صِفَاتُ عِبَادِ الرَّحمَنِ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرقَانِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَبَلَاغِيَّةٌ وَتَربَوِيَّةٌ لِلأُسرَةِ المُسلِمَةِ فِي شَرحِ الآيَاتِ وَتَطبِيقَاتِهَا فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ
الحَمدُ للهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، الَّذِي وَسِعَت رَحمَتُهُ كُلَّ شَيءٍ فَسَبَقَت غَضَبَهُ، وَاصطَفَى مِن خَلقِهِ عِبَادًا أَبرَارًا فَنَسَبَهُم إِلَى اسمِهِ «الرَّحمَنِ» تَشرِيفًا لَهُم وَإِعلَاءً لِمَرتَبَتِهِم، وَأَنزَلَ عَلَى عَبدِهِ الفُرقَانَ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيرًا، وَرَسَمَ فِي خَوَاتِيمِهِ لَوحَةً نُورَانِيَّةً تَهدِي الأَفْرَادَ وَالأُسَرَ إِلَى الغُرفَةِ العُلِيَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيم، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن طَمِعَ فِي الدُّخُولِ فِي زُمرَةِ عِبَادِ الرَّحمَن، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ مَن أَرَادَ صَلَاحَ القَلبِ وَالزَّوجِ وَالوَلَدِ وَالبُنيَان، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الحَلِيمُ الكَرِيمُ، الَّذِي يَقبَلُ التَّوبَةَ عَن عِبَادِهِ وَيُبَدِّلُ سَيِّئَاتِ التَّائِبِينَ حَسَنَاتٍ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، سَيِّدُ عِبَادِ الرَّحمَنِ، الَّذِي كَانَ خُلُقُهُ القُرآنَ، فِي حِلمِهِ وَتَوَاضُعِهِ وَتَهَجُّدِهِ وَرَحمَتِهِ بِأَهلِهِ وَأُمَّتِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ الأَبرَار، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُم - أَيُّهَا الآبَاءُ الكِرَامُ، وَالأُمَّهَاتُ الفَاضِلَاتُ، وَالشَّبَابُ النُّجَبَاءُ، وَالفَتَيَاتُ العَفِيفَاتُ، وَالأَبنَاءُ الأَعِزَّاءُ - فِي هَذَا اللِّقَاءِ العَائِلِيِّ الإِيمَانِيِّ المُبَارَكِ بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ وَتَحِيَّةِ أَهلِ الجَنَّةِ؛ فَقَولِي لَكُم: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَجلِسُكُم هَذَا الَّذِي تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ وَتَغشَاهُ الرَّحمَةُ وَتَنزِلُ عَلَيهِ السَّكِينَةُ.
تَخَيَّلُوا مَعِي - يَا أَحِبَّتِي فِي اللهِ - لَو أَنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ الدُّنيَا أَصدَرَ مَرسُومًا مَلَكِيًّا يَحمِلُ عُنوَانًا يَقُولُ فِيهِ: «هَذِهِ هِيَ المُواصَفَاتُ الخَاصَّةُ بِخَاصَّةِ المَلِكِ وَأَقرَبِ النَّاسِ إِلَيهِ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِهَا فَلَهُ أَعلَى القُصُورِ فِي مَملَكَتِي»؛ كَيفَ سَيَكُونُ شَوقُ النَّاسِ وَإِقبَالُهُم عَلَى قِرَاءَةِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَكُلِّ حَرفٍ فِي ذَلِكَ المَرسُومِ لِيَعرِفُوا: هَل هُم دَاخِلُونَ فِي هَذِهِ القَائِمَةِ أَم لَا؟!
فَكَيفَ إِذَا كَانَ هَذَا الإِعلَانُ العَظِيمُ صَادِرًا مِن مَلِكِ المُلُوكِ وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ جَلَّ جَلَالُهُ؟!
لَقَد جَاءَ هَذَا الإِعلَانُ الإِلَهِيُّ فِي خَوَاتِيمِ سُورَةِ الفُرقَانِ؛ وَانظُرُوا إِلَى السِّرِّ العَجِيبِ فِي مَجِيءِ هَذِهِ الآيَاتِ فِي آخِرِ سُورَةِ الفُرقَانِ تَحدِيدًا: قَبلَ هَذِهِ الآيَاتِ بِسَطرَينِ اثنَينِ فَقَط، ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى تَمَرُّدَ المُشرِكِينَ وَجُحُودَهُم حِينَ دُعُوا إِلَى السُّجُودِ للهِ الرَّحمَنِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي الآيَةِ السِّتِّينَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾!
فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ: يَا رَبِّ، إِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ الجَاحِدُونَ قَد نَفَرُوا مِنِ اسمِكَ «الرَّحمَنِ» وَاستَكبَرُوا عَنِ السُّجُودِ لَكَ، فَمَن هُم عِبَادُكَ الصَّادِقُونَ الَّذِينَ عَرَفُوكَ بِاسمِكَ «الرَّحمَنِ»، وَأَحَبُّوكَ، وَخَضَعُوا لِجَلَالِكَ؟ فَجَاءَ الجَوَابُ القُرآنِيُّ المَهيبُ يَرسُمُ صُورَتَهُم البَهِيَّةَ فِي الآيَاتِ مِنَ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ إِلَى السَّابِعَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا...﴾!
وَقَبلَ أَن نَدخُلَ إِلَى الصِّفَاتِ العَشرِ؛ تَأَمَّلُوا مَعِي هَذِهِ اللَّمسَةَ اللُّغَوِيَّةَ وَالبَلَاغِيَّةَ السَّاحِرَةَ فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾!
لِمَاذَا قَالَ اللهُ: «عِبَادُ الرَّحمَنِ» وَلَم يَقُل: «عَبِيدُ الرَّحمَنِ»؟ قَالَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالتَّفسِيرِ: إِنَّ كَلِمَةَ «عَبدٍ» تُجمَعُ فِي العَرَبِيَّةِ عَلَى «عَبِيدٍ» وَتُجمَعُ عَلَى «عِبَادٍ»؛ فَأَمَّا «العَبِيدُ» فَتُستَعمَلُ غَالِبًا فِي عَبِيدِ القَهرِ وَالمَملُوكِيَّةِ العَامَّةِ كَقَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾؛ وَأَمَّا «العِبَادُ» فَتُستَعمَلُ فِي القُرآنِ لِأَهلِ العُبُودِيَّةِ الاختِيَارِيَّةِ الشَّرِيفَةِ الَّذِينَ أَطَاعُوا اللهَ عَن مَحَبَّةٍ وَإِجلَالٍ، ثُمَّ أَضَافَهُم سُبحَانَهُ إِلَى نَفسِهِ إِضَافَةَ تَشرِيفٍ وَتَكرِيمٍ وَتَخصِيصٍ، وَاخْتَارَ مِن أَسمَائِهِ الحُسنَى اسمَ «الرَّحمَنِ» لِيُشعِرَنَا بِأَنَّهُم مَا بَلَغُوا هَذِهِ المَنَازِلَ العَالِيَةَ إِلَّا بِفَضلِ الرَّحمَنِ وَرَحمَتِهِ، وَأَنَّ سِيمَاهُم فِي بُيُوتِهِم وَمُجتَمَعِهِم هِيَ الرَّحمَةُ وَاللُّطفُ وَالسَّلَامُ!
فَهَلُمُّوا بِنَا - أَيُّهَا الأَحِبَّةُ - لِنَعيشَ مَعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ العَشرِ صِفَةً صِفَةً، نَتَذَوَّقُ بَلَاغَتَهَا القُرآنِيَّةَ، وَنَعرِضُ عَلَيهَا حَيَاتَنَا اليَومِيَّةَ فِي بُيُوتِنَا وَشَوَارِعِنَا وَأَعمَالِنَا، لِنَرَى: كَم نَصِيبُنَا وَنَصِيبُ أُسرَتِنَا مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ؟
أَيُّهَا الجَمعُ العَائِلِيُّ المُبَارَكُ: أَمَّا الصِّفَةُ الأُولَى مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ، فَهِيَ «التَّوَاضُعُ وَالوَقَارُ فِي المَشيِ وَالسُّلُوكِ، وَالحِلمُ وَالتَّرَفُّعُ عِندَ مُوَاجَهَةِ السُّفَهَاءِ وَالجَاهِلِينَ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ مِن سُورَةِ الفُرقَانِ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
تَأَمَّلُوا البَلَاغَةَ القُرآنِيَّةَ فِي كَلِمَةِ «هَوْنًا»؛ الهَونُ بِفَتحِ الهَاءِ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ الرِّفقُ وَاللِّينُ وَالسَّكِينَةُ وَالوَقَارُ، وَلَيسَ هُوَ الهَوَانُ بِمَعنَى الذُّلِّ وَالمَهَانَةِ! فَعِبَادُ الرَّحمَنِ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ بِتَوَاضُعٍ وَسَكِينَةٍ، لَا يَمشُونَ مِشيَةَ المُتَكَبِّرِينَ المُختَالِينَ الَّذِينَ يَخرِقُونَ الأَرضَ بِأَقدَامِهِم كَمَا نَهَى اللهُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ فَقَال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾، وَلَا يَمشُونَ أَيضًا مِشيَةَ المُتَمَاوِتِينَ الكُسَالَى؛ بَل مِشيَتُهُم هِيَ مِشيَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي وَصَفَهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِقَولِهِ: «كَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنحَطُّ مِن صَبَبٍ»؛ أَي مِشيَةَ القَوِيِّ المُتَوَاضِعِ المَهيبِ! وَلِهَذَا رَأَى الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ شَابًّا يَمشِي بَطِيئًا مُتَمَاوِتًا، فَقَالَ لَهُ: «مَا بِكَ؟ أَمَرِيضٌ أَنتَ؟»، قَال: لَا يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ وَقَال: «امشِ بِقُوَّةٍ، فَإِنَّ الهَونَ لَيسَ بِالتَّمَاوُتِ»!
ثُمَّ انظُرُوا إِلَى الشَّطرِ الثَّانِي مِنَ الآيَةِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾؛ مَن هُمُ «الجَاهِلُونَ» هُنَا؟ لَيسَ المَقصُودُ بِهِم مَن لَا يَقرَأُ وَلَا يَكتُبُ، بَلِ الجَهلُ هُنَا هُوَ «السَّفَهُ وَالطَّيشُ وَالبَذَاءَةُ وَالغَضَبُ الأَحمَقُ»؛ يُقَالُ فِي العَرَبِيَّةِ: «جَهِلَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ» إِذَا سَفِهَ عَلَيهِ وَشَتَمَهُ!
فَمَاذَا يَفعَلُ عِبَادُ الرَّحمَنِ إِذَا ابتُلُوا بِسَفِيهٍ يَشتُمُهُم أَو يَستَفِزُّهُم؟ هَل يَنزِلُونَ إِلَى مُستَوَاهُ فِي السِّبَابِ وَالصُّرَاخِ؟ كَلَّا؛ بَل «قَالُوا سَلَامًا»! وَقَولُهُم «سَلَامًا» يَجمَعُ مَعنَيَينِ بَلَاغِيَّينِ رَائِعَينِ: أَي قَالُوا قَولًا سَدِيدًا لَيِّنًا سَالِمًا مِنَ الإِثمِ وَالفُحشِ، أَو قَالُوا كَلِمَةَ تَودِيعٍ وَمُتَارَكَةٍ تَسلَمُ بِهَا أَعرَاضُهُم وَأَوقَاتُهُم مِن خَوضِ الجَاهِلِينَ!
وَانظُرُوا إِلَى المَثَلِ النَّبَوِيِّ الأَعلَى فِي ذَلِكَ: فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: كُنتُ أَمشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيهِ بُردٌ نَجرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدرَكَهُ أَعرَابِيٌّ فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبذَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرتُ إِلَى صَفحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد أَثَّرَت بِهَا حَاشِيَةُ البُردِ مِن شِدَّةِ جَبذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ بِغِلظَةٍ: «يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِي مِن مَالِ اللهِ الَّذِي عِندَكَ»! فَمَاذَا فَعَلَ سَيِّدُ عِبَادِ الرَّحمَنِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ التَفَتَ إِلَيهِ فَضَحِكَ وَابتَسَمَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ!
وَلَمَّا شَتَمَ رَجُلٌ الإِمَامَ الشَّعبِيَّ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ لَهُ الشَّعبِيُّ: «إِن كُنتَ صَادِقًا فَغَفَرَ اللهُ لِي، وَإِن كُنتَ كَاذِبًا فَغَفَرَ اللهُ لَكَ»!
فَكَيَفَ نُطَبِّقُ هَذِهِ الصِّفَةَ اليَومَ فِي حَيَاتِنَا العَائِلِيَّةِ وَالمُعَاصِرَةِ؟
نُطَبِّقُهَا أَوَّلًا فِي الشَّارِعِ أَثنَاءَ قِيَادَةِ السَّيَّارَةِ وَزِحَامِ الطَّرِيقِ؛ فَحِينَ يُخطِئُ عَلَيكَ سَائِقٌ مُتَهَوِّرٌ أَو يَرفَعُ صَوتَهُ، تَذكَّرْ أَنَّكَ مِن عِبَادِ الرَّحمَنِ فَقُلْ «سَلَامًا» وَامضِ بِحِلمٍ وَوَقَارٍ! وَنُطَبِّقُهَا ثَانِيًا عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ حِينَ يَكتُبُ سَفِيهٌ تَعلِيقًا مُستَفِزًّا أَو شَتِيمَةً، فَلَا تَردَّ البَذَاءَةَ بِالبَذَاءَةِ، بَل تَرَفَّعْ عَنهُ؛ وَنُطَبِّقُهَا ثَالِثًا دَاخِلَ البَيتِ بَينَ الزَّوجَينِ وَالأَولَادِ: فَإِذَا غَضِبَ الزَّوجُ أَوِ انفَعَلَتِ الزَّوجَةُ فِي لَحظَةِ ضِيقٍ، أَطفَأَ الطَّرَفُ الآخَرُ نَارَ الغَضَبِ بِالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الهَادِئَةِ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: وَأَمَّا الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ، فَهِيَ «أَنسُهُم بِرَبِّهِم فِي جَوفِ اللَّيلِ وَقِيَامُهُم بَينَ يَدَيهِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾.
يَا لَجَمَالِ هَذَا التَّنَاسُقِ القُرآنِيِّ البَدِيعِ! فِي الآيَةِ الأُولَى وَصَفَ حَالَهُم بِالنَّهَارِ مَعَ الخَلقِ: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾، وَفِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ وَصَفَ حَالَهُم بِاللَّيلِ مَعَ الخَالِقِ: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾! وَمِن أَينَ جَاءَهُم ذَلِكَ الوَقَارُ وَالحِلمُ وَالنُّورُ فِي النَّهَارِ؟ جَاءَهُم مِن خَلوَتِهِم بِرَبِّهِم فِي ظُلُمَاتِ اللَّيلِ!
وَتَأَمَّلُوا هُنَا لَمسَتَينِ بَلَاغِيَّتَينِ فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ:
الأُولَى: تَقدِيمُ الجَارِّ وَالمَجرُورِ «لِرَبِّهِمْ» عَلَى «سُجَّدًا وَقِيَامًا»؛ وَفِي عِلمِ البَلَاغَةِ يُفِيدُ تَقدِيمُ مَا حَقُّهُ التَّأخِيرُ «الحَصرَ وَالِاختِصَاصَ»؛ أَي أَنَّهُم لَا يَقُومُونَ اللَّيلَ رِيَاءً وَلَا سُمعَةً، بَل يَبِيتُونَ خَالِصِينَ لِرَبِّهِم وَحدَهُ فِي وَقتٍ نَامَت فِيهِ الأَعيُنُ وَغَابَ الرُّقَبَاءُ!
وَالثَّانِيَةُ: لِمَاذَا قَدَّمَ اللهُ «سُجَّدًا» عَلَى «قِيَامًا» مَعَ أَنَّ المُصَلِّيَ يَبدَأُ بِالقِيَامِ ثُمَّ يَسجُدُ؟ قَالَ البَلَاغِيُّونَ: لِأَنَّ السُّجُودَ هُوَ ذِروَةُ الخُضُوعِ وَأَقرَبُ مَوضِعٍ يَكُونُ فِيهِ العَبدُ مِن رَبِّهِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «أَقرَبُ مَا يَكُونُ العَبدُ مِن رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكثِرُوا الدُّعَاءَ».
فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالشَّبَابُ: لَا تَحرِمُوا بُيُوتَكُم مِن نُورِ قِيَامِ اللَّيلِ وَلَو بِرَكعَتَينِ قَبلَ النَّومِ أَو قُبَيلَ الفَجرِ مَعَ الوِترِ! فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّى وَأَيقَظَ امرَأَتَهُ، فَإِن أَبَت نَضَحَ فِي وَجهِهَا المَاءَ، رَحِمَ اللهُ امرَأَةً قَامَت مِنَ اللَّيلِ فَصَلَّت وَأَيقَظَت زَوجَهَا، فَإِن أَبَى نَضَحَت فِي وَجهِهِ المَاءَ»! أَيُّ سَعَادَةٍ زَوجِيَّةٍ وَأُسرِيَّةٍ أَعظَمُ مِن بَيتٍ يَتَعَاوَنُ أَهلُهُ عَلَى طَاعَةِ الرَّحمَنِ وَيَنَالُونَ دَعوَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالرَّحمَةِ؟!
وَأَمَّا الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ: فَهِيَ «خَوفُهُم الوَجِلُ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ وَتَضَرُّعُهُم إِلَى اللهِ أَن يَصرِفَهَا عَنهُم»:
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الآيَتَينِ الخَامِسَةِ وَالسِّتِّينَ وَالسَّادِسَةِ وَالسِّتِّينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾.
انظُرُوا إِلَى حَالِ عِبَادِ الرَّحمَنِ: مَعَ أَنَّهُم يَبِيتُونَ لِرَبِّهِم سُجَّدًا وَقِيَامًا، لَم يَغتَرُّوا بِصَلَاتِهِم وَلَا بِصَلَاحِهِم، بَل قُلُوبُهُم تَرتَجِفُ خَوفًا مِن عَذَابِ اللهِ، فَيَرفَعُونَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ فِي جَوفِ اللَّيلِ قَائِلِينَ: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾!
وَفِي كَلِمَةِ «غَرَامًا» تَصوِيرٌ بَلَاغِيٌّ يَهزُّ الوِجدَانَ؛ فَالغَرَامُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ الشَّرُّ الدَّائِمُ المُلَازِمُ الَّذِي لَا يُفَارِقُ صَاحِبَهُ، وَمِنهُ سُمِّيَ صَاحِبُ الدَّينِ «غَرِيمًا» لِأَنَّهُ يُلَازِمُ المَدِينَ وَلَا يَترُكُهُ؛ فَعَذَابُ جَهَنَّمَ لَيسَ أَلَمًا عَابِرًا ثُمَّ يَنقَضِي، بَل هُوَ هَلَاكٌ مُلَازِمٌ وَخَسَارَةٌ دَائِمَةٌ: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾! وَجَمَعَ بَينَ «المُستَقَرِّ» وَ«المُقَامِ» لِيَشمَلَ قُبحَ المَكَانِ الَّذِي يَستَقِرُّونَ فِيهِ وَقُبحَ الزَّمَانِ وَالإِقَامَةِ الطَّوِيلَةِ فِيهِ أَجَارَنَا اللهُ وَإِيَّاكُم وَوَالِدِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِنَ النَّارِ!
وَأَمَّا الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ: فَهِيَ «التَّوَازُنُ وَالِاعتِدَالُ المَالِيُّ فِي النَّفَقَةِ بَينَ الإِسرَافِ وَالتَّقتِيرِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ السَّابِعَةِ وَالسِّتِّينَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.
مَا أَعظَمَ شُمُولِيَّةَ الإِسلَامِ! قَبلَ قَلِيلٍ كَانَ يُحَدِّثُنَا عَنِ السُّجُودِ فِي المِحرَابِ، وَالآنَ يُحَدِّثُنَا عَن «مِيزَانِيَّةِ البَيتِ وَإِنفَاقِ الدِّرهَمِ وَالدِّينَارِ»! لِأَنَّ إِنفَاقَ المَالِ عِبَادَةٌ يَظهَرُ فِيهَا عَقلُ المُؤمِنِ وَإِيمَانُهُ!
فَعِبَادُ الرَّحمَنِ إِذَا أَنفَقُوا أَموَالَهُم عَلَى أَنفُسِهِم وَعِيَالِهِم وَفِي وُجُوهِ الخَيرِ: «لَمْ يُسْرِفُوا» أَي لَم يُبَذِّرُوا المَالَ فَوقَ الحَاجَةِ تَفَاخُرًا وَمُبَاهَاةً وَلَم يَصرِفُوهُ فِي مَعصِيَةِ اللهِ (فَإِنَّ الدِّرهَمَ الوَاحِدَ فِي الحَرَامِ إِسرَافٌ كَمَا قَالَ إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ وَمُجَاهِدٌ رَحِمَهُمَا اللهُ)؛ «وَلَمْ يَقْتُرُوا» أَي لَم يَبخَلُوا وَلَم يُضَيِّقُوا عَلَى أَهلِهِم وَأَولَادِهِم مَعَ قُدرَتِهِم وَسَعَةِ رِزقِهِم؛ «وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا»!
وَانظُرُوا إِلَى جَمَالِ كَلِمَةِ «قَوَامًا» بِفَتحِ القَافِ؛ أَي عَدلًا وَسَطًا مُعتَدِلًا قَائِمًا عَلَى الحِكمَةِ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾.
وَمَا أَحوَجَ أُسَرَنَا وَبُيُوتَنَا اليَومَ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ العَظِيمَةِ! فَكَم مِن أُسرَةٍ أَرهَقَت نَفسَهَا بِالدُّيُونِ وَالأَقسَاطِ مِنهَاكًا فِي المَظَاهِرِ الكَاذِبَةِ، وَإِسرَافًا فِي الحَفَلَاتِ وَالأَعرَاسِ وَالمَطَاعِمِ وَتَغيِيرِ الأَثَاثِ وَالهَوَاتِفِ، ثُمَّ يُلقَى نِصفُ الطَّعَامِ فِي القُمَامَةِ! وَفِي المقَابِلِ كَم مِن رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَقَتَّرَ عَلَى زَوجَتِهِ وَأَولَادِهِ حَتَّى أَحوَجَهُم لِلنَّاسِ! فَمَنهَجُ عِبَادِ الرَّحمَنِ هُوَ القِوَامُ وَالِاعتِدَالُ وَحِفظُ النِّعمَةِ مِنَ الضَّيَاعِ.
أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَامُ: ثُمَّ تَأْتِي الصِّفَةُ الخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ مُجتَمِعَةً فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ «طَهَارَةُ عِبَادِ الرَّحمَنِ مِنَ الكَبَائِرِ الثَّلَاثِ العُظمَى (الشِّركِ بِاللهِ، وَقَتلِ النَّفسِ، وَالزِّنَا)، مَعَ فَتحِ بَابِ التَّوبَةِ الوَاسِعِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَاتِ مِنَ الثَّامِنَةِ وَالسِّتِّينَ إِلَى الحَادِيَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾، ثُمَّ استَثنَى التَّائِبِينَ فَقَال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
لِمَاذَا جَمَعَ اللهُ هَذِهِ المُحَرَّمَاتِ الثَّلَاثَ فِي قَرَنٍ وَاحِدٍ؟ لِأَنَّهَا أَكبَرُ الكَبَائِرِ عَلَى الإِطلَاقِ؛ فَالشِّركُ إِفسَادٌ لِلأَديَانِ، وَالقَتلُ إِزهَاقٌ لِلأَبدَانِ وَالأَروَاحِ، وَالزِّنَا تَدمِيرٌ لِلأَنسَابِ وَالأَعرَاضِ وَالأُسَرِ!
وَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الذَّنبِ أَعظَمُ عِندَ اللهِ؟ قَال: «أَن تَجعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: «أَن تَقتُلَ وَلَدَكَ خَشيَةَ أَن يَطعَمَ مَعَكَ»، قُلتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَال: «أَن تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ»! فَأَنزَلَ اللهُ تَعَالَى تَصدِيقَ قَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾!
ثُمَّ تَأَمَّلُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - رَحمَةَ «الرَّحمَنِ» الَّتِي تَجلَّت فِي أَعظَمِ آيَةِ رَجَاءٍ وَبِشَارَةٍ لِلتَّائِبِينَ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾!
لَم يَقُل سُبحَانَهُ: «يَمحُو سَيِّئَاتِهِم فَقَط»، بَل قَال: «يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِم حَسَنَاتٍ»! كَيفَ ذَلِكَ؟ قَالَ عُلَمَاءُ التَّفسِيرِ: يُبَدِّلُهُمُ اللهُ فِي الدُّنيَا بَدَلَ الشِّركِ إِيمَانًا، وَبَدَلَ الفُجُورِ عِفَّةً، وَبَدَلَ المَعصِيَةِ طَاعَةً؛ ثُمَّ إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ قَلَبَ اللهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ نَدِمَ عَلَيهَا العَبدُ وَتَابَ مِنهَا إِلَى حَسَنَةٍ فِي صَحِيفَتِهِ!
وَاسْمَعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي يَملَأُ القُلُوبَ حُبًّا للهِ وَشَوقًا إِلَى التَّوبَةِ؛ رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنِّي لَأَعلَمُ آخِرَ أَهلِ الجَنَّةِ دُخُولًا الجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنهَا؛ رَجُلٌ يُؤتَى بِهِ يَومَ القِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعرِضُوا عَلَيهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ وَارفَعُوا عَنهُ كِبَارَهَا، فَتُعرَضُ عَلَيهِ صِغَارُ ذُنُوبِهِ فَيُقَالُ: عَمِلتَ يَومَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ مُقِرٌّ لَا يُنكِرُ وَهُوَ مُشفِقٌ مِن كِبَارِ ذُنُوبِهِ أَن تُعرَضَ عَلَيهِ، فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً! فَيَقُولُ الرَّجُلُ: رَبِّ قَد عَمِلتُ أَشيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا»! قَالَ أَبُو ذَرٍّ: فَلَقَد رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ضَحِكَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: وَأَمَّا الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ، فَهِيَ «صِيَانَةُ النَّفسِ وَالأُسرَةِ عَن مَجَالِسِ الزُّورِ، وَالمُرُورُ الكَرِيمُ عَنِ اللَّغوِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾.
تَأَمَّلُوا الدِّقَّةَ اللُّغَوِيَّةَ هُنَا: قَالَ اللهُ: «لَا يَشهَدُونَ الزُّورَ»؛ وَالزُّورُ هُوَ كُلُّ بَاطِلٍ مُزَخْرَفٍ مُمَوَّهٍ، فَيَشمَلُ شَهَادَةَ الزُّورِ الكَاذِبَةَ الَّتِي عَدَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ فِي الصَّحِيحَينِ، كَمَا يَشمَلُ «حُضُورَ وَمُشَاهَدَةَ مَجَالِسِ البَاطِلِ وَالمُنكَرِ وَالغِنَاءِ الفَاحِشِ وَشِعَارَاتِ الضَّلَالِ» كَمَا فَسَّرَهُ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمُحَمَّدُ بنُ الحَنَفِيَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ! فَعِبَادُ الرَّحمَنِ لَا يَجعَلُونَ أَنفُسَهُم وَلَا أَولَادَهُم شُهُودًا أَو مُشَاهِدِينَ أَو مُصَفِّقِينَ لِمَجَالِسِ الحَرَامِ وَالزُّورِ!
ثُمَّ انظُرُوا إِلَى الشَّطرِ الثَّانِي: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾؛ لِمَاذَا قَالَ «مَرُّوا بِاللَّغوِ»؟ لِأَنَّهُم لَم يَقصِدُوا الذَّهَابَ إِلَى اللَّغوِ، وَلَكِنَّهُم أَثنَاءَ سَيرِهِم فِي الحَيَاةِ أَوِ الأَسوَاقِ أَو تَصَفُّحِ الشَّبَكَةِ صَادَفُوا لَغوًا وَكَلَامًا سَاقِطًا تَافِهًا؛ فَمَاذَا صَنَعُوا؟ لَم يَقِفُوا عِندَهُ يَتَفَرَّجُونَ وَيُشَارِكُونَ، بَل «مَرُّوا كِرَامًا» أَي مُعرِضِينَ عَنهُ مُتَرَفِّعِينَ بِكَرَامَةِ إِيمَانِهِم! وَقَد مَرَّ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِلَهوٍ وَلَغوٍ فَمَضَى وَلم يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَقَد أَصبَحَ ابنُ مَسعُودٍ وَأَمسَى كَرِيمًا» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ!
فَيَا أَيَّتُهَا الأُسرَةُ المُسلِمَةُ: كَم مِن «مَجَالِسِ زُورٍ وَلَغوٍ إِلكترُونِيٍّ» تُعرَضُ اليَومَ عَلَى شَاشَاتِ التِّلفَازِ وَالهَوَاتِفِ مِن مَسَلسَلَاتٍ هَابِطَةٍ وَمَقَاطِعَ تَافِهَةٍ تَهدِمُ القِيَمَ؟ فَشِعَارُ بَيتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ أَن يُطفِئَ الزُّورَ، وَأَن يَمُرَّ عَنِ اللَّغوِ وَالتَّفَاهَةِ مُرُورَ الكِرَامِ!
وَأَمَّا الصِّفَةُ التَّاسِعَةُ مِن صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحمَنِ: فَهِيَ «حَيَاةُ القُلُوبِ وَاليَقَظَةُ التَّامَّةُ عِندَ التَّذكِيرِ بِآيَاتِ اللهِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الثَّالِثَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ إِعجَازٌ بَلَاغِيٌّ بَدِيعٌ؛ فَإِنَّ الكَافِرَ أَوِ المُنَافِقَ إِذَا سَمِعَ آيَاتِ اللهِ أَعرَضَ عَنهَا كَأَنَّهُ أَصَمُّ لَا يَسمَعُ وَأَعمَى لَا يُبصِرُ؛ أَمَّا عِبَادُ الرَّحمَنِ فَإِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ اللهِ المَتلُوَّةِ فِي القُرآنِ أَوِ المَنظُورَةِ فِي الكَونِ، خَرُّوا لَهَا خَاشِعِينَ بَاكِينَ بَصِيرِينَ سَامِعِينَ سَمعَ استِجَابَةٍ وَامتِثَالٍ!
فَإِذَا قِيلَ لِأَحَدِهِم فِي بَيتِهِ أَو سُوقِهِ: «اتَّقِ اللهَ، قَالَ اللهُ كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَذَا»، لَم تَأخُذهُ العِزَّةُ بِالإِثمِ، بَل لَانَ قَلبُهُ وَانقَادَ لِلحَقِّ فَوْرًا!
وَأَمَّا الصِّفَةُ العَاشِرَةُ وَتَاجُ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي حَيَاةِ الأُسرَةِ المُسلِمَةِ: فَهِيَ «حَملُ هَمِّ صَلَاحِ الأَزوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ، وَالدُّعَاءُ الدَّائِمُ لَهُم، وَعُلُوُّ الهِمَّةِ فِي طَلَبِ الإِمَامَةِ فِي التَّقوَى»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الآيَةِ الرَّابِعَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
تَأَمَّلُوا - أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالأَبنَاءُ - هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي يَجِبُ أَن تَكُونَ الدُّعَاءَ اليَومِيَّ فِي كُلِّ بَيتٍ مُسلِمٍ!
إِنَّ عِبَادَ الرَّحمَنِ لَا يَرضَونَ بِأَن يَكُونُوا صَالِحِينَ بِمُفرَدِهِم ثُمَّ يَترُكُوا أَزوَاجَهُم وَأَولَادَهُم لِأَموَاجِ الفِتَنِ؛ بَل يَجمَعُونَ بَينَ التَّربِيَةِ الصَّالِحَةِ وَالإِلحَاحِ عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ أَن يَجْعَلَ أَزوَاجَهُم وَذُرِّيَّاتِهِم «قُرَّةَ أَعْيُنٍ»!
وَمَا مَعنَى «قُرَّةِ الأَعيُنِ» فِي لُغَةِ العَرَبِ وَتَفسِيرِ السَّلَفِ؟
أَصلُها مِنَ «القُرِّ» وَهُوَ البَردُ؛ قَالَ الأَصمَعِيُّ وَأَئِمَّةُ اللُّغَةِ: لِأَنَّ لِلعَينِ دَمعَتَينِ: دَمعَةُ الحُزنِ وَالمُصِيبَةِ وَهِيَ دَمعَةٌ حَارَّةٌ تُحرِقُ الجَفنَ، وَدَمعَةُ الفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَهِيَ دَمعَةٌ بَارِدَةٌ تَبرُدُ بِهَا العَينُ وَتَطمَئِنُّ النَّفسُ! وَقِيلَ مِنَ «القَرَارِ»؛ أَي تَستَقِرُّ العَينُ بِرُؤيَتِهِم عَلَى الصَّلَاحِ فَلَا تَتَطَلَّعُ إِلَى غَيرِهِم!
وَسُئِلَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: أَفِي الدُّنيَا أَم فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ: «لَا وَاللهِ، بَل فِي الدُّنيَا! وَمَا هِيَ؟ هِيَ وَاللهِ أَن يَرَى العَبدُ المُسلِمُ زَوجَتَهُ، وَأَخَاهُ، وَوَلَدَهُ، وَحَمِيمَهُ يُطِيعُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ؛ لَا وَاللهِ مَا شَيءٌ أَقَرَّ لِعَينِ المُسلِمِ مِن أَن يَرَى وَلَدَهُ أَو زَوجَتَهُ أَو حَبِيبَهُ مُطِيعًا للهِ عَزَّ وَجَلَّ»!
وَلَمَّا لَقِيَ المِقدَادُ بنُ الأَسوَدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الصَّحَابِيَّ الجَلِيلَ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ لَهُ: مَا لِي أَرَاكَ لَم تَتَزَوَّجْ؟ قَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ: «ادعُ اللهَ بَآيَةِ الفُرقَانِ: رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا»؛ فَدَعَا بِهَا، فَرَزَقَهُ اللهُ زَوجَةً صَالِحَةً وَذُرِّيَّةً طَيِّبَةً قَرَّت بِهَا عَينُهُ!
ثُمَّ انظُرُوا إِلَى قِمَّةِ الهِمَّةِ فِي خِتَامِ دُعَائِهِم: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾! قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «أَيِ اجعَلنَا أَئِمَّةَ هُدًى نَقتَدِي بِمَن قَبلَنَا مِنَ المُتَّقِينَ، وَيَقتَدِي بِنَا مَن بَعدَنَا فِي الخَيرِ»! وَأَفرَدَ كَلِمَةَ «إِمَامًا» وَالمُتَكَلِّمُونَ جَمَاعَةٌ، لِأَنَّ الأُسرَةَ المُؤمِنَةَ كُلَّهَا بِأَبِيهَا وَأُمِّهَا وَأَبنَائِهَا كَالجَسَدِ الوَاحِدِ وَالمَنَارَةِ الوَاحِدَةِ الَّتِي يَهتَدِي بِهَا الجِيرَانُ وَالمُجتَمَعُ!
فَمَا هِيَ الجَائِزَةُ الرَّبَّانِيَّةُ الكُبرَى لِكُلِّ مَن تَحَلَّى بِهَذِهِ الصِّفَاتِ العَشرِ وَرَبَّى أَهلَهُ عَلَيهَا؟
اِسمَعُوا إِلَى التَّوقِيعِ الإِلَهِيِّ الخِتَامِيِّ فِي الآيَتَينِ الخَامِسَةِ وَالسَّبعِينَ وَالسَّادِسَةِ وَالسَّبعِينَ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾!
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا هَذِهِ المُقَابَلَةَ البَلَاغِيَّةَ المُدهِشَةَ:
أَوَّلًا: سَمَّى اللهُ مَنزِلَهُم فِي الجَنَّةِ «الغُرفَةَ»؛ وَالغُرفَةُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هِيَ أَعلَى المَنَازِلِ وَأَشرَفُهَا وَأَرفَعُهَا فِي الفِردَوسِ الأَعلَى! كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ أَهلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَونَ أَهلَ الغُرَفِ مِن فَوقِهِم كَمَا تَتَرَاءَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنَ المَشرِقِ أَوِ المَغرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَينَهُم»!
ثَانِيًا: كَمَا قَالُوا فِي الدُّنيَا عِندَ خِطَابِ الجَاهِلِينَ «سَلَامًا» وَصَبَرُوا عَلَى الطَّاعَةِ، كَانَ جَزَاؤُهُم مِن جِنسِ عَمَلِهِم: ﴿بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ مِنَ اللهِ وَمِن مَلَائِكَتِهِ الكِرَامِ!
ثَالِثًا: كَمَا خَافُوا فِي الدُّنيَا مِن جَهَنَّمَ وَقَالُوا: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، آمَنَهُمُ اللهُ مِنَ الخَوفِ وَأَسكَنَهُمُ الغُرفَةَ الَّتِي ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾!
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ السُّورَةَ كُلَّهَا بِقَاعِدَةِ العُبُودِيَّةِ وَالدُّعَاءِ فَقَال: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ نَظَمَ حِليَةَ عِبَادِ الرَّحمَنِ وَمَنَازِلَهُم فَقَال:
عِبَادُ إِلَهِ العَرشِ بِالهَونِ سَيرُهُم ... وَبِالحِلمِ عَن جَهلِ السَّفِيهِ تَرَفَّعُوا
يَبِيتُونَ لِلرَّحمَنِ فِي اللَّيلِ سُجَّدًا ... فَفِي غُرَفِ الفِردَوسِ بِالأَهلِ يُجمَعُوا
فَيَا أَيَّتُهَا الأُسَرُ المُبَارَكَةُ، وَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ وَالشَّبَابُ وَالفَتَيَاتُ: اِجعَلُوا هَذِهِ الآيَاتِ الخَمسَ عَشرَةَ مِن أَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرقَانِ مِنهَاجَ حَيَاةٍ لِبُيُوتِكُم! اِقرَؤُوهَا مَعَ أَولَادِكُم عَلَى مَائِدَةِ الأُسرَةِ، وَتَحَلَّوا بِتَوَاضُعِ عِبَادِ الرَّحمَنِ وَحِلمِهِم، وَأَحيُوا لَيلَكُم بِالسُّجُودِ، وَاعتَدِلُوا فِي نَفَقَاتِكُم، وَطَهِّرُوا بُيُوتَكُم مِن مَجَالِسِ الزُّورِ وَاللَّغوِ، وَأَكثِرُوا فِي سُجُودِكُم مِن دُعَاءِ: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، يَجمَعْكُمُ اللهُ وَأَهلِيكُم فِي غُرَفِ الفِردَوسِ الأَعلَى!
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى سَيِّدِ عِبَادِ الرَّحمَنِ وَقُدوَةِ الأَنامِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يَا رَحمَنَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا، اجعَلنَا وَآبَاءَنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَأَزوَاجَنَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن عِبَادِكَ عِبَادِ الرَّحمَنِ الصَّادِقِينَ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا اصرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءَت مُستَقَرًّا وَمُقَامًا، اللَّهُمَّ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا، وَأَسكِنَّا بِرَحمَتِكَ وَفَضلِكَ الغُرفَةَ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
من مكتبة مِداد الخطيب
صِفَاتُ عِبَادِ الرَّحمَنِ فِي أَوَاخِرِ سُورَةِ الفُرقَانِ: مُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ وَبَلَاغِيَّةٌ وَتَربَوِيَّةٌ لِلأُسرَةِ المُسلِمَةِ فِي شَرحِ الآيَاتِ وَتَطبِيقَاتِهَا فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.