من مكتبة مِداد الخطيب

آدَابُ استِعمَالِ الهَاتِفِ وَالتَّوَاصُلِ بِهِ فِي الإِسلَامِ: دَرسٌ عِلمِيٌّ وَتَربَوِيٌّ لِلشَّبَابِ وَالعَامَّةِ عَن ضَوَابِطِ الشَّاشَاتِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ وَحِفظِ الأَوقَاتِ وَالحُرُمَاتِ

مشاركة
آدَابُ استِعمَالِ الهَاتِفِ وَالتَّوَاصُلِ بِهِ فِي الإِسلَامِ: دَرسٌ عِلمِيٌّ وَتَربَوِيٌّ لِلشَّبَابِ وَالعَامَّةِ عَن ضَوَابِطِ الشَّاشَاتِ وَمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ وَحِفظِ الأَوقَاتِ وَالحُرُمَاتِ الحَمدُ للهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَم يَعلَم، وَسَخَّرَ لَنَا فِي هَذَا الكَونِ مِن وَسَائِلِ الِاتِّصَالِ وَالبَيَانِ مَا تَقَارَبَت بِهِ المَسَافَاتُ وَتَيَسَّرَت بِهِ مَصَالِحُ الأُمَم، وَجَعَلَ كُلَّ نِعمَةٍ يَتَقَلَّبُ فِيهَا العَبدُ ابتِلَاءً وَاختِبَارًا لِيَنظُرَ أَيَشكُرُ أَم يَكفُرُ، وَأَيُصلِحُ أَم يَظلِم، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الذَّاكِرِين، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُخبِتِينَ المُنيبِين، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، المُطلِعُ عَلَى مَا تَخطُّهُ الأَنَامِلُ وَمَا تُبصِرُهُ النَّوَاظِر، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بُعِثَ لِيُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخلَاقِ وَمَكَارِمَ الآدَاب، وَما تَرَكَ خَيرًا يُقَرِّبُ إِلَى اللهِ إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيهِ، وَلَا شَرًّا يُبعِدُ عَنِ اللهِ إِلَّا حَذَّرَهَا مِنهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ الأَبرَار، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُم - أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ، وَأَيُّهَا الشَّبَابُ الأَعِزَّاءُ - بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ الخَالِدَةِ؛ فَقَولِي لَكُم: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَمشَاكُم وَمَجلِسُكُم هَذَا فِي رِيَاضِ العِلمِ وَالإِيمَان. إِنَّ شَرِيعَةَ الإِسلَامِ العَظِيمَةَ لَم تَأتِ لِتَحكُمَ زَمَنًا دُونَ زَمَنٍ، وَلَا لِتُهَذِّبَ سُلُوكَ الإِنسَانِ فِي المَسجِدِ فَقَط ثُمَّ تَترُكَهُ فِي سُوقِهِ وَبَيتِهِ وَخَلوَتِهِ بِلَا هُدًى وَلَا مِيزَانٍ؛ بَل إِنَّ عَظَمَةَ هَذَا الدِّينِ تَتَجَلَّى فِي أَنَّ قَوَاعِدَهُ الأَخلَاقِيَّةَ وَآدَابَهُ الرَّبَّانِيَّةَ تَستَوعِبُ كُلَّ مُخترَعٍ جَدِيدٍ، وَتُرشِدُ المُسلِمَ فِي كُلِّ عَصرٍ إِلَى كَيفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ أَدَوَاتِ عَصرِهِ بِمَا يُرضِي رَبَّهُ وَيَحفَظُ كَرَامَتَهُ. وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا عَمَّت بِهِ البَلوَى وَشَاعَ استِعمَالُهُ فِي زَمَانِنَا هَذَا حَتَّى صَارَ لَا يُفَارِقُ كَفَّ الصَّغِيرِ وَلَا الكَبِيرِ، وَلَا الشَّابِّ وَلَا الشَّيخِ، وَلَا الرَّجُلِ وَلَا المَرأَةِ: هَذَا الجِهَازُ الصَّغِيرُ فِي حَجمِهِ، الهَائِلُ فِي أَثَرِهِ وَخَطَرِهِ، وَهُوَ «الهَاتِفُ المَحمُولُ وَوَسَائِلُ التَّوَاصُلِ الحَدِيثَةُ»! لَقَد صَارَ هَذَا الهَاتِفُ هُوَ آخِرَ مَا يَنظُرُ إِلَيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ قَبلَ نَومِهِم، وَأَوَّلَ مَا تَمتَدُّ إِلَيهِ أَيدِيهِم عِندَ استِيقَاظِهِم، يَدخُلُ مَعَنَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَيَجلِسُ بَينَنَا عَلَى مَوَائِدِ الطَّعَامِ، وَيُشَارِكُنَا خَلَوَاتِ الغُرَفِ وَأَسمَارَ اللَّيَالِي! وَهُوَ فِي ذَاتِهِ وِعَاءٌ وَآلَةٌ مُزدَوِجَةُ الحَدَّينِ: فَإِمَّا أَن يَكونَ مِنبَرَ خَيرٍ، وَمِفتَاحَ عِلمٍ، وَجِسرًا لِصِلَةِ الأَرحَامِ، وَمَزرَعَةً لِلحَسَنَاتِ الجَارِيَةِ الَّتِي تَثقُلُ بِهَا المَوَازِينُ؛ وَإِمَّا أَن يَنقَلِبَ - وَالعِيَاذُ بِاللهِ - إِلَى نَافِذَةٍ مِن نَوَافِذِ الجَحِيمِ، تَسرِقُ الأَعمَارَ، وَتَفضَحُ الأَستَارَ، وَتَجلِبُ السَّيِّئَاتِ الجَارِيَةَ وَالأَوزَارَ! وَمِن هُنَا؛ تَعَالَوا بِنَا فِي هَذَا الدَّرسِ التَّربَوِيِّ المَنهَجِيِّ لِنَضَعَ دُستُورًا إِيمَانِيًّا وَأَخلَاقِيًّا شَامِلًا لِآدَابِ استِعمَالِ الهَاتِفِ وَالتَّوَاصُلِ بِهِ، نَجمَعُهُ فِي سِتَّةِ مَحَاوِرَ أَسَاسِيَّةٍ يَحتَاجُ إِلَيهَا كُلُّ شَابٍّ وَفَتَاةٍ، وَكُلُّ وَالِدٍ وَمُرَبٍّ وَمُسلِمٍ يَرجُو اللهَ وَاليَومَ الآخِر. أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالشَّبَابُ الأَكَارِمُ: أَمَّا المِحوَرُ الأَوَّلُ وَالأَصلُ الأَعظَمُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الهَاتِفِ، فَهُوَ «استِحضَارُ المَسؤُولِيَّةِ عَنِ الجَوَارِحِ، وَمُرَاقَبَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الخَلَوَاتِ خَلفَ الشَّاشَاتِ»: اِعلَمْ - أَيُّهَا الشَّابُّ المُبَارَكُ، وَأَيَّتُهَا الأُختُ العَفِيفَةُ - أَنَّكَ حِينَ تُمسِكُ بِهَاتِفِكَ، فَإِنَّكَ تُشَغِّلُ أَربَعَ جَوَارِحَ مِن أَعظَمِ جَوَارِحِكَ: تُشَغِّلُ عَينَكَ بِالنَّظَرِ، وَأُذُنَكَ بِالسَّمَاعِ، وَلِسَانَكَ وَبَنَانَكَ بِالكَلَامِ وَالكِتَابَةِ، وَقَلبَكَ بِالتَّفكِيرِ وَالإِرَادَةِ! وَقَد أَخبَرَكَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ أَنَّ هَذِهِ الجَوَارِحَ كُلَّهَا مَوقُوفَةٌ لِلسُّؤَالِ وَالحِسَابِ يَومَ القِيَامَةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ۝ ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. بَل إِنَّ هَذِهِ الأَصَابِعَ الَّتِي تَتَحَرَّكُ عَلَى لَوحَةِ مَفَاتِيحِ الهَاتِفِ لِتَكتُبَ رِسَالَةً، أَو تَضغَطَ إِعجَابًا، أَو تَبحَثَ عَن مَقطَعٍ، سَتَنطِقُ يَومَ القِيَامَةِ أَمَامَ اللهِ وَتَشهَدُ عَلَى صَاحِبِهَا بِكُلِّ لَمسَةٍ لَمَسَتهَا! اسْمَعُوا إِلَى قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وَقَولِهِ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فُصِّلَت: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾. وَإِنَّ أَعظَمَ امتِحَانٍ يُوَاجِهُهُ الشَّابُّ مَعَ الهَاتِفِ هُوَ امتِحَانُ «الخَلوَةِ»؛ حِينَ يَخلُو الإِنسَانُ بِنَفسِهِ فِي غُرفَتِهِ، وَيُغلِقُ بَابَهُ، وَيَضعُ السَّمَّاعَتَينِ فِي أُذُنَيهِ، وَيَظُنُّ أَنَّهُ بِمَأْمَنٍ عَن أَعيُنِ الأَبِ وَالأُمِّ وَالنَّاسِ، فَيُزَيِّنُ لَهُ الشَّيطَانُ الدُّخُولَ إِلَى المَوَاقِعِ المُحَرَّمَةِ، وَالنَّظَرَ إِلَى العَورَاتِ وَالفَوَاحِشِ! هُنَا تَذكَّرْ - يَا أَخِي الحَبِيبَ - أَنَّ الَّذِي خَلَقَ عَينَكَ يَرَاكَ، وَأَنَّ الَّذِي أَقدَرَكَ عَلَى حَركَةِ أُصبُعِكَ مُطَّلِعٌ عَلَيكَ! وَتَذكَّرْ ذَلِكَ الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ المَهِيبَ الَّذِي تَرتَعِدُ لَهُ فَرَائِصُ المُؤمِنِينَ، وَالَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ ابنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالرُّويَانِيُّ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»! فَخَافَ الصَّحَابَةُ خَوفًا شَدِيدًا، وَقَالَ ثَوبَانُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا»! فَاللهَ اللهَ فِي خَلَوَاتِكُم مَعَ هَوَاتِفِكُم! اِجعَلُوا تَقوَى اللهِ وَغَضَّ البَصَرِ حَارِسًا عَلَى شَاشَاتِكُم، طَاعَةً لِقَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ۝ ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾. وَاعلَمُوا أَنَّ مَن تَرَكَ النَّظرَةَ الحَرَامَ عَلَى شَاشَةِ هَاتِفِهِ خَوفًا مِنَ اللهِ وَحَيَاءً مِنهُ، أَورَثَهُ اللهُ فِي قَلبِهِ نُورًا وَحَلَاوَةً وَطُمَأنِينَةً لَا تُقَدَّرُ بِالأَموَالِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: وَأَمَّا المِحوَرُ الثَّانِي مِن آدَابِ الهَاتِفِ، فَهُوَ «فِقهُ الِاستِئذَانِ فِي الِاتِّصَالِ، وَمُرَاعَاةُ أَوقَاتِ النَّاسِ، وَاحتِرَامُ الخُصُوصِيَّاتِ»: لَقَد عَلَّمَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ فِي سُورَةِ النُّورِ أَحكَامَ الِاستِئذَانِ عِندَ دُخُولِ البُيُوتِ، وَحَدَّدَ ثَلَاثَ عَورَاتٍ وَأَوقَاتٍ يَخلُو فِيهَا الإِنسَانُ لِرَاحَتِهِ وَنَومِهِ: قَبلَ صَلَاةِ الفَجرِ، وَوَقْتَ الظَّهِيرَةِ وَالقَيلُولَةِ، وَمِن بَعدِ صَلَاةِ العِشَاءِ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي آدَابِ الاستِئذَانِ: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾. وَقَد قرَّرَ عُلَمَاءُ الإِسلَامِ أَنَّ «الِاتِّصَالَ الهَاتِفِيَّ هُوَ طَرقٌ لِبَابِ البَيتِ عَن بُعدٍ، وَدُخُولٌ إِلَى غُرفَةِ الإِنسَانِ بِالصَّوتِ»! فَكُلُّ مَا يَجرِي عَلَى الِاستِئذَانِ الحِسِّيِّ عَلَى الأَبوَابِ يَجرِي عَلَى الِاتِّصَالِ بِالهَاتِفِ؛ وَمِن ذَلِكَ خَمسَةُ آدَابٍ رَفِيعَةٍ يَغفُلُ عَنهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الأَدَبُ الأَوَّلُ: اِختِيَارُ الوَقتِ المُنَاسِبِ لِلاتِّصَالِ؛ فَلَا يُتَّصَلُ بِالنَّاسِ فِي سَاعَاتِ اللَّيلِ المُتَأَخِّرَةِ، أَو وَقتِ القَيلُولَةِ وَالرَّاحَةِ، أَو أَوقَاتِ الصَّلَوَاتِ المَفرُوضَةِ، إِلَّا لِضَرُورَةٍ قُصوَى أَو أَمرٍ طَارِئٍ لَا يَحتَمِلُ التَّأجِيلَ! الأَدَبُ الثَّانِي: عَدَمُ الإِلحَاحِ المُزعِجِ فِي الرَّنِينِ إِذَا لَم يَرُدَّ صَاحِبُ الهَاتِفِ؛ فَبَعضُ النَّاسِ إِذَا اتَّصَلَ بِأَخِيهِ فَلَم يَرُدَّ، أَعَادَ الِاتِّصَالَ عَشرَ مَرَّاتٍ مُتَتَالِيَةٍ، ثُمَّ غَضِبَ وَأَسَاءَ الظَّنَّ وَقَال: «فُلَانٌ يَتَكَبَّرُ عَلَيَّ وَلَا يَرُدُّ عَلَى اتِّصَالِي»! وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «الِاستِئذَانُ ثَلَاثٌ، فَإِن أُذِنَ لَكَ وَإِلَّا فَارجِعْ»! فَقَد يَكُونُ أَخُوكَ يُصَلِّي، أَو نَائِمًا، أَو مَرِيضًا، أَو مَشغُولًا مَعَ أَهلِهِ أَو عَمَلِهِ، أَو لَا يَرغَبُ فِي الكَلَامِ فِي تِلكَ السَّاعَةِ؛ فَمِن حُسنِ الخُلُقِ أَن تَكتَفِيَ بِاتِّصَالٍ أَوِ اثنَينِ، أَو تُرسِلَ لَهُ رِسَالَةً نَصِّيَّةً لَطِيفَةً تُخبِرُهُ فِيهَا بِحَاجَتِكَ وَتَلتمِسَ لَهُ العُذرَ! الأَدَبُ الثَّالِثُ: البَدءُ بِالسَّلَامِ وَالتَّعرِيفُ بِالنَّفسِ عِندَ الِاتِّصَالِ؛ فَقَد كَانَ مِن هَديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا استَأذَنَ عَلَيهِ أَحَدٌ أَن يُحِبَّ مِنهُ أَن يَذكُرَ اسمَهُ صَرِيحًا؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَال: أَتَيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي دَينٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقتُ البَابَ، فَقَال: «مَن ذَا؟»، فَقُلتُ: «أَنَا»، فَقَال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَنَا، أَنَا!» كَأَنَّهُ كَرِهَهَا! فَإِذَا اتَّصَلتَ بِأَحَدٍ فَقُلْ: «السَّلَامُ عَلَيكُم، أَنَا أَخُوكَ فُلَانٌ»، وَلَا تَقُلْ لَهُ: «أَلَم تَعرِفْ صَوتِي؟ خَمِّنْ مَن مَعَكَ!» فَإِنَّ هَذَا مِنَ الثَّقَالَةِ وَإِضَاعَةِ الوَقتِ. الأَدَبُ الرَّابِعُ: تَحرِيمُ التَّجَسُّسِ عَلَى هَوَاتِفِ الآخَرِينَ أَوِ النَّظَرِ فِيهَا بِغَيرِ إِذنِهِم؛ فَالهَاتِفُ اليَومَ هُوَ مُستَودَعُ أَسرَارِ الإِنسَانِ وَصُوَرِ أَهلِهِ وَبَيتِهِ وَحِسَابَاتِهِ وَمُرَاسَلَاتِهِ، فَمَن فَتَحَ هَاتِفَ أَخِيهِ أَو صَدِيقِهِ أَو زَوجِهِ خِلسَةً لِيُفَتِّشَ فِي رَسَائِلِهِ وَصُوَرِهِ، أَو استَرَقَ النَّظَرَ إِلَى شَاشَةِ مَن يَجلِسُ بِجِوَارِهِ، فَقَد وَقَعَ فِي كَبِيرَةِ التَّجَسُّسِ الَّتِي نَهَى اللهُ عَنهَا فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ فَقَال: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَن نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيرِ إِذنِهِ، فَإِنَّمَا يَنظُرُ فِي النَّارِ»! الأَدَبُ الخَامِسُ: حِفظُ أَمَانَةِ المُرَاسَلَاتِ وَالمُكَالَمَاتِ؛ فَلَا يَجُوزُ شَرعًا تَسجِيلُ مُكَالَمَةِ أَخِيكَ المُسلِمِ بِغَيرِ عِلمِهِ وَإِذنِهِ لِتَفضَحَهُ بِهَا، وَلَا يَجُوزُ تَصوِيرُ الشَّاشَةِ لِمُحَادَثَةٍ خَاصَّةٍ ائتَمَنَكَ عَلَيهَا صَاحِبُهَا ثُمَّ نَشرُهَا بَينَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ عَن جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالحَدِيثِ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ»، وَفِي لَفظٍ: «المَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالشَّبَابُ: وَأَمَّا المِحوَرُ الثَّالِثُ، فَهُوَ «آدَابُ الكَلِمَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالنَّشرِ، وَالتَّحذِيرُ مِنَ الشَّائِعَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ الجَارِيَةِ»: إِنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي يَكتُبُهَا الإِنسَانُ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، أَوِ المَقطَعَ الَّذِي يُعِيدُ إِرسَالَهُ بِضَغطَةِ زِرٍّ وَاحِدَةٍ، قَد يَبلُغُ المَشرِقَ وَالمَغرِبَ فِي ثَوَانٍ مَعدُودَةٍ! وَقَد أَخبَرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ ق أَنَّ كُلَّ مَا يَصدُرُ عَنِ الإِنسَانِ مَحفُوظٌ مَرصُودٌ فَقَال: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وَقَالَ الإِمَامُ الأَوزَاعِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ السَّلَفِ: «القَلَمُ أَحَدُ اللِّسَانَينِ»؛ فَمَا تَكتُبُهُ بِيَدِكَ عَلَى الهَاتِفِ هُوَ كَمَا تَلفِظُهُ بِلِسَانِكَ فِي المِيزَانِ! وَإِنَّ مِن أَخطَرِ آفَاتِ الهَوَاتِفِ اليَومَ ثَلَاثَ آفَاتٍ مَاحِقَةٍ: الأُولَى: «تَروِيجُ الأَخبَارِ الكَاذِبَةِ وَالأَحَادِيثِ المَوضُوعَةِ بِلَا تَثَبُّتٍ»؛ فَبِمُجَرَّدِ أَن تَصِلَ الرِّسَالَةُ إِلَى هَاتِفِ البَعضِ، تَجِدُهُ يُبَادِرُ بِإِرسَالِهَا إِلَى جَمِيعِ المَجمُوعَاتِ دُونَ أَن يَتَبَيَّنَ صِدقَهَا مِن كَذِبِهَا، وَأَخطَرُ ذَلِكَ أَن يَنشُرَ حَدِيثًا مَكذُوبًا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَكتُوبًا فِي آخِرِهِ: «انشُرْهَا تُؤجَرْ، وَلَا تَجعَلهَا تَقِفُ عِندَكَ»! فَاحذَرُوا هَذَا الفَخَّ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وَفِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي رُؤيَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُشرشَرُ شِدقُهُ إِلَى قَفَاهُ وَمَنخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَينُهُ إِلَى قَفَاهُ بِكَلُّوبٍ مِن حَدِيدٍ؛ فَلَمَّا سَأَلَ عَنهُ قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ الرَّجُلُ يَغدُو مِن بَيتِهِ فَيَكذِبُ الكَذبَةَ تَبلُغُ الآفَاقَ»! وَمَا أَسرَعَ مَا تَبلُغُ الكَذبَةُ الآفَاقَ اليَومَ بِضَغطَةِ زِرٍّ عَلَى الهَاتِفِ! وَالآفَةُ الثَّانِيَةُ: «الغِيبَةُ وَالسُّخرِيَةُ وَالتَّنَمُّرُ الإِلِكترُونِيُّ وَالفُحشُ فِي التَّعلِيقَاتِ»؛ فَتَرَى بَعضَ الشَّبَابِ يَدخُلُ بِاسمٍ حَقِيقِيٍّ أَو مُستَعَارٍ، فَيَسُبُّ هَذَا، وَيَسخَرُ مِن صُورَةِ ذَاكَ، وَيَطعَنُ فِي أَعرَاضِ المُسلِمِينَ! وَقد حَذَّرَ اللهُ مِن ذَلِكَ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَيسَ المُؤمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا اللَّعَّانِ، وَلَا الفَاحِشِ، وَلَا البَذِيءِ». وَالآفَةُ الثَّالِثَةُ: «السَّيِّئَاتُ الجَارِيَةُ»؛ فَكَم مِن شَابٍّ أَو فَتَاةٍ نَشَرَ عَلَى حِسَابِهِ فِي الهَاتِفِ مَقطَعًا فِيهِ غِنَاءٌ وَمَعَازِفُ، أَو صُورَةً فِيهَا تَبَرُّجٌ وَعُريٌ، أَو كَلَامًا فِيهِ شُبهَةٌ أَو بِدعَةٌ أَو فُجُورٌ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ المَوتُ فَجأَةً فَوُضِعَ فِي قَبرِهِ، وَبَقِيَ حِسَابُهُ مَفتُوحًا يَدخُلُ إِلَيهِ الآلَافُ يَسمَعُونَ وَيَنظُرُونَ، فَتَجرِي عَلَيهِ الأَوزَارُ فِي قَبرِهِ! قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجرِ مِثلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن أُجُورِهِم شَيئًا، وَمَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا»! فَطَهِّرْ هَاتِفَكَ وَحِسَابَاتِكَ مِنَ الآثَامِ قَبلَ أَن تُفَارِقَ الأَيَّامَ، وَاجعَلْ هَاتِفَكَ مَنَارَةً لِنَشرِ القُرآنِ، وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالعِلمِ النَّافِعِ الصَّحِيحِ، لِتَكُونَ لَكَ صَدَقَةً جَارِيَةً بَعدَ مَمَاتِكَ! وَأَمَّا المِحوَرُ الرَّابِعُ - يَا شَبَابَ الإِسلَامِ - فَهُوَ «الضَّوَابِطُ الشَّرعِيَّةُ فِي التَّوَاصُلِ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ عَبرَ الهَاتِفِ»: إِنَّ الشَّيطَانَ يَجرِي مِنَ ابنِ آدَمَ مَجرَى الدَّمِ، وَلَا يَأْتِي إِلَى الشَّابِّ المُلتَزِمِ أَوِ الفَتَاةِ العَفِيفَةِ فَيَقُولُ لَهُمَا ابتِدَاءً: «اِقعَا فِي الفَاحِشَةِ»؛ بَل يَستَدرِجُهُمَا خُطوَةً خُطوَةً عَبرَ الهَاتِفِ وَالمُرَاسَلَاتِ الخَاصَّةِ! تَبدَأُ بِرِسَالَةٍ عَابِرَةٍ بِحُجَّةِ السُّؤَالِ عَن دِرَاسَةٍ أَو عَمَلٍ أَو نَصِيحَةٍ دِينِيَّةٍ، ثُمَّ تَتَحَوَّلُ إِلَى مُزَاحٍ وَضَحِكٍ وَإِرسَالِ رُمُوزٍ عَاطِفِيَّةٍ، ثُمَّ تَتَطَوَّرُ إِلَى مُكَالَمَاتٍ لَيلِيَّةٍ وَإِرسَالِ صُوَرٍ خَاصَّةٍ، حَتَّى تَنتَهِيَ بِانكِسَارِ القُلُوبِ، وَضَيَاعِ العِفَّةِ، وَفَضَائِحِ الِابتِزَازِ، وَخَرَابِ البُيُوتِ العَامِرَةِ! وَلِهَذَا حَذَّرَنَا اللهُ تَعَالَى مِن خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ، وَوَضَعَ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ الضَّابِطَ الصَّارِمَ لِلكَلَامِ عِندَ الحَاجَةِ بَينَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الأَجنَبِيَّاتِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾. فَالخَلوَةُ الإِلِكترُونِيَّةُ فِي المُحَادَثَاتِ الخَاصَّةِ لِغَيرِ ضَرُورَةٍ أَو حَاجَةٍ مُنضَبِطَةٍ بِالأَدَبِ وَالِاختِصَارِ وَالجِدِّيَّةِ، هِيَ بَابٌ مِن أَبوَابِ الفِتنَةِ الَّتِي يَجِبُ سَدُّهَا صِيَانَةً لِلقُلُوبِ وَالأَعرَاضِ! وَأَمَّا المِحوَرُ الخَامِسُ: فَهُوَ «أَدَبُ الهَاتِفِ فِي المَسَاجِدِ، وَفِي حَضرَةِ الوَالِدَينِ وَالأَهلِ وَالمَجَالِسِ»: أَوَّلًا: فِي بُيُوتِ اللهِ (المَسَاجِدِ)؛ كَم يَحزَنُ القَلبُ حِينَ يَقِفُ المُصَلُّونَ فِي الصَّفِّ خَاشِعِينَ يَستَمِعُونَ لِكَلَامِ اللهِ، وَإِذَا بِهَاتِفٍ يَصدَحُ فِي وَسَطِ المَسجِدِ بِنَغمَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ صَاخِبَةٍ أَو أُغنِيَةٍ مُحَرَّمَةٍ، وَصَاحِبُهُ يَترُكُهُ يَرِنُّ فَيُشَوِّشُ عَلَى الإِمَامِ وَالمَأمُومِينَ! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ فِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. وَقَد نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المُصَلِّينَ فِي المَسجِدِ أَن يَرفَعَ بَعضُهُم صَوتَهُ عَلَى بَعضٍ حَتَّى بِقِرَاءَةِ القُرآنِ؛ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوطَّإِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُم مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤذِيَنَّ بَعضُكُم بَعضًا، وَلَا يَرفَعْ بَعضُكُم عَلَى بَعضٍ فِي القِرَاءَةِ»! فَإِذَا كَانَ التَّشوِيشُ عَلَى المُصَلِّينَ بِرَفعِ الصَّوتِ بِالقُرآنِ مَنهِيًّا عَنهُ وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَذًى؛ فَكَيَفَ بِالتَّشوِيشِ عَلَيهِم بِنَغَمَاتِ الهَوَاتِفِ وَالمَعَازِفِ؟! فَاجعَلْ أَوَّلَ عَمَلٍ تَقُومُ بِهِ عِندَ وَضعِ قَدَمِكَ عَلَى عَتَبَةِ المَسجِدِ: إِغلَاقَ الهَاتِفِ أَو وَضعَهُ عَلَى الصَّامِتِ، وَطَهِّرْ هَاتِفَكَ أَصلًا مِن نَغَمَاتِ المَعَازِفِ فِي دَاخِلِ المَسجِدِ وَخَارِجِهِ! ثَانِيًا: فِي حَضرَةِ الوَالِدَينِ وَالأَهلِ وَالمَجَالِسِ؛ لَقَدِ ابتُلِينَا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمَا يُمكِنُ أَن نُسَمِّيَهُ «العُقُوقَ الصَّامِتَ وَالغُربَةَ العَائِلِيَّةَ»! يَدخُلُ الشَّابُّ عَلَى أَبِيهِ الشَّيخِ الكَبِيرِ أَو أُمِّهِ المشتَاقَةِ إِلَى حَدِيثِهِ، فَيَجلِسُ أَمَامَهُمَا بِجَسَدِهِ فَقَط، وَأَمَّا عَينَاهُ وَعَقلُهُ وَقَلبُهُ فَمُستَغرِقَةٌ فِي شَاشَةِ هَاتِفِهِ! تُحَدِّثُهُ أُمُّهُ فَيَرُدُّ عَلَيهَا بِكَلِمَاتٍ بَارِدَةٍ مُقتَضَبَةٍ وَهُوَ لَا يَنظُرُ فِي وَجهِهَا، وَيَبتَسِمُ لِلغُرَبَاءِ عَلَى الشَّاشَةِ وَيَعبِسُ فِي وَجهِ وَالِدَيهِ وَإِخوَتِهِ وَزَوجَتِهِ وَأَولَادِهِ! أَمِنَ البِرِّ وَالأَدَبِ هَذَا يَا شَبَابَ الإِسلَامِ؟! إِنَّ مِن أَعظَمِ بِرِّ الوَالِدَينِ وَإِكرَامِ الضَّيفِ وَالأَهلِ: أَن تَضَعَ هَاتِفَكَ جَانِبًا إِذَا جَلَستَ مَعَهُم، وَأَن تُقبِلَ عَلَيهِم بِوَجهِكَ وَسمعِكَ وَقَلبِكَ، كَمَا كَانَ هَديُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ جُلَسَائِهِ؛ فَقَد كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَدَّثَهُ رَجُلٌ أَقبَلَ عَلَيهِ بِوَجهِهِ كُلِّهِ وَلم يَصرِفْ وَجهَهُ عَنهُ حَتَّى يَفرُغَ مِن حَدِيثِهِ! وَأَمَّا المِحوَرُ السَّادِسُ وَالأَخِيرُ: فَهُوَ «حِفظُ نِعمَةِ الوَقتِ وَالعُمُرِ مِن إِدمَانِ الهَاتِفِ وَالتَّصَفُّحِ العَبَثِيِّ»: لَو نَظَرَ كَثِيرٌ مِنَ الشَّبَابِ اليَومَ إِلَى إِحصَائِيَّةِ استِخدَامِ الشَّاشَةِ فِي هَاتِفِهِ كُلَّ يَومٍ، لَرَأَى عَجَبًا يَنفَطِرُ لَهُ القَلبُ! خَمسُ سَاعَاتٍ أَو سَبعُ سَاعَاتٍ أَو أَكثَرُ فِي اليَومِ الوَاحِدِ تَضِيعُ فِي تَمرِيرِ الإِبهَامِ عَلَى المَقَاطِعِ القَصِيرَةِ التَّافِهَةِ الَّتِي لَا تَنفَعُ فِي دِينٍ وَلَا دُنيَا! فَإِذَا دُعِيَ إِلَى قِرَاءَةِ جُزءٍ مِنَ القُرآنِ يَستَغرِقُ عِشرِينَ دَقِيقَةً، أَو صَلَاةِ رَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، أَو قِرَاءَةِ كِتَابٍ نَافِعٍ، أَو تَعَلُّمِ مَهَارَةٍ تَنفَعُهُ فِي رِزقِهِ؛ استَثقَلَ ذَلِكَ وَقَالَ: «لَيسَ عِندِي وَقتٌ»! تَذكَّرْ - أَيُّهَا الشَّابُّ - مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «نِعمَتَانِ مَغبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»! وَتَذكَّرْ مَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي بَرزَةَ الأَسلَمِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبدٍ يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسأَلَ عَن عُمُرِهِ فِيمَا أَفنَاهُ، وَعَن عِلمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَن مَالِهِ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ، وَعَن جِسمِهِ فِيمَ أَبلَاهُ»! فَمَاذَا سَتُجِيبُ رَبَّكَ يَومَ القِيَامَةِ إِذَا سَأَلَكَ عَن آلافِ السَّاعَاتِ مِن زَهرَةِ شَبَابِكَ؟ أَتَقُولُ لَهُ: «يَا رَبِّ، أَفنَيتُهَا فِي التَّنقُّلِ بَينَ المَقَاطِعِ التَّافِهَةِ وَمُتَابَعَةِ التَّافِهِينَ وَالنَّومِ عَن صَلَاةِ الفَجرِ بِسَبَبِ السَّهَرِ عَلَى الهَاتِفِ»؟! قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «يَا ابنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَومٌ ذَهَبَ بَعضُكَ»! وَكَانَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: «مَا نَدِمتُ عَلَى شَيءٍ نَدَمِي عَلَى يَومٍ غَرَبَت شَمسُهُ، نَقَصَ فِيهِ أَجَلِي، وَلَم يَزِدْ فِيهِ عَمَلِي»! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ وَصَفَ حَالَ الغَافِلِ مَعَ شَاشَةِ هَاتِفِهِ وَضَيَاعِ عُمُرِهِ فَقَال: تَمُرُّ بِنَا السَّاعَاتُ وَالعَينُ عَاكِفَةٌ ... عَلَى شَاشَةٍ تَطوِي السِّنِينَ الخَوَالِيَا فَطُوبَى لِعَبدٍ صَانَ سَمعًا وَنَاظِرًا ... وَخَافَ إِلَهَ العَرشِ إِذْ كَانَ خَالِيَا فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ، وَيَا شَبَابَ الإِسلَامِ: لِنَخرُجْ مِن هَذَا الدَّرسِ بِعَهدٍ عَمَلِيٍّ صَادِقٍ مَعَ اللهِ: لِنَجعَلْ هَوَاتِفَنَا خَادِمَةً لَنَا لَا سَيِّدَةً عَلَينَا! لِنُحَدِّدْ لِأَنفُسِنَا أَوقَاتًا مَحدُودَةً لِاستِعمَالِ الهَاتِفِ، وَلْنَمنَعْ دُخُولَهُ إِلَى فِرَاشِ النَّومِ حَتَّى نَستَيقِظَ لِصَلَاةِ الفَجرِ نَشِيطِينَ، وَلْنُطَهِّرْ قَوَائِمَ مُتَابَعَاتِنَا مِن كُلِّ حِسَابٍ يَخدِشُ الحَيَاءَ أَو يُضَيِّعُ الدِّينَ، وَلْنَستَعمِلْ هَذِهِ النِّعمَةَ فِي تِلَاوَةِ القُرآنِ، وَسَمَاعِ الدُّرُوسِ النَّافِعَةِ، وَصِلَةِ الأَرحَامِ، وَإِدخَالِ السُّرُورِ عَلَى المُسلِمِينَ. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَدَّبَنَا فَأَحسَنَ تَأدِيبَنَا، وَدَلَّنَا عَلَى كُلِّ خَيرٍ وَهُدًى، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى، اللَّهُمَّ احفَظْ أَسمَاعَنَا وَأَبصَارَنَا وَأَلسِنَتَنَا وَقُلُوبَنَا وَأَيدِيَنَا مِن كُلِّ حَرَامٍ، وَاجعَلْ هَوَاتِفَنَا وَأَجهِزَتَنَا شَاهِدَةً لَنَا بِالخَيرِ وَالطَّاعَةِ يَومَ القِيَامَةِ، وَلَا تَجعَلهَا شَاهِدَةً عَلَينَا يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوقَاتِنَا وَأَعمَارِنَا، وَاحفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم مِن فِتَنِ الشَّاشَاتِ وَالخَلَوَاتِ، وَاهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالآدَابِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.