من مكتبة مِداد الخطيب

العمل عبادة.. لا تنتظر المستقبل بل اصنعه

مشاركة
🕌 العمل عبادة.. لا تنتظر المستقبل بل اصنعه #خطبة_جمعة #العمل #الشباب #صناعة_المستقبل #الإتقان #التوكل_على_الله #مهارات #عقيدة الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ النَّهارَ مَعاشًا، وكتَبَ الرِّزقَ وقدَّرَهُ وقَسَمَه بحكمتِه، وأمَرَ عِبادَهُ بالسَّعيِ في الأرضِ ابتغاءَ فَضلِه. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَعَلَ العَمَلَ الصَّالحَ والكَسبَ الحَلالَ سَبيلًا إلى مَرضاتِه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ العامِلين، وقُدوةُ المُتَوَكِّلين، الذي رَعى الغَنَم، وبَنى المَسجِدَ بيَدِه، وصافَحَ العُمَّالَ وبَلَّغَ الرِّسالة، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلاً يجلسُ في غُرفته مُنغلقاً على نَفسه لسَنوات، يَنظرُ إلى سَقفِ حُجرته، يَنتظرُ أن يُطرقَ بابُه لتُقَدَّمَ له "وظيفةُ أحلامه" على طَبقٍ من ذَهب... وحينَ يَطولُ الانتظار، يَبدأ بِلَومِ الحَظِّ، ولَومِ المُجتمع، ولَومِ النَّصيب. هناك وَهمٌ كَبيرٌ نَعيشه اليومَ حول كلمة "المُستقبل"، وكأنَّ المستقبلَ مَحَطَّةُ قِطارٍ نَجلسُ لنَنتظرَ وُصولَه! وثلاثُ كلماتٍ فقط، صاغَها عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه، لو فَهِمناها حقَّ الفَهم، لَتَغَيَّرَت حياةُ ملايين المُحبَطين. ما هي؟ بعد قليلٍ نَقفُ عليها. أيها المؤمنون، لِنَضَعَ أيديَنا على الجُرح مُباشرة. انظُروا إلى بُيوتنا اليوم، انظُروا إلى أسواقنا، انظُروا إلى مَجالسِ الشَّباب. نَحنُ نَعيشُ في أزَمَةٍ عالميَّةٍ ضاغطة، تُشيرُ الإحصاءاتُ والأرقامُ إلى أنَّ بِطالةَ الشَّبابِ عالميَّاً قد بَلَغَت اليومَ نِسبَةً تُقاربُ الثَّلاثَةَ عَشَرَ بالمِئَة (12.4%). ملايينُ الشَّبابِ والفَتَياتِ حول العالَم، يَشعُرونَ بالضَّياع، يَملأُ الاكتئابُ صُدورَهم، يَشعُرون أنَّ الأبوابَ مُغلقة، وأنَّ الفُرصَ مُنعدمة. يَنتظرونَ حُكومةً تَمنَحُهم مَكتباً، أو شَركةً تَفتحُ لهم ذِراعيها. في وَسَطِ هذا الرُّكامِ من الإحباط، كَيفَ يَتَحَدَّثُ الإسلام؟ كَيفَ يُعالِجُ القُرآنُ هذه الهَزيمَةَ النَّفسيَّة؟ الإسلامُ — يا عِبادَ الله — لا يَعرِفُ ثقافةَ "الانتظار". الإسلامُ دينُ الحَرَكة، دينُ السَّعي، دينُ النُّهوض. اسمعوا لهذه الآيةِ العظيمة التي نَقرؤها كثيراً في سورةِ المُلك، يقولُ ربُّنا تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15]. تَأمَّلوا! لم يَقُل: "فاجلِسوا يَأتِكم رِزقُه"، ولم يَقُل: "فانتَظِروا في بُيوتكم". بل قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾. والمَشيُ في المَناكبِ يَعني صُعودَ الجِبال، وتَحَمُّلَ المَشاقّ، وضَربَ الأرضِ بَحثاً عن الفُرصة. اللهُ جَلَّ جَلالُه ضَمِنَ لكَ الرِّزق، لكنَّهُ شَرَطَ عليكَ السَّعي. لَقد حَوَّلَ الإسلامُ مَفهومَ "العَمَل" من مُجَرَّدِ وسيلةٍ لجَمعِ المال، إلى أرفَعِ دَرَجاتِ "العِبادة". نَحنُ نَظُنُّ أحياناً أنَّ العِبادةَ مَحصورةٌ بَينَ جُدرانِ المَسجد، بينَ تَكبيرةِ الإحرامِ والتَّسليم. هذا فَهْمٌ قاصِر. واسمعوا لهذا المَشهدِ النَّبويِّ العَجيب، لِتَعرِفوا مَنزلةَ العَمَلِ عندَ الله. مَرَّ على النَّبيِّ ﷺ وأصحابِهِ رَجُلٌ فيه جَلَدٌ وقُوَّة (أي نَشيطٌ وقَويُّ البِنية، ذاهِبٌ لِعَمَلِه)، فَرأى الصَّحابَةُ من قُوَّتِهِ ونَشاطِه ما أعجَبَهم، فقالوا: يا رسولَ الله، لو كانَ هذا في سَبيلِ اللهِ! (أي لو أنَّ هذه القُوَّةَ في الجِهادِ والصَّلاة). فماذا قالَ إمامُ العامِلين ﷺ؟ صَحَّحَ المِعيارَ فوراً وقال: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفَّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ...». يا سُبحانَ الله! الشَّابُّ الذي يَستيقظُ في الصَّباحِ الباكِر، يَحملُ عُدَّتَه، يَركبُ مَركَبَته، يَذهَبُ إلى مَصنَعِه، أو حَقلِه، أو مَكتبِه، أو مَتجَرِه، لِيَكفيَ نَفسَهُ السُّؤال، ويُطعِمَ أطفالَه حَلالاً... هو في عِبادة! عَرَقُ جَبينِه عِبادة، وتَعَبُ جَسَدِهِ صَدَقة، وخُطواتُهُ في سَبيلِ الله. قالَ الإمامُ الغزاليُّ رَحِمَهُ الله: "الأسواقُ مَحاريبُ العامِلين، مَن دَخَلَها بِنيَّةِ الكَفافِ والعِفَّةِ، كانَت سَاعاتُهُ فيها كَساعاتِ المُصَلِّي في مِحرابِه". وإذا أردتُم أن تَعرِفوا شَرَفَ العَمَلِ ويَدِ العامِل، فانظُروا إلى أنبياءِ اللهِ صَلواتُ اللهِ عَليهم. هَل كانَ فِيهم نَبيٌّ عاطِل؟ هَل كانَ فِيهم نَبيٌّ مُتَّكِل؟ هَل جَلَسُوا يَنتظرونَ أن تَهبِطَ عليهم مَوائدُ السَّماءِ بلا سَعي؟ دَعونا نَنتقل الآن إلى مَشهدٍ من مَشاهدِ المُلْكِ العَظيم. نَبيُّ اللهِ داوُدُ عليهِ السَّلام. مَلِكٌ مُطاع، أَلانَ اللهُ له الحَديد، وسَخَّرَ له الجِبالَ يُسَبِّحنَ مَعه، والطَّيرَ مَحشورة. يَملِكُ جُيوشاً وخَزائن. ومع هذا المُلْكِ كُلِّه... ماذا كانَ يَأكُل؟ وكَيفَ كانَ يَعيش؟ يَقولُ نَبيُّنا ﷺ — كما في صَحيحِ البُخاريِّ —: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». كانَ داوُدُ المَلِكُ، يَجلِسُ ليَطرُقَ الحَديدَ بيَدِه، يَصنَعُ الدُّروعَ ويَبيعُها لِيَأكُلَ من ثَمَنِها! ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ ۖ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]. اللهُ جَلَّ جَلالُهُ يُسَمِّي الحِرفَةَ والصَّنعَةَ ويَمتَنُّ بها على أنبيائِه! ونَبيُّنا محمَّدٌ ﷺ، سَيِّدُ الخَلق، رَعى الغَنَمَ على قَراريطَ لأهلِ مَكَّة. قادَ التِّجارةَ لخَديجة. لم يَجلِس يَوماً واحداً عَالةً على أحَد. كيفَ يُعقَلُ يا عِبادَ الله — بَعدَ هذا التَّاريخِ العَظيمِ من النَّشاطِ والإنتاج — أن نَرى اليومَ شَابّاً في عُنفوانِ قُوَّتِه، مُكتَمِلَ العَقل، صَحيحَ البَدَن، يَنامُ إلى أذانِ الظُّهْر، ثُمَّ يَستيقظُ لِيَجلِسَ على المَقاهي، أو يَتَصَفَّحَ هاتِفَهُ لساعاتٍ طِوال، ثم يَمُدَّ يَدَهُ إلى أبيهِ الشَّيخِ الكَبيرِ يَطلبُ مِنهُ مَصروفَ يَومِه؟! ثُمَّ يَتَذَمَّرُ من الحُكومةِ، ويَشتمُ الاقتِصاد، ويَقول: "لا توجَدُ وَظائفُ تَليقُ بِمُستواي"! أيُّ مُستوى هذا الذي يَمنَعُكَ من الضَّربِ في الأرض؟ أيُّ كِبرٍ هذا الذي يَجعَلُ البِطالةَ عِندَكَ أفضَلَ من العَمَلِ البَسيط؟ واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الَّذي يَقسِمُ الظَّهر، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» [رواه البخاري]. أن تَحمِلَ الحَطَبَ على ظَهرِكَ فَتَدمى كَتِفاك... خَيرٌ وأشرَفُ وأعظَمُ عِندَ اللهِ من أن تَجلِسَ ذَليلاً تَنتظرُ عَطاءَ النَّاس! ... وهُنا قَد يَقولُ قائِل: يا خَطيب، أنتَ لا تَعيشُ مَعنا. نحنُ في زَمَنِ الذَّكاءِ الاصطِناعيِّ، زَمَنِ التِّكنولوجيا الَّتي تَلتَهِمُ الوَظائف. الآلاتُ أصبَحَت تَعمَلُ بَدَلاً منَّا، والشَّركاتُ تُسَرِّحُ العُمَّال، وسُوقُ العَمَلِ يَتَغَيَّرُ بِقَسوَة. ماذا نَفعَل؟ يا عِبادَ الله... هذا هو التَّحَدِّي الحَقيقي. الدُّنيا تَتَغَيَّر، وهذا ابتِلاءٌ جَديد، لكِنَّ جَوابَ الإسلامِ واحِد: الإتقانُ وتَعَلُّمُ المَهاراتِ وإعدادُ العُدَّة. نَحنُ مُطالَبونَ بالأخذِ بالأسبابِ المُواكِبَةِ لِعَصرِنا. قالَ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. ومن القُوَّةِ اليوم: أن تَتَعَلَّمَ لُغةً جَديدة. ومن القُوَّة: أن تَتَعَلَّمَ مَهارةً رَقميَّة. ومن القُوَّة: أن تَتَأقلَمَ مَع الذَّكاءِ الاصطناعيِّ وتُسَخِّرَهُ لا أن تَخافَ مِنه. مَن يَجلِسُ اليَومَ يَبكي على المِهَنِ القَديمة، كَمَن يَبكي على طَلَل. المُؤمِنُ ابنُ وَقتِه. المَهارةُ اليَومَ هي سِلاحُك. الشَّهادةُ الجامِعيَّةُ وَحدَها لَم تَعُد تَكفي، القِيمةُ الحَقيقيَّةُ لَكَ في سُوقِ العَمَلِ هي: ماذا تُجيدُ أن تَفعَل؟ كَم تُتقِنُ عَمَلَك؟ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ الَّذي يَحفَظُهُ الصِّغارُ ويَغفَلُ عَنهُ الكِبار: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ». الإتقانُ ليسَ نَصيحَةً إداريَّة، بل هو طَريقٌ لِمَحَبَّةِ الله! المُؤمِنُ إذا صَنَعَ طاوِلةً أتقَنَها، وإذا بَرمَجَ حاسُوباً أتقَنَه، وإذا كَتَبَ خِطاباً أتقَنَه. والكارِثَةُ الكُبرى — أيُّها الإخوَة — حينَ نُغَلِّفُ كَسَلَنا وعَجزَنا بِغِلافٍ دِينيٍّ، فَنُسَمِّيهِ "تَوَكُّلاً على الله". وقَد رَأى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ قَوماً من اليَمَنِ، جاءوا إلى الحَجِّ بِلا زادٍ ولا مَال، يَسألونَ النَّاس، فَقالَ لَهم: مَن أنتُم؟ قالوا: نَحنُ المُتَوَكِّلون! فَرَدَّ عَليهِم الفَاروقُ بِكلِّ حَزمٍ، وتِلكَ هي الثَّلاثُ كَلِماتٍ الَّتي أشرتُ إليها أوَّلَ الخُطبَة: «بَل أَنْتُمُ المُتَآكِلُون! إِنَّمَا المُتَوَكِّلُ الَّذي يَبذُرُ حَبَّهُ فِي الأرضِ ويَتَوَكَّلُ عَلَى اللهِ». التَّوَكُّلُ أَن تَبذُرَ الحَبَّ، أن تَتَعَلَّم، أن تُرسِلَ سيرَتَكَ الذَّاتيَّةَ إلى مِئةِ مَكان، أن تَعمَلَ في وَظيفةٍ بَسيطةٍ بأجرٍ زَهيدٍ رَيثَما تَجِدُ الأفضَل، أن تَطرُقَ الأبواب... ثُمَّ بَعدَ ذَلك كُلِّه تَقُول: يا رَبِّ وَفِّقني. الخَللُ ليسَ في السَّماء، السَّماءُ مَليئةٌ بالرِّزق. قالَ الله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. الخَللُ في يَدِكَ الَّتي لا تَمتَد، وقَدَمِكَ الَّتي لا تَسعى. قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ بكلمةٍ تُكتَبُ بماءِ الذَّهَب: "الالتِفاتُ إلى الأسبابِ شِركٌ في التَّوحيد، ومَحوُ الأسبابِ أن تَكونَ أسباباً نَقصٌ في العَقلِ والشَّرع". أَي: لا تَعتَمِد على سَعيِكَ وَحدَه فَتَنسى الله، ولا تَترُك السَّعيَ بحُجَّةِ اعتِمادِكَ على الله. ... فيا مَن يَنتَظِرُ المُستَقبَل... المُستَقبَلُ لا يَأتي لِمَن يَجلِس. المُستَقبَلُ يُصنَعُ بيَدِ مَن يَنهَض. يا مَن أُغلِقَت في وَجهِهِ الأبواب، لا تَيأَس. رُبَّما أغلَقَ اللهُ عَنكَ باباً لِيَفتَحَ لَكَ أبواباً أُخرى لَم تَكُن تَحلُمُ بِها، لَكِنَّهُ يُمَحِّصُ صَبرَكَ وصِدقَ سَعيِك. كُن كَالطَّير، كَما وَصَفَها نَبيُّنا ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». تَغدو! أي تَخرُجُ في الصَّباحِ الباكِر، لا تَبقى في عُشِّها تَنتَظرُ الحَبَّةَ تَسقُطُ في فَمِها. نَسألُ اللهَ أن يَرزُقَنا هِمَّةَ السَّاعين، وعِفَّةَ العامِلين، ويَقينَ المُتَوَكِّلين. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، الرَّزَّاقِ ذي القُوَّةِ المَتين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ المُتَوَكِّلين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يَومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مع شَرَفِ العَمَلِ وقِيمَتِه، وكَيفَ أنَّ أنبياءَ اللهِ عَمِلوا بأيديهِم ولم يَستَنكِفوا، وعَرَفنا أنَّ التَّوَكُّلَ الحَقيقيَّ حَرَكةٌ وسَعيٌ وتَحطيمٌ لِقُيودِ الكَسَل، وأنَّ عالَمَنا اليَومَ يَتَغَيَّرُ ولا مَكانَ فيهِ لِعاجِزٍ يَبكي على ما فات. والآن، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا إلى خُطواتٍ في حَياتِنا اليَوميَّة؟ وكيف نَصنَعُ هذا المُستقبل؟ أوصيكُم بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): جَدِّد نِيَّتَكَ صَباحَ كُلِّ يَوم. أنتَ ذاهِبٌ إلى عَمَلِكَ — مَهما كانَ بَسيطاً — لِتَكُفَّ وَجهَك، وتُطعِمَ أطفالَك، وتَبني أُمَّتَك. اجعَل نِيَّتَكَ لله، فَتَتَحَوَّلُ سَاعاتُ الجُهدِ والمَشَقَّةِ ورُوتينِ المَكتَبِ أو الوَرشَةِ إلى أُجورٍ تُكْتَبُ لكَ في مِيزانِ حَسَناتِك كأنَّك صَائمٌ قائِم. ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. الثانية (لِسانيَّة): تَوَقَّف عَن الشَّكوى المُستَمِرَّة من سُوءِ الأوضاعِ وانعِدامِ الوَظائف. الشَّكوى تَسرِقُ طاقَتَك وتَجلِبُ اليَأس. استَبدِلها بكَثرَةِ الاستِغفار. نَعَم، الاستِغفار! ألَم يَقُلِ اللهُ على لِسانِ نُوحٍ عليه السَّلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ [نوح: 10-11]؟ الاستِغفارُ هو أَعظَمُ مِفتاحٍ لِمَغاليقِ الرِّزق. الثالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): تَعَلَّم مَهارةً جَديدةً ابتداءً من هَذا الأُسبوع. لا تَجلِس فَرِيسةً للهاتِفِ تَتَصَفَّحُ حَياةَ النَّاس. استَخدِم هذا الإنتَرنت الذي بَينَ يَدَيكَ لِتَتَعَلَّم — بَرمَجة، تَصميم، لُغة، صِيانَة، حِرفَة، تِجارَة إلكتُرونيَّة. السُّوقُ اليَومَ يَدفعُ لِمَن يَعرِف، لا لِمَن يَحمِلُ وَرَقَةً فَقط. ابدأ، فالخُطوةُ الصَّغيرَةُ اليَومَ هي مُستَقبَلُكَ غَداً. الرابعة (اجتماعيَّة): شَجِّعوا الشَّبابَ العامِل. إذا رَأيتُم شَابّاً بَدأَ مَشروعاً صَغيراً، أو يَقفُ على عَرَبَةٍ يَبيع، أو بَدأَ في حِرفَة، فادعَموه. اشتَروا مِنه، واذكُروهُ بِالخَير، واربِتوا على كَتِفِه. الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لِشَابٍّ مُكافِحٍ تُحيي قَلبَهُ وتَمُدُّهُ بِطاقَةٍ لا تُقَدَّرُ بِثَمَن. إيَّاكم والتَّقليلَ من جُهدِ أيِّ مُكافِحٍ يَطلُبُ الحَلال. الخامسة (موضوعيَّة): أتقِن عَمَلَك ولا تَغُشّ. إيَّاكَ وعَقليَّةَ "تَمشيةِ الحال". الإسلامُ لا يُريدُ منكَ عَمَلاً كَيفَما اتَّفَق. المُهَندِسُ المُسلِمُ أتقَنُ النَّاس، والمُعَلِّمُ المُسلِمُ أصدَقُ النَّاس، والصَّانِعُ المُسلِمُ أجوَدُ النَّاس. ﴿وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، وأنَّ اليَومَ الَّذي يَمضي لا يَعُود، فازرَعوا في دُنياكُم ما تَحصُدونَهُ في أُخراكُم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ عَليهِ في مُحكَمِ التَّنزيل، فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. 🤲 الدعاء اللَّهُمَّ يا رَزَّاقُ يا ذَا القُوَّةِ المَتين، ارزُق شَبابَنا وبَناتِنا من واسِعِ فَضلِك، وافتَح لَهم أبوابَ الرِّزقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ المُبارَكِ فيه. اللَّهُمَّ إنِّا نَعوذُ بِكَ من الهَمِّ والحَزَن، ونَعوذُ بِكَ من العَجزِ والكَسَل، ونَعوذُ بِكَ من الجُبنِ والبُخل، ونَعوذُ بِكَ من غَلَبَةِ الدَّينِ وقَهرِ الرِّجال. اللَّهُمَّ بارِك في عُقولِ الشَّباب، وألهِمهُمُ الصَّواب، وقِهم شَرَّ اليَأسِ والإحباط، واجعَلهُم سَواعدَ بِناءٍ لِهَذهِ الأُمَّة. اللَّهُمَّ ارزُقنا الإخلاصَ في العَمَل، والإتقانَ في الصَّنعَة، والعِفَّةَ في الكَسب، والقَناعَةَ بِما قَسَمت. اللَّهُمَّ اكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللَّهُمَّ أصلِح أحوالَ المُسلمينَ عامَّة، وَفَرِّج هُمومَ المَهمومين، ونَفِّس كُرَبَ المَكروبين، واقضِ الدَّينَ عن المَدينين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلمين، وارحَم مَوتانا ومَوتى المُسلمين. عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.