القَوَاعِدُ الفِقهِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ المُستَخلَصَةُ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: مُحَاضَرَةٌ عِلمِيَّةٌ تَأصِيلِيَّةٌ فِي فِقهِ آيَاتِ الأَحكَامِ وَمَقَاصِدِ التَّشرِيعِ وَتَطبِيقَاتِهَا العَمَلِيَّةِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الكِتَابَ وَلَم يَجعَل لَهُ عِوَجًا، وَأَحكَمَ آيَاتِهِ وَفَصَّلَهَا لِقَومٍ يَعلَمُونَ فَجَعَلَ لِكُلِّ نَازِلَةٍ حُكمًا وَلِكُلِّ مَضِيقٍ مَخرَجًا، وَنَصَبَ فِي كَلَامِهِ العَزِيزِ أُصُولًا كُلِّيَّةً وَقَوَاعِدَ جَامِعَةً تَهدِي العُقُولَ إِلَى أَقوَمِ المَسَالِكِ وَأَهدَى السُّبُلِ مَنهَجًا، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَنَارَ بِنُورِ الوَحيَينِ، وَتَفَقَّهَ فِي أَسرَارِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ وَمَقَاصِدِهَا الكَامِلَةِ فِي الدَّارَينِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَكِيمُ العَلِيمُ، الَّذِي لَا يَعزُبُ عَن عِلمِهِ مِثقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، المُبَيِّنُ لِكِتَابِ رَبِّهِ بِقَولِهِ وَفِعلِهِ وَتَقرِيرِهِ، الَّذِي أُوتِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ وَفَوَاتِحَ الحِكَمِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الفُقَهَاءِ الأَبرَارِ، وَعَلَى أَئِمَّةِ التَّفسِيرِ وَالفِقهِ وَالأُصُولِ الَّذِينَ غَاصُوا فِي بِحَارِ القُرآنِ فَاستَخرَجُوا مِنهُ الدُّرَرَ وَالجَوَاهِرَ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُم - أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ وَطُلَّابُ العِلمِ النُّجَبَاءُ - بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ المُبَارَكَةِ؛ فَقَولِي لَكُم: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَجلِسُكُم هَذَا فِي رِيَاضِ التَّدَبُّرِ القُرآنِيِّ وَالِاستِنبَاطِ الفِقهِيِّ الرَّصِين.
إِنَّ مِن أَجلِّ العُلُومِ الشَّرعِيَّةِ قَدرًا، وَأَعظَمِهَا نَفعًا، وَأَدَلِّهَا عَلَى إِعجَازِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَخُلُودِ شَرِيعَتِهِ: «عِلمَ القَوَاعِدِ الفِقهِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ المُستَنبَطَةِ مِن آيَاتِ التَّنزِيلِ العَزِيزِ»؛ ذَلِكَ أَنَّ الآيَةَ القُرآنِيَّةَ الوَاحِدَةَ - وَإِن نَزَلَت فِي وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ أَو سِيَاقٍ مُعَيَّنٍ - فَإِنَّ صِيَاغَتَهَا الإِلَهِيَّةَ المُعجِزَةَ تَأتِي كُلِّيَّةً جَامِعَةً، يَندَرِجُ تَحتَهَا آلافُ الفُرُوعِ وَالمَسَائِلِ وَالأَقضِيَةِ المُتَجَدِّدَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ؛ تَصدِيقًا لِقَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾.
وَإِنَّ مَوضُوعَ مُحَاضَرَتِنَا اليَومَ يَدُورُ حَولَ سُورَةٍ عَظِيمَةٍ مِن طِوَالِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ، هِيَ شَقِيقَةُ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَإِحدَى «الزَّهرَاوَينِ» اللَّتَينِ أَخبَرَ عَنهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَال: «اقرَؤُوا الزَّهرَاوَينِ: البَقَرَةَ، وَسُورَةَ آلِ عِمرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأتِيَانِ يَومَ القِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَو كَأَنَّهُمَا فِرقَانِ مِن طَيرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَن أَصحَابِهِمَا»!
وَقَد جَمَعَت سُورَةُ آلِ عِمرَانَ بَينَ إِقَامَةِ الحُجَجِ العَقلِيَّةِ وَالنَّقلِيَّةِ فِي مُنَاظَرَةِ أَهلِ الكِتَابِ، وَبَينَ تَقرِيرِ السُّنَنِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالأَحكَامِ الفِقهِيَّةِ فِي غَزوَةِ أُحُدٍ وَشُؤُونِ العِبَادَاتِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالأَموَالِ وَالوِلَايَاتِ؛ حَتَّى استَخرَجَ مِنهَا أَئِمَّةُ التَّفسِيرِ وَالفِقهِ - كَالإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَالجَصَّاصِ، وَابنِ العَرَبِيِّ، وَالقُرطُبِيِّ، وَابنِ رَجَبٍ، وَالسُّيُوطِيِّ، وَالسَّعدِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ - كَنزًا ثَمِينًا مِنَ القَوَاعِدِ الفِقهِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ الكُبرَى.
تَعَالَوا بِنَا لِنَطُوفَ فِي رِحَابِ هَذِهِ السُّورَةِ المُبَارَكَةِ مِن مَطلَعِهَا إِلَى خِتَامِهَا، فَنَستَخلِصَ مِنهَا «عَشرَ قَوَاعِدَ فِقهِيَّةٍ وَأُصُولِيَّةٍ كُبرَى»، نَعرِضُ مَورِدَهَا القُرآنِيَّ، وَنُحَرِّرُ مَعنَاهَا العِلمِيَّ، وَنَذكُرُ تَطبِيقَاتِهَا الفِقهِيَّةَ فِي حَيَاةِ المُسلِمِ وَالمُجتَمَعِ.
أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَكَارِمُ: أَمَّا القَاعِدَةُ الأُولَى فِي مَطلَعِ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، فَهِيَ القَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ وَالفِقهِيَّةُ العُظمَى: «رَدُّ المُتشَابِهِ إِلَى المُحكَمِ، وَحَملُ المُجمَلِ وَالمُحتَمَلِ عَلَى المُبَيَّنِ القَاطِعِ، وَأَنَّ إِعمَالَ النُّصُوصِ أَولَى مِن إِهمَالِهَا»:
وَمَورِدُ هَذِهِ القَاعِدَةِ هُوَ الآيَةُ السَّابِعَةُ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ، حَيثُ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.
لَقَد سَمَّى اللهُ الآيَاتِ المُحكَمَاتِ (أَيِ الوَاضِحَاتِ الصَّرِيحَاتِ فِي دَلَالَتِهَا الَّتِي لَا تَحتَمِلُ إِلَّا وَجهًا وَاحِدًا) «أُمَّ الكِتَابِ»؛ وَأُمُّ الشَّيءِ هِيَ أَصلُهُ وَمَرجِعُهُ الَّذِي يُرَدُّ إِلَيهِ مَا سِوَاهُ!
فَقَعَّدَ الفُقَهَاءُ وَالأُصُولِيُّونَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَاعِدَةً حَاكِمَةً عَلَى الفِقهِ الإِسلَامِيِّ كُلِّهِ، وَهِيَ: «أَنَّهُ لَا يَجُوزُ استِنبَاطُ حُكمٍ شَرعِيٍّ مِن نَصٍّ مُشتَبِهٍ أَو مُجمَلٍ أَو عَامٍّ بِمَعزِلٍ عَنِ النُّصُوصِ المُحكَمَةِ المُفَصَّلَةِ المُبَيَّنَةِ فِي البَابِ نَفسِهِ»!
وَمِن أَبدَعِ التَّطبِيقَاتِ الفِقهِيَّةِ لِهَذِهِ القَاعِدَةِ:
أَوَّلًا: فِي بَابِ العِبَادَاتِ؛ جَاءَ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ الأَمرُ المُجمَلُ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، فَلَو وَقَفَ إِنسَانٌ عِندَ اللفظِ المُجمَلِ لَم يَعرِفْ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ وَلَا مَقَادِيرَ النُّصُبِ؛ فَيُرَدُّ هَذَا المُجمَلُ إِلَى المُحكَمِ المُفَصَّلِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ!
ثَانِيًا: فِي بَابِ المُعَامَلَاتِ وَالعُقُودِ؛ إِذَا وَرَدَ فِي عَقدٍ أَو وَصِيَّةٍ أَو وَقفٍ لَفظٌ مُحتَمِلٌ مُشتَبِهٌ فِي كَلَامِ العَاقِدِ أَوِ الوَاقِفِ، وَوَرَدَ لَهُ فِي الوَثِيقَةِ نَفسِهَا لَفظٌ آخَرُ صَرِيحٌ مُحكَمٌ؛ فَإِنَّ القَاضِيَ وَالفَقِيهَ يَرُدُّ العِبَارَةَ المُشتَبِهَةَ إِلَى العِبَارَةِ المُحكَمَةِ الصَّرِيحَةِ جَمعًا بَينَ الكَلَامِ وَصِيَانَةً لَهُ عَنِ التَّنَاقُضِ وَالإِلغَاءِ! وَقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن مَسلَكِ أَهلِ الزَّيغِ الَّذِينَ يَترُكُونَ المُحكَمَ وَيَتَّبِعُونَ المُتشَابِهَ، فَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ قَال: «فَإِذَا رَأَيتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحذَرُوهُم».
وَأَمَّا القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَتَانِ مِنَ القَوَاعِدِ الخَمسِ الكُلِّيَّةِ الكُبرَى فِي الفِقهِ الإِسلَامِيِّ: «الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ المَحظُورَاتِ وَالمَشَقَّةُ تَجلِبُ التَّيسِيرَ»، مَعَ قَاعِدَةِ «الأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا»:
وَمَورِدُهُمَا هُوَ الآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالعِشرُونَ وَالتَّاسِعَةُ وَالعِشرُونَ مِنَ السُّورَةِ؛ حَيثُ نَهَى اللهُ تَعَالَى نَهيًا قَاطِعًا عَن مُوَالَاةِ الكَافِرِينَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ، ثُمَّ استَثنَى حَالَةَ الخَوفِ وَالإِكرَاهِ وَالضَّرُورَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، ثُمَّ أَعقَبَهَا مُبَاشَرَةً بِقَولِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾!
تَأَمَّلُوا هَذَا الإِعجَازَ التَّشرِيعِيَّ: لَمَّا رَخَّصَ اللهُ لِلمُؤمِنِ المُستَضعَفِ المَقهُورِ الَّذِي يَخَافُ عَلَى نَفسِهِ الهَلَاكَ أَن يَتَّقِيَ شَرَّ الظَّالِمِينَ بِظَاهِرِ اللِّسَانِ مَعَ طُمَأنِينَةِ القَلبِ بِالإِيمَانِ، نَبَّهَهُ فِي الآيَةِ التَّالِيَةِ إِلَى أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى القَصدِ وَالنِّيَّةِ فِي الصَّدرِ!
فَاستَنبَطَ الفُقَهَاءُ مِن هَاتَينِ الآيَتَينِ جُملَةً مِنَ القَوَاعِدِ الفِقهِيَّةِ الدَّقِيقَةِ:
أَوَّلُهَا: قَاعِدَةُ «الإِكرَاهُ المُعتَبَرُ شَرعًا يُسقِطُ حُكمَ الأَقوَالِ وَالعُقُودِ وَالإِقرَارَاتِ»؛ فَمَن أُكرِهَ بِتَهدِيدٍ مُحَقَّقٍ عَلَى بَيعِ مَالِهِ، أَوِ الإِقرَارِ بِدَينٍ لَم يَقبِضهُ، أَو طَلَاقِ زَوجَتِهِ، أَوِ التَّلفُّظِ بِمَا لَا يَرضَاهُ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بِالحَقِّ؛ فَلَا يَنعَقِدُ بَيعُهُ وَلَا طَلَاقُهُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِلَفظِهِ؛ لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَالمُستَدرَكِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَن أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسيَانَ وَمَا استُكرِهُوا عَلَيهِ».
وَثَانِيهَا: قَاعِدَةُ «الضَّرُورَةُ تُقَدَّرُ بِقَدرِهَا»؛ فَلَا يَجُوزُ لِمَن تَرَخَّصَ عِندَ الخَوفِ أَن يَتَعَدَّى دَفعَ الضَّرَرِ عَن نَفسِهِ إِلَى إِلحَاقِ الضَّرَرِ بِغَيرِهِ؛ فَلَو أُكرِهَ إِنسَانٌ عَلَى قَتلِ مَعصُومٍ أَو زِنًا لَم يَبِحْ لَهُ الإِكرَاهُ ذَلِكَ بِالإِجمَاعِ، لِأَنَّ القَاعِدَةَ الفِقهِيَّةَ تَقُول: «الضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثلِهِ وَلَا بِمَا هُوَ أَعظَمُ مِنهُ»!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ القَوَاعِدُ المُستَنبَطَةُ مِن قِصَّةِ نَذرِ امرَأَةِ عِمرَانَ وَكِفَالَةِ مَريَمَ عَلَيهَا السَّلَامُ فِي الآيَاتِ مِنَ الخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ إِلَى الرَّابِعَةِ وَالأَربَعِينَ:
حَيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنِ امرَأَةِ عِمرَانَ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾، فَلَمَّا وَضَعَتهَا أُنثَى قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، ثُمَّ ذَكَرَ سُبحَانَهُ تَنَازُعَ الأَحْبَارِ وَالصَّالِحِينَ فِي كَفَالَتِهَا فَقَال: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
وَقَدِ استَخرَجَ الإِمَامُ القُرطُبِيُّ وَابنُ العَرَبِيِّ المَالِكِيُّ وَغَيرُهُمَا مِن هَذِهِ الآيَاتِ ثَلَاثَ قَوَاعِدَ فِقهِيَّةٍ بَدِيعَةٍ:
القَاعِدَةُ الأُولَى: قَاعِدَةُ «لَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى فِي الأَحكَامِ المَبنِيَّةِ عَلَى الفُرُوقِ الجِبِلِّيَّةِ، مَعَ استِوَائِهِمَا فِي أَصلِ التَّكلِيفِ وَالكَرَامَةِ وَالجَزَاءِ»؛ وَتَفسِيرُ ذَلِكَ أَنَّ امرَأَةَ عِمرَانَ نَذَرَت أَن يَكُونَ مَولُودُهَا خَادِمًا مُلَازِمًا لِبَيتِ المَقدِسِ لَيلًا وَنَهَارًا، وَالأُنثَى يَعرِضُ لَهَا الحَيضُ وَالنِّفَاسُ الَّذِي يَمنَعُهَا مِنَ المَكثِ فِي المَسجِدِ، وَيَلزَمُهَا السَّترُ وَالصِّيَانَةُ عَنِ اختِلَاطِ الرِّجَالِ؛ فَبَيَّنَ اللهُ هَذِهِ القَاعِدَةَ الفِقهِيَّةَ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ فِي مِثلِ هَذِهِ الوَظَائِفِ! وَفِي المقَابِلِ، لَمَّا خَشِيَ بَعضُ النَّاسِ أَن يَكُونَ بَينَهُمَا فَرقٌ فِي الأَجرِ وَالقَبُولِ، أَحكَمَ اللهُ فِي آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ نَفسِهَا قَاعِدَةَ التَّسَاوِي التَّامِّ فِي الجَزَاءِ وَالكَرَامَةِ فَقَالَ فِي الآيَةِ الخَامِسَةِ وَالتِّسعِينَ بَعدَ المِئَةِ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾!
القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ مِن آيَةِ كَفَالَةِ مَريَمَ: قَاعِدَةُ «استِعمَالُ القُرعَةِ عِندَ التَّزَاحُمِ وَتَسَاوِي الحُقُوقِ وَتَعَذُّرِ الجَمعِ»؛ وَقَد بَوَّبَ عَلَيهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَاحتَجَّ بِقَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. وَتَطبِيقَاتُ هَذِهِ القَاعِدَةِ فِي الفِقهِ الإِسلَامِيِّ وَاسِعَةٌ جِدًّا: فَإِذَا تَزَاحَمَ اثنَانِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الأَهلِيَّةِ عَلَى الأَذَانِ، أَوِ الإِمَامَةِ، أَوِ الحَضَانَةِ، أَوِ السَّكَنِ، أَو قِسمَةِ الأَمْلَاكِ وَالمَوَارِيثِ بَعدَ تَعدِيلِ السِّهَامِ، أَو أَرَادَ الزَّوجُ السَّفَرَ بِإِحدَى زَوجَاتِهِ؛ فَإِنَّ الفَصلَ بَينَهُم يَكُونُ بِالقُرعَةِ الشَّرعِيَّةِ دَفعًا لِلتَّبَاغُضِ وَالتَّهَارُجِ!
القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ: قَاعِدَةُ «تَقدِيمُ ذَوِي القَرَابَةِ وَالمَحَارِمِ فِي الحَضَانَةِ وَالكَفَالَةِ»؛ لِأَنَّ زَكَرِيَّا عَلَيهِ السَّلَامُ كَانَ زَوجَ خَالَةِ مَريَمَ (أَو أُختِهَا)، وَالخَالَةُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ.
أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَامُ: وَأَمَّا القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ القَوَاعِدُ الفِقهِيَّةُ المَالِيَّةُ وَالقَضَائِيَّةُ المُستَنبَطَةُ مِنَ الآيَةِ الخَامِسَةِ وَالسَّبعِينَ وَمَا بَعدَهَا، فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾، إِلَى قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
تَأَمَّلُوا مَا استَخرَجَهُ أَئِمَّةُ الفِقهِ وَالأُصُولِ مِن هَذِهِ الآيَاتِ البَاهِرَاتِ:
أَوَّلًا: قَاعِدَةُ «مَفهُومُ المُوَافَقَةِ (فَحوَى الخِطَابِ) حُجَّةٌ شَرعِيَّةٌ»؛ فَمَن يُؤَدِّي القِنطَارَ العَظِيمَ عِندَ الِائتِمَانِ فَهُوَ مُؤَدٍّ لِلدِّينَارِ القَلِيلِ بِطَرِيقِ الأَولَى، وَمَن يَخُونُ فِي الدِّينَارِ الوَاحِدِ فَهُوَ خَائِنٌ فِي القِنطَارِ بِطَرِيقِ الأَولَى!
ثَانِيًا: قَاعِدَةُ «مَشرُوعِيَّةُ مُلَازَمَةِ الغَرِيمِ المُمَاطِلِ وَالتَّضيِيقِ عَلَيهِ حَتَّى يُؤَدِّيَ الدَّينَ»؛ وَقَدِ استَنبَطَهَا الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالقُرطُبِيُّ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾؛ أَي مُلَازِمًا لَهُ بِالمُطَالَبَةِ وَالبَيِّنَةِ وَالسُّلطَانِ! فَالمدِينُ الغَنِيُّ المَاطِلُ ظَالِمٌ يَحِلُّ عِرضُهُ وَعُقُوبَتُهُ وَمُلَازَمَتُهُ وَالحَجرُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ المَالِيَّةِ حَتَّى يُوفِيَ حُقُوقَ النَّاسِ!
ثَالِثًا: قَاعِدَةُ «حُكمُ الحَاكِمِ الظَّاهِرِيُّ المَبنِيُّ عَلَى اليَمِينِ الكَاذِبَةِ لَا يُحِلُّ الحَرَامَ فِي البَاطِنِ، وَلَا يَنقُلُ المِلكِيَّةَ عِندَ اللهِ»؛ وَقَد نَزَلَت آيَةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ وَالأَشعَثِ بنِ قَيسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا حِينَ اختَصَمَ الأَشعَثُ وَرَجُلٌ فِي بِئرٍ أَو أَرضٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «شَاهِدَاكَ أَو يَمِينُهُ»، ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبرٍ يَقتَطِعُ بِهَا مَالَ امرِئٍ مُسلِمٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيهِ غَضبَانُ»! فَمَن أَخَذَ أَرضًا أَو مِيرَاثًا أَو مَالًا بِحُكمِ القَاضِي نَتِيجَةَ يَمِينٍ كَاذِبَةٍ أَو شَهَادَةِ زُورٍ أَو ثَغرَةٍ قَانُونِيَّةٍ، فَإِنَّمَا يَأخُذُ قِطعَةً مِنَ النَّارِ، وَلَا يَصِيرُ المَالُ حَلَالًا لَهُ أَبَدًا!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ الخَامِسَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَةُ «كَمَالُ البِرِّ وَالأَجرِ فِي الصَّدَقَاتِ وَالأَوقَافِ مَنُوطٌ بِنَفَاسَةِ المَالِ المَبذُولِ وَمَحَبَّةِ النَّفسِ لَهُ، وَلَا يَجزِئُ الرَّدِيءُ فِي الوَاجِبَاتِ مَعَ وُجُودِ الجَيِّدِ»:
وَمَورِدُهَا مَطلَعُ الجُزءِ الرَّابِعِ فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالتِّسعِينَ، قَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
وَقَد فَرَّعَ الفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الآيَةِ قَاعِدَتَينِ عَمَلِيَّتَينِ:
الأُولَى: أَنَّ أَفضَلَ الصَّدَقَةِ وَالوَقفِ وَالهَدْيِ وَالأَضَاحِي هُوَ مَا كَانَ مِن أَنفَسِ المَالِ وَأَطيَبِهِ وَأَحَبِّهِ إِلَى نَفسِ صَاحِبِهِ؛ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ أَبُو طَلحَةَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي الصَّحِيحَينِ لَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَامَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَال: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ أَموَالِي إِلَيَّ بَيرُحَاءَ (وَكَانَت حَدِيقَةً غَنَّاءَ مُستَقبِلَةَ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ)، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرجُو بِرَّهَا وَذُخرَهَا عِندَ اللهِ»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ»!
وَالثَّانِيَةُ: فِي آخِرِ الآيَةِ ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾؛ وَمِنهَا قَاعِدَةُ «المَيسُورُ لَا يَسقُطُ بِالمَعسُورِ، وَالقَلِيلُ مِنَ الخَيرِ مَقبُولٌ مَأجُورٌ عِندَ تَعَذُّرِ الكَثِيرِ»؛ فَمَن لَم يَجِدِ النَّفِيسَ فَتَصَدَّقَ بِشِقِّ تَمرَةٍ طَيِّبَةٍ مِن كَسبٍ حَلَالٍ عَلِمَهَا اللهُ وَرَبَّاهَا لِصَاحِبِهَا!
أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: وَأَمَّا القَاعِدَةُ السَّادِسَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ مِن أَعظَمِ قَوَاعِدِ التَّكلِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسلَامِيَّةِ قَاطِبَةً: قَاعِدَةُ «التَّكلِيفُ مَشرُوطٌ بِالِاستِطَاعَةِ وَالقُدرَةِ، وَلَا وَاجِبَ مَعَ العَجزِ»:
وَمَورِدُهَا هُوَ الآيَةُ السَّابِعَةُ وَالتِّسعُونَ مِنَ السُّورَةِ، فِي قَولِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَالإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ وَالشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ: «إِنَّ اشتِرَاطَ الِاستِطَاعَةِ الَّذِي نَصَّ اللهُ عَلَيهِ فِي الحَجِّ هُوَ أَصلٌ مُطَّرِدٌ فِي جَمِيعِ وَاجِبَاتِ الشَّرِيعَةِ بِلَا استِثنَاءٍ»! وَلِهَذَا جَاءَ فِي صَحِيحَيِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِذَا أَمَرتُكُم بِأَمرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم».
وَتَندَرِجُ تَحتَ هَذِهِ القَاعِدَةِ القُرآنِيَّةِ مِئَاتُ المَسَائِلِ الفِقهِيَّةِ فِي جَمِيعِ الأَبوَابِ:
فَفِي الطَّهَارَةِ: مَن عَجَزَ عَنِ استِعمَالِ المَاءِ لِفَقدِهِ أَو لِمَرَضٍ يَضُرُّهُ المَاءُ، سَقَطَ عَنهُ الغُسلُ وَالوُضُوءُ وَانتَقَلَ إِلَى البَدَلِ وَهُوَ التَّيَمُّمُ!
وَفِي الصَّلَاةِ: مَن لم يَستَطِعِ القِيَامَ صَلَّى قَاعِدًا، فَإِن لَم يَستَطِعْ فَعَلَى جَنبٍ!
وَفِي الصِّيَامِ: المَرِيضُ وَالمُسَافِرُ وَالعَاجِزُ يُرَخَّصُ لَهُم بُحكمِ عَدَمِ الِاستِطَاعَةِ الكَامِلَةِ!
وَفِي الحَجِّ: لَا يَجِبُ الحَجُّ إِلَّا عَلَى مَن مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ الفَاضِلَينِ عَن قُوتِ مَن يَعُولُ وَعَن دُيُونِهِ وَحَوَائِجِهِ الأَصلِيَّةِ، مَعَ أَمنِ الطَّرِيقِ وَقُدرَةِ البَدَنِ!
وَفِي النَّفَقَاتِ وَالدُّيُونِ وَتَغيِيرِ المُنكَرِ: كُلُّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِالِاستِطَاعَةِ؛ فَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا وَلَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفسًا إِلَّا مَا آتَاهَا!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ السَّابِعَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَةُ «القَيدُ إِذَا خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ أَو لِتَشنِيعِ الوَاقِعِ فَلَا مَفهُومَ مُخَالَفَةٍ لَهُ، وَمَا حَرُمَ كَثِيرُهُ لِذَاتِهِ حَرُمَ قَلِيلُهُ»:
وَمَورِدُهَا هُوَ الآيَةُ الثَّلَاثُونَ بَعدَ المِئَةِ، قَولُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
لَقَد حاوَلَ بَعضُ المُتَفَلِّتِينَ فِي العَصرِ الحَدِيثِ أَن يَتَعَلَّقَ بِظَاهِرِ قَولِهِ تَعَالَى: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ لِيَزعُمَ أَنَّ الفَوَائِدَ الرِّبَوِيَّةَ القَلِيلَةَ (كَخَمسَةٍ أَو عَشَرَةٍ بِالمِئَةِ) حَلَالٌ لِأَنَّهَا لَيسَت أَضعَافًا مُضَاعَفَةً!
وَقَد رَدَّ أَئِمَّةُ الفِقهِ وَالأُصُولِ عَلَى هَذِهِ الشُّبهَةِ بِقَاعِدَتَينِ مُحكَمَتَينِ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ نَفسِهَا:
الأُولَى: أَنَّ قَولَهُ: ﴿أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قَيدٌ خَرَجَ مَخرَجَ الغَالِبِ فِي رِبَا الجَاهِلِيَّةِ لِلتَّشنِيعِ عَلَيهِم وَبَيَانِ قُبحِ فِعلِهِم، وَالقَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ المُجْمَعُ عَلَيهَا عِندَ الجُمهُورِ تَقُول: «إِذَا خَرَجَ القَيدُ مَخرَجَ الغَالِبِ فَلَا يُعمَلُ بِمَفهُومِ المُخَالَفَةِ فِيهِ»!
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّنَا نَرُدُّ هَذِهِ الآيَةَ إِلَى الآيَةِ المُحكَمَةِ القَاطِعَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ عمَلًا بِالقَاعِدَةِ الأُولَى فِي آلِ عِمرَانَ، وَهِيَ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾؛ فَمَا زَادَ عَلَى رَأسِ المَالِ وَلَو كَانَ دِرهَمًا وَاحِدًا مَشرُوطًا فَهُوَ رِبًا مُحَرَّمٌ بِالإِجمَاعِ!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَةُ «مَشرُوعِيَّةُ الشُّورَى فِي النَّوَازِلِ الاجتِهَادِيَّةِ وَالمَصَالِحِ العَامَّةِ، وَأَنَّ العَزمَ وَالإِمضَاءَ بَعدَ الشُّورَى يَقطَعُ التَّرَدُّدَ وَالنِّزَاعَ»:
وَمَورِدُهَا هُوَ الآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالخَمسُونَ بَعدَ المِئَةِ، قَولُ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ مَعرَكَةِ أُحُدٍ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَابنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُمُ اللهُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَغنَى النَّاسِ عَن مَشُورَةِ أَحَدٍ لِأَنَّ الوَحيَ يَنزِلُ عَلَيهِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَمَرَهُ اللهُ بِمُشَاوَرَةِ أَصحَابِهِ بَعدَ أَن أَخطَؤُوا فِي أُحُدٍ؛ لِيُطيِّبَ قُلُوبَهُم، وَلِيَسُنَّ لِلأُمَّةِ مِن بَعدِهِ قَاعِدَةً فِقهِيَّةً وَسِيَاسِيَّةً وَإِدَارِيَّةً خَالِدَةً، وَهِيَ: «وُجُوبُ الشُّورَى فِي كُلِّ أَمرٍ اجتِهَادِيٍّ لَم يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ قَاطِعٌ، وَأَنَّ الخَطَأَ فِي الِاجتِهَادِ الشُّورِيِّ لَا يُسقِطُ أَصلَ الشُّورَى»! قَالَ ابنُ عَطِيَّةَ الأَندَلُسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي تَفسِيرِهِ: «وَالشُّورَى مِن قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَعَزَائِمِ الأَحكَامِ، فَمَن لَا يَستَشِيرُ أَهلَ العِلمِ وَالدِّينِ فَعَزلُهُ وَاجِبٌ، هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ»!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَةُ «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَت حَتَّى تُؤَدِّيَهُ، وَحُرمَةُ الغُلُولِ مِنَ المَالِ العَامِّ وَالمُشتَرَكِ»:
وَمَورِدُهَا هُوَ الآيَةُ الحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ بَعدَ المِئَةِ، قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
وَهَذِهِ الآيَةُ هِيَ الأَصلُ القُرآنِيُّ لِقَوَاعِدِ الضَّمَانِ المَالِيِّ وَرَدِّ الغُصُوبِ وَالسَّرِقَاتِ وَالخِيَانَاتِ؛ فَإِنَّ مَن أَخَذَ شَيئًا مِن مَالِ الدَّولَةِ العَامِّ، أَو مَالِ الشُّرَكَاءِ وَالوَرَثَةِ وَالأَوقَافِ قَبلَ القِسمَةِ بِغَيرِ حَقٍّ، لَا تَبرَأُ ذِمَّتُهُ بِمُجَرَّدِ الِاستِغفَارِ بِاللِّسَانِ، بَلِ القَاعِدَةُ الفِقهِيَّةُ الحَاسِمَةُ تَقُول: «حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ وَالأَموَالُ العَامَّةُ مَبنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ لَا تَسقُطُ إِلَّا بِالأَدَاءِ وَالرَّدِّ إِلَى مَصَارِفِهَا، وَإِلَّا جَاءَ بِعَينِهَا يَحمِلُهَا يَومَ القِيَامَةِ»!
وَأَمَّا القَاعِدَةُ العَاشِرَةُ وَالأَخِيرَةُ فِي خَوَاتِيمِ سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: فَهِيَ قَاعِدَةُ «وُجُوبُ بَيَانِ العِلمِ وَأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عِندَ الحَاجَةِ وَحُرمَةُ كِتمَانِهِمَا، مَعَ تَحرِيمِ الغِشِّ وَالتَّشبُّعِ بِمَا لَم يُعطَ»:
وَمَورِدُهَا الآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّمَانُونَ بَعدَ المِئَةِ وَالثَّامِنَةُ وَالثَّمَانُونَ بَعدَ المِئَةِ، فِي قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، وَقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
وَمِن هَاتَينِ الآيَتَينِ قَعَّدَ الفُقَهَاءُ أَنَّ كِتمَانَ الحَقِّ عِندَ السُّؤَالِ وَالقَضَاءِ وَالفَتوَى كَبِيرَةٌ مُوجِبَةٌ لِلإِثمِ وَالضَّمَانِ؛ وَأَنَّ ادِّعَاءَ الإِنسَانِ صِفَةً عِلمِيَّةً أَو مِهنِيَّةً أَو شَهَادَةً أَو عَمَلًا لَم يَفعَلهُ (كَمَن يَنتَحِلُ صِفَةَ طَبِيبٍ أَو مُهَندِسٍ أَو يَسرِقُ بَحثَ غَيرِهِ وَجُهدَهُ لِيُحمَدَ بِمَا لَم يَفعَلْ) هُوَ مِنَ الزُّورِ وَالغِشِّ المُحَرَّمِ شَرعًا؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَسمَاءَ بِنتِ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَم يُعطَ كَلَابِسِ ثَوبَي زُورٍ»!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ نَظَمَ جَلَالَ القَوَاعِدِ الفِقهِيَّةِ المُستَنبَطَةِ مِن كِتَابِ اللهِ فَقَال:
فِي آيِ عِمرَانَ أُصُولٌ أُحكِمَتْ ... بِهَا مَبَانِي الفِقهِ حَقًّا قُوِّمَتْ
رُدَّ المُشَابِهَ لِلصَّرِيحِ المُحكَمِ ... وَاعْمَلْ بِقَصدِ القَلبِ عِندَ الحَاكِمِ
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ الكِرَامُ وَطَلَبَةُ العِلمِ: هَذَا غَيضٌ مِن فَيضِ الكُنُوزِ الفِقهِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ فِي سُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِن كِتَابِ رَبِّنَا جَلَّ وَعَلَا! فَأَقبِلُوا عَلَى كِتَابِ اللهِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَتَفَقُّهًا وَعَمَلًا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَتَمَ سُورَةَ آلِ عِمرَانَ بِآيَاتِ التَّفَكُّرِ وَالعَمَلِ وَالمُرَابَطَةِ عَلَى الطَّاعَةِ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ الفُقَهَاءِ وَسَيِّدِ الأَنبِيَاءِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَعَن أَئِمَّةِ الفِقهِ وَالتَّفسِيرِ وَالحَدِيثِ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ، اللَّهُمَّ عَلِّمنَا مَا يَنفَعُنَا، وَانفَعنَا بِمَا عَلَّمتَنَا، وَزِدنَا عِلمًا وَفِقهًا وَإِخلَاصًا فِي الدِّينِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
من مكتبة مِداد الخطيب
القَوَاعِدُ الفِقهِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ المُستَخلَصَةُ مِن سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: مُحَاضَرَةٌ عِلمِيَّةٌ تَأصِيلِيَّةٌ فِي فِقهِ آيَاتِ الأَحكَامِ وَمَقَاصِدِ التَّشرِيعِ وَتَطبِيقَاتِهَا العَمَلِيَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.