🕌 لماذا خُلِقنا؟ الغاية التي ضاعت في زحام الحياة
#خطبة_جمعة #الغاية_من_الخلق #العبادة #التفكر #معنى_الحياة #عقيدة
الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ بالحَقِّ ولم يَخْلُقْها عَبَثاً، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ العبادةَ غايةَ وُجودِنا، وسِرَّ بَقائنا، ومِفتاحَ نَجاتِنا يومَ العَرضِ عليه. وأشهَدُ أنَّ نبيَّنا ومُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، إمامُ العابدينَ وقُدوةُ السَّالكين، الذي قامَ لربِّه حتى تَفَطَّرَت قَدَماه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِهِ، وسَلَّمَ تسليماً كثيراً.
أمَّا بعد:
تَستيقظُ في الصَّباح، تَمضي إلى عَمَلِك أو دِراسَتِك، تَعودُ مُتعباً، تَأكُل، تُمسِكُ بهاتفك، ثم تَنام.. وتَدورُ العَجلة. تمضي عشرون سنة، ثم أربعون، ثم ستون. هل وقفتَ يوماً أمام المرآة وسألتَ نفسَك بصدق: "لماذا أنا هنا حقاً؟ وما الذي أفعلُه في هذه الدُّنيا؟" سؤالٌ واحد، إجابتُه تَصنعُ الفارقَ بين مَن يَعيشُ حياةَ الملوكِ في قلبِه، ومَن يعيشُ حياةَ الآلاتِ المُبرمَجة. فما هو هذا الفارق؟ الجوابُ بعد قليل.
أيها المسلمون، معاشرَ المصلين:
إنَّ أعظمَ مأساةٍ يمكن أن يعيشَها الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، ليست الفقر، ولا المرض، ولا فقدان المنصب.. بل أن يولدَ، ويعيشَ، ويموتَ، وهو لا يعرفُ "لماذا" وُجد أصلاً! أن يقطعَ رحلةَ العمرِ الطويلةَ تائهاً، يبحثُ عن المعنى في سَرابِ الدنيا، حتى يأتيه اليقين.
واسمعوا لهذا النداء الرباني الذي يوقظ العقول من سُباتها، يقول ربنا جل وعلا متسائلاً وموبخاً للغافلين: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. تأملوا كلمة "عبثاً". أيعقل أن هذا الكون العظيم، بشمسه وقمره، بليله ونهاره، وهذا الجسد المعقد الذي تحملونه، خُلق بلا غاية؟ مجرد ولادة ثم أكل ثم شرب ثم موت ثم تراب؟
إن الجواب على هذا السؤال الوجودي الكبير، لم يتركه الله لاجتهادات الفلاسفة، ولا لضلالات المفكرين، بل حسمه من فوق سبع سماوات في آية واحدة، هي دستور الحياة ومحور الوجود.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
هذا هو الجواب. العبادة.
ولكن، لعلكم تسألون: هل خلقنا الله لنبقى في المساجد ركّعاً سُجّداً طوال أعمارنا؟ هل العبادة أن نترك الدنيا ونهجر الحياة؟
الجواب قطعاً: لا. لقد فهمنا العبادة فهماً ضيقاً حين حصرناها في سجادة الصلاة.
واسمعوا كيف فسرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حين أعطاها معناها الواسع العظيم، قال: "العبادة اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة".
فالصلاة عبادة، وابتسامتك في وجه أخيك عبادة، وإطعامك لأولادك عبادة، وإتقانك لعملك عبادة، بل وحتى صبرك على هموم الحياة عبادة.
وفي الحديث الصحيح، يعلمنا نبينا ﷺ كيف تتحول الحياة كلها إلى عبادة، فيقول: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له» (رواه مسلم).
هذا هو العابد الحقيقي، قلبه متصل بالله في السراء والضراء، قد عرف غايته فلم يته في زحام الحياة.
أيها الأحبة:
لو نظرنا إلى حال كثير من الناس اليوم، لرأينا مشهداً محزناً. لقد تحولنا إلى أسرى لزحام الحياة. نركض خلف الرزق كأننا خُلقنا له، وننسى الرزّاق الذي خلقنا لعبادته.
تأملوا المفارقة العجيبة: الله عز وجل تكفّل لنا بالرزق، وطلب منا العبادة. فماذا فعل كثير منا؟ تركنا ما طُلب منا، وركضنا خلف ما تُكُفِّل لنا به!
إن من ينسى الغاية من خلقه، يتحول إلى كائن يستهلك الحياة استهلاكاً. يأكل، ويشرب، وينام، ويتفاخر بالبنيان والسيارات. وما الفرق حينها بينه وبين الدواب إن كانت هذه هي الغاية؟
واسمعوا كيف يصف الله تبارك وتعالى هذا الصنف الغافل من البشر، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12].
صورة مفزعة! أن يختزل الإنسان المكرّم عقله وروحه، ليصبح همه كهمِّ الأنعام، بطنه وشهوته!
وكان الحسن البصري رحمه الله يحذر من ضياع الغاية في زحام الأيام، فيقول كلمته الشهيرة: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك". فبأي شيء يذهب بعضك؟ هل يذهب في طاعة وبناء ومسير إلى الله، أم يذهب في غفلة وركض خلف سراب؟
ولنتأمل معاً، عباد الله، كيف كان أجدادنا من الصحابة يفهمون هذه الغاية فهماً أعمق من تنظيرنا.
دعونا ننتقل الآن ألفاً وأربعمائة سنة للخلف، إلى أرض فارس، إلى خيمة رستم قائد الفرس. خيمة مزينة بالذهب والحرير والديباج، يحيط بها جيش لا يُرى آخره.
وفي المقابل، يدخل رجل عربي بملابس بسيطة، يركب فرساً صغيرة، بيده رمح يقصد به تمزيق ذلك السجاد الفاخر، لا يعبأ بزينتهم ولا يخاف من كثرتهم. إنه الصحابي الجليل ربعي بن عامر رضي الله عنه.
يقف رستم متعجباً من هذا اليقين، ويسأل السؤال الأهم: "ما الذي جاء بكم؟".
فماذا تتوقعون أن يجيب البدوي البسيط؟ هل قال جئنا نبحث عن الغنائم؟ هل قال جئنا نتوسع في الأرض؟
لا والله! لقد لخص الغاية من الوجود البشري في كلمات تُكتب بماء الذهب.
قال ربعي بلسان الواثق المستعلي بإيمانه: "اللهُ ابتعثنا لِنُخْرِجَ من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سَعَة الدنيا والآخرة، ومن جَوْر الأديان إلى عَدْل الإسلام".
تأملوا هذا المشهد جيداً. رجل واحد، يقف أمام إمبراطورية كاملة، لكنه يمتلك شيئاً لا يمتلكونه: "وضوح الغاية". هو يعرف تماماً لماذا هو هنا. ومن عرف "لماذا" هانت عليه كل العقبات.
ويا عباد الله، إن هذه الغاية التي عرفها ربعي بن عامر، هي التي تمنح حياتنا اليومية معناها الحقيقي.
كيف نحول العادات إلى عبادات؟ كيف نجعل دراستنا، وعملنا، وزواجنا، جزءاً من هذه الغاية؟
السر كله يكمن في كلمة واحدة: "النيَّة".
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي هو ثلث الإسلام: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى» (متفق عليه).
هذا الحديث هو المفتاح السحري الذي يحول التراب إلى ذهب.
أنت تذهب إلى عملك كل صباح لتكسب رزقك. لو كانت نيتك مجرد المال، فهو مال. ولكن لو نويت بعملك أن تعفَّ نفسك، وتكفي أهلك، وتتصدق بفضله، وتتقوى به على طاعة الله.. تحولت الساعات الثماني التي تقضيها في وظيفتك إلى صلاة وعبادة مكتوبة في صحيفتك!
وقد قرر الإمام ابن القيم رحمه الله هذا المعنى البديع حين قال: "عادات العارفين عبادات، وعبادات الغافلين عادات".
نعم! العارف بالله، العارف بغايته، نومه عبادة لأنه يتقوى به على الفجر، وأكله عبادة لأنه يتقوى به على الطاعة.
واسمعوا لقول الصادق المصدوق ﷺ، وهو يبين سعة فضل الله لمن صحت نيته، قال: «إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ» (رواه البخاري).
يا لرحمة الله! اللقمة التي تضعها في فم زوجتك، متودداً لها، قاصداً بها وجه الله وحسن العشرة، تُكتب لك بها حسنة، وترفع بها درجة!
فإذا صحت النية، تحققت فيك الآية العظيمة، يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
محياي كله لله.. أنفاسي، خطواتي، سكناتي، أفراحي وأتراحي، كلها تصب في نهر الغاية العظمى.
أيها المؤمنون:
ولعلكم تسألون: إذا كانت الغاية هي العبادة، فلماذا خلق الله الموت والحياة؟ ولماذا وضعنا في هذا الابتلاء المستمر؟
يجيبنا القرآن إجابة حاسمة، يقول تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: 2].
تأملوا! لم يقل: "أكثر عملاً"، بل قال: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
سُئل الفضيل بن عياض رحمه الله عن معنى "أحسن عملاً"، فقال: "أخلصه وأصوبه". قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: "إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يُقبل، حتى يكون خالصاً صواباً. الخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".
إننا في قاعة امتحان يا عباد الله. الدنيا ليست دار مقر، بل دار ممر.
ولقد أخبرنا نبينا ﷺ بحقيقة هذه الدار في كلمات وجيزة تهز القلوب، قال: «الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ، وجَنَّةُ الكافِرِ» (رواه مسلم).
فكيف يطمع سجين أن يجد في سجنه كل ما يشتهي؟ وكيف نطلب الراحة الكاملة في دار طُبعت على الكدر، وخُلقت للابتلاء؟
دعونا ننتقل الآن إلى قصة نبي عظيم، رحل يبحث عن الغاية، ولم يرضَ بالقشور.
إنه إبراهيم الخليل عليه السلام، الشاب الذي رفض أن يعيش لشهوته، أو أن يعبد ما يعبده قومه تقليداً بلا بصيرة.
يصور لنا القرآن رحلة بحثه عن المعنى، وعن الإله المستحق للعبادة.
يقول الله تعالى واصفاً هذا المشهد المهيب: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: 76].
تأملوا جملة ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾. لا أحب الأشياء التي تغيب وتزول.
وهذه هي مشكلتنا مع زحام الحياة! نحن نتعلق بـ "الآفلين".
نتعلق بالمنصب، والمنصب زائل. نتعلق بالمال، والمال غادٍ ورائح. نتعلق بالشباب، والشباب يذبل ويفنى. نتعلق بالناس، والناس يموتون ويتغيرون.
إبراهيم عليه السلام أدرك أن الغاية لا يمكن أن تُبنى على شيء يزول. فلما رأى القمر أفل، ولما رأى الشمس أفلت.. ماذا قال؟
قال كلمته التي يجب أن تُنقش في قلب كل مسلم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79].
هنا استراح القلب. هنا وُجدت الغاية. وجهت وجهي للذي لا يفنى، ولا يموت، ولا يزول.
إخوتي في الله:
إن الفرق بين من عاش حياته يعرف غايته ويتقي ربه، وبين من عاش لبطنه وشهوته، كالفرق بين الحي والميت. وهذا الفرق لا يتجلى بوضوح إلا في اللحظة الأخيرة.. لحظة خروج الروح.
واسمعوا لهذا المشهد المفزع الذي يصفه لنا رسول الله ﷺ، في حديث البراء بن عازب الطويل، حين قال: «إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا كانَ في انْقِطاعٍ مِنَ الدُّنْيا وإقْبالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إلَيْهِ مَلائِكَةٌ مِنَ السَّماءِ، بيضُ الوُجُوهِ...» (رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح).
هذا العبد المؤمن، الذي عاش يتذكر لماذا خُلق، تأتيه الملائكة تبشره، وتخرج روحه تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء.
ولماذا لا تسيل وتفرح؟ وهو الذي سينادى بتلك الآية العظيمة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: 27-30].
أما الآخر.. الغافل.. اللاهي في زحام الدنيا.. الذي بنى القصور في الدنيا ونسي أن يبني خيمة في الآخرة..
فيأتيه ملائكة سود الوجوه، معهم مسوح من نار. وتُنتزع روحه كما يُنتزع السفود (الحديدة ذات الشوك) من الصوف المبلول.
ويوم القيامة يتفاجأ بما لم يحسب له حساباً، يقول تعالى عنه وعن أمثاله: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: 47].
...
فانتبه.
قبل أن يُسدل الستار.
هل حققنا الغاية التي من أجلها خُلقنا؟
هل صلاتنا صلاة مودع يعرف أنه سيقف بين يدي ربه قريباً؟
هل أعمالنا، نوايانا، طموحاتنا، تدور حول إرضاء الله أم إرضاء الناس؟
فمن ضيع الله فماذا وجد؟ ومن وجد الله فماذا ضيع؟
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
🕌 الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
عباد الله، تحدثنا في خطبتنا الأولى عن السؤال الأكبر: لماذا خُلقنا؟ ووقفنا مع معنى العبادة الشامل، وتعلمنا من ربعي بن عامر كيف يكون وضوح الغاية، ورأينا كيف تتحول عاداتنا إلى عبادات بالنية الصالحة. والآن، إخواني، بقي السؤال الأهم الذي سيحدد إن كانت هذه الخطبة ستمر مرور الريح أم ستثمر في قلوبكم: كيف نترجم هذا المعنى العظيم إلى واقع في حياتنا الزاحمة؟
أوصيكم بخمسٍ قبل أن أنزل من منبري، لتكون طوق نجاة في بحر هذه الدنيا:
الأولى (قلبية): جدِّد نيتك كل صباح. قبل أن تخرج من بيتك إلى عملك أو دراستك، قف لحظة وقل في نفسك: "يا رب، نويت بهذا العمل أن أعف نفسي، وأطعم أهلي، وأتقوى به على طاعتك". هذا التجديد اليومي يحول ساعات كدحك كلها إلى حسنات تُكتب في ميزانك.
الثانية (لسانية): لا يفتر لسانك عن سؤال الله الثبات على غايتك. ردد دائماً دعاء حبيبك ﷺ: «يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك». فالفتن خطافة، والقلب سريع التقلب، ولا عاصم إلا الله.
الثالثة (عملية فعلية): اجعل لك عملاً صالحاً خفياً لا يعلمه إلا الله، ولا تخبر به زوجة ولا ولداً ولا صاحباً. ركعتان في جوف الليل، أو صدقة تخفيها، أو دمعة خلوة. فهذه الخبيئة هي رصيدك الأصدق يوم تلقى الله، وهي التي تثبتك عند الشدائد.
الرابعة (اجتماعية): علّم أهل بيتك "لماذا" يعيشون، لا "كيف" ينجحون في الدنيا فقط. اربط أبناءك بالآخرة، حدّثهم عن الجنة والنار، واجعل مقياس الفخر في بيتك مرتبطاً بالصلاة والأخلاق، لا بالدرجات والأموال فحسب.
الخامسة (موضوعية): اقتطع من يومك المزدحم خمس دقائق فقط! خمس دقائق تجلس فيها وحدك، تغلق فيها هاتفك، وتخلو فيها بنفسك، وتتفكر: "ماذا قدمت اليوم لآخرتي؟ وهل أنا على الطريق الصحيح؟". هذه المحاسبة اليومية هي التي تمنعك من الغفلة الطويلة.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أنكم إليه راجعون، وأن الموعد قريب، يقول تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: 18].
ثم صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن عرف غايته فاستقام عليها، وممن أدرك سر وجوده فأخلص لك العمل.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.
اللهم أيقظ قلوبنا من رقدة الغافلين، ونبّهنا من سنة اللاهين، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا غير غضبان.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم كن للمستضعفين والمظلومين من المسلمين في كل مكان، عجل لهم بالفرج، وارفع عنهم الظلم والبلاء، واجعل لهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون.
فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
وأقم الصلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
لماذا خُلِقنا؟ الغاية التي ضاعت في زحام الحياة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.