، مِنَ التَّناقُضِ المُؤلِم أن تُرسِلَ مُساعَداتِكَ إلَى وِلايَةٍ تَبعُدُ عَنكَ ألفَ كيلومِتْر طَلَبًا لِلأجر، وأنتَ مُقاطِعٌ لأخيكَ مِن أمِّكَ وأبيك، أو جارِكَ الجَنب! التَّضامُنُ الأوَّل يَبنَغي أن يَبدَأَ مِن رَحِمِك. اذهَبِ اليَومَ قَبلَ أن تَنام، واتَّصِل بِمَن بَينَكَ وبَينَهُ قَطيعَةٌ، فالمَوتُ قَريب، والمُصيبَةُ لا تَستَأذِن. قالَ اللهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾. الخَامِسَة (مَوضوعِيَّة): جَهِّز نَفسَكَ لِلآخِرَة. كُلَّما رَأيتَ نارًا تَشتَعِلُ في الأَشجارِ، تَذَكَّر جَهَنَّمَ، وتَذَكَّر أنَّ النَّجاةَ مِنها لا تَكونُ إلَّا بِصَحيِفَةٍ بَيضاء، وقَلبٍ سَليم، وعَمَلٍ صالِح. لا تَغتَرَّ بِقُوَّتِك، فَأمامَ ابتِلاءِ اللهِ نَحنُ أضعَفُ مِمَّا نَتَصَوَّر. قِ نَفسَكَ وأهلَكَ النَّارَ بِالمُحافَظَةِ عَلَى الصَّلاةِ واجتِنابِ الحَرام. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هِيَ حِصنُكُمُ الحَصين، والمَلاذُ الآمِنُ عِندَ نُزولِ البَلاء، وبِها تُستَدْفَعُ النِّقَم وتُستَجْلَبُ النِّعَم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَليهِ في مُحكَمِ التَّنزيل، فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبَارِك عَلَى عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعَلَى آلِهِ وصَحبِهِ أجْمَعين. اللَّهُمَّ يا رَحمنُ يا رَحيم، يا واسِعَ المَغفِرَةِ وكَريمَ الصَّفح، اجعَلنا مِمَّن إذا أُعطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلِيَ صَبَر، وإذا أذنَبَ استَغفَر. اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ بِأسمائِكَ الحُسنى وصِفاتِكَ العُلى، أن تُخمِدَ نِيرانَ المِحنَةِ في بِلادِنا، وأن تُنزِلَ بَردَ السَّكينَةِ والعافِيَةِ عَلى القُلوبِ والأبدان. اللَّهُمَّ ارحَم إخوَةً لَنا قَضَوا في هَذِهِ الحَرائِق، اللَّهُمَّ تَقَبَّلهُم عِندَكَ في عِدادِ الشُّهَداء، واغسِلهُم بِالماءِ والثَّلجِ والبَرَد، ونَقِّهِم مِنَ الذُّنوبِ كَما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَس. اللَّهُمَّ اجبُر كَسرَ المُصابين، وعَوِّض المَنكوبينَ في أموالِهِم ومَنازِلِهِم خَيرًا مِمَّا فَقَدوا، واربُط عَلَى قُلوبِ الثَّكالى والأرامِل. اللَّهُمَّ بارِك في كُلِّ يَدٍ امتَدَّت بِالخَير، وفي كُلِّ قَلبٍ نَبَضَ بِالعَطاء، وفي كُلِّ جُهدٍ بُذِلَ لإطفاءِ هَذا الخَطب. اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلوبِنا، واجمَع كَلِمَتَنا عَلى الحَقِّ، ولا تَجعَل لِلشَّيطانِ ولا لِدُعاةِ الفِتنَةِ بَينَنا مَكانًا. اللَّهُمَّ احفَظ بِلادَنا وسائِرَ بِلادِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ سُوءٍ ومَكروه. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربَى، ويَنهَى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغيِ، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أکبَرُ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها،
وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.