من مكتبة مِداد الخطيب

الأَمَانَةُ وَالمَسؤُولِيَّةُ فِي مِيزَانِ النُّبُوَّةِ: مُحَاضَرَةٌ تَربَوِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ لِصِنَاعَةِ القُدُوَاتِ وَالقَادَةِ فِي ضَوءِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَسِيَرِ الخُلَفَاءِ وَالوُلَاةِ الصَّالِحِينَ

مشاركة
الأَمَانَةُ وَالمَسؤُولِيَّةُ فِي مِيزَانِ النُّبُوَّةِ: مُحَاضَرَةٌ تَربَوِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ لِصِنَاعَةِ القُدُوَاتِ وَالقَادَةِ فِي ضَوءِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ وَسِيَرِ الخُلَفَاءِ وَالوُلَاةِ الصَّالِحِينَ الحَمدُ للهِ الَّذِي عَظَّمَ شَأنَ الأَمَانَةِ فَعَرَضَهَا عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا وَأَشفَقنَ مِنهَا، وَجَعَلَ أَدَاءَهَا آيَةَ الإِيمَانِ الصَّادِقِ وَعُنوَانَ الرُّجُولَةِ الحَقَّةِ وَالقُدوَةِ الصَّالِحَةِ الَّتِي يَهدِي اللهُ بِهَا الأُمَمَ وَيَرفَعُ شَأنَهَا، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَشعَرَ ثِقَلَ العَهدِ وَالمِيثَاقِ، وَأَعدَّ لِلسُّؤَالِ جَوَابًا يَومَ تَبلُو السَّرَائِرُ وَتَلتَفُّ السَّاقُ بِالسَّاقِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَافِظُ الرَّقِيبُ، الَّذِي لَا يَضِيعُ عِندَهُ مِثقَالُ ذَرَّةٍ مِن إِتقَانِ المُتقِنِينَ وَلَا تَفرِيطِ المُفَرِّطِينَ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، الَّذِي عَرَفَتهُ مَكَّةُ وَالدُّنيَا قَبلَ البِعثَةِ وَبَعدَهَا بِالصَّادِقِ الأَمِينِ، فَبلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الأُمَّةَ، وَصَنَعَ عَلَى عَينِهِ جِيلًا مِنَ القُدُوَاتِ وَالأُمَنَاءِ لَم يَرَ التَّارِيخُ مِثلَهُم، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الهُدَاةِ الأَبرَار، وَعَلَى الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالوُلَاةِ العَادِلِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُم - أَيُّهَا الإِخوَةُ النُّجَبَاءُ، يَا مَنِ اختَارَكُمُ اللهُ وَهَيَّأَكُم لِتَكُونُوا فِي مَقَامِ القُدوَةِ وَالرِّيَادَةِ وَالمَسؤُولِيَّةِ - بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ الخَالِدَةِ؛ فَقَولِي لَكُم: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَمشَاكُم، وَسَدَّدَ اللهُ عَلَى طَرِيقِ الحَقِّ وَالأَمَانَةِ خُطَاكُم. إِنَّ الكَلَامَ إِلَى مَن يُعَدُّونَ لِيَكُونُوا «قُدُوَاتٍ وَرُوَّادًا وَحَمَلَةَ رِسَالَةٍ وَمَسؤُولِيَّةٍ» لَيسَ كَالكَلَامِ إِلَى عَامَّةِ النَّاسِ؛ ذَلِكَ أَنَّ الإِنسَانَ العَادِيَّ إِذَا صَلَحَ فَلِنَفسِهِ، وَإِذَا أَخطَأَ كَانَ خَطَؤُهُ مَحصُورًا فِي شَخصِهِ؛ أَمَّا «القُدوَةُ» فَهُوَ مَنَارَةٌ تَنظُرُ إِلَيهَا الأَبصَارُ، وَتَقتَدِي بِفِعلِهَا القُلُوبُ قَبلَ أَن تَسمَعَ قَولَهَا الآذَانُ! فَإِذَا استَقَامَ القُدوَةُ وَحَفِظَ الأَمَانَةَ، أَحيَا اللهُ بِهِ فِئَامًا مِنَ الخَلقِ؛ وَإِذَا زَلَّ القُدوَةُ أَو خَانَ الأَمَانَةَ، زَلَّ بِزَلَّتِهِ عَالَمٌ كَثِيرٌ! وَلِهَذَا؛ فَإِنَّ أَعظَمَ رَكِيزَةٍ تُبنَى عَلَيهَا شَخصِيَّةُ القُدوَةِ وَالمَسؤُولِ فِي مِيزَانِ الإِسلَامِ هِيَ «خُلُقُ الأَمَانَةِ وَاستِشعَارُ المَسؤُولِيَّةِ». تَعَالَوا بِنَا فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ التَّأصِيلِيَّةِ التَّربَوِيَّةِ لِنَعِيشَ مَعَ هَذَا الأَصلِ العَظِيمِ فِي أَربَعَةِ مَحَاوِرَ مُتَكَامِلَةٍ: الأَوَّلُ: مَنزِلَةُ الأَمَانَةِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَتَفَصِيلُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الوَارِدَةِ فِيهَا. الثَّانِي: فِقهُ الأَمَانَةِ بِمَعنَى «المَسؤُولِيَّةِ العَامَّةِ وَالقيَادَةِ» وَمَا تَفرِضُهُ عَلَى مَن يَتَصَدَّرُ لِلقُدوَةِ. الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ وَقِصَصٌ خَالِدَةٌ مِن سِيَرِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالوُلَاةِ الصَّالِحِينَ فِي رِعَايَةِ أَمَانَةِ المَسؤُولِيَّةِ. الرَّابِعُ: وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ لِصِنَاعَةِ القُدوَةِ الأَمِينِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالمَطَامِعِ. أَيُّهَا الإِخوَةُ القُدُوَاتُ: أَمَّا المِحوَرُ الأَوَّلُ، فَهُوَ «مَنزِلَةُ الأَمَانَةِ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ، وَالأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الجَامِعَةُ فِيهَا»: لَقَدِ اشتُقَّت كَلِمَةُ «الأَمَانَةِ» فِي لُغَةِ العَرَبِ مِن مَادَّةِ «الأَمنِ وَالإِيمَانِ»، وَهِيَ ضِدُّ الخِيَانَةِ؛ فَالِاسمُ وَاحِدٌ، وَالجَذرُ وَاحِدٌ، وَالحَقِيقَةُ وَاحِدَةٌ: لَا يَستَقِرُّ الإِيمَانُ فِي قَلبٍ إِلَّا أَثمَرَ فِيهِ الأَمَانَةَ، وَلَا يَأمَنُ النَّاسُ فِي مُجتَمَعٍ إِلَّا إِذَا سَادَت فِيهِ الأَمَانَةُ! وَلِكي نُدرِكَ عِظَمَ شَأنِ الأَمَانَةِ عِندَ اللهِ، يَكفِينَا أَن نَقرَأَ ذَلِكَ المَشهَدَ القُرآنِيَّ الهَائِلَ فِي خِتَامِ سُورَةِ الأَحزَابِ، حَيثُ يَقُولُ المَولَى جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ۝ ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. تَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - هَذِهِ المَخلُوقَاتِ العِظَامَ: السَّمَاوَاتُ السَّبعُ بِأَفلَاكِهَا، وَالأَرضُ بِامْتِدَادِهَا، وَالجِبَالُ الصُّمُّ الرَّاسِيَاتُ، حِينَ عُرِضَت عَلَيهَا أَمَانَةُ التَّكلِيفِ وَالِاختِيَارِ وَالجَزَاءِ (إِن أَحسَنتَ جُوزِيتَ وَإِن أَسَأتَ عُوقِبتَ)، تَصَاغَرَت وَارتَعَدَت وَأَشفَقَت مِن عَاقِبَتِهَا؛ وَتَقَدَّمَ الإِنسَانُ لِحَملِهَا! فَمَن أَدَّى هَذِهِ الأَمَانَةَ كَانَ أَعظَمَ عِندَ اللهِ وَأَثقَلَ فِي المِيزَانِ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ، وَمَن خَانَهَا كَانَ أَظلَمَ الخَلقِ لِنَفسِهِ وَأَجهَلَهُم بِعَاقِبَةِ أَمرِهِ! وَلِهَذَا تَوَالَتِ الأَوَامِرُ القُرآنِيَّةُ الصَّارِمَةُ بِحِفظِ الأَمَانَةِ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَنفَالِ مُحَذِّرًا مِنَ الخِيَانَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وَجَعَلَ سُبحَانَهُ فِي سُورَتَيِ المُؤمِنُونَ وَالمَعَارِجِ رِعَايَةَ الأَمَانَةِ وَالعَهدِ مِن أَبرَزِ صِفَاتِ وَرَثَةِ الفِردَوسِ الأَعلَى فَقَال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وَأَمَّا الأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الشَّرِيفَةُ الوَارِدَةُ فِي شَأنِ الأَمَانَةِ، فَهِيَ مَنهَجٌ مُتَكَامِلٌ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَن يُعَدُّ لِلقُدوَةِ أَن يَعِيَهُ وَيَحفَظَهُ؛ وَمِن أَعظَمِهَا خَمسَةُ أَحَادِيثَ كُبرَى: الحَدِيثُ الأَوَّلُ: حَدِيثُ نُزُولِ الأَمَانَةِ فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ وَكَيفَ تُرفَعُ مِنهَا؛ وَهُوَ الحَدِيثُ العَظِيمُ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَمِينِ سِرِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَال: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَينِ، قَد رَأَيتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنتَظِرُ الآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: «أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَت فِي جَذرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ (أَي فِي أَصلِ القَلبِ وَأَعمَقِ مَوضِعٍ مِنَ الفِطرَةِ)، ثُمَّ نَزَلَ القُرآنُ فَعَلِمُوا مِنَ القُرآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ». ثُمَّ حَدَّثَنَا عَن رَفعِ الأَمَانَةِ فَقَال: «يَنَامُ الرَّجُلُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ أَثَرِ الوَكتِ (أَي كَالنُّقطَةِ اليَسِيرَةِ)، ثُمَّ يَنَامُ النَّومَةَ فَتُقبَضُ الأَمَانَةُ مِن قَلبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثلَ المَجْلِ (كَالقُرحَةِ المَنفُوخَةِ فِي اليَدِ لَيسَ فِيهَا إِلَّا مَاءٌ)، كَجَمرٍ دَحرَجتَهُ عَلَى رِجلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنتَبِرًا وَلَيسَ فِيهِ شَيءٌ! فَيُصبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا! وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعقَلَهُ وَمَا أَظرَفَهُ وَمَا أَجلَدَهُ! وَمَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ»! اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذَا التَّصوِيرَ النَّبَوِيَّ المَهِيبَ يَا مَن تُعَدُّونَ لِلقُدوَةِ: كَم مِن رَجُلٍ فِي زَمَانِنَا يُشَارُ إِلَيهِ بِالبَنَانِ، فَيُقَالُ عَنهُ فِي الإِعلَامِ وَالمَجَالِسِ: «مَا أَعقَلَهُ! مَا أَذكاهُ! مَا أَلبقَهُ فِي الكَلَامِ وَالمَظهَرِ! مَا أَقوَاهُ فِي الإِدَارَةِ!»؛ وَلَكِنَّهُ لَمَّا ضَيَّعَ الأَمَانَةَ مَعَ اللهِ وَمَعَ الخَلقِ، شَهِدَ عَلَيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ «مَا فِي قَلبِهِ مِثقَالُ حَبَّةِ خَردَلٍ مِن إِيمَانٍ»، وَصَارَ الرَّجُلُ الأَمِينُ عُملَةً نَادِرَةً يُبحَثُ عَنهُ فِي القَبِيلَةِ أَوِ المَدِينَةِ كُلِّهَا فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ! الحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ تَلَازُمِ الإِيمَانِ وَالأَمَانَةِ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالبَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَال: «لَا إِيمَانَ لِمَن لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَن لَا عَهدَ لَهُ»! تَأَمَّلُوا قَولَ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ إِلَّا قَالَهَا»! لِمَاذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُكَرِّرُ هَذِهِ القَاعِدَةَ فِي كُلِّ خُطبَةٍ عَلَى مَسَامِعِ أَصحَابِهِ؟ لِيُقَرِّرَ فِي وَعيِ الأُمَّةِ أَنَّ الدَّعَاوَى العَرِيضَةَ لَا تُغنِي شَيئًا إِذَا خَلَتِ الأَيدِي وَالقُلُوبُ مِنَ الأَمَانَةِ وَالوَفَاءِ بِالعُهُودِ! الحَدِيثُ الثَّالِثُ: حَدِيثُ وُقُوفِ الأَمَانَةِ عَلَى جَنبَتَيِ الصِّرَاطِ يَومَ القِيَامَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَحُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ وَالمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ المَضرُوبِ عَلَى مَتنِ جَهَنَّمَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَتُرسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا»! فَإِذَا مَرَّ الإِنسَانُ عَلَى الصِّرَاطِ الدَّقِيقِ الدَّحِضِ المَزلَّةِ، وَتَحتَهُ جَهَنَّمُ تَغلِي، كَانَ أَوَّلَ مَا يَستَوقِفُهُ عَن يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ هُنَاكَ: «الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ»؛ فَإِن كَانَ حَافِظًا لِلأَمَانَةِ مَرَّ بِسَلَامٍ إِلَى الجَنَّةِ، وَإِن كَانَ خَائِنًا لِأَمَانَتِهِ وَمَسؤُولِيَّتِهِ اختَطَفَتهُ الكَلَالِيبُ فَهَوَى فِي قَعرِ جَهَنَّمَ! الحَدِيثُ الرَّابِعُ وَالخَامِسُ: حَدِيثُ آيَاتِ المُنَافِقِ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»، وَحَدِيثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَربَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنيَا: حِفظُ أَمَانَةٍ، وَصِدقُ حَدِيثٍ، وَحُسنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعمَةٍ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ: وَهُنَا نَنتَقِلُ إِلَى المِحوَرِ الثَّانِي وَاللُّبِّ الأَعمَقِ لِهَذِهِ المُحَاضَرَةِ، وَهُوَ: «الأَمَانَةُ بِمَعنَى المَسؤُولِيَّةِ وَالقِيَادَةِ وَالقُدوَةِ»: إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ إِذَا سَمِعَ كَلِمَةَ «الأَمَانَةِ» انصَرَفَ ذِهنُهُ إِلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَط، وَهِيَ: أَن يَضَعَ عِندَكَ جَارُكَ مَبلَغًا مِنَ المَالِ وَدِيعَةً فَتَحفَظَهُ حَتَّى تَرُدَّهُ إِلَيهِ! وَهَذَا وَإِن كَانَ مِنَ الأَمَانَةِ، إِلَّا أَنَّهُ جُزءٌ صَغِيرٌ مِن مَفهُومِ الأَمَانَةِ الشَّامِلِ فِي الإِسلَامِ! فَإِنَّ أَعظَمَ الأَمَانَاتِ بَعدَ أَمَانَةِ التَّوحِيدِ وَالعِبَادَةِ هِيَ «أَمَانَةُ المَسؤُولِيَّةِ وَالوِلَايَةِ وَالتَّصدُّرِ لِلقُدوَةِ وَتَوجِيهِ النَّاسِ»! اسْمَعُوا إِلَى الحَدِيثِ الفَاصِلِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: بَينَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مَجلِسٍ يُحَدِّثُ القَومَ، جَاءَهُ أَعرَابِيٌّ فَقَال: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَال: «أَينَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟»، قَال: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قَال: «فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانتَظِرِ السَّاعَةَ»! قَالَ الأَعرَابِيُّ: كَيفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَأَجَابَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ المِعجِزَةِ: «إِذَا أُسنِدَ الأَمرُ إِلَى غَيرِ أَهلِهِ فَانتَظِرِ السَّاعَةَ»! فَبِمَاذَا فَسَّرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِضَاعَةَ الأَمَانَةِ هُنَا؟ لَم يُفَسِّرهَا بِجَحدِ وَدِيعَةٍ مَالِيَّةٍ، بَل فَسَّرَهَا بِبَابِ «المَسؤُولِيَّةِ العَامَّةِ وَالقِيَادَةِ»: إِذَا تَصَدَّرَ لِلإِدَارَةِ وَالعِلمِ وَالقَضَاءِ وَالقُدوَةِ وَالوِلَايَةِ مَن لَيسَ أَهلًا لَهَا كَفَاءَةً أَو دِيَانَةً، أَو تَولَّاهَا مَن لَا يَقُومُ بِحَقِّهَا؛ فَتِلكَ هِيَ إِضَاعَةُ الأَمَانَةِ الَّتِي تَخْتَلُّ بِهَا مَوَازِينُ الحَيَاةِ وَتَندَثِرُ بِهَا الأُمَمُ! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَرَّرَ قَانُونَ المَسؤُولِيَّةِ الشَّامِلَةِ فَقَال: «أَلَا كُلُّكُم رَاعٍ، وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ؛ فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالمَرأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيتِ بَعلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسؤُولَةٌ عَنهُم، وَالعَبدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسؤُولٌ عَنهُ، أَلَا فَكُلُّكُم رَاعٍ وَكُلُّكُم مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ سَأَلَهُ الوِلَايَةَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا». فَيَا مَن تُعَدُّ لِتَكُونَ قُدوَةً وَقَائِدًا وَمُرَبِّيًا وَمَسؤُولًا: مَاذَا تَعنِي الأَمَانَةُ فِي حَقِّكَ أَنتَ عَلَى وَجهِ الخُصُوصِ؟ إِنَّهَا تَعنِي أَربَعَ مَسؤُولِيَّاتٍ جِسَامٍ: الأُولَى: «أَمَانَةُ مُطَابَقَةِ الفِعلِ لِلقَولِ وَالبَاطِنِ لِلظَّاهِرِ»؛ فَالقُدوَةُ الَّذِي يَعِظُ النَّاسَ بِالصِّدقِ وَهُوَ يَكذِبُ، أَو يَأمُرُهُم بِالأَمَانَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَهُوَ يَستَأثِرُ بِالمَغَانِمِ فِي الخَفَاءِ، يَهدِمُ بِفِعلِهِ أَلفَ ضِعفِ مَا يَبنِيهِ بِلِسَانِهِ! وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ۝ ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. الثَّانِيَةُ: «أَمَانَةُ الإِتقَانِ وَالتَّأهِيلِ العِلمِيِّ وَالعَمَلِيِّ»؛ فَإِنَّ مَن تَصَدَّرَ لِمَسؤُولِيَّةٍ أَو تَوجِيهٍ دُونَ أَن يُعِدَّ نَفسَهُ بِالعِلمِ الرَّاسِخِ وَالخِبرَةِ الكَافِيَةِ فَقَد خَانَ أَمَانَتَهُ، وَقَد روَى أَبُو يَعْلَى وَالبَيهَقِيُّ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَن يُتقِنَهُ». الثَّالِثَةُ: «أَمَانَةُ النُّصحِ وَالشَّفَقَةِ وَالرَّحمَةِ بِمَن تَحتَ يَدِكَ»؛ فَلَيسَ القُدوَةُ أَوِ المَسؤُولُ مُتَسَلِّطًا يَطلُبُ لِنَفسِهِ الهَيبَةَ وَالِاستِعلَاءَ، بَل هُوَ خَادِمٌ لِأُمَّتِهِ، رَحِيمٌ بِضَعِيفِهَا، سَاهِرٌ عَلَى مَصَالِحِهَا! الرَّابِعَةُ: «أَمَانَةُ العِفَّةِ وَالنَّزَاهَةِ التَّامَّةِ عَنِ المَالِ العَامِّ وَالمَطَامِعِ الدَّنِيئَةِ»؛ فَالقُدوَةُ إِذَا مَدَّ يَدَهُ إِلَى شُبهَةٍ مَالِيَّةٍ أَوِ استَغَلَّ مَكَانَتَهُ لِمَصلَحَةٍ شَخصِيَّةٍ، سَقَطَت هَيبَتُهُ مِنَ القُلُوبِ وَبَاءَ بِالخِزيِ فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَكَارِمُ: تَعَالَوا بِنَا الآنَ إِلَى المِحوَرِ الثَّالِثِ، لِنَرَى كَيفَ تَجَسَّدَت هَذِهِ المَعَانِي السَّامِيَةُ فِي «أَمثِلَةٍ وَنَمَاذِجَ خَالِدَةٍ مِن سِيَرِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالوُلَاةِ الصَّالِحِينَ»: لَقَد قَرَأَ أَولَئِكَ العُظَمَاءُ آيَاتِ الأَمَانَةِ وَسَمِعُوا أَحَادِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَحَوَّلُوهَا إِلَى وَاقِعٍ عَمَلِيٍّ يُبهِرُ العُقُولَ! النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: «الصِّدِّيقُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ»: انظُرُوا إِلَى الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَبلَ الخِلَافَةِ؛ كَانَ يَحلُبُ لِيتَامَى الحَيِّ وَأَرَامِلِهِم مَنَائِحَ غَنَمِهِم تَواضُعًا وَإِحسَانًا؛ فَلَمَّا بُويِعَ بِالخِلَافَةِ العُظمَى، قَالَت جَارِيَةٌ مِن جَوَارِي الحَيِّ: «الآنَ لَا تُحلَبُ لَنَا مَنَائِحُ دَارِنَا!»؛ فَسَمِعَهَا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقَالَ كَلِمَةَ القُدوَةِ الرَّبَّانِيِّ: «بَلَى وَعَمرِي لَأَحلُبَنَّهَا لَكُم، وَإِنِّي لَأَرجُو أَن لَا يُغَيِّرَنِي مَا دَخَلتُ فِيهِ عَن خُلُقٍ كُنتُ عَلَيهِ»! فَمَكَثَ يَحلُبُ لَهُم سِتَّةَ أَشهُرٍ وَهُوَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَلَمَّا حَضَرَتهُ الوَفَاةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَاسَبَ نَفسَهُ عَلَى كُلِّ دِرهَمٍ أَخَذَهُ مِن بَيتِ المَالِ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَأَوصَى ابنتَهُ أُمَّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَن تَبِيعَ أَرضًا لَهُ فَتَرُدَّ قِيمَةَ كُلِّ مَا أَنفَقَ عَلَيهِ بَيتُ المَالِ طَوَالَ خِلَافَتِهِ، وَأَعَادَ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ جَرَّةً وَقَطِيفَةً وَبَعِيرًا كَانَ يَستَعمِلُهُ، فَبَكَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتَّى اخضَلَّت لِحيَتُهُ وَقَال: «رَحِمَ اللهُ أَبَا بَكرٍ، لَقَد أَتعَبَ مَن بَعدَهُ تَعَبًا شَدِيدًا»! النَّمُوذَجُ الثَّانِي: «الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ»: كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ المَثَلَ الأَعلَى فِي استِشعَارِ الأَمَانَةِ وَالقُدوَةِ؛ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَن يَأمُرَ النَّاسَ بِأَمرٍ أَو يَنهَاهُم عَن شَيءٍ، جَمَعَ أَهلَ بَيتِهِ أَوَّلًا فَقَالَ لَهُم: «إِنِّي قَد نَهَيتُ النَّاسَ عَن كَذَا وَكَذَا، وَإِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَنظُرُونَ إِلَيكُم نَظَرَ الطَّيرِ إِلَى اللَّحمِ، فَإِن وَقَعتُم وَقَعُوا، وَإِن هِبتُم هَابُوا؛ وَإِنِّي وَاللهِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ مِنكُم وَقَعَ فِيمَا نَهَيتُ النَّاسَ عَنهُ إِلَّا ضَاعَفتُ لَهُ العُقُوبَةَ لمَكَانِهِ مِنِّي»! وَكَانَ يَطُوفُ بِاللَّيلِ يَتَفَقَّدُ أَحوَالَ الرَّعِيَّةِ وَمَعَهُ مَولَاهُ أَسلَمُ؛ فَرَأَى نَارًا فِي أَقصَى المَدِينَةِ، فَدَنَا مِنهَا فَإِذَا امرَأَةٌ وَحَولَهَا صِبيَةٌ يَتَضَاغَونَ مِنَ الجُوعِ وَقَد وَضَعَت قِدرًا فِيهَا مَاءٌ وَحَصًى تُعلِّلُهُم حَتَّى يَنَامُوا وَهِيَ تَقُول: «اللهُ بَينَنَا وَبَينَ عُمَرَ»! فَارتَعَدَ الفَارُوقُ وَقَالَ لَهَا: يَرْحَمُكِ اللهُ، وَمَا يُدرِي عُمَرَ بِكُم؟ قَالَت: «أَيَتَوَلَّى أَمرَنَا ثُمَّ يَغفُلُ عَنَّا؟!»؛ فَانطَلَقَ عُمَرُ يُهَروِلُ إِلَى دَارِ الدَّقِيقِ، وَمَلَأَ عِدلًا مِنَ الدَّقِيقِ وَكَيسًا مِنَ الشَّحمِ وَقَالَ لِأَسلَمَ: «احمِلهُ عَلَى ظَهرِي»! فَقَالَ لَهُ أَسلَمُ: أَنَا أَحمِلُهُ عَنكَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فَقَالَ عُمَرُ كَلِمَتَهُ الَّتِي تَهتَزُّ لَهَا الضَّمَائِرُ: «أَأَنتَ تَحمِلُ أَوزَارِي عَنِّي يَومَ القِيَامَةِ يَا أَسلَمُ؟! لَا أُمَّ لَكَ، احمِلهُ عَلَيَّ»! فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهرِهِ، وَجَلَسَ يَنفُخُ تَحتَ القِدرِ وَالدُّخَانُ يَتَخلَّلُ لِحيَتَهُ الكَثَّةَ حَتَّى نَضِجَ الطَّعَامُ وَأَطعَمَ الصِّبيَةَ بِيَدِهِ حَتَّى شَبِعُوا وَضَحِكُوا وَنَامُوا، ثُمَّ انصَرَفَ وَهُوَ يَقُول: «الحَمدُ للهِ، الجُوعُ أَسهَرَهُم وَأَبكَاهُم، فَأَحبَبتُ أَن لَا أَنصَرِفَ حَتَّى أَرَى مَا رَأَيتُ مِنهُم»! النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ: «وُلَاةُ الصَّحَابَةِ الأَبرَارِ؛ سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ الجُمَحِيُّ، وَعُمَيرُ بنُ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا»: انظُرُوا كَيفَ رَبَّى الإِسلَامُ الوُلَاةَ وَالقَادَةَ عَلَى الأَمَانَةِ؛ وَلَّى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ «سَعِيدَ بنَ عَامِرٍ الجُمَحِيَّ» رَضِيَ اللهُ عَنهُ وِلَايَةَ حِمصَ بِالشَّامِ؛ فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ إِلَى حِمصَ أَرَادَ أَن يَفحَصَ أَعمَالَ وُلَاتِهِ، فَقَالَ لِأَهلِ حِمصَ: اكتُبُوا لِي أَسمَاءَ فُقَرَائِكُم حَتَّى أَسُدَّ حَاجَتَهُم مِن بَيتِ المَالِ؛ فَرَفَعُوا إِلَيهِ كِتَابًا، فَإِذَا أَوَّلُ اسمٍ فِي قَائِمَةِ الفُقَرَاءِ هُوَ «سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ»! فَعَجِبَ عُمَرُ وَقَال: وَمَن سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ؟ قَالُوا: أَمِيرُنَا وَوَالِينَا! قَالَ عُمَرُ: أَمِيرُكُم فَقِيرٌ؟ وَأَينَ عَطَاؤُهُ وَمَالُهُ؟ قَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّهُ وَاللهِ لَا يُمسِكُ شَيئًا، كُلَّمَا جَاءَهُ عَطَاؤُهُ فَرَّقَهُ فِي المَسَاكِينِ وَالفُقَرَاءِ! فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ لَهُم: هَل تَعِيبُونَ عَلَيهِ شَيئًا فِي إِدَارَتِهِ؟ قَالُوا: نَشكُو مِنهُ ثَلَاثًا: إِنَّهُ لَا يَخرُجُ إِلَينَا بِالنَّهَارِ حَتَّى يَرتَفِعَ الضُّحَى، وَلَا يُجِيبُ أَحَدًا بِلَيلٍ، وَلَهُ فِي الشَّهرِ يَومٌ لَا يَخرُجُ فِيهِ إِلَينَا، وَتَأخُذُهُ غَشيَةٌ بَينَ الحِينِ وَالآخَرِ فَيُغمَى عَلَيهِ وَهُوَ بَينَنَا! فَجَمَعَ عُمَرُ بَينَهُ وَبَينَهُم وَسَأَلَهُ، فَقَالَ سَعِيدُ بنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَاللهِ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ مَا كُنتُ أُحِبُّ أَن أَذكُرَ ذَلِكَ، وَلَكِن لَا بُدَّ مِنَ الجَوَابِ: أَمَّا قَولُهُم إِنِّي لَا أَخرُجُ إِلَيهِم حَتَّى يَرتَفِعَ النَّهَارُ، فَإِنَّهُ لَيسَ لِأَهلِي خَادِمٌ، وَأَمرَأَتِي مَرِيضَةٌ، فَأَنَا أَعجِنُ عَجِينِي بِيَدِي، ثُمَّ أَخبِزُهُ، ثُمَّ أَتَوَضَّأُ وَأَخرُجُ لِلنَّاسِ! وَأَمَّا قَولُهُم إِنِّي لَا أُجِيبُ أَحَدًا بِلَيلٍ، فَإِنِّي جَعَلتُ النَّهَارَ كُلَّهُ لِخِدمَتِهِم وَجَعَلتُ اللَّيلَ لِخَلوَتِي بِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ! وَأَمَّا قَولُهُم إِنَّ لِي يَومًا فِي الشَّهرِ لَا أَخرُجُ فِيهِ، فَلَيسَ لِي خَادِمٌ يَغسِلُ ثِيَابِي وَلَيسَ لِي ثِيَابٌ غَيرُهَا، فَأَغسِلُهَا فِي ذَلِكَ اليَومِ وَأَنتَظِرُ حَتَّى تَجِفَّ ثُمَّ أَخرُجُ إِلَيهِم فِي آخِرِ النَّهَارِ! وَأَمَّا الغَشيَةُ الَّتِي تَأخُذُنِي، فَإِنِّي شَهِدتُ مَصرَعَ خُبَيبِ بنِ عَدِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِمَكَّةَ يَومَ صَلَبَتهُ قُرَيشٌ وَأَنَا يَومَئِذٍ مُشرِكٌ، فَكُلَّمَا ذَكَرتُ ذَلِكَ اليَومَ وَتَركِي نُصرَتَهُ ظَنَنتُ أَنَّ اللهَ لَا يَغفِرُ لِي، فَتَأخُذُنِي تِلكَ الغَشيَةُ مِن خَوفِ اللهِ»! فَهَتَفَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَائِلًا: «الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يُخَيِّبْ فِرَاسَتِي فِيكَ يَا سَعِيدُ»! النَّمُوذَجُ الرَّابِعُ: «الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ الخَامِسُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ»: لَمَّا بُويِعَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ بِالخِلَافَةِ، وَرَجَعَ إِلَى بَيتِهِ مِنَ المَسجِدِ، دَخَلَت عَلَيهِ زَوجَتُهُ فَاطِمَةُ بِنتُ عَبدِ المَلِكِ فَوَجَدَتهُ فِي مُصَلَّاهُ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى خَدِّهِ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحيَتِهِ! فَقَالَت لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَلشَيءٍ حَدَثَ؟ قَالَ لَهَا تِلكَ الكَلِمَاتِ الخَالِدَةَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَسؤُولٍ وَقُدوَةٍ أَن يَحفَظَهَا عَن ظَهرِ قَلبٍ: «يَا فَاطِمَةُ، إِنِّي قَد تَقَلَّدتُ أَمرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَسوَدِهَا وَأَحمَرِهَا، فَتَفَكَّرتُ فِي الفَقِيرِ الجَائِعِ، وَالمَرِيضِ الضَّائِعِ، وَالعَارِي المَجهُودِ، وَاليَتِيمِ المَكسُورِ، وَالأَرمَلَةِ الوَحِيدَةِ، وَالمَظلُومِ المَقهُورِ، وَالغَرِيبِ وَالأَسِيرِ، وَالشَّيخِ الكَبِيرِ، وَذِي العِيَالِ الكَثِيرِ وَالمَالِ القَلِيلِ فِي أَقطَارِ الأَرضِ وَأَطرَافِ البِلَادِ؛ فَعَلِمتُ أَنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ سَيَسأَلُنِي عَنهُم يَومَ القِيَامَةِ، وَأَنَّ خَصمِي دُونَهُم مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَخَشِيتُ أَن لَا تَثبُتَ لِي حُجَّةٌ عِندَ خُصُومَتِهِ، فَرَحِمتُ نَفسِي فَبَكَيتُ»! فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ، يَا مَن تُعَدُّونَ لِتَكُونُوا قُدُوَاتٍ وَقَادَةً فِي أُمَّتِكُم: هَكَذَا كَانَ سَلَفُكُم يَنظُرُونَ إِلَى الأَمَانَةِ وَالمَسؤُولِيَّةِ! فَحُذَارِ أَن تَغتَرُّوا بِالأَلقَابِ وَالمَنَاصِبِ وَتَصدُّرِ المَجَالِسِ، بَلِ اجعَلُوا نَصبَ أَعيُنِكُم أَربَعَ وَصَايَا خِتَامِيَّةٍ: الأُولَى: أَصلِحْ سَرِيرَتَكَ بَينَكَ وَبَينَ اللهِ قَبلَ أَن تَتَصَدَّرَ لِقيَادَةِ النَّاسِ؛ فَمَن أَصلَحَ مَا بَينَهُ وَبَينَ اللهِ أَصلَحَ اللهُ مَا بَينَهُ وَبَينَ النَّاسِ، وَأَلقَى لَهُ المَهَابَةَ وَالقَبُولَ فِي القُلُوبِ! الثَّانِيَةُ: كُنْ أَوَّلَ المُبَادِرِينَ إِلَى المَغَارِمِ وَالتَّضحِيَةِ وَالعَمَلِ، وَآخِرَ المُتَقَدِّمِينَ إِلَى المَغَانِمِ وَالرَّاحَةِ؛ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَصَحَابَتُهُ الكِرَامُ! الثَّالِثَةُ: اِفتَحْ صَدرَكَ لِلنَّصِيحَةِ وَالمُحَاسَبَةِ وَالشُّورَى، وَإِيَّاكَ وَالكِبرَ وَالِاستِبدَادَ بِالرَّأيِ، فَإِنَّ القُدوَةَ إِذَا تَكَبَّرَ عَن قَبُولِ الحَقِّ سَقَطَ مِن عَينِ اللهِ! الرَّابِعَةُ: حَاسِبْ نَفسَكَ كُلَّ لَيلَةٍ قَبلَ أَن تَنَامَ عَلَى مَا ائتَمَنَكَ اللهُ عَلَيهِ مِن عِلمٍ أَو عَمَلٍ أَو مَالٍ أَو أَفرَادٍ تَرعَاهُم، وَتَذكَّرْ أَنَّ القُدوَةَ الصَّالِحَ لَهُ أَجرُ عَمَلِهِ وَأَجرُ كُلِّ مَنِ اقتَدَى بِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ شَرَفَ الأَمَانَةِ وَعِظَمَ مَسؤُولِيَّةِ القُدوَةِ فَقَال: وَإِذَا تَصَدَّرْتَ الأَنَامَ لِقُدوَةٍ ... فَاحفَظْ أَمَانَةَ مَن يَرَى وَيُحَاسِبُ فَالنَّاسُ تَقرَأُ فِي فِعَالِكَ هَديَهَا ... قَبلَ الكَلَامِ وَقَبلَ مَا هُوَ كَاتِبُ أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الصَّادِقِ الأَمِينِ، وَالقُدوَةِ الأَعظَمِ لِلعَالَمِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ اجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَاجعَلنَا هُدَاةً مَهدِيِّينَ، غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ، اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى حَملِ الأَمَانَةِ وَأَدَائِهَا عَلَى الوَجهِ الَّذِي يُرضِيكَ عَنَّا، وَطَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ الخِيَانَةِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ. اللَّهُمَّ استَعمِلنَا فِي طَاعَتِكَ وَنُصرَةِ دِينِكَ وَخِدمَةِ عِبَادِكَ، وَلَا تَستَبدِلنَا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَامِ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.