تَزكِيَةُ النَّفسِ وَبِنَاءُ الشَّخصِيَّةِ القَوِيَّةِ: مُحَاضَرَةٌ مَدرَسِيَّةٌ تَربَوِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ لِطُلَّابِ الصَّفَّينِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ عَن طَهَارَةِ القَلبِ وَنُورِ الصَّلَاةِ وَطَرِيقِ الفَلَاحِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الإِنسَانَ فِي أَحسَنِ تَقوِيم، وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِه، وَسَوَّى النَّفسَ البَشَرِيَّةَ فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا، وَجَعَلَ فَلَاحَهَا وَسَعَادَتَهَا وَعِزَّتَهَا فِي تَزكِيَتِهَا وَتَطهِيرِهَا، وَجَعَلَ خَيبَتَهَا وَشَقَاءَهَا فِي إِهمَالِهَا وَتَدسِيَتِهَا فِي أَوحَالِ الغَفلَةِ وَالهَوَى. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدًا يَملَأُ القُلُوبَ نُورًا وَيَقِينًا، وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمةِ الشَّبَابِ وَالعَقلِ وَالفِطرَةِ وَالهِدَايَة، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الغَنِيُّ الكَرِيمُ الرَّحِيمُ الوَدُود، الَّذِي يَبسُطُ يَدَهُ بِاللَّيلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَار، وَيَبسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيل، وَيَفْرَحُ بِعَودَةِ الشَّابِّ التَّائِبِ إِلَيهِ أَعظَمَ مِن فَرَحِ الغَائِبِ بِأَهلِهِ وَالفَاقِدِ بِرَاحِلَتِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، مُعَلِّمُ الشَّبَابِ مَعَالِيَ الأُمُور، وَمُخرِجُ الأَجيَالِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور، الَّذِي صَنَعَ مِن فِتيَانٍ فِي مِثلِ أَعمَارِكُم قَادَةً فَتَحُوا الدُّنيَا بِالعِلمِ وَالإِيمَانِ وَالأَخلَاق، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن سَارَ عَلَى دَربِهِم وَاهتَدَى بِهَديِهِم إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا شَبَابَ المُستَقبَلِ المَشرِق، وَيَا رِجَالَ الغَدِ المَأمُول، يَا أَبنَائِي وَإِخوَتِي طُلَّابَ الصَّفَّينِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَر: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه، وَطِبْتُم وَطَابَ مَجلِسُكُم هَذَا، وَحَفَّتكُم مَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ بِأَجنِحَتِهَا.
أُرِيدُ مِنكُم فِي بِدَايَةِ هَذَا اللِّقَاءِ أَن تَطمَئِنُّوا تَمَامًا؛ فَأَنَا لَم آتِ إِلَيكُمُ اليَومَ لِأُلْقِيَ عَلَيكُم خُطبَةَ تَأْنِيبٍ أَو تَوْبِيخ، وَلَم آتِ لِأُحَاكِمَ أَحَدًا مِنكُم عَلَى تَقصِيرِهِ أَو أَخطَائِه، بَل جِئتُكُم أَخًا مُحِبًّا نَاصِحًا، يَقرَأُ فِي وُجُوهِكُمُ النَّضِرَةِ ذَكَاءَ الشَّبَاب، وَطُمُوحَ الفُتُوَّة، وَفِطرَةَ الخَيرِ النَّقِيَّةَ الكَامِنَةَ فِي صُدُورِكُم. أَعلَمُ جَيِّدًا أَنَّ الشَّابَّ فِي الصَّفِّ العَاشِرِ أَوِ الحَادِي عَشَرَ -وَأَنتُمُ الآنَ بَينَ الخَامِسَةَ عَشرَةَ وَالسَّابِعَةَ عَشرَةَ مِنَ العُمُر- يَعيشُ مَرحَلَةً فَاصِلَةً مِن أَخطَرِ وَأَجمَلِ مَرَاحِلِ الحَيَاة؛ مَرحَلَةَ البَحثِ عَنِ الذَّات، وَالرَّغبَةِ فِي الِاستِقلَالِ وَالقُوَّةِ وَالتَّمَيُّز، وَمُوَاجَهَةِ سَيلٍ جَارِفٍ مِنَ المُشتِّتَاتِ وَالمُغرَيَاتِ وَالشَّاشَاتِ الَّتِي لَا تَهدَأُ لَيلًا وَلَا نَهَارًا. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ حَدِيثِي مَعَكُمُ اليَومَ لَن يَكُونَ حَدِيثًا تَقلِيدِيًّا يَمُرُّ عَلَى الآذَانِ ثُمَّ يُنسَى عِندَ جَرَسِ الحِصَّة، بَل هُوَ حِوَارٌ صَرِيحٌ وَعَمِيقٌ مِنَ القَلبِ إِلَى القَلب، حَولَ أَغلَى مَا تَملِكُونَهُ فِي هَذَا الوُجُود، وَحَولَ السِّرِّ الَّذِي يَصنَعُ الفَرقَ بَينَ إِنسَانٍ يَعِيشُ عَزِيزًا مُطمَئِنًّا قَوِيَّ الشَّخصِيَّةِ نَاجِحًا فِي دُنيَاهُ وَآخِرَتِه، وَبَينَ إِنسَانٍ يَعِيشُ تَائِهًا مُشتَّتًا مَهمُومًا وَإِن مَلَكَ الدُّنيَا كُلَّهَا؛ إِنَّهُ حَدِيثٌ عَن «تَزكِيَةِ النَّفسِ».
المَحَطَّةُ الأُولَى: لِمَاذَا نُحَدِّثُ هَوَاتِفَنَا وَنَبْنِي أَجسَادَنَا ثُمَّ نَنسَى القَلبَ الَّذِي فِي صُدُورِنَا؟
دَعُونِي أَسأَلْكُم سُؤَالًا صَرِيحًا يَا شَبَاب: لَو أَنَّ أَحَدَكُمُ اشتَرَى أَحدَثَ هَاتِفٍ ذَكِيٍّ فِي العَالَمِ بِأَغلَى ثَمَن، وَوَضَعَ لَهُ غِلَافًا فَارِهًا وَشَاشَةَ حِمَايَةٍ لَامِعَة، لَكِنَّ نِظَامَ التَّشغِيلِ الدَّاخِلِيَّ فِي هَذَا الهَاتِفِ ضَرَبَتْهُ الفَيرُوسَاتُ فَأَصبَحَ الهَاتِفُ يَنطَفِئُ فَجأَةً وَيَتَجَمَّدُ وَلَا يَستَجِيب، أَو فَرَغَت بَطَّارِيَّتُهُ الدَّاخِلِيَّةُ فَأَصبَحَ شَاشَةً سَودَاءَ مَيِّتَة؛ هَل يَنفَعُهُ حِينَئِذٍ جَمَالُ غِلَافِهِ الخَارِجِيّ؟! بِالطَّبعِ لَا!
وَهَكَذَا هُوَ الإِنسَانُ تَمَامًا! كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ اليَومَ يَقضِي السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةَ أَمَامَ المِرآةِ يَعتَنِي بِتَسرِيحَةِ شَعرِه، وَيَختَارُ أَجمَلَ الثِّيَابِ وَالأَحذِيَة، وَيَذهَبُ إِلَى النَّادِي الرِّيَاضِيِّ لِيَبنِيَ عَضَلَاتِ جَسَدِه، وَيَحفَظُ أَسمَاءَ اللَّاعِبِينَ وَالمَشَاهِيرِ وَتَحدِيثَاتِ الأَلعَابِ الإِلكترُونِيَّة؛ وَالِاهتِمَامُ بِالمَظهَرِ الحَسَنِ وَالقُوَّةِ البَدَنِيَّةِ أَمرٌ طَيِّبٌ إِذَا كَانَ فِي الحَلَال، لَكِنَّ السُّؤَالَ الكَبِيرَ الَّذِي يَغفُلُ عَنهُ الكَثِيرُون: مَتَى كَانَت آخِرُ مَرَّةٍ جَلَستَ فِيهَا مَعَ نَفسِكَ لِتَسأَلَهَا: كَيفَ حَالُ قَلبِي مِنَ الدَّاخِل؟! كَيفَ حَالُ رُوحِي؟! لِمَاذَا أَشعُرُ أَحيَانًا بِضِيقٍ غَرِيبٍ فِي صَدرِي لَا أَعرِفُ لَهُ سَبَبًا؟! لِمَاذَا أَضحَكُ مَعَ أَصدِقَائِي فِي النَّهَار، وَأَتَنَقَّلُ بَينَ مَقَاطِعِ الفِيديُو وَالأَلعَابِ طَوَالَ المَسَاء، حَتَّى إِذَا أَطفَأتُ الضَّوءَ وَوَضَعتُ رَأسِي عَلَى الوِسَادَةِ وَحدِي شَعَرتُ بِوَحشَةٍ ثَقِيلَةٍ وَفَرَاغٍ مُوحِشٍ كَأَنَّ صَخرَةً جَاثِمَةٌ عَلَى صَدرِي؟!
أَتَدرُونَ يَا شَبَابُ مَا سَبَبُ هَذَا الفَرَاغِ الَّذِي يَشكُو مِنهُ مَلَايِينُ الشَّبَابِ فِي العَالَمِ اليَوم؟ السَّبَبُ بَسِيطٌ وَعَمِيقٌ فِي آنٍ وَاحِد: إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الإِنسَانَ مِن قَبضَةِ طِينٍ مِنَ الأَرض، وَمِن نَفخَةِ رُوحٍ مِنَ السَّمَاء! فَأَمَّا الجَسَدُ المَخلُوقُ مِنَ الطِّينِ فَإِنَّهُ يَشبَعُ بِمَا يَخرُجُ مِنَ الطِّين؛ يَشبَعُ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنَّومِ وَالمَلبَسِ وَالرَّاحَة. وَأَمَّا الرُّوحُ السَّمَاوِيَّةُ الَّتِي فِي دَاخِلِكَ فَإِنَّهَا لَا تَشبَعُ أَبَدًا مِن طِينِ الأَرض! لَو أَعطَيتَهَا مَلَايِينَ الدُّولَارَات، وَلَو فَتَحتَ لَهَا كُلَّ أَلعَابِ الدُّنيَا وَمُتَعِهَا وَشَهَوَاتِهَا، سَتَظَلُّ جَائِعَةً عَطشَى تَصرُخُ فِي أَعمَاقِك؛ لِأَنَّ الرُّوحَ السَّمَاوِيَّةَ لَا تَرتَوِي وَلَا تَسعَدُ وَلَا تَطمَئِنُّ إِلَّا بِغِذَاءٍ مِنَ السَّمَاء؛ بِالصِّلَةِ بِاللهِ خَالِقِهَا، وَبِتَزكِيَتِهَا وَتَطهِيرِهَا مِن أَدرَانِ الذُّنُوبِ وَالغَفلَة!
وَلِذَلِكَ، هَل تَعلَمُونَ يَا طُلَّابَ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ مَا هُوَ أَطوَلُ قَسَمٍ أَقسَمَ اللهُ بِهِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ كُلِّه؟ مِنَ الفَاتِحَةِ إِلَى النَّاسِ لَا يُوجَدُ مَوضِعٌ أَقسَمَ اللهُ فِيهِ بِأَحَدَ عَشَرَ مَخلُوقًا عَظِيمًا مُتَتَالِيًا إِلَّا فِي سُورَةِ الشَّمس! أَقسَمَ اللهُ بِالشَّمسِ وَضُحَاهَا، وَبِالقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَبِالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَبِاللَّيلِ إِذَا يَغشَاهَا، وَبِالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَبِالأَرضِ وَمَا طَحَاهَا، وَبِالنَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقوَاهَا! لِمَاذَا كُلُّ هَذِهِ الأَيمَانِ الكَونِيَّةِ الهَائِلَة؟ مَا هِيَ الحَقِيقَةُ الكُبرَى الَّتِي أَرَادَ اللهُ أَن يُوقِظَ عُقُولَنَا إِلَيهَا؟ استَمِعُوا إِلَى جَوَابِ القَسَمِ فِي قَولِهِ سُبحَانَه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠]!
يَا لَهَا مِن مُعَادَلَةٍ حَاسِمَةٍ تَختَصِرُ قِصَّةَ الحَيَاةِ كُلَّهَا فِي سَطرٍ وَاحِد! «قَد أَفلَحَ مَن زَكَّاهَا»: أَي قَد فَازَ وَنَجَحَ وَسَعِدَ وَارتَفَعَ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ مَن طَهَّرَ نَفسَهُ بِالإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالطَّاعَةِ وَالأَخلَاقِ الكَرِيمَة، وَنَمَّاهَا بِالعِلمِ وَالعَمَلِ الصَّالِح؛ لِأَنَّ التَّزكِيَةَ فِي لُغَةِ العَرَبِ تَجمَعُ مَعنَيَينِ عَظِيمَين: التَّطهِيرَ مِنَ الخَبَثِ وَالأَوسَاخ، وَالنَّمَاءَ وَالزِّيَادَةَ وَالِارتِفَاع! وَبِالمُقَابِل: «وَقَد خَابَ مَن دَسَّاهَا»: أَي قَد خَسِرَ وَضَاعَ وَانحَطَّ مَن دَفَنَ نَفسَهُ الكَرِيمَةَ فِي تُرَابِ المَعَاصِي، وَأَخفَاهَا فِي ظُلُمَاتِ التَّفَاهَةِ وَالشَّهَوَاتِ وَتَركِ الصَّلَاةِ حَتَّى صَارَت نَفسًا صَغِيرَةً ذَلِيلَةً لَا قِيمَةَ لَهَا وَلَا هَدَف!
وَلِأَنَّ القَلبَ هُوَ المَلِكُ الَّذِي يَحكُمُ الجَسَدَ كُلَّه، فَقَد وَضَعَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً أَخرَجَهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ». فَاللِّسَانُ الَّذِي يَنطِقُ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ أَوِ الشَّتِيمَةِ البَذِيئَة، وَالعَينُ الَّتِي تَغُضُّ بَصَرَهَا أَو تَخُونُ فِي الحَرَام، وَالقَدَمُ الَّتِي تَمشِي إِلَى المَسجِدِ وَالمَعَالِي أَو تَمشِي إِلَى مَوَاطِنِ السُّوء، كُلُّ هَذِهِ الجَوَارِحِ إِنَّمَا هِيَ جُنُودٌ تَأتَمِرُ بِأَمرِ القَلب! فَإِذَا زَكَّيتَ قَلبَكَ وَطَهَّرتَهُ استَقَامَت جَوَارِحُكَ كُلُّهَا تِلقَائِيًّا دُونَ عَنَاء، وَإِذَا أَهمَلتَ قَلبَكَ وَتَرَكتَهُ لِلصَّدَإِ وَالظَّلَامِ فَسَدَت تَصَرُّفَاتُكَ وَضَاقَت عَلَيكَ حَيَاتُك! وَلِهَذَا كَانَ سَيِّدُ الخَلقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُكثِرُ أَن يَتَضَرَّعَ إِلَى رَبِّهِ بِهَذَا الدُّعَاءِ العَظِيمِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن زَيدِ بنِ أَرقَمَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «اللَّهُمَّ آتِ نَفسِي تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا».
المَحَطَّةُ الثَّانِيَةُ: مِجهَرُ النُّبُوَّةِ؛ كَيفَ يَتَلَوَّثُ القَلبُ نُقطَةً بَعدَ نُقطَةٍ دُونَ أَن نَشعُر؟
قَد يَسأَلُ شَابٌّ ذَكِيٌّ مِنكُمُ الآن: «يَا أُستَاذ، كَيفَ يَتَحَوَّلُ القَلبُ الأَبيَضُ النَّقِيُّ الَّذِي وُلِدنَا بِهِ إِلَى قَلبٍ قَاسٍ يَستَثقِلُ الصَّلَاةَ وَيَستَعذِبُ المَعصِيَةَ وَلَا يَتَأَثَّرُ بِمَوعِظَة؟ كَيفَ يَحدُثُ هَذَا التَّحَوُّلُ الخَطِير؟».
لَقَد صَوَّرَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ العَمَلِيَّةَ الدَّقِيقَةَ تَصوِيرًا بَصَرِيًّا مُذهِلًا كَأَنَّكَ تَنظُرُ إِلَى القَلبِ تَحتَ مِجهَرٍ دَقِيق؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ العَبدَ إِذَا أَخطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَت فِي قَلبِهِ نُكتَةٌ سَودَاءُ، فَإِن هُوَ نَزَعَ وَاستَغفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلبُهُ، وَإِن عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعلُوَ قَلبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]».
تَخَيَّلُوا هَذَا المَشهَدَ يَا شَبَاب! القَلبُ فِي أَصلِهِ كَالمِرآةِ الصَّافِيَةِ أَوِ الثَّوبِ الأَبيَضِ النَّاصِع؛ فَحِينَ يَترُكُ الشَّابُّ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَات، أَو يَنظُرُ نَظرَةً مُحَرَّمَةً فِي هَاتِفِه، أَو يَعُقُّ وَالِدَيهِ بِكَلِمَةٍ جَافِيَة، أَو يَسخَرُ مِن زَمِيلِه، تَنزِلُ نُقطَةٌ سَودَاءُ عَلَى تِلكَ المِرآةِ البَيضَاء! فَإِذَا تَنَبَّهَ الشَّابُّ فَوْرًا وَقَال: «أَستَغفِرُ اللهَ، يَا رَبِّ سَامِحنِي» وَقَامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، مَسَحَ التَّوبَةُ وَالوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ تِلكَ النُّقطَةَ السَّودَاءَ فَعَادَ القَلبُ لَامِعًا صَافِيًا! أَمَّا إِذَا قَالَ الشَّابُّ: «لَا بَأس، هَذَا ذَنبٌ صَغِير، وَكُلُّ الشَّبَابِ يَفعَلُونَ ذَلِك!» ثُمَّ أَتبَعَ الذَّنبَ بِذَنبٍ ثَانٍ وَثَالِثٍ وَرَابِعٍ وَعَاشِر، فَإِنَّ النُّقَطَ السَّودَاءَ تَتَرَاكَمُ وَتَتَّصِلُ بَعضُهَا بِبَعضٍ حَتَّى تُغَلِّفَ القَلبَ كُلَّهُ بِطَبَقَةٍ سَمِيكَةٍ مِنَ الصَّدَإِ الأَسوَدِ يُسَمِّيهَا القُرآنُ الكَرِيمُ «الرَّان»!
وَحِينَ يَتَغَطَّى القَلبُ بِالرَّان، تَنقَلِبُ مَوَازِينُ الإِنسَانِ رَأسًا عَلَى عَقِب؛ فَيُصبِحُ يَرَى الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ رَاحَةُ الأَروَاحِ جَبَلًا ثَقِيلًا لَا يُطِيقُه، وَيَرَى النَّصِيحَةَ الصَّادِقَةَ تَعقِيدًا وَتَشدُّدًا، وَيَرَى المَعصِيَةَ الَّتِي تُدَمِّرُ رُوحَهُ وَمُستَقبَلَهُ حُرِّيَّةً وَمُتعَة! وَإِذَا فَتَّشنَا عَن أَخطَرِ اللُّصُوصِ الَّذِينَ يَسرِقُونَ نَقَاءَ قُلُوبِ الشَّبَابِ فِي مَرحَلَةِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ اليَوم، وَجَدنَاهُم يَتَمَثَّلُونَ فِي ثَلَاثِ عَقَبَاتٍ رَئِيسِيَّةٍ لَا بُدَّ أَن نُوَاجِهَهَا بِشَجَاعَةٍ وَصَرَاحَة:
العَقَبَةُ الأُولَى: ذُنُوبُ الخَلَوَاتِ وَفِتنَةُ الشَّاشَاتِ الصَّغِيرَة!
لَم يَعُدِ الشَّيطَانُ يَحتَاجُ اليَومَ أَن يَأخُذَ الشَّابَّ إِلَى أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ لِيُوقِعَهُ فِي المَعصِيَة، بَل صَارَتِ الفِتنَةُ تَدخُلُ إِلَى غُرفَةِ نَومِكَ وَأَنتَ مُغلِقٌ عَلَيكَ بَابَك، فِي جِهَازٍ صَغِيرٍ بِحَجمِ الكَفّ! وَهُنَا يَأتِي الِاختِبَارُ الحَقِيقِيُّ لِمَعدِنِ الرُّجُولَةِ وَالإِيمَان: مَن أَنتَ حِينَ تُغلَقُ الأَبوَاب، وَتُسدَلُ السَّتَائِر، وَيَنَامُ الأَهل، وَلَا يَرَاكَ أَحَدٌ مِنَ البَشَرِ إِلَّا اللهُ رَبُّ العَالَمِين؟! لَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن هَذَا المَنزَلَقِ الخَطِيرِ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخرَجَهُ ابنُ مَاجَه عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَقوَامًا يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ كَأَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنثُورًا! فَفَزِعَ الصَّحَابَةُ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَم! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»!
انتَبِهُوا يَا شَبَاب: المَقصُودُ بِمَن «إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا» هُوَ ذَلِكَ الَّذِي يَتَظَاهَرُ أَمَامَ النَّاسِ بِالصَّلَاحِ رِيَاءً وَنِفَاقًا، ثُمَّ إِذَا خَلَا بِنَفسِهِ استَخَفَّ بِنَظَرِ اللهِ إِلَيهِ وَتَجَرَّأَ عَلَى الحَرَامِ بِلَا نَدَمٍ وَلَا خَوفٍ مِنَ الله! أَمَّا الشَّابُّ الَّذِي قَد تَغلِبُهُ نَفسُهُ فَيَقَعُ فِي ذَنبٍ فِي خَلوَتِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لِذَنبِهِ خَائِفٌ مِن رَبِّهِ سَرِيعُ التَّوبَةِ وَالِاستِغفَار، فَهَذَا لَيسَ مِن أُولَئِكَ، وَلَكِنَّ تَزكِيَةَ النَّفسِ تَدعُوكَ أَن تَكُونَ عَظِيمًا فِي خَلوَتِكَ كَمَا أَنتَ عَظِيمٌ فِي جَلوَتِك، وَأَن تَستَحضِرَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فَتَستَحيِي مِنَ اللهِ أَن يَجعلَكَ فِي عَافيَتِهِ وَسِترِهِ ثُمَّ تَعصِيَهُ فِي الخَفَاء!
العَقَبَةُ الثَّانِيَةُ: الصُّحبَةُ السَّاحِبَةُ وَوَهمُ «الشَّلَّةِ»!
فِي سِنِّ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ يَكُونُ تَأثِيرُ الصَّدِيقِ وَالزَّمِيلِ عَلَى الشَّابِّ أَقوَى أَحيَانًا مِن تَأثِيرِ الأَبِ وَالأُمِّ وَالمُعَلِّم! كَم مِن شَابٍّ كَانَ نَظِيفَ اللِّسَانِ قَرِيبًا مِنَ الصَّلَاةِ مُقبِلًا عَلَى دِرَاسَتِه، فَلَمَّا صَاحَبَ شَلَّةً فَارِغَةً تَسخَرُ مِنَ المَصلِّين، وَتَتَبَاهَى بِالتَّدخِينِ وَالسَّهَرِ المُحَرَّمِ وَالأَلفَاظِ السَّوقِيَّةِ وَتَضيِيعِ الصَّلَوَات، انسَحَبَ مَعَهُم شَيئًا فَشَيئًا خَوفًا مِن أَن يَقُولُوا عَنهُ: «مُعَقَّد» أَو «جَبَان»! يَا أَخِي الحَبِيب: الرُّجُولَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيسَت أَن تَكُونَ إِمَّعَةً تَسِيرُ خَلفَ القَطِيعِ فِي الغَلَط، بَلِ الرُّجُولَةُ وَقُوَّةُ الشَّخصِيَّةِ أَن تَقولَ لِلبَاطِلِ: «لَا»، وَأَن تَختَارَ صَدِيقَكَ بِعَقلِكَ وَدِينِك! وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الحَسَنِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنه: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنظُر أَحَدُكُم مَن يُخَالِلُ». وَصَوَّرَ لَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ مَشهَدَ الصَّدِيقِ يَومَ القِيَامَةِ وَهُوَ يَعَضُّ عَلَى يَدَيهِ نَدَمًا بِسَبَبِ صَدِيقِ السُّوءِ الَّذِي صَدَّهُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالذِّكرِ فَقَالَ سُبحَانَه: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٨-٢٩]!
العَقَبَةُ الثَّالِثَةُ: الغَفلَةُ وَتَأجِيلُ التَّوبَةِ بِحُجَّةِ صِغَرِ السِّنِّ!
يَأتِي الشَّيطَانُ إِلَى طَالِبِ الصَّفِّ العَاشِرِ أَوِ الحَادِي عَشَرَ فَيَهمِسُ فِي أُذُنِه: «أَنتَ مَا زِلتَ فِي السَّادِسَةَ عَشرَةَ مِن عُمُرِك! عِشْ حَيَاتَكَ الآنَ بِالطُّولِ وَالعَرض، وَإِذَا تَخَرَّجتَ مِنَ الجَامِعَةِ أَو تَزَوَّجتَ أَو وَصَلتَ إِلَى الأَربَعِينَ وَظَهَرَ الشَّيبُ فِي رَأسِكَ فَابدَأْ حِينَئِذٍ بِالصَّلَاةِ وَالِالتِزَام!». وَأَنَا أَسأَلُكُم بِاللهِ يَا شَبَاب: مَن مِنَّا يَملِكُ صَكَّ أَمَانٍ بِأَنَّهُ سَيَعِيشُ إِلَى الأَربَعِينَ أَو إِلَى التَّخَرُّجِ مِنَ الجَامِعَة، بَل مَن مِنَّا يَضمَنُ أَن يَعِيشَ إِلَى مَسَاءِ هَذَا اليَوم؟! المَقَابِرُ مَلِيئَةٌ بِشَبَابٍ فِي مِثلِ أَعمَارِكُم خَرَجُوا مِن بُيُوتِهِم بِكَامِلِ صِحَّتِهِم وَعُنفُوَانِ شَبَابِهِم وَفِي رُؤُوسِهِم آلافُ الأَحلَامِ وَالمَشَارِيع، فَعَادُوا مَحمُولِينَ عَلَى الأَكتَاف! فَالذَّكِيُّ الفَطِنُ هُوَ الَّذِي لَا يُرَاهِنُ بِآخِرَتِهِ عَلَى مُستَقبَلٍ لَا يَملِكُه!
المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ: مُصَارَحَةٌ حَاسِمَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ؛ لِمَاذَا نَقطَعُ الحَبلَ الوَحِيدَ الَّذِي يَربِطُنَا بِاللهِ؟
وَهُنَا يَا أَبنَائِي وَإِخوَتِي، أُرِيدُ أَن أَتَوَقَّفَ مَعَكُم أَهَمَّ وَقفَةٍ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَة؛ وَقفَةً صَادِقَةً لَا مُجَامَلَةَ فِيهَا وَلَا قَسوَة، بَل هِيَ صَرخَةُ مُحِبٍّ يَخَافُ عَلَيكُم كَمَا يَخَافُ عَلَى نَفسِهِ وَأَولَادِه. دَعُونَا نَتَكَاشَفُ بِصَرَاحَة: كَم وَاحِدًا مِنَّا فِي هَذِهِ القَاعَةِ لَا يُصَلِّي أَصلًا إِلَّا جُمُعَةً أَو فِي رَمَضَان؟ وَكَم وَاحِدًا مِنَّا يُصَلِّي فَرضًا وَيَترُكُ أَربَعَة؟ وَكَم وَاحِدًا يَبدَأُ بِالصَّلَاةِ يَومَينِ ثُمَّ يَنقَطِعُ شَهرًا؟
تَعَالَوا نَسأَلْ أَنفُسَنَا بِهُدُوءٍ وَعَقلَانِيَّة: مَا الَّذِي يَمنَعُ شَابًّا مُسلِمًا طَيِّبَ القَلبِ مِثلَكَ مِن أَن يُحَافِظَ عَلَى صَلَاتِه؟ لَو فَتَّشنَا فِي صُدُورِ الشَّبَابِ لَوَجَدنَا أَنَّ الشَّيطَانَ يَستَخدِمُ مَعَهُم ثَلَاثَ خُدَعٍ نَفسِيَّةٍ خَبِيثَةٍ لِيَصُدَّهُم عَنِ الصَّلَاة، فَتَعَالَوا نَنسِفْ هَذِهِ الخُدَعَ الثَّلَاثَ بِالحُجَّةِ وَالبُرهَان:
الخُدعَةُ الأُولَى: يَقُولُ الشَّابُّ: «أَنَا عِندِي ذُنُوبٌ وَعَادَاتٌ سَيِّئَة، أَسمَعُ أَغَانِي، وَأَحيَانًا أَنظُرُ إِلَى الحَرَامِ أَو أُقَصِّرُ فِي كَذَا وَكَذَا؛ فَكَيَفَ أُصَلِّي وَأَنَا أَعصِي الله؟ أَلَيسَ هَذَا نِفَاقًا؟ الأَفضَلُ أَن أَنتَظِرَ حَتَّى أَترُكَ كُلَّ الذُّنُوبِ ثُمَّ أَبدَأَ بِالصَّلَاة!».
استَمِعْ إِلَيَّ جَيِّدًا يَا بُنَيّ: هَذِهِ أَكبَرُ كِذبَةٍ يَضحَكُ بِهَا إِبلِيسُ عَلَى الشَّبَاب! لِمَاذَا؟ لِأَنَّكَ حِينَ تَكونُ مَرِيضًا، هَل تَقُولُ لِلطَّبِيب: «أَنَا لَن آكُلَ الدَّوَاءَ حَتَّى أَشفَى تَمَامًا مِنَ المَرَض»؟! مَن يَقُولُ هَذَا؟ الدَّوَاءُ إِنَّمَا جُعِلَ لِلمَرِيضِ كَي يَشفَى! وَالصَّلَاةُ هِيَ الدَّوَاءُ الَّذِي يَغسِلُ ذُنُوبَكَ وَيُعِينُكَ عَلَى تَركِ العَادَاتِ السَّيِّئَة! لَوِ انتَظَرتَ حَتَّى تَصِيرَ مَلَاكًا بِلَا أَيِّ ذَنبٍ كَي تُصَلِّيَ فَلَن تُصَلِّيَ أَبَدًا؛ لِأَنَّ كُلَّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء!
وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيلِ فَإِذَا أَصبَحَ سَرَق! فَمَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؟ هَل قَالَ: «قولُوا لَهُ يَترُكِ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ سَارِقٌ مُنَافِق»؟ كَلَّا وَالله! بَل قَالَ الطَّبِيبُ الرَّحِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «إِنَّهُ سَيَنهَاهُ مَا تَقُولُ»! أَي إِنَّ صَلَاتَهُ إِذَا استَمَرَّ عَلَيهَا سَتَظَلُّ تُنِيرُ قَلبَهُ وَتُوقِظُ ضَمِيرَهُ حَتَّى تَنهَاهُ يَومًا عَن تِلكَ المَعصِيَة! وَهَذَا تَصدِيقُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. فَمَهمَا كَانَت ذُنُوبُكَ وَأَخطَاؤُك، إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَن تَترُكَ الصَّلَاة! صَلِّ وَأَنتَ تُجَاهِدُ نَفسَك، صَلِّ وَاطلُب مِنَ اللهِ فِي سُجُودِكَ أَن يُخلِّصَكَ مِن ذُنُوبِك!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ أَصحَابَهُ يَومًا بِأُسلُوبٍ حِوَارِيٍّ جَمِيلٍ فَقَال: «أَرَأَيتُم لَو أَنَّ نَهرًا بِبَابِ أَحَدِكُم يَغتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَومٍ خَمسَ مَرَّاتٍ، هَل يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبقَى مِن دَرَنِهِ شَيء! قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، يَمحُو اللهُ بِهِنَّ الخَطَايَا». فَالصَّلَاةُ نَهرٌ جَارٍ أَمَامَ بَيتِكَ تَغتَسِلُ فِيهِ خَمسَ مَرَّاتٍ فِي اليَوم، فَكَيَفَ يَحرِمُ العَاقِلُ نَفسَهُ مِن هَذَا النَّهرِ الطَّهُور؟!
الخُدعَةُ الثَّانِيَةُ: يَقُولُ بَعضُ الشَّبَاب: «الصَّلَاةُ تَأخُذُ مِن وَقتِي، وَأَنَا مَشغُولٌ بِالدِّرَاسَةِ وَالدُّرُوسِ الخُصُوصِيَّةِ وَالرِّيَاضَةِ وَالأَصدِقَاء!».
تَعَالَوا نَحسُبْهَا بِالأَرقَامِ يَا طُلَّابَ العِلم: اليَومُ فِيهِ أَربَعٌ وَعِشرُونَ سَاعَة، أَي أَلفٌ وَأَربَعُمِائَةٍ وَأَربَعُونَ دَقِيقَة! الصَّلَاةُ الوَاحِدَةُ مَعَ الوُضُوءِ كَم تَستَغرِقُ مِنكَ إِذَا صَلَّيتَهَا بِهُدُوءٍ وَطُمَأنِينَة؟ خَمسَ إِلَى سِتِّ دَقَائِق! أَي إِنَّ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ كُلَّهَا فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ لَا تَأخُذُ مِنكَ إِلَّا نَحوَ خَمسٍ وَعِشرِينَ إِلَى ثَلَاثِينَ دَقِيقَةً فَقَط مِن أَصلِ أَلفٍ وَأَربَعِمِائَةٍ وَأَربَعِينَ دَقِيقَة؛ أَي أَقَلَّ مِنِ اثنَينِ فِي المِائَةِ مِن يَومِك!
أَفَلَا تَستَحيِي يَا أَخِي الحَبِيبُ أَن تَقضِيَ أَربَعَ أَو خَمسَ سَاعَاتٍ يَومِيًّا عَلَى شَاشَةِ الهَاتِفِ وَالأَلعَابِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ دُونَ أَن تَشتَكِيَ مِن ضِيقِ الوَقت، ثُمَّ تَستَكثِرَ عَلَى رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ نِصفَ سَاعَةٍ مُفَرَّقَةً عَلَى مَدَارِ اليَوم؟!
بَلِ الحَقِيقَةُ الَّتِي يَجِبُ أَن تَعلَمُوهَا هِيَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَأخُذُ مِن وَقتِكَ شَيئًا، بَل هِيَ الَّتِي تَطرحُ البَرَكَةَ فِي وَقتِكَ وَذِهنِكَ وَدِرَاسَتِك! الشَّابُّ الَّذِي يُصَلِّي الفَجرَ فِي وَقتِهِ وَيُحَافِظُ عَلَى صَلَوَاتِهِ يَفتَحُ اللهُ عَلَى عَقلِهِ فِي الفَهمِ وَالحِفظِ وَالتَّركِيزِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَا لَا يَفتَحُهُ عَلَى غَيرِهِ فِي خَمسِ سَاعَات! وَانظُرُوا كَيفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنظُرُ إِلَى الصَّلَاة؛ فَقَد أَخرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ أَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لِمُؤَذِّنِهِ بِلَالٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «يَا بِلَالُ أَقِمِ الصَّلَاةَ، أَرِحنَا بِهَا»! دَقِّقُوا فِي الكَلِمَة: قَالَ «أَرِحنَا بِهَا» وَلَم يَقُل «أَرِحنَا مِنهَا»! المُنَافِقُ أَوِ الغَافِلُ يُصلِّي كَي يَرتَاحَ مِنَ الصَّلَاةِ وَيُنهِيَها كَأَنَّهَا هَمٌّ عَلَى ظَهرِه، أَمَّا المُؤمِنُ الصَّادِقُ فَيَدخُلُ فِي الصَّلَاةِ لِيَرتَاحَ بِهَا مِن هُمُومِ الدُّنيَا وَضَغْطِ الدِّرَاسَةِ وَضَجِيجِ الحَيَاة!
الخُدعَةُ الثَّالِثَةُ: التَّهَاوُنُ بِشَأنِ تَركِ الصَّلَاة، وَالظَّنُّ بِأَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ مِثلُ غَيرِهِ مِنَ المُقَصِّرِين!
وَأَنَا هُنَا أُرِيدُ أَن أَهمِسَ فِي أُذُنِ كُلِّ طَالِبٍ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ هَمسَةَ مُشفِقٍ يَخشَى عَلَيهِ عَذَابَ الله: يَا أَخِي الحَبِيب، إِنَّ الصَّلَاةَ فِي الإِسلَامِ لَيسَت سُنَّةً مُستَحَبَّةً أَو أَمرًا ثَانَوِيًّا يُمكِنُ الاستِغنَاءُ عَنه؛ إِنَّ الصَّلَاةَ هِيَ العَمُودُ الفِقرِيُّ لِلدِّين، وَهِيَ الهُوِيَّةُ الفَاصِلَةُ بَينَ الإِيمَانِ وَالكُفر!
استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تَهتَزُّ لَهَا الجِبَالُ الرَّاسِيَات: أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ بَينَ الرَّجُلِ وَبَينَ الشِّركِ وَالكُفرِ تَركَ الصَّلَاةِ»! وَأَخرَجَ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن بُرَيدَةَ بنِ الحُصَيبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «العَهدُ الَّذِي بَينَنَا وَبَينَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَن تَرَكَهَا فَقَد كَفَرَ»! وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ العُقَيلِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا عِندَ التِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيح: «كَانَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَونَ شَيئًا مِنَ الأَعمَالِ تَركُهُ كُفرٌ غَيرَ الصَّلَاةِ»!
وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُوَ يَصِفُ حَالَ المَحرُومِينَ فِي سَقَرَ حِينَ يَسأَلُهُم أَهلُ الجَنَّةِ عَنِ الجَرِيمَةِ الأُولَى الَّتِي أَدخَلَتهُمُ النَّار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٢-٤٣]! وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي تَحذِيرِ مَن يُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ وَيَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: ٥٩-٦٠].
وَعِندَ التِّرمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيَامَةِ مِن عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِن صَلُحَت فَقَد أَفلَحَ وَأَنجَحَ، وَإِن فَسَدَت فَقَد خَابَ وَخَسِرَ».
بِاللهِ عَلَيكَ يَا أَخِي الشَّابّ، سَلْ نَفسَكَ هَذَا السُّؤَالَ: لَو أَنَّ صَدِيقًا لَكَ أَكرَمَكَ وَأَهدَاكَ هَدَايَا ثَمِينَةً وَوَقَفَ مَعَكَ فِي كُلِّ شِدَّة، ثُمَّ اتَّصَلَ بِكَ عَلَى هَاتِفِكَ خَمسَ مَرَّاتٍ فِي اليَومِ فَكُنتَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَنظُرُ إِلَى اسْمِهِ عَلَى الشَّاشَةِ ثُمَّ تَغلِقُ الخَطَّ فِي وَجهِهِ وَلَا تَرُدُّ عَلَيه؛ مَاذَا سَيُسمَّى هَذَا الفِعلُ فِي عُرفِ المُرُوءَةِ وَالأَدَب؟! فَكَيَفَ وَالمُنَادِي هُوَ اللهُ رَبُّ العَالَمِين؟! اللهُ الَّذِي أَعطَاكَ عَينَينِ تُبصِرُ بِهِمَا، وَأُذُنَينِ تَسمَعُ بِهِمَا، وَقَلبًا يَنبِضُ فِي صَدرِكَ أَكثَرَ مِن مِائَةِ أَلفِ نَبضَةٍ فِي اليَومِ دُونَ أَن تَدفَعَ دِرهَمًا وَاحِدًا، وَعَقلًا تُفَكِّرُ بِه، وَعَافيَةً تَمشِي بِهَا عَلَى قَدَمَيك؛ يُنَادِيكَ خَمسَ مَرَّاتٍ فِي اليَومِ مِن فَوقِ المَآذِن: «حَيَّ عَلَى الصَّلَاة، حَيَّ عَلَى الفَلَاح» أَي هَلُمَّ إِلَى السَّعَادَةِ وَالفَوزِ وَالنَّجَاح، أَفَيَلِيقُ بِكَ بَعدَ كُلِّ هَذَا الكَرَمِ الإِلَهِيِّ أَن تُدِيرَ ظَهرَكَ لِنِدَاءِ رَبِّكَ وَتُكمِلَ لَعِبَكَ أَو نَومَك؟!
المَحَطَّةُ الرَّابِعَةُ: بَابُ الرَّحمَةِ الوَاسِعِ وَفَرحَةُ اللهِ بِالشَّابِّ العَائِدِ، وَقِصَصٌ مِن رَوَائِعِ التَّزكِيَةِ وَالتَّحَوُّلِ!
لَعَلَّ بَعضَكُمُ الآنَ قَد تَحَرَّكَ قَلبُهُ فِي صَدرِه، وَلَعَلَّ دَمعَةً صَادِقَةً تَترَقرَقُ فِي عَينِ شَابٍّ مِنكُم وَهُوَ يَقُولُ فِي نَفسِه: «وَلَكِنِّي قَصَّرتُ كَثِيرًا يَا أُستَاذ! تَرَكتُ صَلَوَاتٍ كَثِيرَة، وَأَذنَبتُ ذُنُوبًا لَا يَعلَمُهَا إِلَّا الله، فَهَل يَقبَلُنِي اللهُ إِذَا رَجَعتُ إِلَيهِ اليَومَ وَفَتَحتُ مَعَهُ صَفحَةً بَيضَاءَ جَدِيدَة؟!».
استَمِعْ إِلَى جَوَابِ رَبِّكَ الرَّحِيمِ الوَدُودِ وَهُوَ يُنَادِيكَ بِلَفظِ العُبُودِيَّةِ المُشَرِّفِ فَيَقُول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]! لَم يَقُل سُبحَانَهُ: «يَا أَيُّهَا العُصَاةُ المُجرِمُون»، بَل قَالَ بِكُلِّ حَنَانٍ وَرَحمَة: «يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِم»! نَسَبَكُم إِلَيهِ حَتَّى وَأَنتُم مُقَصِّرُونَ مُسرِفُون، وَفَتَحَ لَكُم بَابَ مَغفِرَتِهِ عَلَى مِصرَاعَيه!
بَل هُنَاكَ مُفَاجَأَةٌ رَبَّانِيَّةٌ أَعظَمُ مِن مُجَرَّدِ مَحوِ الذُّنُوب؛ فَالشَّابُّ الَّذِي يَتُوبُ صَادِقًا وَيَبدَأُ بِالصَّلَاةِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ لَا يَمحُو اللهُ سَيِّئَاتِهِ السَّابِقَةَ فَحَسب، بَل يُحَوِّلُ تِلكَ السَّيِّئَاتِ القَدِيمَةَ كُلَّهَا إِلَى حَسَنَاتٍ فِي صَحِيفَتِه، كَمَا قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]!
وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوبَةِ عَبدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيهِ مِن أَحَدِكُم كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرضِ فَلَاةٍ، فَانفَلَتَت مِنهُ وَعَلَيهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَد أَيِسَ مِن رَاحِلَتِهِ، فَبَينَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنتَ عَبدِي وَأَنَا رَبُّكَ! أَخطَأَ مِن شِدَّةِ الفَرَحِ»! اللهُ أَكبَر! الغَنِيُّ عَنِ العَالَمِينَ جَلَّ جَلَالُهُ يَفرَحُ بِكَ أَنتَ يَا طَالِبَ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ حِينَ تَفرُشُ سَجَّادَتَكَ اليَومَ وَتَسجُدُ لَهُ وَتَقُول: «يَا رَبِّ، عُدتُ إِلَيكَ فَاقبَلنِي»!
وَبَشَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الشَّابَّ المُقبِلَ عَلَى رَبِّهِ بِأَعظَمِ كَرَامَةٍ يَومَ القِيَامَة، حِينَ تَدنُو الشَّمسُ مِنَ الرُّؤُوسِ وَيَغْرَقُ النَّاسُ فِي عَرَقِهِم؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَدِيثِ السَّبعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه، ذَكَرَ مِنهُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ»! خُصَّ الشَّابُّ بِهَذَا الوِسَامِ الرَّفِيعِ لِأَنَّ عِبَادَةَ الشَّابِّ وَصَلَاتَهُ وَعِفَّتَهُ فِي سِنِّ القُوَّةِ وَالشَّهوَةِ وَالمُغرَيَاتِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ وَأَغلَى!
وَتَعَالَوا نَستَمِعْ إِلَى قِصَّتَينِ حَقِيقِيَّتَينِ مِن أَروَعِ قِصَصِ التَّارِيخِ الإِسلَامِيِّ لِتَرَوا كَيفَ تَصنَعُ تَزكِيَةُ النَّفسِ مِنَ الشَّبَابِ عَمَالِقَةً خَالِدِين:
القِصَّةُ الأُولَى: قِصَّةُ الشَّابِّ الأَنِيقِ مُصعَبِ بنِ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه!
كَانَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ فَتًى فِي مَكَّةَ فِي مِثلِ أَعمَارِكُم أَو أَكبَرَ قَلِيلًا، وَكَانَ أَعطَرَ فِتيَانِ قُرَيشٍ وَأَجمَلَهُم وَأَرفَهَهُم؛ كَانَت أُمُّهُ غَنِيَّةً جِدًّا تَكسُوهُ أَفخَرَ الثِّيَابِ اليَمَنِيَّةِ وَالشَّامِيَّة، وَتَشتَرِي لَهُ أَغلَى الطِّيبِ حَتَّى كَانَ إِذَا مَرَّ فِي طَرِيقٍ مِن طُرُقَاتِ مَكَّةَ عَرَفَ النَّاسُ أَنَّ مُصعَبًا قَد مَرَّ مِن هُنَا مِن رَائِحَةِ عِطرِه! لَكِنَّ هَذَا الشَّابَّ المُنَعَّمَ أَدرَكَ بِعَقلِهِ وَفِطرَتِهِ أَنَّ الأَنَاقَةَ الخَارِجِيَّةَ وَحدَهَا لَا تَملَأُ القَلب، فَسَمِعَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَدعُو فِي دَارِ الأَرقَمِ بنِ أَبِي الأَرقَمِ -وَكَانَ الأَرقَمُ يَومَئِذٍ فَتًى فِي السَّادِسَةَ عَشرَةَ مِن عُمُرِه، فِي مِثلِ سِنِّكُم تَمَامًا!- فَذَهَبَ مُصعَبٌ وَأَسلَمَ وَآمَنَ وَزَكَّى نَفسَه. فَلَمَّا عَلِمَت أُمُّهُ حَبَسَتهُ وَمَنَعَت عَنهُ المَالَ وَالثِّيَابَ الفَاخِرَةَ لِتَرُدَّهُ عَن دِينِه، فَأَبَى وَثَبَتَ عَلَى إِيمَانِه وَصَلَاتِه، وَاختَارَ اللهَ وَرَسُولَه! فَمَاذَا صَنَعَ مِنهُ الإِسلَام؟ اختَارَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيَكُونَ أَوَّلَ سَفِيرٍ فِي الإِسلَامِ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَة؛ فَدَخَلَ المَدِينَةَ شَابًّا وَحِيدًا يَحمِلُ القُرآنَ فِي صَدرِهِ وَنُورَ التَّزكِيَةِ فِي وَجهِه، فَلَم يَمضِ عَامٌ وَاحِدٌ حَتَّى فَتَحَ قُلُوبَ أَهلِ المَدِينَةِ بِالقُرآنِ وَالحِكمَةِ فَدَخَلَتِ الأَوسُ وَالخَزرَجُ فِي دِينِ اللهِ أَفوَاجًا عَلَى يَدِ هَذَا الشَّابّ! وَفِي يَومِ أُحُدٍ حَمَلَ لِوَاءَ المُسلِمِينَ وَثَبَتَ حَتَّى قُطِعَت يَدَاهُ وَاستُشهِدَ وَهُوَ يَتلُو قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِيُكَفِّنَهُ لَم يَجِدُوا لَهُ إِلَّا بُردَةً خَشِنَةً إِذَا غَطَّوا بِهَا رَأسَهُ بَدَت رِجلَاه، وَإِذَا غَطَّوا رِجلَيهِ بَدَا رَأسُه، فَبَكَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَذكُرُ مَا كَانَ فِيهِ مُصعَبٌ مِنَ النَّعِيمِ بِمَكَّةَ وَمَا بَلَغَهُ مِنَ الشَّرَفِ الخَالِدِ عِندَ الله! هَكَذَا تَصنَعُ التَّزكِيَةُ الأَبطَالَ يَا شَبَاب؛ لا تَقتُلُ فِيكَ الطُّمُوحَ وَالأَنَاقَة، بَل تَجعَلُكَ رَقمًا صَعبًا يَصنَعُ التَّارِيخ!
القِصَّةُ الثَّانِيَةُ: قِصَّةُ اللَّحظَةِ الَّتِي غَيَّرَت حَيَاةَ الفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ الله!
وَهَذِهِ القِصَّةُ أَسُوقُهَا لِكُلِّ شَابٍّ يَظُنُّ أَنَّهُ غَرِقَ فِي المَعَاصِي وَأَنَّ طَرِيقَ العَودَةِ صَعبٌ أَو مُستَحِيل! كَانَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ فِي بِدَايَةِ شَبَابِهِ شَابًّا شُجَاعًا قَوِيًّا، لَكِنَّ الشَّيطَانَ استَزلَّهُ فَسَلَكَ طَرِيقَ الفُتُوَّةِ الخَاطِئَةِ وَقَطعِ الطَّرِيقِ بَينَ أَبِيوَردَ وَسَرَخس، وَتَعَلَّقَ قَلبُهُ بِجَارِيَةٍ فَبَينَمَا هُوَ يَتَسَلَّقُ الجِدَارَ لَيلًا فِي ظَلمَةِ اللَّيلِ لِيَصِلَ إِلَى مَا يَهوَاه، إِذ سَمِعَ قَارِئًا يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ وَيَتلُو بِصَوتٍ خَاشِعٍ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ مِن سُورَةِ الحَدِيد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]!
«أَلَم يَأنِ؟!» أَي: أَلَم يَحِنِ الوَقتُ بَعدُ يَا عَبدَ الله؟! إِلَى مَتَى التَّأجِيلُ وَالهُرُوبُ مِنَ الله؟!
وَقَعَت هَذِهِ الكَلِمَةُ الإِلَهِيَّةُ كَالصَّاعِقَةِ المُوقِظَةِ فِي قَلبِ الفُضَيل، فَتَوَقَّفَ فَوْرًا عَلَى الجِدَار، وَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ وَالعَبَرَاتُ تَخنُقُهُ وَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: «بَلَى يَا رَبِّ قَد آنَ! بَلَى يَا رَبِّ قَد آنَ!». فَرَجَعَ مِن فَوْرِه، وَتَابَ إِلَى اللهِ تَوبَةً نَصُوحًا، وَرَدَّ المَظَالِمَ إِلَى أَهلِهَا، وَأَقبَلَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالعِلمِ وَتَزكِيَةِ النَّفسِ، وَرَحَلَ إِلَى مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ حَتَّى صَارَ إِمَامًا مِن أَئِمَّةِ المُسلِمِينَ الكِبَارِ يُلَقَّبُ بِـ«عَابِدِ الحَرَمَين»! آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَقَرَارٌ صَادِقٌ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ حَوَّلَ قَاطِعَ طَرِيقٍ إِلَى إِمَامٍ تُكتَبُ سِيرَتُهُ بِمَاءِ الذَّهَب! فَمَا الَّذِي يَمنَعُكَ أَنتَ أَن تَقُولَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ مِن أَعمَاقِ قَلبِك: «بَلَى يَا رَبِّ قَد آنَ!»؟!
المَحَطَّةُ الخَامِسَةُ: خُطَّةُ عَمَلٍ وَاقِعِيَّةٌ مِن خَمسِ خُطُوَاتٍ تَبدَأُ مِن هَذَا اليَومِ الدِّرَاسِيِّ!
يَا شَبَابَ الصَّفَّينِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَر: أَنَا لَا أُرِيدُ مِنكُم أَن تَتَأَثَّرُوا بِهَذَا الكَلَامِ لِمُدَّةِ عَشرِ دَقَائِقَ ثُمَّ تَخرُجُوا مِن قَاعَةِ المُحَاضَرَةِ فَتَعُودُوا إِلَى مَا كُنتُم عَلَيه! التَّزكِيَةُ الحَقِيقِيَّةُ تَحتَاجُ إِلَى خُطَّةٍ عَمَلِيَّةٍ وَاقِعِيَّةٍ يَستَطِيعُ كُلُّ شَابٍّ مِنكُم أَن يُطَبِّقَهَا مِن هَذَا اليَومِ دُونَ تَكَلُّفٍ وَلَا مَشَقَّة. وَإِلَيكُم خَمسَ خُطُوَاتٍ وَاضِحَةٍ أَدعُوكُم جَمِيعًا إِلَى مُعَاهَدَةِ اللهِ عَلَيهَا الآن:
الخُطوَةُ الأُولَى: عَهدُ الصَّلَاةِ الَّذِي لَا يَنكَسِرُ أَبَدًا (ابدَأْ بِصَلَاةِ الظُّهرِ اليَومَ)!
عَاهِدِ اللهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ اللَّحظَةِ أَنَّكَ مَهمَا قَصَّرتَ أَو أَخطَأتَ فِي أَيِّ شَيءٍ آخَر، فَلَن تَقطَعَ الحَبلَ الَّذِي بَينَكَ وَبَينَ اللهِ أَبَدًا، وَهُوَ الصَّلَوَاتُ الخَمس! لَا تَقُل: «سَأَبدَأُ يَومَ الجُمُعَةِ القَادِمِ أَو فِي أَوَّلِ الشَّهر»؛ بَلِ ابدَأْ بِصَلَاةِ الظُّهرِ اليَومَ حِينَ يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ فِي المَدرَسَةِ أَو حِينَ تَعُودُ إِلَى البَيت! تَوَضَّأْ وُضُوءًا مُتقَنًا، وَقِفْ بَينَ يَدَيِ اللهِ خَمسَ دَقَائِق، وَقُل لَهُ فِي سُجُودِكَ بِكُلِّ صِدقٍ وَبَسَاطَة: «يَا رَبِّ، هَا أَنَا ذَا عُدتُ إِلَى بَابِك، يَا رَبِّ ثَبِّت قَلبِي عَلَى صَلَاتِكَ وَلا تَحرِمنِي لَذَّةَ السُّجُودِ لَك!». وَاضبِط مُنَبِّهَ هَاتِفِكَ عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ كَمَا تَضبِطُهُ عَلَى دَوَامِ المَدرَسَةِ وَالِاختِبَارَات!
الخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: خَمسُ دَقَائِقَ لِشَحنِ القَلبِ بِالقُرآنِ وَالذِّكرِ قَبلَ فَتْحِ الهَاتِف!
جَرِّبْ هَذِهِ القَاعِدَةَ العَجِيبَةَ وَلَن تَتَخَلَّى عَنهَا أَبَدًا: فِي الصَّبَاحِ قَبلَ أَن تَفتَحَ الإِشعَارَاتِ وَالرَّسَائِلَ فِي هَاتِفِك، وَفِي المَسَاءِ قَبلَ أَن تَنَام، اقرَأْ صَفحَةً وَاحِدَةً فَقَط مِنَ المُصحَفِ الشَّرِيفِ بِتَدَبُّر، وَحَافِظْ عَلَى آيَةِ الكُرسِيِّ وَالمُعَوِّذَاتِ وَسَيِّدِ الِاستِغفَار؛ فَإِنَّ القَلبَ الَّذِي يَبدَأُ يَومَهُ وَيَختِمُهُ بِكَلَامِ اللهِ وَذِكرِهِ يَسكُنُهُ الأَمنُ وَالطُّمَأنِينَة، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
الخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: عَمَلِيَّةُ تَنظِيفٍ شُجَاعَةٌ لِشَاشَةِ الهَاتِفِ وَتَقدِيسٌ لِلخَلوَة!
إِذَا عُدتَ إِلَى بَيتِكَ اليَوم، افتَحْ هَاتِفَكَ وَقُمْ بِحَملَةِ تَطهِيرٍ شُجَاعَةٍ لِوَجهِ الله؛ احذِفْ كُلَّ حِسَابٍ أَو قَنَاةٍ أَو مَجمُوعَةٍ أَو تَطبِيقٍ يَجُرُّكَ إِلَى النَّظَرِ الحَرَامِ أَوِ الكَلَامِ البَذِيءِ أَوِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُفسِدُ قَلبَك، وَتَذَكَّرْ قَاعِدَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيح: «إِنَّكَ لَن تَدَعَ شَيئًا اتِّقَاءَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَعطَاكَ اللهُ خَيرًا مِنهُ»! فَمَا تَحذِفُهُ مِن هَاتِفِكَ طَاعَةً للهِ سَيُعَوِّضُكَ اللهُ مَكَانَهُ نُورًا فِي وَجهِك، وَقُوَّةً فِي شَخصِيَّتِك، وَبَرَكَةً فِي دِرَاسَتِك، وَسَعَادَةً فِي صَدرِك!
الخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّخِذْ «رَفِيقَ هِمَّةٍ وَصَلَاةٍ» مِن زُمَلَائِكَ فِي الصَّفِّ!
انظُرْ حَولَكَ فِي صَفِّكَ العَاشِرِ أَوِ الحَادِي عَشَر، وَاختَرْ صَدِيقًا وَاحِدًا أَوِ اثنَينِ مِمَّن تَوسَّمتَ فِيهِمُ الخَيرَ وَالمُرُوءَة، وَاتَّفِقْ مَعَهُ اليَومَ اتِّفَاقَ الرِّجَال: «يَا صَدِيقِي، تَعَالَ نُعِينُ بَعضَنَا عَلَى الصَّلَاةِ وَغَضِّ البَصَرِ وَالتَّفَوُّقِ الدِّرَاسِيّ؛ إِذَا أَذَّنَ الظُّهرُ أَوِ العَصرُ نَذهَبُ مَعًا إِلَى المَسجِد، وَفِي الفَجرِ يُوقِظُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا صَاحِبَهُ بِاتِّصَالٍ هَاتِفِيّ!». وَاللهِ يَا شَبَاب، إِنَّ صَدِيقًا وَاحِدًا يَأخُذُ بِيَدِكَ إِلَى المسجِدِ خَيرٌ لَكَ مِن أَلفِ صَدِيقٍ يَضحَكُونَ مَعَكَ فِي الغَفلَةِ ثُمَّ يَتَخَلَّونَ عَنكَ يَومَ الحِسَاب!
الخُطوَةُ الخَامِسَةُ: بِرُّ الوَالِدَينِ وَالتَّفَوُّقُ فِي الدِّرَاسَةِ وَحُسنُ الخُلُق!
تَزكِيَةُ النَّفسِ لَا تَعنِي أَن تَنعَزِلَ عَنِ الحَيَاة، بَل تَعنِي أَن تَكُونَ أَنجَحَ طَالِبٍ فِي دِرَاسَتِك، وَأَبَرَّ وَلَدٍ بِأُمِّهِ وَأَبِيه، وَأَكثَرَ النَّاسِ أَدَبًا وَاحتِرَامًا لِمُعَلِّمِيهِ وَزُمَلَائِه! جَرِّبِ اليَومَ حِينَ تَدخُلُ البَيتَ أَن تُقَبِّلَ رَأسَ أُمِّكَ وَيَدَ أَبِيك، وَأَن تَخفِضَ صَوتَكَ أَمَامَهُمَا وَتَطلُبَ مِنهُمَا الدُّعَاء؛ فَإِنَّ دَعوَةً وَاحِدَةً تَخرُجُ مِن قَلبِ أُمِّكَ أَو أَبِيكَ وَأَنتَ مُحَافِظٌ عَلَى صَلَاتِكَ تَفتَحُ لَكَ أَبوَابَ السَّمَاءِ وَالأَرض! وَلِلَّهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حِينَ خَاطَبَ الشَّبَابَ دَاعِيًا إِلَى تَزكِيَةِ النَّفسِ وَالرُّوحِ قَبلَ الاغتِرَارِ بِقِشرَةِ الجَسَدِ فَقَال:
أَقبِل عَلَى النَّفسِ وَاستَكمِل فَضَائِلَهَا ... فَأَنتَ بِالنَّفسِ لَا بِالجِسمِ إِنسَانُ
وَاصرِف هَوَاكَ إِلَى الرَّحمَنِ مُعتَصِمًا ... فَالفَوزُ وَالعِزُّ تَوحِيدٌ وَإِيمَانُ
أَبنَائِي وَإِخوَتِي طُلَّابَ الصَّفَّينِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَر: أَنَا وَاضِعٌ ثِقَتِي بِاللهِ أَوَّلًا ثُمَّ بِكُم أَنَّ هَذَا اليَومَ سَيَكُونُ نُقطَةَ تَحَوُّلٍ تَارِيخِيَّةً فِي حَيَاةِ كَثِيرٍ مِنكُم! لا تَستَهِينُوا بِقُدرَتِكُم؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنكُم يَملِكُ فِي صَدرِهِ قَلبًا إِذَا اتَّصَلَ بِاللهِ بِالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّدقِ صَنَعَ المُعجِزَات! اجعَلُوا هَذِهِ السَّاعَةَ شَاهِدَةً لَكُم عِندَ اللهِ بِأَنَّكُم سَمِعتُم نِدَاءَ الفِطرَةِ فَلَبَّيتُمُوه، وَأَبصَرتُم طَرِيقَ الفَلَاحِ فَسَلَكتُمُوه.
فَارفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ فِي خِتَامِ مَجلِسِنَا هَذَا، وَأَمِّنُوا بِقُلُوبٍ صَادِقَةٍ مُوقِنَةٍ بِإِجَابَةِ اللهِ الكَرِيم:
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام، يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبصَار: آتِ نُفُوسَنَا تَقوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا! اللَّهُمَّ احفَظ شَبَابَنَا وَطُلَّابَنَا فِي الصَّفَّينِ العَاشِرِ وَالحَادِي عَشَرَ وَفِي سَائِرِ مَدَارِسِنَا بِحِفظِكَ التَّامّ، وَحبِّب إِلَيهِمُ الإِيمَانَ وَالصَّلَاةَ وَزَيِّنْهُمَا فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّه إِلَيهِمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ وَاجعَلهُم مِنَ الرَّاشِدِين! اللَّهُمَّ اجعَل قُرَّةَ أَعيُنِهِم فِي الصَّلَاة، وَاشْرَح صُدُورَهُم بِالقُرآن، وَطَهِّر قُلُوبَهُم مِنَ النِّفَاق، وَأَعمَالَهُم مِنَ الرِّيَاء، وَأَلسِنَتَهُم مِنَ الكَذِب، وَأَعيُنَهُم مِنَ الخِيَانَة، فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُور! اللَّهُمَّ افتَح عَلَيهِم فِي دِرَاسَتِهِم فُتُوحَ العَارِفِين، وَوَفِّقهُم لِبرِّ وَالِدِيهِم وَنَفعِ أُمَّتِهِم، وَاجعَلهُم مِنَ الشَّبَابِ الَّذِينَ يَنشَؤُونَ فِي طَاعَتِكَ فَتُظِلُّهُم فِي ظِلِّ عَرشِكَ يَومَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّك! اللَّهُمَّ اغفِر لَنَا مَا مَضَى مِن ذُنُوبِنَا وَتَقصِيرِنَا، وَتُب عَلَينَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم، وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَالسَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُه.
من مكتبة مِداد الخطيب
تَزكِيَةُ النَّفسِ وَبِنَاءُ الشَّخصِيَّةِ القَوِيَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.