🕌 عالمُ النَّحل والنَّمل... أُمَمٌ تَنطِقُ بالتَّسبيح
#خطبة_جمعة #التفكر_في_الخلق #النحل_والنمل #عظمة_الله #تدبر #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي بَرَأَ النَّسَمات، وخَلَقَ الكائنات، وأودَعَ في أصغرِ مَخلوقاتِهِ أعظَمَ الآيات. الحمدُ لله الذي ألهَمَ النَّحلَ أن يَتَّخِذَ من الجبالِ بُيوتًا، وألْهَمَ النَّملَ حِكمَةً تَعجِزُ عنها العُقول، وجَعَلَ الكَونَ كُلَّهُ مِحرابًا يَنطِقُ بتَسبيحِه ومَجدِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً نَرجو بها النَّجاةَ يومَ العَرضِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَفَكِّرين، وسيِّدُ الشَّاكرين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخَيَّلوا مَعي مَملَكةً ضَخمةً تَحتَ أقدامِكم، ومَملَكةً أُخرى تَطيرُ فَوقَ رُؤوسِكم. مَلايينُ الجُنود، والمُهَندِسين، والعُمَّال... يَعملونَ ليلَ نَهار، بنظامٍ لا يَختَلّ، وقانونٍ لا يُكتَب، وطاعةٍ لا تُعصى. لا مَحاكِمَ تَفصِلُ بَينهم، ولا شُرطةَ تُراقِبُهم، ومع ذلك لا يَظلِمُ أحَدُهم أحَدًا! اليومَ، سَنَقِفُ أمامَ مَخلوقَينِ صَغيرَين، سَمَّى اللهُ بِاسمَيهما سُورتَينِ في القُرآن الكَريم. فما هي الأسرارُ التي خَبَّأها اللهُ في النَّملةِ والنَّحلة، لِتَكونَ رِسالةً لنا في فوضى حَياتِنا؟ بَعدَ قَليلٍ تَنكَشِفُ الآية.
أيُّها المؤمنون، نَحنُ نَمشي على هذه الأرضِ، وتَأخُذُنا زَحمَةُ الدُّنيا وغُيومُ التَّفاصيل، فَنَظُنُّ — بِغُرورِنا البَشَريِّ — أنَّنا وَحدَنا في هذا الكَونِ مَن نَملِكُ النِّظام، وأنَّنا وَحدَنا مَن نَفهَمُ التَّخطيط. لكنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ يَصعَقُ هذا الغُرورَ بِحَقيقةٍ قُرآنيَّةٍ مُذهِلة. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
أُمَمٌ أمثالُكم!
تأمَّلوا هذه الكَلِمة جيِّدًا. لَيست مُجرَّدَ كائناتٍ تَتَحَرَّكُ عَبَثًا، بَل هي "أُمَمٌ" لها قَوانينُها، ولُغَتُها، ونِظامُها، وتَسبيحُها. وقد بَيَّن الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية قائلًا: "أي: طوائفُ مجتمعةٌ مِثلُكم، خَلَقَها اللهُ ورَزَقَها وأعدَلَ بينها".
دَعونا نَقتَرِبُ اليومَ مِن طائفتَينِ مِن هذه الأُمَم: النَّمل والنَّحل. كائناتٌ في حَجمِ قَطرةِ ماء، لكنَّها تَحمِلُ في صُدورِها دروسًا تَحتاجُ البَشَريَّةُ إلى جامعاتٍ لِتَتَعَلَّمَها.
أمَّا النَّمل، فقَد سَطَّرَ اللهُ لَنا مَوقِفًا تاريخيًّا لنَملةٍ صَغيرة، أنقَذَت أُمَّةً كاملة. يقول تبارك وتعالى مُصَوِّرًا ذلك المشهدَ المهيبَ في مَوكِبِ نَبيِّهِ سُليمان عليه السلام: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].
واسمَعوا لِهذا المَوقِف، فَفيه كَنزٌ يَحِلُّ كَثيرًا مِن أُمورنا. هذه النَّملةُ رَأَتِ الخَطَرَ قادمًا (جيشَ سُليمان العَظيم). ماذا فَعَلَت؟ هل هَرَبَت وَحدَها لِتَنجو بِنَفسِها؟ هل قالَت: "أنا مُجرَّدُ حَشرةٍ صَغيرة، وما عَساني أن أفعَل"؟ كَلَّا! بَل تَحَمَّلَتِ المَسؤوليَّة، وصَرَخَت مُنذِرَةً أُمَّتَها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾. والأعجَبُ مِن ذلِك كلِّه، أنَّها التَمَسَتِ العُذرَ لِسُليمانَ وجُنودِهِ فَقالت: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، أي أنَّهم إن داسُوكم فَبِغَيرِ قَصد.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله وهو يَتأمَّلُ أحوالَ النَّمل: "فانظُر إلى هذه الحَشرةِ الضَّعيفة، كيفَ جَمَعَت في هذه الكَلِماتِ بَينَ النِّداءِ والتَّنبيه، والأمرِ والتَّحذير، والاعتذارِ لِسُليمان وجُنوده!".
هل سَألتَ نَفسَكَ يَومًا أيُّها المُسلِم: كَم مَرَّةً رَأيتَ الخَطَرَ يَقتَرِبُ مِن بَيتِك، مِن أبنائِك، مِن مُجتَمَعِك — خَطَرَ الشَّاشات، خَطَرَ الإلحاد، خَطَرَ التَّبَرُّج، خَطَرَ الرِّبا — ثُمَّ لَزِمتَ الصَّمتَ ولَم تَكُن بِشَجاعَةِ هذه النَّملة؟! كَم مَرَّةً رَأينا أخًا لنا يُخطِئُ فَسارَعنا إلى تَخوينِهِ وتَكفيرِهِ والنَّيلِ مِن عِرضِه، ولَم نَلتَمِس لَهُ العُذرَ كَما التَمَسَت النَّملةُ العُذرَ لِمَن سَيَدهَسُها؟!
ولِعَظَمَةِ هذا المَخلوقِ، حَرَّمَ الإِسلامُ قَتلَه. وفي الحَديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ مُسلم، أنَّ النَّبيَّ ﷺ حَدَّثَ أصحابَهُ بِقِصَّةِ نَبيٍّ مِنَ الأنبياءِ نَزَلَ تَحتَ شَجَرة، فَلَدَغَتهُ نَملة، فأمَرَ بِجِهازِهِ فَأُخرِجَ مِن تَحتِها، ثُمَّ أمَرَ بِقَريتِها فَأُحرِقَت بِالنَّار! فَأوحى اللهُ إليه: "مِن أجْلِ أن لَدَغَتكَ نَملةٌ أحرَقتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّح؟!".
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! يُعاتِبُ اللهُ نَبيًّا مِن أنبيائه، لأنَّهُ أحرَقَ قَريةَ نَمل. لِماذا؟ لأنَّها أُمَّةٌ تُسَبِّح!
...
فَانتبِه.
إن كُنتَ تَستَخِفُّ بِحياةِ نَملةٍ تُسَبِّحُ الله، فَكَيفَ بِمَن يَستَخِفُّ بِدِماءِ المُسلمينَ وأعراضِهِم وحُقوقِهِم؟! كَيفَ بِمَن يَظلِمُ الأجير، ويَأكُلُ مِيراثَ الأخَوات، ويَنهَشُ لُحومَ النَّاسِ بِالغِيبَة؟!
ودَعونا نَنتَقِلُ الآن، مِنَ المَملَكةِ التي تَسعى في الأرضِ وتَجمَعُ قُوتَها حَبَّةً حَبَّة بِيَقينٍ ومُثابَرة، إلى المَملَكةِ التي تَطيرُ في السَّماء: أُمَّةِ النَّحل.
يقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 68-69].
تَأمَّلوا! اللهُ جَلَّ جَلالُهُ يُوحي إلى حَشَرة! والوَحيُ هُنا وَحيُ إلهامٍ وتَسخير. أمَرَها اللهُ أن تَتَّخِذَ بُيوتًا هَندَسيَّةً مُعجِزة، ثُمَّ أمَرَها أن تَأكُلَ مِن كُلِّ الثَّمَرات، ثُمَّ جَعَلَ ثَمَرَةَ هذا العَمَلِ: شَرابًا مُختَلِفًا ألوانُه فيه شِفاءٌ للنَّاس.
ولَيسَ عَجيبًا أن يَربِطَ النَّبيُّ ﷺ بَينَ النَّحلةِ وبَينَ المُؤمِن. فَقَد رَوى الإمامُ أحمد بإسنادٍ صَحيح، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَمَثَلِ النَّحْلَةِ؛ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَوَضَعَتْ طَيِّبًا، وَوَقَعَتْ فَلَمْ تَكْسِرْ وَلَمْ تُفْسِدْ».
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، فواللهِ إنَّ فيهِ مِيزانًا تُوزَنُ بِهِ رِجالُ الأُمَّة!
المُؤمِنُ كالنَّحلة... هل سَألتُم أنفُسَكم لِماذا لَم يَقُل كالأَسَد أو كالنِّسر؟
لأنَّ النَّحلةَ لا تَأكُلُ إلَّا طَيِّبًا (رَحيقَ الأزهار)، ولا تَهبِطُ عَلى الجِيَفِ والأقذارِ كَما يَفعَلُ الذُّباب. وكَذلِكَ المُؤمِن؛ لا يُدخِلُ جَوفَهُ إلَّا حَلالًا طَيِّبًا، ولا تَسمَعُ أُذُناهُ إلَّا خَيرًا، ولا تَرى عَيناهُ إلَّا طُهرًا.
ولأنَّ النَّحلةَ لا تُخرِجُ إلَّا طَيِّبًا (العَسَل). وكَذلِكَ المُؤمِن؛ لا يَخرُجُ مِن فَمِهِ إلَّا الكَلِمَةُ الطَّيِّبة، ولا يَصدُرُ عَن يَدِهِ إلَّا العَمَلُ النَّافع.
ولأنَّ النَّحلةَ إذا وقَفَت عَلى غُصنٍ "لَم تَكسِر ولَم تُفسِد". رَقيقةٌ، خَفيفةُ الظِّل، لا تُؤذي مَن حَولَها. وكَذلِكَ المُؤمِن، حَيثُما وَقَعَ نَفَع، لا يُؤذي جارًا، ولا يَكسِرُ قَلبًا، ولا يُفسِدُ مُجتَمَعًا.
قارِنوا — يا رعاكم الله — بَينَ النَّحلةِ وبَينَ حالِ كَثيرٍ مِنَّا اليَوم!
أصبَحَ بَعضُ النَّاسِ كَالذُّباب؛ لا يَقَعُ إلَّا عَلى الجُرح، ولا يَنشُرُ إلَّا النَّتَن. يَدخُلُ وَسائلَ التَّواصُل، فَيَقرَأُ الخَبيث، ويَكتُبُ الخَبيث، ويَنشُرُ الفَضائِح، ويَنهَشُ الأعراض. أمَّا المُؤمِنُ النَّحلة، فَهوَ يُفَلتِرُ ما يَقرَأ، ويَنتَقي ما يَسمَع، ولا يُخرِجُ لِلنَّاسِ إلَّا شَهدًا فيه شِفاءٌ لِقُلوبِهم. قال بعضُ السَّلَف: "كُن كَالنَّحلةِ، إن صاحَبتَها نَفَعَتك، وإن شاوَرتَها نَفَعَتك، وإن جالَستَها نَفَعَتك، وكُلُّ شَأنِها مَنفَعة".
أيُّها المؤمنون، إنَّ هذا الكَونَ الذي نَعيشُ فيهِ لَيسَ أصَمَّ أبكَم، بَل هو نابِضٌ بِالحَياةِ والتَّسبيح. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: 44].
كُلُّ شَيء! النَّملةُ في جُحرِها تُسَبِّح. والنَّحلةُ في خَليَّتِها تُسَبِّح. والطَّيرُ في السَّماءِ يُسَبِّح. وفي الحَديثِ الذي رَواهُ التِّرمذي، يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ». الدُّنيا كُلُّها تَلهَجُ بِذِكرِ الله!
وما أَعجَبَ المُفارَقَة!
الجَماداتُ والحَشَراتُ والحيواناتُ تُطِيعُ اللهَ بِلا عِصيان، وتُسَبِّحُ بِلا فُتور، وتُؤَدِّي وَظِيفَتَها بِلا كَسَل. بَينَما الإنسان — الذي خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِه، ونَفَخَ فيهِ مِن رُوحِه، وأسجَدَ لَهُ مَلائكَتَه، ورَزَقَهُ العَقلَ والاختيار — يَتَكَبَّرُ عَنِ السُّجود، ويَغفَلُ عَنِ التَّسبيح، ويَعصي رَبَّهُ جِهارًا نَهارًا!
يقول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ...﴾. انظُروا لِهذا الإجماعِ الكَونيِّ في السُّجود. ثُمَّ ماذا؟ ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: 18]. لم يَقُل كُلُّ النَّاس! بَل مِنَ النَّاسِ مَن شَذَّ عَن هذا المَوكِبِ المُسَبِّح.
ألا نَستَحي يا عِبادَ الله، أن تَكونَ النَّملةُ الصَّغيرةُ التي نَدوسُها بِأقدامِنا، أطوَعَ للهِ مِنَّا؟ ألا نَستَحي أن تَكونَ النَّحلةُ أَنفَعَ لِخَلقِ اللهِ مِنَّا؟
لقد أدرك سلفنا الصالح هذا السر العظيم. يُذكر عن بعض الأئمة أنه كان يجلس متأملاً، فرأى نملةً تحاول صعود جدار أملس وهي تحمل حبة قمح أثقل منها. فتسقط، ثم تعود فتحملها، فتسقط، ثم تعود.. فعدّ لها أكثر من ثمانين محاولة، حتى نجحت في النهاية وصعدت بها! فبكى وقال: "يا نفس، أليست هذه النملة أصدق منك في طلب رزقها، فكيف بك في طلب جنتك؟!".
فليت شعري، كم منا يسقط في ذنب فييأس من رحمة الله من أول مرة؟ وكم منا يفشل في دعوة أو طاعة فيستسلم من أول عقبة؟ النملة لم تيأس، لأن الله فطرها على العمل. وأنت، قد فُطرت على التوحيد، فكيف تيأس وربك الله؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً كثيراً طَيِّباً مُبارَكاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أمَّا بعدُ:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن تلك الأمم الصامتة التي تشاركنا هذه الأرض، ووقفنا مع النملة في تحملها للمسؤولية وإعذارها للآخرين، وتدبرنا حال النحلة في طهارتها ونفعها، ورأينا كيف أن هذا الكون ينطق بالتسبيح بينما يغفل كثير من البشر. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم هذا إلى واقع في حياتنا؟
أوصيكم بخَمسٍ قبل أن أنزل من منبري:
الأولى (قَلبيَّة): افتحوا أعينكم على خلق الله. اليوم وأنتم عائدون إلى بيوتكم، تأملوا في طائر يطير، أو نملة تمشي، أو شجرة تهتز. استحضروا نية التفكر، فإن التفكر في خلق الله من أعظم ما يذيب قسوة القلب ويعيد للإنسان حجمه الحقيقي.
الثانية (لِسانيَّة): لا تدعوا الحشرات والجمادات تسبقكم إلى الله. اجعلوا في ألسنتكم اليوم نصيباً من التسبيح. قولوا "سبحان الله وبحمده" مئة مرة، لعلكم تلتحقون بركب هذا الكون المسبّح، ولا تكونوا النشاز الوحيد في هذه السيمفونية الكونية.
الثانية (عَمَليَّة): كونوا كالنحلة في إنتاجيتكم. قرروا اليوم أن تتركوا أثراً طيباً (شهداً) في حياة من حولكم. صدقة سر، كلمة طيبة لزوجتك، جبر خاطر لزميل في العمل. لا يمر يومك إلا وقد وضعت طيباً كما تضعه النحلة.
الرابعة (اجتماعيَّة): تحملوا المسؤولية كالنملة. اجلسوا الليلة مع أسركم، وحذروهم مما يهدد دينهم وأخلاقهم برفق وحب. لا تكونوا ممن يرى وادي النمل يغرق بسيل الشهوات والشاشات ثم يصمت وينجو بنفسه فقط.
الخامسة (موضوعيَّة): فلتروا مصادركم ومخرجاتكم. عاهدوا الله من اليوم ألا تقع أعينكم ولا أسماعكم إلا على طيّب، وألا تنشروا بأيديكم وعلى صفحاتكم إلا الطيّب. تجنبوا مستنقعات الخلاف والسب والغيبة، وقفوا فقط على أزهار الحق والخير.
فاتقوا الله عباد الله، فإن تقوى الله هي التي تحملكم على الاعتبار بآياته، والانتفاع بمواعظه في خلقه.
ثم صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة عليه، عملاً بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعلنا ممن يتفكرون في خلق السماوات والأرض، القائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
اللهم اجعلنا كالنحلة؛ لا نأكل إلا طيباً، ولا نُخرج إلا طيباً، ولا نقع على شيء فنكسره أو نفسده.
اللهم ارزقنا همة النملة في السعي والعمل، وارزقنا شجاعتها في إنذار أهلنا وأحبابنا من سبل الهلكة.
اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شر أنفسنا، واجعلنا من عبادك المسبحين الشاكرين الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين.
اللهم أصلح أحوال المسلمين عامة، وارفع البلاء عن المستضعفين في كل مكان، واحقن دماءهم، واجبر كسرهم، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيبعالم النحل والنمل: أمم أمثالكم تنطق بالتسبيح
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.