العَمَلُ قَبلَ الفَوَاتِ وَالنَّدَمِ وَالحَسرَةِ وَقَبلَ أَن نَكُونَ مِن أَهلِ القُبُورِ: شَرحُ حَدِيثِ «مَا مِن أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ» وَ«رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحقِرُونَ» وَحَسرَةِ المَجَالِسِ الخَالِيَةِ مِن ذِكرِ اللهِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنيَا دَارَ مَمَرٍّ وَعَمَلٍ وَابتِلَاءْ، وَجَعَلَ الآخِرَةَ دَارَ مَقَرٍّ وَحِسَابٍ وَجَزَاءْ، وَجَعَلَ الأَعمَارَ وَالأَنفَاسَ رَأسَ مَالِ العُقَلَاءِ وَغَنِيمَةَ الأَصْفِيَاءْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الإِمهَالِ وَالإِمدَادِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَنذَرَ عِبَادَهُ يَومَ الحَسرَةِ وَالتَّغَابُنِ إِذْ يُقضَى الأَمرُ وَيُطوَى بِسَاطُ الرَّجَاءْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ العَابِدِينَ وَقُدوَةُ الذَّاكِرِينَ وَسَيِّدُ الأَتقِيَاءْ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ شُكرًا لِرَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاءْ، وَيَذكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحيَانِهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءْ، وَيُوقِظُ أُمَّتَهُ مِن رَقدَةِ الغَفلَةِ قَبلَ حُلُولِ الفَنَاءْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ بَادَرُوا الأَعمَارَ بِالطَّاعَاتِ قَبلَ انقِضَاءِ البَقَاءْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَاءْ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمُبَادَرَةِ بِالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ قَبلَ أَن تُطوَى الصَّحَائِفُ، وَتَجِفَّ الأَقلَامُ، وَتَبلغَ الرُّوحُ الحُلقُومَ؛ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ مُحَذِّرًا لَنَا مِن سَاعَةِ النَّدَمِ الَّتِي لَا يَنفَعُ فِيهَا النَّدَمُ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: افتَحُوا قُلُوبَكُم وَأَسمَاعَكُم فِي مَطلَعِ هَذِهِ الخُطبَةِ لِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ عَظِيمٍ، كَلِمَاتُهُ قَلِيلَةٌ مَعدُودَةٌ، وَلَكِنَّهُ وَاللهِ يَخلَعُ القُلُوبَ الحَيَّةَ، وَيُزَلزِلُ النُّفُوسَ الغَافِلَةَ، وَيَكسِرُ أَوهَامَ الأَمَانِيِّ الكَاذِبَةِ!
رَوَى الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِن أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ!»، قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِن كَانَ مُحسِنًا نَدِمَ أَن لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِن كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَن لَا يَكُونَ نَزَعَ»!
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا هَذَا الحَصرَ النَّبَوِيَّ الشَّامِلَ: «مَا مِن أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ»! لَا يَستَثنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن هَذَا النَّدَمِ أَحَدًا مِن بَنِي آدَمَ سَاعَةَ الاحتِضَارِ وَمُعَايَنَةِ مَلَائِكَةِ المَوتِ وَانكِشَافِ الغِطَاءِ!
وَلِذَلِكَ تَعَجَّبَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم؛ فَنَحنُ نَعلَمُ لِمَاذَا يَندَمُ المُسِيءُ العَاصِي، وَلَكِن كَيفَ يَندَمُ المُحسِنُ الطَّائِعُ؟ فَسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟»، فَجَاءَ الجَوَابُ النَّبَوِيُّ الَّذِي يَكشِفُ حَقِيقَةَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ: «إِن كَانَ مُحسِنًا نَدِمَ أَن لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِن كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَن لَا يَكُونَ نَزَعَ»!
أَمَّا المُسِيءُ المُفرِّطُ الَّذِي ضَيَّعَ الصَّلَوَاتِ، وَأَكَلَ المُحَرَّمَاتِ، وَأَطلَقَ لِسَانَهُ وَبَصَرَهُ فِي الشَّهَوَاتِ، وَسَوَّفَ بِالتَّوبَةِ عَامًا بَعدَ عَامٍ، فَإِنَّهُ حِينَ يَرَى مَلَكَ المَوتِ يَعضُّ أَصَابِعَ النَّدَمِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَنزِعْ أَي لَم يُقلِعْ وَلَم يَتُبْ عَن مَعصِيَتِهِ قَبلَ أَن يُغلَقَ بَابُ التَّوبَةِ بِالغَرغَرَةِ!
وَأَمَّا المُحسِنُ الصَّالِحُ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَتَصَدَّقُ وَيَذكُرُ اللهَ، فَإِنَّهُ حِينَ يَنكَشِفُ لَهُ الحِجَابُ عِندَ المَوتِ، فَيَرَى مَا أَعَدَّ اللهُ مِنَ الكَرَامَةِ العُظمَى وَالمَنَازِلِ العَالِيَةِ لِكُلِّ تَسبِيحَةٍ وَركعَةٍ وَصَدَقَةٍ، يَندَمُ أَشَدَّ النَّدَمِ عَلَى كُلِّ سَاعَةٍ مَضَت مِن عُمرِهِ فِي المباحاتِ أَوِ الفُتُورِ لَم يَزدَدْ فِيهَا مِنَ الحَسَنَاتِ وَالقُرُبَاتِ! يَقُولُ لِنَفسِهِ: يَا لَيتَنِي جَعَلتُ الرَّكعَتَينِ أَربَعًا! يَا لَيتَنِي جَعَلتُ الخَتمَةَ خَتمَتَينِ! يَا لَيتَنِي جَعَلتُ الدِّرهَمَ دِرهَمَينِ!
أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ مَا الَّذِي يَجعَلُ المُحسِنَ وَالمُسِيءَ يَندَمَانِ هَذَا النَّدَمَ العَظِيمَ بمُجَرَّدِ دُخُولِ القَبرِ؟
لِنَفهَمَ ذَلِكَ، تَعَالَوا نَربِطُ هَذَا الحَدِيثَ بِحَدِيثٍ نَبَوِيٍّ آخَرَ هُوَ مِن أَعجَبِ وَأَبلَغِ مَا وَرَدَ فِي بَيَانِ قِيمَةِ العَمَلِ الصَّالِحِ بَعدَ المَوتِ؛ رَوَى الإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الأَوسَطِ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ، وَرَوَى أَصلَهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَابنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبرٍ حَدِيثِ عَهدٍ بِدَفنٍ فَوَقَفَ عَلَيهِ ثُمَّ التَفَتَ إِلَى أَصحَابِهِ فَقَالَ: «رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحقِرُونَ وَتَنَفَّلُونَ، يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ، أَحَبُّ إِلَيهِ مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»!
قِفُوا مَعِي يَا عِبَادَ اللهِ عِندَ كُلِّ كَلِمَةٍ مِن كَلِمَاتِ هَذَا الحَدِيثِ العَجِيبِ:
أَوَّلًا: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ»! لَم يَقُل: قِيَامُ لَيلَةٍ كَامِلَةٍ بِسُورَةِ البَقَرَةِ وَآلِ عِمرَانَ، وَلَم يَقُل: حَجَّةٌ مَبرُورَةٌ أَو غَزوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، بَل قَالَ: رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ لَا تَستَغرِقَانِ مِنَ الوَقتِ ثَلَاثَ دَقَائِقَ!
ثَانِيًا: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مِمَّا تَحقِرُونَ وَتَنَفَّلُونَ»! أَي مِن صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَالتَّطَوُّعِ الَّتِي يَستَقِلُّهَا الأَحيَاءُ وَيَزهَدُونَ فِيهَا وَيَترُكُونَهَا كَسَلًا وَتَهَاوُنًا؛ يَدخُلُ أَحَدُنَا المَسجِدَ أَو يَجلِسُ فِي بَيتِهِ سَاعَةً كَامِلَةً يَتَصَفَّحُ الهَاتِفَ، وَيَستَثقِلُ أَن يَقُومَ فَيُصَلِّيَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ للهِ!
ثَالِثًا: قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ، أَحَبُّ إِلَيهِ مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»!
لَو جُمِعَتِ الدُّنيَا كُلُّهَا بِأَموَالِهَا، وَمَنَاجِمِ ذَهَبِهَا، وَآبارِ نِفطِهَا، وَقُصُورِهَا، وَبَسَاتِينِهَا، وَمُلُوكِهَا، وَعُرِضَت عَلَى هَذَا المَيِّتِ المَمدَّدِ تَحتَ التُّرَابِ فِي قَبرِهِ فِي كِفَّةٍ، وَعُرِضَ عَلَيهِ فِي الكِفَّةِ الأُخرَى أَن يُؤذَنَ لَهُ فَيَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا خَمسَ دَقَائِقَ فَقَط لِيَتَوَضَّأَ وَيُصَلِّيَ رَكعَتَينِ خَفِيفَتَينِ يَزِيدُهُمَا فِي صَحِيفَةِ عَمَلِهِ؛ لَاختَارَ الرَّكعَتَينِ الخَفِيفَتَينِ وَنبَذَ الدُّنيَا كُلَّهَا وَرَاءَ ظَهرِهِ!
لِمَاذَا يَا عِبَادَ اللهِ؟ لِأَنَّ هَذَا المَيِّتَ قَد عَايَنَ الحَقِيقَةَ! عَلِمَ فِي أَوَّلِ لَيلَةٍ فِي قَبرِهِ أَنَّ الدُّنيَا كُلَّهَا لَا تُسَاوِي عِندَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَأَنَّ الَّذِي يَنفَعُ فِي ظُلمَةِ اللَّحدِ وَيُوسِّعُ القَبرَ وَيُثَقِّلُ المِيزَانَ هُوَ الرَّكعَةُ وَالسَّجدَةُ وَالتَّسبِيحَةُ وَالصَّدَقَةُ! وَلَكِن هَيهَاتَ هَيهَاتَ؛ فَقَد أُغلِقَ بَابُ العَمَلِ دُونَهُ إِلَى الأَبَدِ!
وَأَمَّا أَنتَ أَيُّهَا الحَيُّ الجَالِسُ الآنَ فِي بَيتِ اللهِ تَسمَعُ الخُطبَةَ، فَإِنَّ بَينَ يَدَيكَ مَا يَتَمَنَّاهُ مَلَايِينُ الأَموَاتِ فِي قُبُورِهِم وَلَا يَقدِرُونَ عَلَيهِ! أَنتَ تَملِكُ أَن تَركَعَ للهِ اليَومَ عَشرَ رَكَعَاتٍ وَعِشرِينَ رَكعَةً، وَتَملِكُ أَن تَسبِّحَ اللهَ مِائَةَ مَرَّةٍ وَأَلفَ مَرَّةٍ، وَأَهلُ القُبُورِ يَتَمَنَّونَ تَسبِيحَةً وَاحِدَةً أَو رَكعَةً وَاحِدَةً فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنهَا!
تَأَمَّلُوا حَالَ أَهلِ القُبُورِ وَحَسرَتَهُم عَلَى مَا فَرَّطُوا فِيهِ مِن أَيَّامِ العُمرِ كَمَا وَصَفَهُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ؛ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾! وَفِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ يَستَغِيثُ المُحتَضَرُ قَبلَ أَن تَخرُجَ رُوحُهُ فَيَقُولُ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ: ﴿رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾!
قَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ صَيدِ الخَاطِرِ: «تَأَمَّلتُ حَالَ الأَموَاتِ فِي قُبُورِهِم، فَإِذَا هُم قَدِ انقَطَعَت عَنهُمُ الأَعمَالُ الَّتِي كَانُوا يَزدَادُونَ بِهَا مِنَ الأُجُورِ، فَهُم فِي حَسرَةٍ دَائِمَةٍ عَلَى انقِطَاعِ أَعمَالِهِم، كَالتَّاجِرِ الَّذِي أُغلِقَ دُكَّانُهُ وَالنَّاسُ فِي السُّوقِ يَربَحُونَ القَنَاطِيرَ! فَيَا مَن دُكَّانُ عُمرِهِ مَا زَالَ مَفتُوحًا، إِيَّاكَ أَن يَمضِيَ نَهَارُكَ بِلَا رِبحٍ قَبلَ أَن يُغلَقَ الدُّكَّانُ بِالمَوتِ»!
وَكَانَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ الرَّبِيعُ بنُ خُثَيمٍ رَحِمَهُ اللهُ قَد حَفَرَ فِي دَارِهِ قَبرًا، فَكَانَ إِذَا وَجَدَ فِي قَلبِهِ قَسوَةً أَو فُتُورًا عَنِ العِبَادَةِ، نَزَلَ فِي ذَلِكَ القَبرِ فَاضطَجَعَ فِيهِ سَاعَةً، ثُمَّ صَرَخَ بِنَفسِهِ قَائِلًا: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾! ثُمَّ يَقُومُ مِنَ القَبرِ وَيُخَاطِبُ نَفسَهُ فَيَقُولُ: «يَا رَبِيعُ، قَد رُجِعتَ إِلَى الدُّنيَا فَاعمَلْ صَالِحًا قَبلَ أَن تَطلُبَ الرُّجُوعَ فَلَا تُرجَعْ»!
وَرَأَى بَعضُ الصَّالِحِينَ أَخًا لَهُ فِي المَنَامِ بَعدَ مَوتِهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللهُ بِكُم يَا أَهلَ القُبُورِ؟ قَالَ: «قَدِمنَا عَلَى أَمرٍ عَظِيمٍ، يَعلَمُ اللهُ أَنَّنَا نَعلَمُ وَلَا نَقدِرُ أَن نَعمَلَ، وَأَنتُم تَقدِرُونَ أَن تَعمَلُوا وَلَا تَعلَمُونَ؛ وَاللهِ لَتَسبِيحَةٌ أَو تَكبِيرَةٌ أَو رَكعَةٌ فِي صَحِيفَةِ أَحَدِكُم خَيرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا»!
وَلَكِن... هَل تَقِفُ النَّدَامَةُ وَالحَسرَةُ عَلَى تَضيِيعِ الأَوقَاتِ عِندَ أَهلِ القُبُورِ وَأَهلِ التَّفرِيطِ وَحدَهُم؟
كَلَّا وَاللهِ يَا عِبَادَ اللهِ! بَل إِنَّ الأَمرَ أَعظَمُ وَأَجلُّ مِن ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد أَخبَرَنَا بِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ ثَابِتَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَتَّى «أَهلَ الجَنَّةِ» الفَائِزِينَ النَّاجِينَ يَنَالُهُمُ التَّأَسُّفُ وَالتَّحَسُّرُ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى السَّاعَاتِ وَالمَجَالِسِ وَالأَوقَاتِ الَّتِي مَرَّت عَلَيهِم فِي الدُّنيَا وَهُم غَافِلُونَ لَم يَذكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا قَعَدَ قَومٌ مَقعَدًا لَم يَذكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَلَم يُصَلُّوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا كَانَ عَلَيهِم حَسرَةً يَومَ القِيَامَةِ، وَإِن دَخَلُوا الجَنَّةَ لِلثَّوَابِ»!
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِن قَومٍ يَجلِسُونَ مَجلِسًا لَا يَذكُرُونَ اللهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيهِم تِرَةً، وَمَا مِن رَجُلٍ يَمشِي طَرِيقًا فَلَا يَذكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا كَانَ عَلَيهِ تِرَةً، وَمَا مِن رَجُلٍ يَأوِي إِلَى فِرَاشِهِ فَلَا يَذكُرُ اللهَ إِلَّا كَانَ عَلَيهِ تِرَةً»! وَفِي لَفظٍ: «إِنَّ الإِنسَانَ لَا يَجلِسُ مَجلِسًا وَلَا يَضطَجِعُ مُضطَجَعًا لَم يَذكُرِ اللهَ فِيهِ إِلَّا كَانَ عَلَيهِ تِرَةً يَومَ القِيَامَةِ»!
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ وَالبَيهَقِيُّ فِي شُعَبِ الإِيمَانِ عَن مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَيسَ يَتَحَسَّرُ أَهلُ الجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّت بِهِم لَم يَذكُرُوا اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا»!
سبحَانَ اللهِ العَظِيمِ! مَا مَعنَى قَولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا كَانَ عَلَيهِ تِرَةً يَومَ القِيَامَةِ»؟
قَالَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَشُرَّاحُ الحَدِيثِ: «التِّرَةُ» هِيَ النَّقصُ، وَالحَسرَةُ، وَالتَّبِعَةُ، وَالغَبنُ فِي فَوَاتِ الرِّبحِ العَظِيمِ!
فَالمَجلِسُ الَّذِي تَجلِسُهُ مَعَ أَهلِكَ أَو أَصحَابِكَ فَتَتَكَلَّمُونَ فِيهِ سَاعَةً أَو سَاعَتَينِ فِي أُمُورِ الدُّنيَا المُبَاحَةِ، ثُمَّ تَقُومُونَ مِنهُ دُونَ أَن تَذكُرُوا اللهَ فِيهِ وَتُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالفِرَاشُ الَّذِي تَضطَجِعُ عَلَيهِ لِتَنَامَ دُونَ أَن تَذكُرَ اللهَ عِندَ نَومِكَ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي تَمشِي فِيهِ أَو تَركَبُ فِيهِ سَيَّارَتَكَ دُونَ أَن يَتحَرَّكَ لِسَانُكَ بِذِكرِ اللهِ؛ كُلُّ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَيكَ «تِرَةً» أَي نَقصًا وَحَسرَةً يَومَ القِيَامَةِ حَتَّى وَإِن كُنتَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ عَلَى إِحسَانِهِ، وَالشُّكرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعظِيمًا لِشَأنِهِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَإِخوَانِهِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ سُؤَالًا عِلمِيًّا وَإِيمَانِيًّا دَقِيقًا لَا بُدَّ مِن تَجلِيَتِهِ وَبَيَانِهِ فِي هَذِهِ الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ:
كَيفَ يُقَالُ إِنَّ أَهلَ الجَنَّةِ تَكُونُ عَلَيهِم «حَسرَةٌ وَتِرَةٌ» عَلَى السَّاعَاتِ وَالمَجَالِسِ الَّتِي خَلَت مِن ذِكرِ اللهِ، مَعَ أَنَّ الجَنَّةَ هِيَ دَارُ النَّعِيمِ الكَامِلِ وَالسُّرُورِ المُطلَقِ الَّتِي لَا حَزَنَ فِيهَا وَلَا نَصَبَ، كَمَا قَالَ أَهلُ الجَنَّةِ فِي سُورَةِ فَاطِرٍ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؟
لَقَد أَجَابَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالعِلمِ كَالإِمَامِ ابنِ القَيِّمِ وَالحَافِظِ ابنِ رَجَبٍ وَالقُرطُبِيِّ وَالنَّوَوِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ عَن هَذَا السُّؤَالِ بِبَيَانٍ شَافٍ يَجمَعُ بَينَ النُّصُوصِ وَيَكشِفُ سِرَّ «حَسرَةِ أَهلِ الجَنَّةِ» مِن ثَلَاثَةِ أَوجُهٍ عَظِيمَةٍ:
الوَجهُ الأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الحَسرَةَ وَالتِّرَةَ تَقَعُ لِلمُؤمِنِينَ يَومَ القِيَامَةِ فِي «عَرَصَاتِ المَحشَرِ وَعِندَ نَشرِ الدَّوَاوِينِ وَالمَوَازِينِ»، وَعِندَ أَوَّلِ مُعَايَنَتِهِم لِثَوَابِ الجَنَّةِ وَمَنَازِلِهَا؛ فَإِذَا عُرِضَت عَلَى العَبدِ المُؤمِنِ سَاعَاتُ عُمرِهِ كَخَزَائِنَ مَصفُوفَةٍ، فَرَأَى السَّاعَةَ الَّتِي ذَكَرَ اللهَ فِيهَا خِزَانَةً تَشِعُّ بِالنُّورِ وَالجَوَاهِرِ وَالقُصُورِ، وَرَأَى السَّاعَةَ الَّتِي جَلَسَ فِيهَا أَوِ اضطَجَعَ فِيهَا بِلَا ذِكرٍ خِزَانَةً فَارِغَةً مُظلِمَةً، أَصَابَتهُ الحَسرَةُ وَالغَبنُ كَيفَ فَوَّتَ عَلَى نَفسِهِ تِلكَ الكُنُوزَ العَظِيمَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَ يَقدِرُ أَن يَقُولَهَا بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَالٍ!
الوَجهُ الثَّانِي: أَنَّ قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ: «إِلَّا كَانَ عَلَيهِم حَسرَةً يَومَ القِيَامَةِ، وَإِن دَخَلُوا الجَنَّةَ لِلثَّوَابِ»، يَعنِي: أَنَّهُم يَتحَسَّرُونَ لِفَوَاتِ «كَمَالِ الثَّوَابِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ»، لَا لِدُخُولِ عَذَابٍ أَو نَقصٍ فِي نَعِيمِ مَنزِلَتِهِم؛ فَأَهلُ الجَنَّةِ حِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ يَرَونَ مَنَازِلَ السَّابِقِينَ الذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا فَوقَهُم كَمَا يَرَونَ الكَوكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِن شِدَّةِ بُعدِ مَا بَينَ الدَّرَجَتَينِ، فَيَعلَمُونَ أَنَّهُم لَو عَمَرُوا تِلكَ المَجَالِسَ وَالسَّاعَاتِ الفَارِغَةَ بِذِكرِ اللهِ لَكَانُوا فِي تِلكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى! وَلِذَلِكَ سَمَّى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَومَ القِيَامَةِ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ «يَومَ التَّغَابُنِ» فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا وَمُجَاهِدٌ: «يُغبَنُ أَهلُ النَّارِ بِأَهلِ الجَنَّةِ، وَيُغبَنُ أَهلُ الجَنَّةِ بَعضُهُم بِبَعضٍ فِي الدَّرَجَاتِ؛ يَرَى الرَّجُلُ الَّذِي هُوَ فِي الدَّرَجَةِ الدُّنيَا مَا أُعطِيَ صَاحِبُ الدَّرَجَةِ العُليَا بِسَبِيحَةٍ أَو رَكعَةٍ زَادَهَا عَلَيهِ فِي الدُّنيَا»!
الوَجهُ الثَّالِثُ: أَنَّ هَذِهِ الحَسرَةَ لأهلِ الجَنَّةِ لَيسَت حُزنًا مُؤلِمًا يُنَغِّصُ عَلَيهِم عَيشَهُم فِي الجَنَّةِ حَاشَا لِكَرَمِ اللهِ، بَل هِيَ تَصوِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعِظَمِ قِيمَةِ الذِّكرِ، حَتَّى إِنَّهُ لَو كَانَ فِي الجَنَّةِ مَوضِعٌ لِلتَّحَسُّرِ عَلَى شَيءٍ مِنَ الدُّنيَا مَا كَانَ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَضَت بِلَا ذِكرٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ!
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: إِذَا كَانَ أَهلُ الجَنَّةِ يَندَمُونَ يَومَ القِيَامَةِ عَلَى سَاعَةٍ مَرَّت بِهِم فِي مُبَاحٍ لَم يَذكُرُوا اللهَ فِيهَا، فَكَيَّفَ يَكُونُ حَالُ مَن ضَيَّعَ السَّاعَاتِ وَالأَيَّامَ وَالأَعمَارَ فِي الغَفلَةِ وَاللَّهوِ وَالمَعَاصِي وَالقِيلِ وَالقَالِ؟
تَدَارَكُوا أَعمَارَكُم قَبلَ الفَوَاتِ، وَاغتَنِمُوا أَنفَاسَكُم قَبلَ المَمَاتِ؛ فَقَد رَوَى الحَاكِمُ وَالبَيهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغتَنِمْ خَمسًا قَبلَ خَمسٍ: شَبَابَكَ قَبلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبلَ فَقرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبلَ شُغلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبلَ مَوتِكَ»!
١. لَا تَقُومُوا مِن مَجلِسٍ أَبَدًا إِلَّا وَقَد ذَكَرتُمُ اللهَ فِيهِ، وَصَلَّيتُم عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَختَمتُمُوهُ بِكَفَّارَةِ المَجلِسِ: «سُبحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمدِكَ، أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ».
٢. وَلَا تَأوُوا إِلَى مَضَاجِعِكُم وَفُرُشِكُم كُلَّ لَيلَةٍ إِلَّا عَلَى طَهَارَةٍ وَذِكرٍ للهِ وَقِرَاءَةِ آيَةِ الكُرسِيِّ وَالمُعَوِّذَاتِ وَالتَّسبِيحِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مَضجَعُكُم عَلَيكُم تِرَةً يَومَ القِيَامَةِ.
٣. وَأَكثِرُوا مِنَ «الرَّكَعَاتِ الخَفِيفَاتِ» مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَرَكعَتَيِ الوُضُوءِ، وَقِيَامِ اللَّيلِ؛ فَإِنَّ كُلَّ رَكعَةٍ تَركَعُونَهَا اليَومَ هِيَ كَنزٌ أَغلَى مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا حِينَ تَنزِلُونَ فِي قُبُورِكُم!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَعِظُ الغَافِلِينَ عَن قِيمَةِ الأَوقَاتِ قَبلَ حُلُولِ الحَسرَاتِ:
دَقَّاتُ قَلبِ المَرءِ قَائِلَةٌ لَهُ ... إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَوَانِي
فَارفَعْ لِنَفسِكَ قَبلَ مَوتِكَ ذِكرَهَا ... فَالذِّكرُ لِلإِنسَانِ عُمرٌ ثَانِي
يَا غَافِلًا وَالمَوتُ يَطلُبُ رُوحَهُ ... مَاذَا أَعَدَّت كَفُّكَ الثَّقلَانِ
تَمضِي السُّنُونُ وَأَنتَ فِي لَهوِ الصِّبَا ... وَالقَبرُ بَعدَ اللَّهوِ بَيتُكَ دَانِي!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكرِكَ وَشُكرِكَ وَحُسنِ عِبَادَتِكَ. اللَّهُمَّ بَارِك لَنَا فِي أَعمَارِنَا وَأَوقَاتِنَا، وَاستَعمِلنَا فِي طَاعَتِكَ، وَلَا تَجعَلنَا مِنَ الغَافِلِينَ وَلَا مِنَ النَّادِمِينَ المُتَحَسِّرِينَ عِندَ المَوتِ وَيَومَ القِيَامَةِ. اللَّهُمَّ اجعَل خَيرَ أَعمَارِنَا أَوَاخِرَهَا، وَخَيرَ أَعمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيرَ أَيَّامِنَا يَومَ نَلقَاكَ فِيهِ وَأَنتَ رَاضٍ عَنَّا. اللَّهُمَّ لَا تَدَع لَنَا فِي مَقَامِنَا هَذَا ذَنبًا إِلَّا غَفَرتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إِلَّا شَفَيتَهُ، وَلَا مَيتًا مِن أَمَواتِ المُسلِمِينَ إِلَّا رَحِمتَهُ وَنَوَّرتَ قَبرَهُ وَآنَستَ وَحشَتَهُ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
العَمَلُ قَبلَ الفَوَاتِ وَالنَّدَمِ وَالحَسرَةِ وَقَبلَ أَن نَكُونَ مِن أَهلِ القُبُورِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.