من مكتبة مِداد الخطيب

ماذا يعني أن تكون مسلما؟

مشاركة
🕌 ماذا يعني أن تكون مسلما؟ #خطبة_جمعة #الإسلام #الهوية_الإسلامية #الاستقامة #العقيدة #إيمانيات الحمدُ للهِ الَّذي اصطَفَى مِن عِبَادِهِ مَن شَاءَ فَشَرَحَ صُدُورَهُم لِلإِسْلام، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ هَذَا الدِّينَ نُورًا يُبَدِّدُ ظُلُمَاتِ الأَوْهَامِ، وأشهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، بَعَثَهُ مَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ وَإِمَامًا لِلْمُتَّقِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعدُ: هل سَأَلتَ نَفْسَكَ يَومًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ: مَاذَا يَعنِي أَنَّنِي مُسْلِم؟ هل الإِسْلامُ مُجَرَّدُ اسْمٍ وَرِثْنَاهُ فِي شَهَادَةِ المِيلاد، أم أنَّهُ رَكَعَاتٌ نُؤَدِّيهَا ثُمَّ نَعُودُ لِنَعِيشَ كَمَا شِئْنَا؟ الحَقِيقَةُ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ تَخْفِي وَرَاءَهَا مِيثَاقًا كَونِيًّا يَقلِبُ نَظَرَتَكَ لِلْحَيَاةِ بِأَكْمَلِهَا، وَسِرًّا يَجْعَلُكَ أَقْوَى مِن كُلِّ أَزَمَاتِ الأَرْض. فَمَا هُوَ هَذَا السِّرّ؟ وكَيْفَ نَعِيشُ إِسْلامَنَا حَقًّا فِي زَمَنِ الفِتَن؟ هَذَا مَا سَنَقِفُ مَعَهُ فِي خُطْبَتِنَا اليَوم. أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَفَاضِل، فِي زِحَامِ هَذِهِ الحَيَاةِ المَادِّيَّةِ الَّتِي تَسْرِقُ أَعْمَارَنَا، وتُشَتِّتُ أَذْهَانَنَا، نَقِفُ اليَومَ أَمَامَ أَعْظَمِ هُوِيَّةٍ يَحْمِلُهَا الإِنْسَانُ عَلَى وَجْهِ هَذَا الكَوكَب. إِنَّهُ لَيْسَ انْتِمَاءً لِقَبِيلَة، ولا تَعَصُّبًا لِقَومِيَّة، ولا تَفَاخُرًا بِلَونٍ أَوْ عِرْق، بَل هُوَ الانْتِمَاءُ الأَعْلَى الَّذِي رَبَطَكَ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ والأَرْض. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. آيَةٌ قَاطِعَةٌ حَاسِمَة.. لَو تَأَمَّلْنَاهَا حَقَّ التَّأَمُّل لَوَقَفْنَا أَمَامَهَا نَرْتَجِفُ مِن عِظَمِ النِّعْمَةِ الَّتِي سَاقَهَا اللهُ إِلَيْنَا دُونَ حَولٍ مِنَّا ولا قُوَّة. أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا.. يَعْنِي فِي لُغَةِ القُرْآنِ أَنْ تَكُونَ فِي انْسِجَامٍ تَامٍّ مَعَ حَرَكَةِ الكَونِ كُلِّه. فَالكَوْنُ بِسَمَائِهِ وأَرْضِهِ، بِنُجُومِهِ ومَجَرَّاتِهِ، مُسْلِمٌ للهِ رَبِّ العَالَمِين طَوعًا وكَرْهًا. وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَهُزُّ الوِجْدَان: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: 83]. الشَّمْسُ مُسْلِمَةٌ لا تَتَمَرَّدُ عَلَى مَدَارِهَا، وَالكَوَاكِبُ مُسْلِمَةٌ سَاجِدَةٌ لِخَالِقِهَا، ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَكَ وبَيْنَ الكَوْن، أَنَّ الكَوْنَ مُسْلِمٌ بِالتَّسْخِير، بَيْنَمَا أَنْتَ — أَيُّهَا الإِنْسَانُ الكَرِيمُ المُخَيَّر — دَعَاكَ اللهُ لِتَكُونَ مُسْلِمًا "بِالاخْتِيَارِ وَالحُبّ". أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا، يَعْنِي أَنْ تَرْفَعَ رَايَةَ التَّسْلِيمِ المُطْلَقِ للهِ فِي قَلْبِكَ وَقَالَبِك. يَعْنِي أَنْ تَقُولَ بِيَقِينٍ كَمَا عَلَّمَنَا أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيهِ السَّلام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۝ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163]. تَأَمَّلُوا هَذِهِ الكَلِمَاتِ جَيِّدًا.. "مَحْيَايَ ومَمَاتِي لله". المِسْلِمُ الحَقِيقِيُّ لا يَعِشْ لِنَفْسِهِ، ولا يَعِيشُ لِهَوَاه، ولا يَعِيشُ لِجَمْعِ الدِّينَارِ والدِّرْهَم، بَل نَبْضُ قَلْبِهِ، وخَطَوَاتُ قَدَمِهِ، وكَدُّهُ فِي عَمَلِهِ، وتَرْبِيَتُهُ لأَوْلادِهِ.. كُلُّ ذَلِكَ يَسِيرُ تَحْتَ مِظَلَّةِ: "يَا رَبِّ إِنَّ هَذَا خَالِصٌ لِوَجْهِك". قالَ شَيْخُ الإِسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ الله: "الإِسْلامُ هُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ وَحْدَهُ، فَمَن اسْتَسْلَمَ لَهُ ولِغَيْرِهِ كَانَ مُشْرِكًا، ومَن لَم يَسْتَسْلِم لَهُ كَانَ مُسْتَكْبِرًا، ومَن اسْتَسْلَمَ للهِ وَحْدَهُ كَانَ مُسْلِمًا مُوَحِّدًا". وهَذَا الاستسلامُ ليسَ خُضُوعَ ذُلٍّ وانكِسَارٍ لِمَخلُوق، بل هُوَ غَايَةُ العِزِّ والتَّحَرُّر. حِينَ تَسْجُدُ للهِ وَحدَه، فَأَنْتَ فِي الحَقِيقَةِ تَقِفُ شَامِخًا أَمَامَ كُلِّ مَخْلُوقَاتِ الأَرْض، لا تَخْضَعُ لِرَئِيس، ولا تَرْكَعُ لِشَهْوَة، ولا تَسْتَعْبِدُكَ مَادَّة. وَلِكَي نَفْهَمَ هَذِهِ العِزَّة، تَعَالَوْا نَعُودْ بِالذَّاكِرَةِ إِلَى قِصَّةٍ كُتِبَتْ بِمَاءِ الذَّهَبِ فِي صَفَحَاتِ تَارِيخِنَا.. قِصَّةٌ تُلَخِّصُ مَعْنَى أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا.
يَوْمَ دَخَلَ رِبْعِيُّ بْنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، وَهُوَ صَحَابِيٌّ بِثِيَابٍ بَسِيطَةٍ ورُمْحٍ قَصِير، عَلَى "رُسْتُم" قَائِدِ جُيُوشِ الفُرْسِ. كَانَ رُسْتُم يَجْلِسُ عَلَى سَرِيرٍ مِن ذَهَب، مُحَاطًا بِالحَرِيرِ والتِّيِجَانِ والجَوَاهِر، يَظُنُّ أَنَّ هَذَا العَرَبِيَّ البَدَوِيَّ سَيَنْبَهِرُ أَوْ يَسْقُطُ رُعْبًا. لَكِنَّ المُسْلِمَ الَّذِي عَرَفَ اللهَ لا تُبْهِرُهُ قُشُورُ الدُّنْيَا. دَخَلَ رِبْعِيٌّ بِفَرَسِهِ حَتَّى وَطِئَ بِسَنَابِكِهَا بُسُطَهُمُ الفَاخِرَة، ولَمَّا سَأَلَهُ رُسْتُم بِاسْتِعْلاء: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُم؟ أَطْلَقَ رِبْعِيٌّ كَلِمَتَهُ الَّتِي لا تَزَالُ تَدْوِي فِي سَمَاءِ الإِنْسَانِيَّة: "اللهُ ابْتَعَثَنَا، لِنُخْرِجَ مَن شَاءَ مِن عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، ومِن ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَتِهَا، ومِن جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلام". يَا لَهَا مِن لَحْظَةٍ ذُرْوَة! إِنَّهَا البَصِيرَةُ الإِسْلامِيَّةُ حِينَ تَنْطِق. المُسْلِمُ هُنَا لا يَرَى نَفْسَهُ لاجِئًا ولا ذَلِيلاً، بَل يَرَى نَفْسَهُ مُنْقِذًا لِلْبَشَرِيَّةِ، يَحْمِلُ مَشْعَلَ العَدْلِ والنُّورِ فِي عَالَمٍ يَتَخَبَّطُ فِي ظُلُمَاتِ الجَوْرِ والعُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ الله. وهَل ظَنَنْتُم — عِبَادَ الله — أَنَّ الإِسْلامَ يَتَوَقَّفُ عِنْدَ الشُّعُورِ بِالعِزَّةِ أَو تَرْدِيدِ العَقَائِد؟ كَلَّا. أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا يَعْنِي أَنْ يَمْشِيَ إِسْلامُكَ عَلَى الأَرْضِ أَخْلاقًا تُرَى، ومُعَامَلَةً تُحَسّ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]. دَعَا وعَمِلَ، ثُمَّ اعْتَزَّ بِانْتِمَائِه. واسْمَعُوا لِهَذَا التَّعْرِيفِ النَّبَوِيِّ البَلِيغِ الَّذِي يَخْتَصِرُ المَسَافَات. يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ ويَدِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيه]. يَا الله! لَمْ يَقُل: المُسْلِمُ مَن أَطَالَ الصَّلاة، ولَم يَقُل مَن كَثُرَ صِيَامُه، مَعَ أَنَّهَا أَرْكَانٌ عَظِيمَة. بَل جَعَلَ العَلامَةَ الفَارِقَةَ هِيَ "السَّلامَةُ المُجْتَمَعِيَّة". المُسْلِمُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَأْمَنُ النَّاسُ بَوَائِقَه. فَكَيْفَ يَدَّعِي الإِسْلامَ مَن يَغْتَابُ أَعْرَاضَ النَّاس؟ وكَيْفَ يَدَّعِي الإِسْلامَ مَن يَأْكُلُ مَوَارِيثَ أَخَوَاتِه؟ وكَيْفَ يَدَّعِي الإِسْلامَ مَن يَغِشُّ فِي تِجَارَتِهِ؟ قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ الله: "لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي ولا بِالتَّحَلِّي، ولَكِنْ هُوَ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَل". وإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَعْرِفَ مَاذَا يَعْنِي أَنْ تَكُونَ مُسْلِمًا فِي وَقْتِ الأَزَمَات، فَتَأَمَّلْ حَالَ المُسْلِمِ عِنْدَ المَصَائِب. فِي زَمَنٍ نَرَى فِيهِ المَادِّيِّينَ يَنْتَحِرُونَ عِنْدَ أَوَّلِ خَسَارَةٍ مَالِيَّة، ويَنْهَارُونَ عِنْدَ أَوَّلِ مَرَض، يَقِفُ المُسْلِمُ كَالطَّوْدِ الشَّامِخ. لِمَاذَا؟ لأَنَّهُ يَمْلِكُ السِّرَّ الأَعْظَم: الرِّضَا بِالقَضَاءِ وَالقَدَر. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسَلَّم: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْر، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَه» [رَوَاهُ مُسْلِم]. إِنَّكَ حِينَ تَكُونُ مُسْلِمًا، أَنْتَ لا تَعْرِفُ اليَأْس. حَتَّى الشَّوْكَةُ الَّتِي تَشَاكُهَا، تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يُكَفِّرُ بِهَا مِن خَطَايَاك. هَذَا السَّلامُ النَّفْسِيُّ وَالرُّوحِيُّ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ شَرَحَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ: «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وبِالإِسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً». قَالَ: "لِلإِيمَانِ طَعْمٌ وَحَلاوَةٌ يَذُوقُهَا القَلْبُ كَمَا يَذُوقُ الفَمُ حَلاوَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، ومَتَى ذَاقَهَا القَلْبُ اسْتَحَالَ أَنْ يَبْتَغِيَ عَنْ الإِسْلامِ حِوَلًا". وَلْنَقِفْ مَعَ قِصَّةٍ أُخْرَى تُعَمِّقُ هَذَا المَعْنَى أَمَامَ الإِغْرَاءَاتِ والعَذَاب..
وَقَعَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ أَسِيرًا فِي يَدِ مَلِكِ الرُّوم. أَرَادَ مَلِكُ الرُّومِ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِن قَلْبِهِ هَذَا الإِسْلامَ الَّذِي يَسْرِي فِي دَمِه. فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإِغْرَاءَ الأَوَّل: "تَنَصَّرْ وَأُشَارِكْكَ فِي مُلْكِي وأُزَوِّجْكَ ابْنَتِي". فَمَاذَا قَالَ المُسْلِم؟ قَالَ: "وَاللهِ لَوْ أَعْطَيْتَنِي مُلْكَكَ وَمُلْكَ العَرَبِ عَلَى أَنْ أَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ طَرْفَةَ عَيْنٍ مَا فَعَلْت". فَلَمَّا يَئِسَ مِنْهُ، أَمَرَ بِقِدْرٍ مِن نُحَاسٍ فَأُغْلِيَ فِيهَا الزَّيْت، ثُمَّ أَمَرَ بِأَسِيرَيْنِ مِن المُسْلِمِينَ فَقُذِفَا فِيهَا حَتَّى طَفَتْ عِظَامُهُمَا، وثُمَّ أُمِرَ بِعَبْدِ اللهِ أَنْ يُلْقَى، فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِن القِدْرِ بَكَى. فَظَنَّ الطَّاغِيَةُ أَنَّهُ جَزِعَ وخَاف، فَقَالَ: رُدُّوه. وَقَالَ لَهُ: أَتَتَنَصَّر؟ قَالَ: لا. قَالَ: فَمَا يُبْكِيك؟ هَل تَعْلَمُونَ مَاذَا كَانَ يُبْكِي هَذَا المُسْلِم؟ هَل كَانَ يَبْكِي زَوْجَتَهُ ووَلَدَه؟ لا.. قَالَ كَلِمَةً تَخْفِقُ لَهَا القُلُوب: "بَكَيْتُ لأَنِّي قُلْتُ فِي نَفْسِي: تُلْقَى الآنَ فِي هَذِهِ القِدْرِ فَتَمُوتُ مَوْتَةً وَاحِدَة، ولَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِعَدَدِ شَعْرِ جَسَدِي أَنْفُسًا تُلْقَى كُلُّهَا فِي النَّارِ فِي سَبِيلِ الله". أَيُّ انْتِمَاءٍ هَذَا؟ وَأَيُّ عِزَّةٍ هَذِه؟ إِنَّهَا لَم تُبْنَ عَلَى قُشُور، بَل بُنِيَتْ عَلَى إِدْرَاكٍ حَقِيقِيٍّ لِعَظَمَةِ هَذَا الدِّين. أَيُّهَا المُؤْمِنُون.. لَقَد دَخَلْنَا فِي زَمَنٍ صَارَ فِيهِ الإِسْلامُ يَتَعَرَّضُ لِحَمَلاتِ تَشْوِيهٍ وتَمْيِيع. نَرَى شَبَابًا يَتَسَاءَلُونَ فِي مَتَاهَاتِ السُّوشِيَال مِيدْيَا وبَرَاثِنِ الإِلْحَادِ وَالشُّبُهَات. نَرَى مَن يَعْتَبِرُ الإِسْلامَ مُجَرَّدَ "طُقُوسِ الجُمُعَة" ثُمَّ يَنْخَرِطُ فِي حَيَاةٍ عَظِيمَةِ البُعْدِ عَن أَخْلاقِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء» [رَوَاهُ مُسْلِم]. الغَرِيبُ هُوَ الَّذِي يَعَضُّ عَلَى إِسْلامِهِ فِي زَمَنِ الانْفِلات، هُوَ الَّذِي يَقُولُ "لا" لِلْحَرَامِ حِينَ يَقُولُ الجَمِيعُ "نَعَم"، هُوَ الَّذِي يَتَذَكَّرُ كَلِمَةَ الفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْه: "نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلام، فَمَهْمَا ابْتَغَيْنَا العِزَّةَ فِي غَيْرِهِ أَذَلَّنَا الله". وَفِي الذِّرْوَةِ.. تَأَمَّلُوا أَعْظَمَ مِنَّةٍ مَنَّ اللهُ بِهَا عَلَيْنَا يَوْمَ عَرَفَة، حِينَ أَنْزَلَ تِلْكَ الآيَةَ الَّتِي أَبْكَتْ عُمَر: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. اللهُ — جَلَّ جَلالُهُ — رَضِيَ لَنَا هَذَا الدِّينَ، فَهَل رَضِينَا نَحْنُ بِه؟ هَل تَعِيشُ هَذِهِ الكَلِمَةُ فِي بُيُوتِنَا؟ هَل تَحْكُمُ شَاشَاتِ هَوَاتِفِنَا؟ هَل تُسَيِّرُ خِلافَاتِنَا الزَّوْجِيَّة وَتِجَارَتَنَا يَوْمِيًّا؟ إِنَّ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءُ بِأُمَمِهِم، سَيَكُونُ أَعْظَمَ شَرَفٍ لَكَ أَنْ يُنَادَى عَلَيْكَ لِتَقِفَ خَلْفَ لِوَاءِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، مَوْسُومًا بِسِيمَا الإِسْلامِ والوُضُوء، مُتَوَّجًا بِهَذِهِ الهُوِيَّةِ الكُبْرَى. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ أَجْمَعِين. أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ الله، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَن حَقِيقَةِ الإِسْلام، وكَيْفَ أَنَّهُ اسْتِسْلامٌ لله، وعِزَّةٌ فِي الهُوِيَّة، ووَاقِعٌ عَمَلِيٌّ يَمْشِي عَلَى الأَرْض، لا مُجَرَّدُ تَمَنٍّ. وَالسُّؤَالُ الأَهَمُّ الآن، والَّذِي سَيُحَدِّدُ هَل سَتَكُونُ هَذِهِ الخُطْبَةُ حُجَّةً لَنَا أَو عَلَيْنَا: كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الانْتِمَاءَ العَظِيمَ إِلَى وَاقِعٍ نَعِيشُهُ حَقًّا فِي أَيَّامِنَا؟ كَيْفَ نُثْبِتُ أَنَّنَا مُسْلِمُونَ فِعْلًا لا قَولاً؟ أُوصِيكُم بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُم:
الأُولَى (قَلْبِيَّة): جَدِّدُوا النِّيَّةَ كُلَّ صَبَاح. رَدِّدُوا بِيَقِينٍ كَلِمَاتِ النَّبِيِّ ﷺ: "رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا". هَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْر؛ هَذَا عَهْدٌ يَوْمِيٌّ أَنَّكَ قَبِلْتَ أَحْكَامَ الله، فَلَا تُعَارِضُ شَرْعَهُ بِهَوَاك، ولا تَشْكُو قَدَرَهُ بِجَزَع. مَن جَدَّدَ هَذِهِ النِّيَّةَ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ يَقِينًا يُوَاجِهُ بِهِ تَقَلُّبَاتِ الزَّمَان. الثَّانِيَة (لِسَانِيَّة): اضْبِطُوا أَلْسِنَتَكُم. قَد عَرَفْنَا أَنَّ المُسْلِمَ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِه. فَاليَوْمَ، لا تَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ تَجْرَح، ولا تَنْشُر إِشَاعَةً، ولا تُشَارِك فِي مَجْلِسِ غِيبَة. اتْرُكْ مُشَادَّاتِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الَّتِي لا تَجْلِبُ إِلَّا الضَّغِينَة. اجْعَلْ كَلِمَتَكَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلاقًا لِلشَّرّ. الثَّالِثَة (عَمَلِيَّة فِعْلِيَّة): حَافِظُوا عَلَى الصَّلاةِ المَكْتُوبَة، وَخَاصَّةً الفَجْر. إِنَّ الإِسْلامَ بِلا صَلاةٍ كَجَسَدٍ بِلا رُوح. لا تَقُلْ إِنَّنِي مُتْعَبٌ أَو عَمَلِي مُرْهِق، فَالصَّلاةُ هِيَ مِعْيَارُ اسْتِسْلامِكَ الحَقِيقِيّ. اضْبِطْ مُنَبِّهَكَ اللَّيْلَةَ عَلَى صَلاةِ الفَجْرِ، وَلْتَكُنْ أَوَّلَ خُطْوَةٍ عَمَلِيَّةٍ تُثْبِتُ بِهَا صِدْقَ انْتِمَائِك. الرَّابِعَة (اجْتِمَاعِيَّة): اجْعَلُوا الإِسْلامَ يَتَجَلَّى فِي بُيُوتِكُم. قَالَ ﷺ: «خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأَهْلِه». إِذَا عُدْتَ إِلَى بَيْتِكَ اليَوم، فَابْتَسِمْ فِي وَجْهِ زَوْجَتِك، واشْمَلْ أَبْنَاءَكَ بِالرَّحْمَة، وبَرَّ وَالِدَيْكَ إِنْ كَانَا حَيَّيْنِ أَو ادْعُ لَهُمَا إِنْ رَحَلَا. البُيُوتُ تُهْدَمُ بِالقَسْوَة، وتُبْنَى بَأَخْلاقِ الإِسْلامِ الرَّحِيمَة. الخَامِسَة (مَوْضُوعِيَّة): كُونُوا سُفَرَاءَ لِهَذَا الدِّين. فِي عَمَلِكَ، فِي مَدْرَسَتِكَ، فِي مُتَجَرِكَ؛ النَّاسُ تَقْرَأُ الإِسْلامَ فِي سُلُوكِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْرَأَهُ فِي الكُتُب. أَتْقِنْ عَمَلَكَ، أَوْفِ بِوَعْدِكَ، وكُنْ أَمِينًا صَادِقًا. فَكَم مِن رَجُلٍ دَخَلَ الإِسْلامَ لِمَوْقِفِ أَمَانَةٍ رَآهُ مِن مُسْلِمٍ عَابِر. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ الله، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ السِّرَاجُ الَّذِي يُنِيرُ لَكُمُ الدَّرْبَ، ويَحْفَظُ عَلَيْكُم هَذَا الدِّينَ العَظِيمَ حَتَّى تَلْقَوْهُ. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أُمِرْتُم بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ والعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْد. اللَّهُمَّ أَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا ولا مَفْتُونِين. اللَّهُمَّ ازْرَعْ حَلاوَةَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِنَا، واجْعَلْنَا مِمَّن اسْتَسْلَمَ لِأَمْرِكَ رِضًا وحُبًّا يا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرّ، وَاسْتَخْدِمْنَا ولا تَسْتَبْدِلْنَا فِي إِعْلاءِ كَلِمَتِكَ ونَشْرِ رَحْمَتِكَ فِي الأَرْض. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا أَلْسِنَةً صَادِقَة، وقُلُوبًا سَلِيمَة، ونَجِّنَا مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَن. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّن قَالُوا "رَبُّنَا اللهُ" ثُمَّ اسْتَقَامُوا. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَن زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا ومَوْلاهَا. عِبَادَ الله، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُم، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَر، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون. وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.