من مكتبة مِداد الخطيب

لَا عِزَّةَ لَنَا إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ: مُحَاضَرَةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن بُطُولَاتِ الصَّحَابَةِ فِي مَكَّةَ وَالغَزَوَاتِ وَمَلَاحِمِ الخُلَفَاءِ وَالقَادَةِ عَبرَ العُصُورِ الإِسلَامِيَّةِ

مشاركة
لَا عِزَّةَ لَنَا إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ: مُحَاضَرَةٌ تَارِيخِيَّةٌ وَإِيمَانِيَّةٌ عَن بُطُولَاتِ الصَّحَابَةِ فِي مَكَّةَ وَالغَزَوَاتِ وَمَلَاحِمِ الخُلَفَاءِ وَالقَادَةِ عَبرَ العُصُورِ الإِسلَامِيَّةِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، مُعِزِّ مَن أَطَاعَهُ وَاتَّقَاهُ، وَمُذِلِّ مَن خَالَفَ أَمرَهُ وَعَصَاهُ، كَتَبَ العِزَّةَ وَالغَلَبَةَ وَالتَّمكِينَ لِأَولِيَائِهِ المُؤمِنِينَ، وَجَعَلَ الذِّلَّةَ وَالصَّغَارَ عَلَى مَنِ ابتَغَى الهُدَى وَالنَّصرَ فِي غَيرِ صِرَاطِهِ المُستَقِيمِ وَحَبلِهِ المَتِين، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن شَرُفَ بِالِانتِسَابِ إِلَى هَذَا الدِّينِ العَظِيمِ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ الوَاثِقِ بِنَصرِهِ وَوَعْدِهِ الكَرِيمِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَوِيُّ العَزِيزُ، الغَالِبُ عَلَى أَمرِهِ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُون، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ المُجَاهِدِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي أَخرَجَ اللهُ بِهِ الأُمَّةَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِن رِقِّ الأَوثَانِ وَالطُّغَاةِ إِلَى عِزِّ التَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبطَالِ الأَخيَار، وَعَلَى الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالقَادَةِ الفَاتِحِينَ وَحَمَلَةِ رَايَةِ الدِّينِ عَبرَ الأَعصَارِ وَالأَمصَارِ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُم - أَيُّهَا الجَمعُ المُبَارَكُ، وَأَيُّهَا الإِخوَةُ الأَعِزَّاءُ - بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ الخَالِدَةِ؛ فَقَولِي لَكُم: السَّلَامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُم وَطَابَ مَمشَاكُم، وَتَبَوَّأتُم مِنَ الجَنَّةِ مَنزِلًا. إِنَّنَا نَلتَقِي اليَومَ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ حَولَ عُنوَانٍ لَيسَ مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ تُلقَى عَلَى المَسَامِعِ، بَل هُوَ قَانُونٌ إِلَهِيٌّ صَارِمٌ، وَسُنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ، وَخُلَاصَةُ تَجرِبَةِ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا مِن تَارِيخِ هَذِهِ الأُمَّةِ المَجِيدَةِ؛ أَلَا وَهُوَ: «لَا عِزَّةَ لَنَا إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ»! نَعَم يَا عِبَادَ اللهِ؛ لَقَد حَسَمَ القُرآنُ الكَرِيمُ مَصدَرَ العِزَّةِ الحَقِيقِيَّةِ فِي الوُجُودِ، فَأَعلَنَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ حَقِيقَةً تَدمَغُ كُلَّ مُتَشكِّكٍ أَو مُنهَزِمٍ فَقَال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وَنَادَى سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ كُلَّ مَن يَتَسَوَّلُ العِزَّةَ عَلَى أَعتَابِ الشَّرقِ أَوِ الغَربِ فَقَال: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ ۝ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وَلَقَد صَاغَ هَذِهِ الآيَاتِ القُرآنِيَّةَ فِي قَاعِدَةٍ تَارِيخِيَّةٍ خَالِدَةٍ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ فَقَد رَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي المُصَنَّفِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ عَن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ قَال: خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى الشَّامِ لِتَسَلُّمِ مَفَاتِيحِ بَيتِ المَقدِسِ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَأَتَوا عَلَى مَخَاضَةٍ مِن مَاءٍ وَطِينٍ وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ، فَنَزَلَ عَنهَا وَخَلَعَ خُفَّيهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بِهَا المَخَاضَةَ! فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِشفَاقًا مِن نَظَرِ الرُّومِ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَنتَ تَفعَلُ هَذَا، تَخلَعُ خُفَّيكَ وَتَضَعُهُمَا عَلَى عَاتِقِكَ وَتَأخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ وَتَخُوضُ بِهَا المَخَاضَةَ؟! مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهلَ البَلَدِ استَشرَفُوكَ! فَصَكَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَدرِ أَبِي عُبَيدَةَ وَقَالَ لَهُ تِلكَ الكَلِمَةَ الَّتِي يَجِبُ أَن تُكتَبَ بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى جَبِينِ الزَّمَانِ: «أَوهِ! لَو يَقولُ ذَا غَيرُكَ أَبَا عُبَيدَةَ جَعَلتُهُ نَكَالًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهمَا نَطلُبُ العِزَّةَ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ»! أَرَأَيتُم يَا عِبَادَ اللهِ؟ كَيفَ كَانَ العَرَبُ قَبلَ الإِسلَامِ؟ كَانُوا قَبَائِلَ مُتَنَاحِرَةً فِي صَحَارَى الجَزِيرَةِ، يَعبُدُونَ الحَجَرَ، وَيَئِدُونَ البَنَاتِ، وَتَتَقَاتَلُ القَبِيلَتَانِ أَربَعِينَ سَنَةً مِن أَجلِ نَاقَةٍ أَو فَرَسٍ، لَا تَعبَأُ بِهِم إِمبرَاطُورِيَّةُ الفُرسِ وَلَا إِمبرَاطُورِيَّةُ الرُّومِ! فَلَمَّا أَشرَقَ عَلَيهِم نُورُ الإِسلَامِ، وَحَمَلُوا هَذَا القُرآنَ، صَنَعَ الإِسلَامُ مِن رُعَاةِ الغَنَمِ قَادَةً لِلأُمَمِ، وَمِن عَبَدَةِ الأَصنَامِ أَئِمَّةً لِلهُدَى وَأَبطَالًا دَكُّوا عُرُوشَ الطَّوَاغِيتِ فِي أَقلَّ مِن رُبعِ قَرنٍ مِنَ الزَّمَانِ! تَعَالَوا بِنَا فِي هَذِهِ الرِّحلَةِ التَّارِيخِيَّةِ الإِيمَانِيَّةِ لِنَستَعرِضَ أَربَعَ مَحَطَّاتٍ كُبرَى مِن تَارِيخِ أَبطَالِ الإِسلَامِ، نَرَى فِيهَا كَيفَ نَصَرُوا هَذَا الدِّينَ بِثَبَاتِهِم وَتَضحِيَاتِهِم، وَكَيفَ أَعَزَّهُمُ اللهُ وَأَعَزَّ بِهِمُ الدِّينَ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا. أَيُّهَا الإِخوَةُ الأَكَارِمُ: أَمَّا المَحَطَّةُ الأُولَى، فَهِيَ «ثَبَاتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ الكِرَامِ فِي مَكَّةَ عَلَى التَّعذِيبِ وَاعتِزَازُهُم بِدِينِهِم»: لَقَد بَدَأَت قِصَّةُ العِزَّةِ الإِسلَامِيَّةِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَرَمضَائِهَا المُلتهِبَةِ، يَومَ كَانَ المُسلِمُونَ قِلَّةً مُستَضعَفِينَ لَا يَملِكُونَ سَيفًا وَلَا دِرعًا وَلَا دَولَةً، وَلَكِنَّهُم كَانُوا يَملِكُونَ فِي صُدُورِهِم مَا هُوَ أَقوَى مِنَ الحَدِيدِ وَالنَّارِ: يَملِكُونَ عِزَّةَ التَّوحِيدِ وَيَقِينَ الإِيمَانِ! انظُرُوا أَوَّلًا إِلَى إِمَامِ الثَّابِتِينَ وَقُدوَةِ الصَّابِرِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حِينَ جَاءَتهُ سَادَةُ قُرَيشٍ يُسَاوِمُونَهُ بِالمَالِ وَالمُلكِ وَالسِّيَادَةِ لِيَترُكَ هَذَا الدِّينَ، فَأَعلَنَ عِزَّتَهُ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ قَائِلًا لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «وَاللهِ يَا عَمِّ، لَو وَضَعُوا الشَّمسَ فِي يَمِينِي وَالقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَن أَترُكَ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يُظهِرَهُ اللهُ أَو أَهلِكَ فِيهِ مَا تَرَكتُهُ»! وَعَلَى هَذَا الثَّبَاتِ الشَّامِخِ تَرَبَّى صَحَابَتُهُ الكِرَامُ تَحتَ سِيَاطِ الجَلَّادِينَ فِي مَكَّةَ: تَذكَّرُوا بِلَالَ بنَ رَبَاحٍ الحَبَشِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ كَانَ عَبدًا مَملُوكًا لِأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، فَلَمَّا أَسلَمَ كَانَ أُمَيَّةُ يُخرِجُهُ إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ وَالتَهَبَت حِجَارَةُ مَكَّةَ كَالجَمرِ، فَيَطرَحُهُ عَلَى ظَهرِهِ فِي بَطحَاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأمُرُ بِالصَّخرَةِ العَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: «لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَو تَكفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَتَعبُدَ اللَّاتَ وَالعُزَّى»! فَمَاذَا كَانَ يَقُولُ بِلَالٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَالصَّخرَةُ تَسحَقُ أَضلَاعَهُ؟ لَم يَكُن يَزِيدُ عَلَى كَلِمَتَينِ زَلزَلَتَا كِبرِيَاءَ الجَاهِلِيَّةِ: «أَحَدٌ، أَحَدٌ»! أَي: قَطِّعُوا جَسَدِي كَيفَ شِئتُم، فَلَن يَسجُدَ قَلبِي إِلَّا للهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ! فَأَعَزَّ اللهُ بِلَالًا بِهَذَا الثَّبَاتِ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ يَومَ الفَتحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَارتَقَى فَوقَ ظَهرِ الكَعبَةِ المُشَرَّفَةِ وَأُمَرَاءُ قُرَيشٍ يَنظُرُونَ إِلَيهِ وَهُوَ يَصدَحُ بِأَذَانِ التَّوحِيدِ: «اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ»! وَتَذكَّرُوا أُسرَةَ آلِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم: يَاسِرٌ وَزَوجَتُهُ سُمَيَّةُ بِنْتُ خَيَّاطٍ وَابنُهُمَا عَمَّارٌ؛ كَانَ بَنُو مَخزُومٍ يُخرِجُونَهُم فِي لَهِيبِ الرَّمضَاءِ يُعَذِّبُونَهُم بِأَصنَافِ العَذَابِ، فَيَمُرُّ بِهِم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَيُثَبِّتُهُم بِتِلكَ البِشَارَةِ الخَالِدَةِ: «صَبرًا آلَ يَاسِرٍ، فَإِنَّ مَوعِدَكُمُ الجَنَّةُ»! فَأَبَت سُمَيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا - وَهِيَ امرَأَةٌ عَجُوزٌ ضَعِيفَةٌ - أَن تَنطِقَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تُرضِي بِهَا أَبَا جَهلٍ، فَطَعَنَهَا الطَّاغِيَةُ أَبُو جَهلٍ بِحَربَتِهِ فَقَتَلَهَا، فَكَانَت أَوَّلَ شَهِيدَةٍ فِي الإِسلَامِ، فَأَينَ أَبُو جَهلٍ اليَومَ وَأَينَ سُمَيَّةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؟! وَانظُرُوا إِلَى خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ؛ كَانَ المُشرِكُونَ يُوقِدُونَ لَهُ الفَحمَ وَالحِجَارَةَ حَتَّى تَصِيرَ جَمرًا مُلتَهِبًا، ثُمَّ يُلقُونَهُ عَلَيهَا عَارِيَ الظَّهرِ وَيَضَعُ الرَّجُلُ قَدَمَهُ عَلَى صَدرِهِ، فَمَا يُطفِئُ نَارَ الجَمرِ إِلَّا وَدَكُ ظَهرِهِ وَشَحمُهُ المَصهُورُ! وَمَعَ ذَلِكَ جَاءَ خَبَّابٌ يَومًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُردَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعبَةِ فَقَال: أَلَا تَستَنصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدعُو اللهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقدِ احمَرَّ وَجهُهُ وَقَال: «لَقَد كَانَ مَن قَبلَكُم يُؤخَذُ الرَّجُلُ فَيُحفَرُ لَهُ فِي الأَرضِ فَيُجعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالمِنشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجعَلُ نِصفَينِ، وَيُمشَطُ بِأَمشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحمِهِ وَعَظمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَن دِينِهِ! وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنعَاءَ إِلَى حَضرَمَوتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللهَ وَالذِّئبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُم تَستَعجِلُونَ»! وَانظُرُوا إِلَى اعتِزَازِ الصَّحَابَةِ بِدِينِهِم فِي مَكَّةَ وَتَضحِيَتِهِم بِالدُّنيَا كُلِّهَا مِن أَجلِهِ: هَذَا عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ - الرَّجُلُ النَّحِيلُ الضَّعِيفُ البدَنِ - يَقُولُ لِلصَّحَابَةِ: مَن يَقرَأُ القُرآنَ جَهرًا عِندَ الكَعبَةِ لِيُسمِعَ قُرَيشًا كَلَامَ اللهِ؟ فَيَقُومُ هُوَ عِندَ المَقَامِ وَقُرَيشٌ فِي أَندِيَتِهَا، فَيَصدَحُ بِصَوتِهِ النَّدِيِّ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ۝ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ۝ ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾، فَيَقُومُونَ إِلَيهِ يَضرِبُونَ وَجهَهُ وَهُوَ يَقرَأُ لَا يَسكتُ، ثُمَّ يَرجِعُ إِلَى أَصحَابِهِ وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ مِن وَجهِهِ فَيَقُولُ بِعِزَّةِ المُؤمِنِ: «مَا كَانَ أَعدَاءُ اللهِ أَهوَنَ عَلَيَّ مِنهُمُ الآنَ، وَلَئِن شِئتُم لَغَادَيتُهُم بِمِثلِهَا غَدًا»! وَهَذَا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنعَمُ فِتيَانِ مَكَّةَ وَأَعطَرُهُم ثَوبًا، يَترُكُ النَّعِيمَ وَالحَرِيرَ وَأَموَالَ أُمِّهِ طَمَعًا فِي عِزَّةِ الإِسلَامِ، فَيَخرُجُ مُهَاجِرًا فِي ثَوبٍ مَرقُوعٍ بِالشَّوكِ! وَهَذَا صُهَيبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَشتَرِي دِينَهُ بِكُلِّ مَالِهِ وَتِجَارَتِهِ فِي مَكَّةَ، فَيَستَقبِلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَائِلًا: «رَبِحَ البَيعُ أَبَا يَحيَى، رَبِحَ البَيعُ»، وَيَنزِلُ فِيهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَامُ: ثُمَّ نَنتَقِلُ إِلَى المَحَطَّةِ الثَّانِيَةِ، وَهِيَ «ثَبَاتُ الصَّحَابَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الغَزَوَاتِ وَسَاحَاتِ الجِهَادِ»: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَى المَدِينَةِ، وَأَذِنَ اللهُ لِلمُؤمِنِينَ بِالجِهَادِ لِدَفعِ الظُّلمِ وَإِعلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ، سَطَّرَ الصَّحَابَةُ مَعَ نَبِيِّهِم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَلَاحِمَ مِنَ البُطُولَةِ وَالفِدَاءِ لَم يَشهَدْ لَهَا تَارِيخُ البَشَرِيَّةِ مَثِيلًا! فِي «يَومِ بَدرٍ الكُبرَى»؛ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِمِئَةٍ وَبِضعَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيسَ مَعَهُم إِلَّا فَرَسَانِ وَسَبعُونَ بَعِيرًا، فِي مُوَاجَهَةِ جَيشِ قُرَيشٍ المدَجَّجِ بِالسِّلَاحِ وَالخَيلِ وَهُم زُهَاءُ أَلفِ مُقَاتِلٍ؛ فَاستَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَصحَابَهُ، فَقَامَ المِقدَادُ بنُ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ المُهَاجِرِينَ فَقَال كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «يَا رَسُولَ اللهِ، امضِ لِمَا أَرَاكَ اللهُ فَنَحنُ مَعَكَ، وَاللهِ لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَت بَنُو إِسرَائِيلَ لِمُوسَى: اذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ»! ثُمَّ قَامَ سَعدُ بنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَيِّدُ الأَنصَارِ فَقَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَد آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقنَاكَ، وَشَهِدنَا أَنَّ مَا جِئتَ بِهِ هُوَ الحَقُّ، وَأَعطَينَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ، فَامضِ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَا أَرَدتَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوِ استَعرَضتَ بِنَا هَذَا البَحرَ فَخُضتَهُ لَخُضنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ»! وَفِي تِلكَ المَعرَكَةِ الخَالِدَةِ، سَمِعَ عُمَيرُ بنُ الحُمَامِ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرضُ»! وَكَانَ فِي يَدِ عُمَيرٍ تَمَرَاتٌ يَأكُلُهُنَّ، فَقَال: «بَخٍ بَخٍ! لَئِن أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ»! فَأَلقَى التَّمَرَاتِ مِن يَدِهِ وَانغَمَسَ فِي صُفُوفِ العَدُوِّ يُقَاتِلُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا! وَوقفَ غُلَامَانِ فَتِيَّانِ مِن شَبَابِ الأَنصَارِ هُمَا مُعَاذٌ وَمُعَوِّذٌ ابنَا عَفرَاءَ بِجِوَارِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ، يَسأَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا عَبدَ الرَّحمَنِ سِرًّا عَن صَاحِبِهِ: «يَا عَمِّ، أَرِنِي أَبَا جَهلٍ؟»، قَال: وَمَا تَصنَعُ بِهِ؟ قَال: «أُخبِرتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَئِن رَأَيتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعجَلُ مِنَّا»! فَانقَضَّا عَلَيهِ كَالصَّقرَينِ حَتَّى جندَلَا فِرعَونَ هَذِهِ الأُمَّةِ صَرِيعًا بَينَ أَرجُلِ الخَيلِ! وَفِي «يَومِ أُحُدٍ»؛ حِينَ انكَشَفَ الرُّمَاةُ وَأَحَاطَ المُشرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّوَاسِي، وَجَعَلَ الصَّحَابَةُ أَجسَادَهُم وَنُحُورَهُم تُرُوسًا تَقِي رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ السِّهَامَ وَالرِّمَاحَ! تَرَّسَ أَبُو دُجَانَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِنَفسِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبلُ يَقَعُ فِي ظَهرِهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ، وَاتَّقَى طَلحَةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ السِّهَامَ وَالضَّرَبَاتِ بِيَدِهِ حَتَّى شُلَّت يَدُهُ وَأُصِيبَ بِبِضعٍ وَسَبعِينَ طَعنَةً وَضَربَةً، وَقَاتَلَ مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ دُونَ اللِّوَاءِ حَتَّى قُطِعَت يَمِينُهُ فَأَخَذَهُ بِيَسَارِهِ فَقُطِعَت فَضَمَّ اللِّوَاءَ بِعَضُدَيهِ إِلَى صَدرِهِ حَتَّى استُشهِدَ! وَجَاءَ البَطَلُ الصَّادِقُ أَنَسُ بنُ النَّضرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ، فَرَأَى بَعضَ المُسلِمِينَ قَد أَلقَوا السِّلَاحَ حِينَ أُشِيعَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد قُتِلَ، فَقَالَ لَهُم أَنَسُ بنُ النَّضرِ: «فَمَا تَصنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! ثُمَّ استَقبَلَ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ فَقَال: «يَا سَعدُ بنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِن دُونِ أُحُدٍ»! ثُمَّ اقتَحَمَ جُمُوعَ المُشرِكِينَ فَقَاتَلَ قِتَالَ الأُسُودِ حَتَّى استُشهِدَ، فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَينَ ضَربَةٍ بِسَيفٍ أَو طَعنَةٍ بِرُمحٍ أَو رَميَةٍ بِسَهمٍ، فَمَا عَرَفَتهُ إِلَّا أُختُهُ بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَ فِيهِ وَفِي أَمثَالِهِ قَولُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ۝ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وَفِي «يَومِ مُؤتَةَ»؛ وَقَفَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَمَامَ مِئَتَي أَلفٍ مِنَ الرُّومِ وَأَتبَاعِهِم! فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيدُ بنُ حَارِثَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتَّى شَاطَ فِي رِمَاحِ القَومِ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ الطَّيَّارُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فَقُطِعَت يَدَاهُ فَأَبدَلَهُ اللهُ بِهِمَا جَنَاحَينِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الجَنَّةِ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَتَّى استُشهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيفٌ مِن سُيُوفِ اللهِ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي قَالَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «لَقَدِ انقَطَعَت فِي يَدِي يَومَ مُؤتَةَ تِسعَةُ أَسيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ»، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ وَكَسَرَ هَيبَةَ الرُّومِ! أَيُّهَا الإِخوَةُ الفُضَلَاءُ: وَأَمَّا المَحَطَّةُ الثَّالِثَةُ، فَهِيَ «ثَبَاتُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَالقَادَةِ الفَاتِحِينَ مِن بَعدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأَظلَمَتِ الدُّنيَا فِي عُيُونِ الصَّحَابَةِ، وَارتَدَّت أَكثَرُ قَبَائِلِ العَرَبِ، وَمَنَعَ قَومٌ الزَّكَاةَ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ مُسَيلِمَةُ وَالأَسوَدُ وَسَجَاح؛ قَامَ الصِّدِّيقُ أَبُو بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَومَةَ الأَنبِيَاءِ، فَثَبَّتَ اللهُ بِهِ الإِسلَامَ بَعدَ أَن كَادَتِ الأَرضُ تَمِيدُ بِأَهلِهَا! قَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «أَجَبَّارٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الإِسلَامِ يَا ابنَ الخَطَّابِ؟! أَيَنقُصُ الدِّينُ وَأَنَا حَيٌّ؟! وَاللهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَن فَرَّقَ بَينَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَاللهِ لَو مَنَعُونِي عَنَاقًا - وَفِي رِوَايَةٍ عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلتُهُم عَلَى مَنعِهَا»! وَأَنفَذَ جَيشَ أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ، وَسيَّرَ أَحَدَ عَشَرَ لِوَاءً طَهَّرَتِ الجَزِيرَةَ مِنَ الرِّدَّةِ، ثُمَّ انطَلَقَت جُيُوشُ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ وَذِي النُّورَينِ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُم تَفتَحُ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ! تَأَمَّلُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - مَشهَدًا وَاحِدًا مِن مَشَاهِدِ العِزَّةِ الإِيمَانِيَّةِ يَومَ «القَادِسِيَّةِ» بِقِيَادَةِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ؛ حِينَ طَلَبَ رُستُمُ قَائِدُ جُيُوشِ الفُرسِ رَسُولًا مِنَ المُسلِمِينَ يُفَاوِضُهُ، فَأَرسَلَ سَعدٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ البَطَلَ الصَّحَابِيَّ «رِبعِيَّ بنَ عَامِرٍ» رَضِيَ اللهُ عَنهُ! كَانَ رُستُمُ قَد فَرَشَ مَجلِسَهُ بِالنَّمَارِقِ المُذَهَّبَةِ وَالدِّيبَاجِ وَالحَرِيرِ، وَجَلَسَ عَلَى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ وَعَلَى رَأسِهِ التَّاجُ؛ فَدَخَلَ عَلَيهِ رِبعِيُّ بنُ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَلَى فَرَسٍ قَصِيرَةٍ، وَعَلَيهِ ثِيَابٌ خَشِنَةٌ وَسَيفٌ فِي غِمدٍ مِن خِرَقٍ، فَلَم يَنزِلْ عَن فَرَسِهِ حَتَّى دَاسَت بِحَوَافِرِهَا عَلَى البُسُطِ الفَاخِرَةِ، ثُمَّ نَزَلَ وَرَبَطَ فَرَسَهُ فِي وَسَادَتَينِ مِن وَسَائِدِ الحَرِيرِ، وَأَقبَلَ يَتَوَكَّأُ عَلَى رُمحِهِ فَيَخرِقُ بِهِ زَرَابِيَّ رُستُمَ حَتَّى تَكَامَلَ لَهُمُ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ! فَقَالَ لَهُ رُستُمُ بِانبِهَارٍ: «مَا الَّذِي جَاءَ بِكُم؟»، فَأَجَابَهُ رِبعِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بِتِلكَ الكَلِمَاتِ الخَالِدَةِ الَّتِي تَلَخِّصُ رِسَالَةَ الإِسلَامِ: «اللهُ ابتَعَثَنَا لِنُخرِجَ مَن شَاءَ مِن عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، وَمِن ضِيقِ الدُّنيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمِن جَورِ الأَديَانِ إِلَى عَدلِ الإِسلَامِ»! وَسَطَّرَ أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ وَعَمرُو بنُ العَاصِ وَالقَعقَاعُ بنُ عَمرٍو وَالنُّعمَانُ بنُ مُقرِنٍ وَالبَرَاءُ بنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِي «اليَرمُوكِ وَالقَادِسِيَّةِ وَنَهَاوَندَ وَفَتحِ مِصرَ» مَلَاحِمَ دَانت لَهَا الدُّنيَا، وَتَحَقَّقَ فِيهَا وَعدُ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ۝ ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: ثُمَّ تَعَالَوا بِنَا إِلَى المَحَطَّةِ الرَّابِعَةِ، لِنَرَى كَيفَ استَمَرَّ هَذَا المَدُّ العَظِيمُ فِي «عُصُورِ الخِلَافَاتِ وَالدُّوَلِ الإِسلَامِيَّةِ المُتَعَاقِبَةِ الَّتِي حَمَلَت رَايَةَ هَذَا الدِّينِ»: إِنَّ مَن يَقرَأُ التَّارِيخَ الإِسلَامِيَّ بَعدَ الخِلَافَةِ الرَّاشِدَةِ قِرَاءَةً مُنصِفَةً، يَرَى أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ لَم تَعقَمْ أَرحَامُ نِسَائِهَا يَومًا عَن إِنجَابِ الأَبطَالِ وَالخُلَفَاءِ وَالقَادَةِ الَّذِينَ أَعَزَّ اللهُ بِهِمُ الإِسلَامَ فِي كُلِّ قَرنٍ: فَفِي «عَصرِ الخِلَافَةِ الأُمَوِيَّةِ»: بلَغَتِ الفُتُوحَاتُ الإِسلَامِيَّةُ أَقصَى اتِّسَاعٍ جُغرَافِيٍّ فِي العَالَمِ القَدِيمِ؛ فَفِي الغَربِ انطَلَقَ الفَاتِحُ البَطَلُ «عُقبَةُ بنُ نَافِعٍ الفِهرِيُّ» رَحِمَهُ اللهُ يَفتَحُ شَمَالَ إِفرِيقِيَا وَيَبنِي القَيرَوَانَ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى شَاطِئِ المُحِيطِ الأَطلَسِيِّ، فَأَدخَلَ فَرَسَهُ فِي أَموَاجِ المُحِيطِ حَتَّى بَلَغَ المَاءُ نَحرَهَا، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ قَولَتَهُ المَشهُورَةَ: «اللَّهُمَّ اشهَدْ أَنِّي قَد بَلَّغتُ المَجهُودَ، وَلَولَا هَذَا البَحرُ لَمَضَيتُ فِي البِلَادِ أُقَاتِلُ مَن كَفَرَ بِكَ حَتَّى لَا يُعبَدَ أَحَدٌ مِن دُونِكَ»! وَعبَرَ القَائِدَانِ البَطَلَانِ «مُوسَى بنُ نُصَيرٍ وَطَارِقُ بنُ زِيَادٍ» رَحِمَهُمَا اللهُ البَحرَ إِلَى الأَندَلُسِ فَأَقَامَا فِيهَا حَضَارَةَ الإِسلَامِ ثَمَانِيَةَ قُرُونٍ! وَفِي الشَّرقِ فَتَحَ «قُتَيبَةُ بنُ مُسلِمٍ البَاهِلِيُّ» بِلَادَ مَا وَرَاءَ النَّهرِ وَسَمَرقَندَ وَبُخَارَى حَتَّى دَقَّ أَبوَابَ الصِّينِ فَأَذعَنَ لَهُ مَلِكُ الصِّينِ، وَفَتَحَ الشَّابُّ البَطَلُ «مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ الثَّقَفِيُّ» - وَعُمُرُهُ سَبعَةَ عَشَرَ عَامًا - بِلَادَ السِّندِ وَالهِندِ! وَتَوَّجَ ذَلِكَ العَصرَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ «عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ» رَحِمَهُ اللهُ الَّذِي مَلَأَ الأَرضَ عَدلًا وَقِسطًا حَتَّى كَانَ المُنَادِي يُنَادِي فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ: أَينَ الفُقَرَاءُ؟ أَينَ الغَارِمُونَ؟ أَينَ مَن يُرِيدُ الزَّوَاجَ؟ فَلَا يَجِدُونَ فَقِيرًا يَأخُذُ الزَّكَاةَ مِن فَيضِ البَرَكَةِ وَالعَدلِ! وَفِي «عَصرِ الخِلَافَةِ العَبَّاسِيَّةِ»: كَانَت بَغدَادُ وَحَوَاضِرُ الإِسلَامِ قِبلَةَ العَالَمِ عِلمًا وَقُوَّةً وَمَهَابَةً؛ حَتَّى كَانَ الخَلِيفَةُ «هَارُونُ الرَّشِيدُ» رَحِمَهُ اللهُ يَحُجُّ عَامًا وَيَغزُو فِي سَبِيلِ اللهِ عَامًا، وَيَنظُرُ إِلَى السَّحَابَةِ فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ لَهَا بِعِزَّةِ دَولَةِ الإِسلَامِ: «أَمطِرِي حَيثُ شِئتِ، فَسَيَأتِينِي خَرَاجُكِ بِإِذنِ اللهِ»! فَلَمَّا نقَضَ نقفُورُ مَلِكُ الرُّومِ العَهدَ وَكَتَبَ كِتَابًا فِيهِ وَقَاحَةٌ، كَتَبَ لَهُ الرَّشِيدُ عَلَى ظَهرِ كِتَابِهِ: «مِن هَارُونَ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ إِلَى نِقفُورَ كَلبِ الرُّومِ: الجَوَابُ مَا تَرَاهُ دُونَ مَا تَسمَعُهُ»! وَسَارَ بِنَفسِهِ حَتَّى أَرغَمَ أَنفَهُ عَلَى الصَّغَارِ! وَكَذَلِكَ فَعَلَ ابنُهُ الخَلِيفَةُ «المُعتَصِمُ بِاللهِ» رَحِمَهُ اللهُ، حِينَ بَلَغَهُ أَنَّ امرَأَةً مُسلِمَةً أَسِيرَةً فِي سِجنِ الرُّومِ بِعَمُّورِيَّةَ لَطَمَهَا عِلجٌ رُومِيٌّ فَهَتَفَت: «وَامُعتَصِمَاهُ»! فَوَثَبَ المُعتَصِمُ عَن سَرِيرِ مُلكِهِ وَقَال: «لَبَّيكِ، لَبَّيكِ»، وَقَادَ جَيشًا جَرَّارًا لَم يَرجِعْ حَتَّى فَتَحَ عَمُّورِيَّةَ وَفَكَّ قَيدَ تِلكَ المَرأَةِ المُسلِمَةِ وَقَالَ لَهَا: «اشهَدِي لِي عِندَ جَدِّي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنِّي أَجيبتُ نِدَاءَكِ»! ثُمَّ انظُرُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - حِينَ ضَعُفَتِ الخِلَافَةُ فِي بَعضِ الأَزمِنَةِ وَتَكَالَبَتِ الأُمَمُ عَلَى بِلَادِ المُسلِمِينَ؛ كَيفَ قَيَّضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَادَةً عِظَامًا وَدُوَلًا مُجَاهِدَةً جَدَّدَت عِزَّةَ هَذَا الدِّينِ: فَفِي الغَربِ الإِسلَامِيِّ: حِينَ تَكَالَبَ الصَّلِيبِيُّونَ عَلَى الأَندَلُسِ، عَبَرَ البَطَلُ المُرَابِطِيُّ الشَّيخُ «يُوسُفُ بنُ تَاشفِينَ» رَحِمَهُ اللهُ البَحرَ وَقَد جَاوَزَ الثَّمَانِينَ مِن عُمُرِهِ، فَسَحَقَ جُيُوشَ أَلفُونسُو السَّادِسِ فِي مَعرَكَةِ «الزَّلَّاقَةِ» الخَالِدَةِ، وَأَطَالَ عُمُرَ الإِسلَامِ فِي الأَندَلُسِ أَربَعَةَ قُرُونٍ! وَفِي المَشرِقِ الإِسلَامِيِّ: حِينَ احتَلَّ الصَّلِيبِيُّونَ بَيتَ المَقدِسِ زُهَاءَ تِسعِينَ عَامًا، قَيَّضَ اللهُ الأَمِيرَ العَادِلَ «نُورَ الدِّينِ مَحمُودَ زَنكِي»، ثُمَّ تِلمِيذَهُ البَطَلَ النَّاصِرَ «صَلَاحَ الدِّينِ الأَيُّوبِيَّ» رَحِمَهُمَا اللهُ؛ الَّذِي وَحَّدَ الجَبهَةَ الإِسلَامِيَّةَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهلِ السُّنَّةِ، وَهَجرَ الِابتِسَامَ وَهُوَ يَقُول: «كَيفَ أَبتَسِمُ وَالأَقصَى أَسِيرٌ؟!»، حَتَّى طَحَنَ جُيُوشَ الصَّلِيبِيِّينَ فِي «حِطِّينَ»، وَدَخَلَ المَسجِدَ الأَقصَى المُبَارَكَ يَومَ الجُمُعَةِ فِي السَّابِعِ وَالعِشرِينَ مِن رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمسِمِئَةٍ لِلهِجرَةِ، فَأَعَزَّ اللهُ بِهِ الإِسلَامَ وَأَهلَهُ! وَحِينَ زَحَفَ إِعصَارُ التَّتَارِ الهَمَجِيُّ فَاجتَاحَ المَشرِقَ وَأَسقَطَ بَغدَادَ، وَظَنَّ النَّاسُ أَنَّ الإِسلَامَ قَدِ انتَهَى؛ قَامَ السُّلطَانُ البَطَلُ «سَيفُ الدِّينِ قُطُز» وَمَعَهُ القَائِدُ «الظَّاهِرُ بَيبَرس» وَمِن خَلفِهِمَا سُلطَانُ العُلَمَاءِ «العِزُّ بنُ عَبدِ السَّلَامِ» رَحِمَهُمُ اللهُ، فالتَقَى جَيشُ الإِسلَامِ بِالتَّتَارِ فِي «عَينِ جَالُوتَ» بِفِلَسطِينَ فِي شَهرِ رَمَضَانَ؛ فَلَمَّا اضطَرَبَتِ الصُّفُوفُ فِي أَوَّلِ المَعرَكَةِ، أَلقَى قُطُزُ خُوذَتَهُ عَن رَأسِهِ إِلَى الأَرضِ وَصَرَخَ صَرخَتَهُ الَّتِي شَقَّت عَنَانَ السَّمَاءِ: «وَإِسلَامَاهُ، وَإِسلَامَاهُ، يَا اللهُ انصُرْ عَبدَكَ قُطُزَ عَلَى التَّتَارِ»! فَنَزَلَ نَصرُ اللهِ، وَمُحِقَ جَيشُ التَّتَارِ الَّذِي كَانَ يُقَالُ إِنَّهُ لَا يُقهَرُ! ثُمَّ تَبِعَهُم شَيخُ الإِسلَامِ «ابنُ تَيمِيَّةَ» رَحِمَهُ اللهُ وَتِلمِيذُهُ ابنُ القَيِّمِ وَأُمَرَاءُ الشَّامِ وَمِصرَ فِي مَعرَكَةِ «شَقحَب» (مَرجِ الصُّفَّرِ) فَكَسَرُوا شَوكَةَ التَّتَارِ إِلَى الأَبَدِ! وَفِي آسِيَا الصُّغرَى وَأُورُوبَّا: وَقَفَ السُّلطَانُ السَّلجُوقِيُّ البَطَلُ «أَلبُ أَرسلَانَ» رَحِمَهُ اللهُ فِي مَعرَكَةِ «مَلَاذكَرد» بِخَمسَةَ عَشَرَ أَلفَ مُجَاهِدٍ أَمَامَ مِئَتَي أَلفٍ مِن جُيُوشِ الرُّومِ بِيَومِ الجُمُعَةِ، فَلَبِسَ كَفَنَهُ الأَبيَضَ وَتَحَنَّطَ بِحَنُوطِ المَوتَى وَقَالَ لِجُندِهِ: «إِن قُتِلتُ فَهَذَا كَفَنِي»! فَفَتَحَ اللهُ عَلَى يَدَيهِ وَأَسَرَ إِمبرَاطُورَ الرُّومِ رُومَانُوس! ثُمَّ جَاءَت «الخِلَافَةُ وَالدَّولَةُ العُثمَانِيَّةُ» فَحَمَلَت رَايَةَ الجِهَادِ قُرُونًا، وَحَقَّقَ الشَّابُّ البَطَلُ السُّلطَانُ «مُحَمَّدٌ الفَاتِحُ» رَحِمَهُ اللهُ بِشَارَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «لَتُفتَحَنَّ القُسطَنطِينِيَّةُ، فَلَنِعمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعمَ الجَيشُ ذَلِكَ الجَيشُ»! فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُسلِمُونَ، وَيَا شَبَابَ هَذِهِ الأُمَّةِ المَجِيدَةِ: مَاذَا نَقرَأُ فِي هَذَا السِّجِلِّ الذَّهَبِيِّ المُنِيرِ مِن عَهدِ النُّبُوَّةِ إِلَى الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَالأُمَوِيِّينَ فَالعَبَّاسِيِّينَ فَسَائِرِ دُوَلِ الإِسلَامِ؟ نَقرَأُ فِيهِ سُنَّةَ اللهِ الثَّابِتَةَ الَّتِي قَرَّرَهَا فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، وَفِي سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. كُلَّمَا تَمَسَّكَتِ الأُمَّةُ بِدِينِهَا، وَأَقَامَت تَوحِيدَ رَبِّهَا، وَحَكَّمَت شَرِيعَتَهُ، وَاعتَزَّت بِهُوِيَّتِهَا وَأَخلَاقِهَا، وَأَعَدَّت مَا استَطَاعَت مِن قُوَّةِ العِلمِ وَالعَمَلِ وَالسِّلَاحِ وَالوَحدَةِ؛ أَعَزَّهَا اللهُ وَرَفَعَهَا فَوقَ الأُمَمِ! وَكُلَّمَا تَنَكَّرَت لِدِينِهَا، وَاستَبدَلَت بِشَرِيعَةِ اللهِ قَوَانِينَ البَشَرِ وَأَهوَاءَ الشَّرقِ وَالغَربِ، وَتَفَرَّقَت شِيَعًا وَأَحزَابًا، وَغَرِقَت فِي الشَّهَوَاتِ وَحُبِّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةِ المَوتِ؛ نَزَعَ اللهُ المَهَابَةَ مِن صُدُورِ عَدُوِّهَا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهَا الوَهَنَ! وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَدَحَ بِعِزَّةِ الإِسلَامِ وَمَجدِ أَبطَالِهِ فَقَال: بِالدِّينِ عَزَّتْ فِي الزَّمَانِ جُدُودُنَا ... وَسَمَتْ عَلَى هَامِ النُّجُومِ بُنُودُنَا فَإِذَا رَجَعْنَا لِلكِتَابِ وَهَديِهِ ... عَادَتْ لَنَا أَمجَادُنَا وَعُهُودُنَا فَارفَعْ رَأسَكَ - أَيُّهَا المُسلِمُ - بِإِسلَامِكَ! وَاغْرِسْ فِي قُلُوبِ أَبنَائِكَ وَبَنَاتِكَ سِيَرَ هَؤُلَاءِ الأَبطَالِ العِظَامِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالفَاتِحِينَ بَدَلًا مِنَ القُدُوَاتِ الوَهمِيَّةِ التَّافِهَةِ، وَانصُرُوا دِينَ اللهِ فِي قُلُوبِكُم وَصَلَاتِكُم وَبُيُوتِكُم وَأَعمَالِكُم، يَنصُركُمُ اللهُ وَيُعِزَّكُم فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعلَونَ إِن كُنتُم مُؤمِنِين. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ العِزَّةِ وَالمَلحَمَةِ وَالمَرحَمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ الأَبطَالِ المَيَامِين، وَارحَمِ اللَّهُمَّ قَادَةَ الفَتحِ وَالجِهَادِ وَحَمَلَةَ رَايَةِ الدِّينِ عَبرَ العُصُورِ أَجمَعِين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعدَاءَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ رُدَّ أُمَّتَنَا إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَأَيقِظْ قُلُوبَ شَبَابِنَا عَلَى نُورِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَسِيرَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَاجعَلنَا مِمَّن يَنصُرُونَ دِينَكَ فَتَنصُرُهُم وَتُثَبِّتُ أَقدَامَهُم يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.