التَّدَيُّنُ الحَقُّ وَالتَّدَيُّنُ البَاطِلُ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَينَا النِّعمَةَ، وَرَضِيَ لَنَا الإِسلَامَ دِينًا قَيِّمًا يَجمَعُ بَينَ إِخلَاصِ العُبُودِيَّةِ وَحُسنِ الخُلُقِ وَسُمُوِّ الهِمَّةِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا هَدَانَا إِلَيهِ مِنَ المَحَجَّةِ البَيضَاءِ الكَاشِفَةِ لِكُلِّ ظُلمَةٍ وَغُمَّةٍ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَا يَقبَلُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجهِهِ صَوَابًا عَلَى السُّنَّةِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ رَبُّهُ بِالتَّدَيُّنِ الحَقِّ السَّمحِ المُعتَدِلِ فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ وَنَصَحَ الأُمَّةَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينْ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ كَانُوا قُرآنًا يَمشِي عَلَى الأَرضِ صِدقًا وَعَدلًا وَرَحمَةً، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينْ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ جَوهَرُ الدِّينِ وَلُبَابُهُ، وَبِهَا يَتمَيَّزُ الصَّادِقُ المُنِيبُ مِنَ المُدَّعِي المُرَائِي، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَيِّنَةِ مُبَيِّنًا حَقِيقَةَ الدِّينِ القَوِيمِ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ النَّاسَ فِي تَعَامُلِهِم مَعَ الدِّينِ وَالتَّدَيُّنِ عَلَى مَذهَبَينِ شَتَّانَ مَا بَينَهُمَا:
فَريقٌ فَهِمَ الدِّينَ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي أَنزَلَهَا اللهُ وَبَلَّغَهَا رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَكَانَ تَدَيُّنُهُ «تَدَيُّنًا حَقًّا» يُصلِحُ القَلبَ، وَيُزَكِّي النَّفسَ، وَيَضبِطُ الجَوَارِحَ، وَيَنفَعُ الخَلقَ، وَيَعمُرُ الحَيَاةَ!
وَفَرِيقٌ آخَرُ شَوَّهَ حَقِيقَةَ الدِّينِ بِجَهلِهِ أَو هَوَاهُ أَو نِفَاقِهِ؛ فَكَانَ تَدَيُّنُهُ «تَدَيُّنًا بَاطِلًا مَغشُوشًا» هُوَ إِلَى الهَدمِ أَقرَبُ مِنهُ إِلَى البِنَاءِ، وَإِلَى الوِزرِ أَقرَبُ مِنهُ إِلَى الأَجرِ!
فَمَا هُوَ المِيزَانُ الشَّرعِيُّ الدَّقِيقُ الَّذِي نُفَرِّقُ بِهِ بَينَ «التَّدَيُّنِ الحَقِّ» وَ«التَّدَيُّنِ البَاطِلِ»؟
لَقَد جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعَالِمَ التَّدَيُّنِ الحَقِّ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ سَمَّاهَا العُلَمَاءُ «آيَةَ البِرِّ الجَامِعَةَ»، حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، ثُمَّ أَتبَعَ العَقِيدَةَ بِالأَخلَاقِ وَالبَذلِ وَالعِبَادَةِ وَالوَفَاءِ وَالصَّبرِ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾!
هَذَا هُوَ التَّدَيُّنُ الحَقُّ يَا عِبَادَ اللهِ: مَنظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ لَا تَتَجَزَّأُ؛ عَقِيدَةٌ صَحِيحَةٌ فِي القَلبِ، وَعِبَادَةٌ خَاشِعَةٌ فِي المِحرَابِ، وَأَمَانَةٌ وَوَفَاءٌ وَصِدقٌ وَرَحمَةٌ فِي السُّوقِ وَالبَيتِ وَالطَّرِيقِ!
وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ «التَّدَيُّنَ البَاطِلَ» يَتَجَلَّى فِي وَاقِعِ النَّاسِ فِي أَربَعِ صُوَرٍ خَطِيرَةٍ حَذَّرَ مِنهَا القُرآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ أَشدَّ التَّحذِيرِ:
الصُّورَةُ الأُولَى مِن صُوَرِ التَّدَيُّنِ البَاطِلِ: التَّدَيُّنُ الشَّكلِيُّ المَفصُولُ عَنِ الأَخلَاقِ وَحُقُوقِ العِبَادِ:
تَرَى الرَّجُلَ يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَيَصُومُ النَّوَافِلَ، وَيَعتَمِرُ كُلَّ عَامٍ، وَلَكِنَّهُ إِذَا خَرَجَ مِنَ المَسجِدِ أَكَلَ مِيرَاثَ أَخَوَاتِهِ، وَظَلَمَ زَوجَتَهُ وَأَولَادَهُ، وَغَشَّ فِي بَيعِهِ وَشِرَائِهِ، وَمَاطَلَ فِي دُيُونِهِ، وَسَلَّطَ لِسَانَهُ عَلَى أَعرَاضِ المُسلِمِينَ!
أَيُّ تَدَيُّنٍ هَذَا الَّذِي لَم تَنهَ صَلَاتُهُ صَاحِبَهُ عَنِ الفَحشَاءِ وَالمُنكَرِ وَالظُّلمِ؟
لَقَد سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ هَذَا التَّدَيُّنِ المَغشُوشِ «المُفلِسَ»! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدرُونَ مَا المُفلِسُ؟»، قَالُوا: المُفلِسُ فِينَا مَن لَا دِرهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتِي يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا؛ فَيُعطَى هَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِن حَسَنَاتِهِ، فَإِن فَنِيَت حَسَنَاتُهُ قَبلَ أَن يُقضَى مَا عَلَيهِ أُخِذَ مِن خَطَايَاهُم فَطُرِحَت عَلَيهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»!
وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذكَرُ مِن كَثرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا، غَيرَ أَنَّهَا تُؤذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ فِي النَّارِ»! قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذكَرُ مِن قِلَّةِ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا أَي مِنَ النَّوَافِلِ، وَإِنَّهَا تَتَصَدَّقُ بِالأَثوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلَا تُؤذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ فِي الجَنَّةِ»!
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِن صُوَرِ التَّدَيُّنِ البَاطِلِ: التَّدَيُّنُ بِالأَهوَاءِ وَالبِدَعِ وَالغُلُوِّ خَارِجَ هَديِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
فَإِنَّ اللهَ لَا يُعبَدُ بِالأَهوَاءِ وَالاستِحسَانَاتِ وَالخُرَافَاتِ، وَلَا يُعبَدُ بِالغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ وَتَكفِيرِ المُسلِمِينَ؛ بَل يُعبَدُ بِمَا شَرَعَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَكم مِن عَابِدٍ أَتعَبَ نَفسَهُ فِي بِدعَةٍ أَو غُلُوٍّ وَهُوَ يَحسَبُ أَنَّهُ يُحسِنُ صُنعًا، فَرُدَّ عَمَلُهُ فِي وَجهِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الكَهفِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن أَحدَثَ فِي أَمرِنَا هَذَا مَا لَيسَ مِنهُ فَهُوَ رَدٌّ».
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ فِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسأَلُونَ عَن عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخبِرُوا كَأَنَّهُم تَقَالُّوهَا، فَقَالَ أَحَدُهُم: «أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيلَ أَبَدًا»، وَقَالَ الآخَرُ: «أَنَا أَصُومُ الدَّهرَ وَلَا أُفطِرُ»، وَقَالَ الآخَرُ: «أَنَا أَعتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا»؛ فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَيهِم فَقَالَ: «أَنتُمُ الَّذِينَ قُلتُم كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخشَاكُم للهِ وَأَتقَاكُم لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَن رَغِبَ عَن سُنَّتِي فَلَيسَ مِنِّي»!
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ مِن صُوَرِ التَّدَيُّنِ البَاطِلِ: تَدَيُّنُ الرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَالمُتَاجَرَةِ بِالدِّينِ:
وَأَصحَابُ هَذَا التَّدَيُّنِ هُمُ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ مَظهَرَ الصَّلَاحِ شَبَكَةً لِاصطِيَادِ الدُّنيَا، وَكَسبِ ثِقَةِ النَّاسِ، وَالتَّصَدُّرِ فِي المَجَالِسِ؛ يُحَسِّنُونَ صَلَاتَهُم إِذَا رَآهُمُ النَّاسُ، وَإِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا! وَفِيهِم قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ المَاعُونِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾!
وَلِذَلِكَ كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لَا يَنخَدِعُ بِمُجَرَّدِ المَظهَرِ حَتَّى يَختَبِرَ المَخبَرَ؛ فَقَد رَوَى البَيهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبرَى أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِندَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «إِنِّي لَستُ أَعرِفُكَ، فَأْتِ بِمَن يَعرِفُكَ»، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ فَقَالَ: أَنَا أَعرِفُهُ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، هُوَ عَدلٌ فَاضِلٌ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَجَارُكَ هُوَ الأَدنَى الَّذِي تَعرِفُ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ وَمَدخَلَهُ وَمَخرَجَهُ؟»، قَالَ: لَا. قَالَ: «أَفَعَامَلتَهُ بِالدِّرهَمِ وَالدِّينَارِ الَّذِينَ يُستَدَلُّ بِهِمَا عَلَى الوَرَعِ؟»، قَالَ: لَا. قَالَ: «أَفَرَافَقتَهُ فِي السَّفَرِ الَّذِي يُستَدَلُّ بِهِ عَلَى مَكَارِمِ الأَخلَاقِ؟»، قَالَ: لَا! قَالَ عُمَرُ: «فَلَعَلَّكَ رَأَيتَهُ قَائِمًا قَاعِدًا فِي المَسجِدِ يَرفَعُ رَأسَهُ تَارَةً وَيَخفِضُهُ أُخرَى؟»، قَالَ: نَعَم! فَقَالَ لَهُ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «اذهَبْ فَأَنتَ لَا تَعرِفُهُ»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ لِي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ صُورَةً رَابِعَةً مِن صُوَرِ «التَّدَيُّنِ البَاطِلِ» قَد فَشَت فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ، وَهِيَ عَلَى النَّقِيضِ مِن تَدَيُّنِ الغُلُوِّ وَالرِّيَاءِ، أَلَا وَهِيَ: «تَدَيُّنُ التَّفرِيطِ وَالأَمَانِيِّ الكَاذِبَةِ بِدَعوَى أَنَّ الإِيمَانَ فِي القَلبِ بِلَا عَمَلٍ»!
تَنصَحُ تَارِكَ الصَّلَاةِ، أَو آكِلَ الرِّبَا، أَوِ المُتَبَرِّجَةَ التَّارِكَةَ لِلحِجَابِ، فَيَقُولُ لَكَ بِكُلِّ بُرُودٍ: «يَا أَخِي، الدِّينُ فِي القَلبِ، وَقَلبِي أَبيَضُ نَظِيفٌ، وَالتَّقوَى هَاهُنَا»!
سُبحَانَ اللهِ! كَيفَ يَكُونُ القَلبُ أَبيَضَ سَلِيمًا وَالجَوَارِحُ تَبارِزُ اللهَ بِالمَعَاصِي وَتَترُكُ الفَرَائِضَ؟ أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضغَةً إِذَا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ»؟ فَلَو صَلَحَ القَلبُ لَصَلَحَتِ الجَوَارِحُ وَانقَادَت لِأَمرِ اللهِ قَطعًا!
قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ: «لَيسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِن مَا وَقَرَ فِي القَلبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ؛ إِنَّ قَومًا أَلهَتهُم أَمَانِيُّ المَغفِرَةِ حَتَّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنيَا وَلَا حَسَنَةَ لَهُم، يَقُولُونَ: نُحسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ! وَكَذَبُوا، لَو أَحسَنُوا الظَّنَّ بِاللهِ لَأَحسَنُوا العَمَلَ»!
وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ: «الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ؛ فَمَن زَادَ عَلَيكَ فِي الخُلُقِ زَادَ عَلَيكَ فِي الدِّينِ»!
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: تَمَسَّكُوا بِالتَّدَيُّنِ الحَقِّ المُتَوَازِنِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ تَدَيُّنٍ يَجمَعُ بَينَ خُشُوعِ المَسجِدِ وَأَمَانَةِ السُّوقِ، وَبَينَ حَلَاوَةِ القُرآنِ وَنَظَافَةِ اللِّسَانِ، وَبَينَ قِيَامِ اللَّيلِ وَبِرِّ الوَالِدَينِ وَصِلَةِ الأَرحَامِ؛ فَبِذَلِكَ تَنَالُونَ الحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا فِي سُورَةِ النَّحلِ حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ يَصِفُ الفَرقَ بَينَ التَّدَيُّنِ الصَّادِقِ وَالتَّدَيُّنِ الكَاذِبِ:
إِذَا كَانَ التَّدَيُّنُ دُونَ خُلقٍ ... وَصِدقٍ فِي الفِعَالِ فَمَا يُفِيدُ
فَإِنَّ الدِّينَ إِخلَاصٌ وَهَديٌ ... وَبِرٌّ لِلأَنَامِ بِهِ تَسُودُ!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ. اللَّهُمَّ اجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَل عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، وَاهدِنَا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ وَالأَعمَالِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّدَيُّنُ الحَقُّ وَالتَّدَيُّنُ البَاطِلُ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.