من مكتبة مِداد الخطيب

سلسلةُ مَنازِل الدَّارَين (1): حَقيقَةُ النَّارِ وأهوالُها

مشاركة
🕌 سلسلةُ مَنازِل الدَّارَين (1): حَقيقَةُ النَّارِ وأهوالُها #خطبة_جمعة #النار #الترهيب #اليوم_الآخر #عقيدة #رقائق الحمدُ للهِ القاهِرِ فَوقَ عِبادِه، الشَّديدِ عِقابُه، السَّريعِ حِسابُه، الذي خَلَقَ النَّارَ وجَعَلها مَثوًى للمُتَكَبِّرين، وعَذابًا للمُعانِدين، ومَصيرًا لِمَن طَغى وآثَرَ الحياةَ الدُّنيا. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، حَذَّرَنا من بأسِه، وخَوَّفَنا من بَطشِه رَحمةً بنا لنَتَّقيه. وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، البَشيرُ النَّذير، الذي طالما استَعاذَ باللهِ من عَذابِ جَهَنَّم، وحَذَّرَ أُمَّتَهُ من حَرِّها وزمهريرها، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وصَحبِه وسَلَّمَ تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: تَخَيَّلوا معي — يا عبادَ الله — أنَّكم تَجلِسون الآنَ في هُدوء، فإذا بكم تَسمَعون صَوتًا مُرعِبًا لِشَيءٍ ضَخمٍ يَسقُطُ في هُوَّةٍ عَميقة... يَسقُطُ ويَسقُطُ ولا يَصِلُ إلى القاع. هكذا سَمِعَ أصحابُ النبيِّ ﷺ صَوتًا مُفزِعًا ذاتَ يوم. فماذا كان هذا الصَّوت؟ وما هذه الهُوَّة التي لا قَرارَ لها؟ الجوابُ بَعدَ قَليل، وهو جوابٌ يَخلَعُ القُلوبَ الحَيَّة. أيها المؤمنون، نَشرَعُ اليومَ — بتَوفيقِ اللهِ — في سِلسِلَةِ خُطَبٍ نَقِفُ فيها على أعتابِ الآخِرة. نَبدأُ بجَلَساتٍ نَعيشُ فيها مع التَّرهيبِ من النَّارِ وأهوالِها، لِتَستَيقِظَ قُلوبُنا من غَفلتِها، وتَرتَدعَ نُفوسُنا عن مَعاصيها. ثم نُثَنِّي بَعدَها — إن شاءَ الله — بسِلسِلَةِ التَّرغيبِ في الجَنَّةِ ونَعيمِها، لِتَشتاقَ الأرواحُ وتَشمِّرَ العَزائِم. فالدِّينُ خَوفٌ ورَجاء، وكَما نَطيرُ إلى اللهِ بِجَناحِ الرَّجاءِ في رَحمتِه، يَجِبُ أن نَخافَ من سَخَطِه وعِقابِه. عبادَ الله، هل سألتُم أنفسَكم يومًا: هل النَّارُ مَوجودةٌ الآن؟ هل هي مَخلوقَةٌ تَنتَظِرُ أصحابَها، أم أنَّها سَتُخلَقُ يومَ القيامة؟ الجوابُ الشَّافي يَأتيكُم في صَحيحِ السُّنَّة. النَّارُ مَخلوقةٌ الآن، ومَوجودةٌ الآن، وتَتَأجَّجُ الآن! في صَلاةِ الكُسوف، قامَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي بالنَّاس، وفي أثنائِها تَقَدَّمَ إلى الأمام، ثم تَراجَعَ إلى الخَلفِ تراجُعًا شَديدًا. فَلَمَّا انتَهَتِ الصَّلاة، سَألَهُ الصَّحابةُ عن ذلك، فقال الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ: «إنِّي رَأيتُ الجَنَّة، فَتَناوَلْتُ عُنقودًا، ولَو أصَبتُهُ لأكَلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا، ورَأيتُ النَّارَ... فَلَم أرَ مَنظَرًا كَاليَومِ قَطُّ أفظَع» (متفق عليه). لقد رَأى النَّبيُّ ﷺ النَّارَ بِعَينَي رأسِه في دُنيانا هذه! رآها ورَأى بَعضَ أهلِها يُعَذَّبونَ فيها. إنَّها لَيست أُسطورةً، ولا خَيالًا نُخَوِّفُ به الأطفال، بَل هي الحَقيقَةُ الكُبرى الَّتي يَتَغافَلُ عَنها النَّاس، بَينما هي تَئطُّ وتَغلي وتَنتَظِرُ مَن يَرِدُها. ولَعَلَّكُم تَسألون: كم عُمقُ هذه النَّار؟ نَعودُ إلى الصَّوتِ المُرعِبِ الَّذي ذَكَرتُهُ لَكُم في بِدايَةِ الخُطبة. روى الإمامُ مُسلمٌ في صَحيحِه عَن أبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسولِ اللهِ ﷺ، إِذ سَمِعَ وَجبَةً (أي صَوتَ سُقوطٍ شَديد)، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ: «تَدرُونَ ما هَذا؟» قُلنا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ. قال: «هَذا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ في النَّارِ مُنذُ سَبعِينَ خَرِيفًا، فَهُوَ يَهوِي في النَّارِ الآنَ حَتَّى انتَهَى إِلى قَعرِها». يا سُبحانَ الله! سَبعونَ سَنةً وحَجَرٌ ضَخمٌ يَسقُطُ لا يَصطَدِمُ بِقاعِها! أيُّ مَساحَةٍ مُظلِمَةٍ مُرعِبَةٍ تِلك؟ وَكَيفَ بِإِنسانٍ ضَعيفٍ يُلقى فيها لِيَهوي في حَرِّها وظُلمَتِها؟! وأمَّا حَرُّها، فَلا يُقاسُ بِنارِ الدُّنيا البَتَّة. قال رَسولُ اللهِ ﷺ: «نارُكُم هَذِهِ الَّتي يُوقِدُ ابنُ آدَمَ جُزءٌ مِن سَبعِينَ جُزءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ». قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إِن كانَت لَكافِيَةً! (أي: لَو كانت كنار الدنيا لكفت في العذاب). قال: «فَإِنَّها فُضِّلَت عَلَيهِنَّ بِتِسعَةٍ وَسِتِّينَ جُزءًا، كُلُّهُنَّ مِثلُ حَرِّها» (متفق عليه). نارُ البَراكينِ الَّتي تُذيبُ الصُّخور، نارُ الأفرانِ الصِّناعيَّةِ الَّتي تَصهَرُ الحَديد، نارُ الحَرائِقِ الَّتي تُحيلُ المُدُنَ إلى رَماد — كُلُّهُنَّ جُزءٌ واحِدٌ مِن سَبعينَ جُزءًا مِن نارِ جَهَنَّم! ألا تَتَفَكَّرون في هذا المَشهَد؟ إنَّ أحَدَنا لَيَقِفُ أمامَ مَوقِدِ الغازِ في بَيتِه، فَتَلفَحُهُ الحَرارةُ فَيَرجِعُ إلى الخَلفِ مَذعورًا! إنَّ أحَدَنا لَيَلمِسُ إناءً ساخِنًا فَيَصرُخُ ويُبَرِّدُ يَدَهُ بِالماء! فَكَيفَ بِنارٍ وَقودُها النَّاسُ والحِجارة؟ يَقولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]. تَأمَّلوا كَلِمةَ: ﴿وَقُودُهَا﴾. لَيسَت تُوقَدُ بِالخَشَبِ ولا بِالفَحم، بَل وَقودُها النَّاسُ أنفُسُهُم! والحِجارة! قالَ ابنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه في تَفسيرِها: هي حِجارَةٌ مِن كِبريت، أُعِدَّت لِلكافِرين. والكِبريتُ أشَدُّ المَوادِّ اشتِعالًا وأنتَنُها رائِحَةً. وفي وَسَطِ هذا الجَحيم، مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِداد، قَد نُزِعَتِ الرَّحمَةُ مِن قُلوبِهِم تُجاهَ أهلِ النَّار، لا يَستَجيبونَ لِصُراخ، ولا يَرقُّونَ لِبُكاء. ولَعَلَّ قائِلًا يَقول: لَقَد تَحَدَّثتَ عَنِ المَكانِ والحَرارة... فماذا عَن طَعامِ أهلِها وشَرابِهِم؟ إذا جاعَ أهلُ النَّارِ — وجوعُهم عَذابٌ مُستَقِلٌّ بَعيدًا عَن حَرِّها — طَلَبوا الطَّعام. فَبِماذا يُغاثون؟ يَقولُ رَبُّنا تِبارَكَ وتَعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ ۝ لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7]. والضَّريعُ شَوكٌ خَبيثٌ يُمَزِّقُ الحُلوق. ثُمَّ يُزادُ لَهُم في العَذابِ فَيُطعَمونَ مِن شَجَرَةٍ رَهيبَة: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ ۝ طَعَامُ الْأَثِيمِ ۝ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ۝ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: 43-46]. شَجَرَةٌ تَخرُجُ في أصلِ الجَحيم، ثَمَرُها كَأنَّهُ رُؤوسُ الشَّياطين قُبحًا وبَشاعَة. يَأكُلونَها فَتَغلي في بُطونِهِم كَغَلَيانِ الزَّيتِ المُذاب! واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، فَقَد قَرَّرَ النَّبيُّ ﷺ بَشاعَةَ هذه الشَّجَرةِ فقال: «لَو أَنَّ قَطرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قَطَرَت في دارِ الدُّنيا، لَأَفسَدَت عَلى أَهلِ الدُّنيا مَعايِشَهُم» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح). قَطرةٌ واحِدَةٌ — يا عِبادَ الله — لَو سَقَطَت في كَوكَبِ الأرضِ لَأَفسَدَت مِياهَنا وزُروعَنا وهَواءَنا مِن شِدَّةِ نَتَنِها وسُمِّيَّتِها! فَكَيفَ بِمَن يَكونُ الزَّقُّومُ طَعامَهُ الَّذي يَملَأُ مِنهُ بَطنَه كُلَّ يَوم؟! فَإِذا غَلَى الزَّقُّومُ في بُطونِهِم، واشتَدَّ عَطَشُهُم واحتَرَقَت أكبادُهُم، استَغاثوا يَطلُبونَ الشَّراب. فَماذا يُسقَون؟ ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. ماءٌ كَالزَّيتِ المَغليِّ، إذا قَرَّبَهُ المَسكينُ لِيَشرَبَه، تَساقَطَ لَحمُ وَجهِهِ فيهِ مِن شِدَّةِ الحَرارةِ قَبلَ أن يَمَسَّ شَفَتَيه! فَإِذا شَرِبَهُ، قَطَّعَ أمعاءَه: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]. إِخوَتي المصلين... إِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ كانوا يَعرِفونَ حَقيقَةَ هذا المَصير، فَلَم يَكونوا يَقرَؤونَ هذه الآياتِ كَما نَقرَؤُها نَحنُ اليومَ لِمُجَرَّدِ التِّلاوَة. كانَتِ النَّارُ رَأيَ عَينٍ في قُلوبِهِم! مَرَّ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه يَومًا في الكوفَةِ بِالسُّوق، فَوَقَفَ أمامَ دُكَّانِ حَدَّاد. فَنَظَرَ إلى الحَديدِ وقَد أُدخِلَ في الكِير (الفُرن)، فاحمَرَّ وصارَ كَالجَمرَةِ المُلتَهِبة. فَماذا فَعلَ ابنُ مَسعود؟ هَل مَضى في طَريقِه؟ كَلَّا! وَقَفَ يَبكي ويَنتَحِب! تَذَكَّرَ بِهذا المَشهَدِ المُرعِبِ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ۝ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: 21-22]. صَوَّرَت لَهُ حَديدَةُ الدُّنيا مَقامِعَ الآخِرَة، فَطاشَ لُبُّهُ وبَكى مِن خَشيَةِ الله. وهذا أميرُ المُؤمِنينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ — الفَاروقُ الَّذي يَفِرُّ الشَّيطانُ مِن فَجِّه — خَرَجَ يَومًا يَعُسُّ في اللَّيلِ يَتَفَقَّدُ أحوالَ الرَّعِيَّة. فَمَرَّ بِبَيتِ رَجُلٍ مِنَ المُسلِمين يَتهَجَّدُ ويَقرَأُ مِن سُورَةِ الطُّور، حَتَّى بَلَغَ قَولَهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ۝ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: 7-8]. واسمَعوا ماذا حَدَثَ لِعُمَر! أسْنَدَ ظَهرَهُ إلى الجِدارِ، ونَزَلَتِ الآيَةُ عَلى قَلبِهِ كَالصَّاعِقَة. رَجَعَ إلى بَيتِهِ مَريضًا، وعادَهُ النَّاسُ شَهرًا كامِلًا يَعُودونَهُ ولا يَدرونَ ما مَرَضُه! مَرَضُهُ لَم يَكُن عُضويًّا، مَرَضُهُ أنَّ قَلبَهُ كادَ يَتَوَقَّفُ هَلَعًا مِن قَولِه: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾. وكانَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ كَثيرَ البُكاءِ والخَوف، فَقيلَ له: يا أبا سَعيد، إنَّكَ لَتُكثِرُ البُكاء! فَقالَ كَلِمَةً تَهُزُّ الضَّمائِر: "يَحِقُّ لي أن أبكي، وما يُدريني؟ لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلى بَعضِ ما يَكرَهُ مِن ذُنوبي فَمَقَتَني وقال: اذهَب فَلا أغفِرُ لَك! ثُمَّ إنَّما نَبكي لِخَوفِنا أن يَطرَحَنا في النَّارِ ولا يُبالي!". وقَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ في كُتُبِهِ أنَّ الخَوفَ مِنَ النَّارِ سَوطُ اللهِ الَّذي يَقودُ بِهِ النُّفوسَ الشَّارِدَةَ إلى جَنَّتِه. يا عِبادَ الله، كَيفَ نَرضى أن نَبيعَ جَنَّةً عَرضُها السَّماواتُ والأرض، بِشَهوَةٍ دَقيقَةٍ نَندَمُ عَلَيها أَبَدَ الآبِدين؟ كَيفَ يَستَهينُ بَعضُنا بِتَركِ الصَّلاة، وتَأخيرِها، والنَّبيُّ ﷺ يَقُولُ فيمَن يَنامُ عَن صَلاةِ الفَريضَةِ إنَّهُ يُرضَخُ رَأسُهُ بِحَجَرٍ في العَذاب؟ كَيفَ يَستَمرِئُ آكِلُ الرِّبا حَرامَه، والمُغتابُ غِيبَتَه، والظَّالِمُ ظُلمَه، وهُوَ يَعلَمُ أنَّ خَلفَهُ جَهَنَّمَ مِرصادًا؟ ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ۝ لِّلطَّاغِينَ مَآبًا ۝ لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 21-23]. وأعظَمُ مِن عَذابِ الجَسَدِ — يا مُؤمِنون — عَذابُ النَّفسِ واليَأسِ المَحْض. إِنَّ أهلَ النَّارِ إذا استَقَرُّوا فيها، وعايَنوا الخُلودَ الَّذي لا مَوتَ فيه، يَلجَؤونَ إلى خَزَنَةِ جَهَنَّم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 49]. لا يَطلُبونَ الخُروج! فَقَد عَرَفوا أنَّهُ لا خُروج. يَطلُبونَ تَخفيفَ العَذابِ "يَومًا" واحِدًا فَقَط لِيَستَريحوا! فَيَأتيهِمُ الرَّدُّ القاسي بِالرَّفض. فَيَلتَجِئونَ إلى كَبيرِ الخَزَنَةِ مالِك: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]. يا مالِك، سَلْ رَبَّكَ أن يُميتَنا لِنَرتاح! فَيَسكتُ عَنهُم مالِكٌ مِقدارَ ألفِ سَنة — كَما ذَكَرَ بَعضُ المُفَسِّرين — لا يُجيبُهُم لِيَزيدَ حَسرَتَهُم، ثُمَّ يَرُدُّ جَوابًا يَقطَعُ الآمال: ﴿قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾. لا مَوت، بَل بَقاءٌ أبَديٌّ في العَذاب. وفي آخِرِ المَطاف، يَتَوَجَّهونَ إلى أرحَمِ الرَّاحِمينَ، نادِمينَ باكين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107]. يا رَبِّ فُرسَةً أخيرَة! أعِدنا إلى الدُّنيا لِنُصَلِّي، لِنَغُضَّ البَصَر، لِنَتوب. فَيَأتيهِمُ الجَوابُ الَّذي تَنقَطِعُ عِندَهُ الكَلِماتُ ويَسودُ الصَّمتُ الأبَدي: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]. اخسَئوا كَما تُخسَأُ الكِلاب! ولا تُكَلِّموني! قالَ العُلَماء: فَبَعدَ هذه الآية، لا يُسمَعُ في النَّارِ إلَّا الشَّهيقُ والزَّفيرُ وعُواءٌ كَعُواءِ الكِلاب، قَد سُدَّت عَلَيهِمُ الأبوابُ، وانقَطَعَ الرَّجاء. يا مَن تَسمَعُني الآن، واللهِ إنَّ الفُرسَةَ لا تَزالُ قائِمَة، والبابَ لا يَزالُ مَفتوحًا. أنتَ الآنَ في دَارِ المُهلَة، تَستَطيعُ أن تَتوب، تَستَطيعُ أن تَرجِع، تَستَطيعُ أن تَمحُوَ كُلَّ صَحائِفِكَ السَّوداءِ بِدَمعَةٍ واحِدَةٍ وسَجدَةٍ صادِقَة. فَلماذا التَّأجيل؟ أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، يُجيرُ مَنِ استَجارَ به، ويُنَجِّي مَن لاذَ بِحِماه. والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، الَّذي أُرسِلَ رَحمَةً لِلعالَمين ونَذيرًا للغافِلين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن حَقيقَةِ نَارِ جَهَنَّم، وحَرِّها الَّذي لا يُطاق، وقَعرِها البَعيد، وطَعامِ أهلِها مِنَ الزَّقُّومِ والضَّريع، ثُمَّ وَقَفنا مَعَ حَسرَتِهِم وانقِطاعِ رَجائِهِم. والآنَ، ونَحنُ نَعيشُ في بَحبوحَةِ العُمُر وفُسحَةِ الإمهال، السُّؤالُ الأَهَمُّ: كَيفَ النَّجاة؟ وكَيفَ نَجعَلُ بَينَنا وبَينَ هذا المَصيرِ سَدًّا مَنيعًا؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، هيَ حِصنُكُم مِن جَهَنَّمَ بِإِذنِ الله: الأُولى (قَلبيَّة): التَّوبَةُ النَّصوحُ الآن! لا تُغادِر مَجلِسَكَ هذا إلَّا وقَد نَوَيتَ بَقَلبٍ صادِقٍ أن تَقطَعَ صِلَتَكَ بِكُلِّ ذَنبٍ تُصِرُّ عَلَيه. ذَنبُ الخَلَوات، أكلُ الحَرام، قَطيعَةُ الرَّحِم... انفُضها عَنكَ اليومَ قَبلَ أن تُنصَبَ المَوازين. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): استَجِر بِاللهِ مِنَ النَّارِ كُلَّ يَوم. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن سَأَلَ اللَّهَ الجَنَّةَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قالَتِ الجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أدخِلهُ الجَنَّةَ. ومَنِ استَجارَ مِنَ النَّارِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، قالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أجِرهُ مِنَ النَّارِ» (رواه الترمذي). وفي حَديثٍ آخَرَ صَحَّحَهُ بَعضُ العُلَماء: قُل بَعدَ الفَجرِ والمَغرِبِ سَبعَ مَرَّات: "اللَّهُمَّ أَجِرني مِنَ النَّار". كَلِماتٌ يَسيرَةٌ تَجعَلُ النَّارَ نَفسَها تَتَوَسَّلُ إلَى اللهِ ألَّا يُدخِلَكَ فيها. الثَّالِثَة (عَمَليَّة): الصَّدَقَة، ولَو بِشَيءٍ يَسير. قالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ: «اتَّقُوا النَّارَ ولَو بِشِقِّ تَمرَة» (متفق عليه). نِصفُ تَمرَةٍ تُطعِمُها لِمِسكينٍ أو جائعٍ قَد تَكونُ هيَ الحِجابَ الَّذي يَحجُبُ وَجهَكَ عَن لَفَحَاتِ جَهَنَّم! فَلا تَستَحقِرَنَّ مِنَ المَعروفِ شَيئًا. الرَّابِعَة (اجتِماعِيَّة): إنقاذُ أُسرَتِك. اللهُ لَم يَأمُركَ بِوِقايَةِ نَفسِكَ فَقَط، بَل قال: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. أيقِظ أبناءَكَ لِلصَّلاة، مُر زَوجَتَكَ وبَناتِكَ بِالحِجابِ والعِفَّة، طَهِّر بَيتَكَ مِنَ المُحَرَّمات. إنَّكَ إن تَرَكتَهُم عَلى مَعاصيهِم، كُنتَ كَمَن يَرى بَيتَهُ يَحتَرِقُ وعائِلَتُهُ في الدَّاخِلِ ثُمَّ يَقِفُ مُتَفَرِّجًا! الخامِسَة (مَوضوعِيَّة): دَمعَةٌ في خَلوَة. ابكِ مِن خَشيَةِ اللهِ في سُجودِكَ أو في جَوفِ اللَّيل، فَإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «عَينانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَت مِن خَشيَةِ اللَّهِ، وعَينٌ باتَت تَحرُسُ في سَبيلِ اللَّه» (رواه الترمذي). دَمعَةٌ حارَّةٌ في الدُّنيا، تُطفِئُ بِحارًا مِن نارِ الآخِرَة. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ العُمُرَ قَصير، والمَوتَ قَريب، والحِسابَ شَديد، ولَيسَ بَعدَ الدُّنيا إلَّا جَنَّةٌ أو نار. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلاةِ عَلَيهِ فَقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحَمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين، ومَن تَبِعَهُم بِإِحسانٍ إلى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن جَهَنَّم، اللَّهُمَّ أجِرنا مِنَ النَّار. اللَّهُمَّ حَرِّم أجسادَنا وأجسادَ آبائِنا وأُمَّهاتِنا وأبنائِنا عَلى النَّار. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِمَّن يَطلُبونَ الرَّجوعَ فلا يُستَجابُ لَهُم، ولا تَجعَلنا مِمَّن تَتَقَطَّعُ أمعاؤُهُم مِن شَرابِ الحَميم، ولا مِمَّن تَلفَحُ وُجوهَهُمُ النَّارُ وهُم فيها كالِحون. اللَّهُمَّ بَرِّد قُلوبَنا بِرَحمَتِك، وارزُقنا التَّوبَةَ النَّصوحَ قَبلَ المَوت، وثَبِّت أقدامَنا عَلى الصِّراطِ يَومَ تَزِلُّ الأقدام. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن يُقالُ لَهُم: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾. اللَّهُمَّ أصْلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، واحْقِن دِماءَهُم، وارْفَعِ الظُّلمَ عَنِ المَظلومينَ والمُستَضعَفين. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عَنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها أو طَلَب الخطبة الثَّانية من هذه السلسلة أو سِلسلة الجنَّة، فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.