من مكتبة مِداد الخطيب

الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: سِيرَةُ العَدلِ وَالقُوَّةِ وَالفُتُوحَاتِ وَالخَشيَةِ الرَّبَّانِيَّةِ

مشاركة
الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: سِيرَةُ العَدلِ وَالقُوَّةِ وَالفُتُوحَاتِ وَالخَشيَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَن بُعِثَ بِالسَّيفِ رَحمَةً لِلعَالَمِينَ، الحَمدُ للهِ الَّذِي أَعَزَّ الإِسلَامَ بِأَولِيَائِهِ الصَّادِقِينْ، وَنَصَرَ دِينَهُ بِالسَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الغُرِّ المَيَامِينْ، وَجَعَلَ سِيرَةَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مَنَارًا لِلسَّالِكِينَ وَحُجَّةً عَلَى العِبَادِ أَجمَعِينْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى مَا أَولَانَا مِن نِعمَةِ الإِيمَانِ وَاليَقِينْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِينْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينْ، أَرسَلَهُ رَبُّهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ وَالسَّيفِ النَّاصِرِ لِلقِسطِ وَالمِيزَانِ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينْ، وَعَلَى صَاحِبَيهِ وَوَزِيرَيهِ وَضَجِيعَيهِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الفَارُوقِ، وَعَلَى عُثمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينْ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ التَّاجُ الَّذِي عَزَّ بِهِ أَسلَافُنَا، وَالسِّرُّ الَّذِي فَتَحُوا بِهِ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ، وَسَادُوا بِهِ الأُمَمَ وَالشُّعُوبَ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۝ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۝ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الأُمَمَ الحَيَّةَ إِذَا أَرَادَت أَن تَستَعِيدَ مَجدَهَا، وَتُوقِظَ هِمَمَ أَجيَالِهَا، وَتَعرِفَ طَرِيقَ عِزَّتِهَا وَنَهضَتِهَا، رَجَعَت إِلَى قِمَمِ تَارِيخِهَا وَعَمَالِقَةِ رِجَالِهَا تَستَلهِمُ مِنهُم مَعَانِيَ الإِيمَانِ وَالعَدلِ وَالقُوَّةِ وَالفِدَاءِ! وَإِنَّنَا اليَومَ نَقِفُ فِي مِحرَابِ الجُمُعَةِ مَعَ رَجُلٍ لَيسَ كَسَائِرِ الرِّجَالِ، وَخَلِيفَةٍ تَطَأطِئُ لِذِكرِهِ هَامَاتُ الجِبَالِ؛ إِنَّهُ ثَانِي الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَثَالِثُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعدَ نَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، إِنَّهُ المُلهَمُ المُحَدَّثُ، وَالعَادِلُ الزَّاهِدُ، وَالفَاتِحُ العَظِيمُ: أَمِيرُ المُؤمِنِينَ أَبُو حَفصٍ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الفَارُوقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَأَرضَاهُ! لِمَاذَا سُمِّيَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ «الفَارُوقَ»؟ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَرَّقَ بِإِسلَامِهِ وَقُوَّتِهِ وَصَدعِهِ بِالحَقِّ بَينَ الإِيمَانِ وَالكُفرِ، وَبَينَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ! لَقَد كَانَ إِسلَامُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ ثَمرَةَ دَعوَةٍ نَبَوِيَّةٍ مُبَارَكَةٍ خَرَجَت مِن قَلبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي لَيَالِي الِاستِضعَافِ بِمَكَّةَ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ بِأَحَبِّ هَذَينِ الرَّجُلَينِ إِلَيكَ: بِأَبِي جَهلٍ، أَو بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ»، قَالَ: «وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيهِ عُمَرُ»! فَلَمَّا شَرَحَ اللهُ صَدرَ عُمَرَ لِلإِسلَامِ، وَقرَعَت قَلبَهُ آيَاتُ سُورَةِ طَه: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، أَبَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَبقَى المُسلِمُونَ مُستَخفِينَ بِإِيمَانِهِم فِي دَارِ الأَرقَمِ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَسنَا عَلَى الحَقِّ إِن مِتنَا وَإِن حَيِينَا؟»، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لَعَلَى الحَقِّ إِن مِتُّم وَإِن حَيِيتُم!»، قَالَ عُمَرُ: «فَفِيمَ الِاختِفَاءُ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَتَخرُجَنَّ!»؛ فَخَرَجَ المُسلِمُونَ فِي صَفَّينِ عَظِيمَينِ، عَلَى أَحَدِهِمَا حَمزَةُ بنُ عَبدِ المُطَّلِبِ وَعَلَى الآخَرِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، حَتَّى دَخَلُوا المَسجِدَ الحَرَامَ وَصَلَّوا عِندَ الكَعبَةِ جَهرًا، فَنَظَرَت قُرَيشٌ إِلَيهِم فَأَصَابَتهَا كَآبَةٌ لَم يُصِبهَا مِثلُهَا قَطُّ! وَلِذَلِكَ قَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مَا زِلنَا أَعِزَّةً مُنذُ أَسلَمَ عُمَرُ»! وَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كَانَ إِسلَامُ عُمَرَ فَتحًا، وَكَانَت هِجرَتُهُ نَصرًا، وَكَانَت إِمَارَتُهُ رَحمَةً، وَلَقَد رَأَيتُنَا وَمَا نَستَطِيعُ أَن نُصَلِّيَ عِندَ البَيتِ حَتَّى أَسلَمَ عُمَرُ»! وَانظُرُوا إِلَى عِزَّةِ الفَارُوقِ يَومَ الهِجرَةِ إِلَى المَدِينَةِ؛ فَبَينَمَا كَانَ المُسلِمُونَ يَخرُجُونَ سِرًّا خَشيَةَ بَطشِ المُشرِكِينَ، تَقَلَّدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَيفَهُ، وَتَنَكَّبَ قَوسَهُ، وَأَتَى الكَعبَةَ وَطَافَ بِهَا سَبعًا وَأَشرافُ قُرَيشٍ فِي أَندِيَتِهِم يَنظُرُونَ إِلَيهِ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَينِ عِندَ المَقَامِ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى حِلَقِهِم وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَقَالَ لَهُم بِصَوتٍ كَزَئِيرِ الأَسَدِ: «شَاهَتِ الوُجُوهُ! لَا يُرغِمُ اللهُ إِلَّا هَذِهِ المَعَاطِسَ! مَن أَرَادَ أَن تَثكَلَهُ أُمُّهُ، وَيُيتِمَ وَلَدَهُ، وَيُرمِلَ زَوجَتَهُ، فَلْيَلقَنِي وَرَاءَ هَذَا الوَادِي!»؛ فَوَاللهِ مَا جَرُؤَ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِن صَنَادِيدِ قُرَيشٍ أَن يَتبَعَهُ! عِبَادَ اللهِ: مَا هِيَ المَنزِلَةُ الَّتِي بَلَغَهَا الفَارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي مِيزَانِ الوَحيِ وَفِي كَلَامِ الصَّادِقِ المَصدُوقِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ لَقَد بَلَغَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن صَفَاءِ البَصِيرَةِ، وَنُورِ الفِطرَةِ، وَتَجرُّدِ القَلبِ لِلحَقِّ، أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ بِالرَّأيِ فَيَنزِلُ القُرآنُ الكَرِيمُ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ مُوَافِقًا لِقَولِ عُمَرَ وَأَلفَاظِهِ! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «وَافَقتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذنَا مِن مَقَامِ إِبرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَو أَمَرتَ نِسَاءَكَ أَن يَحتَجِبنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَت آيَةُ الحِجَابِ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ۝ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾؛ وَاجتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الغَيرَةِ عَلَيهِ، فَقُلتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ بِنَصِّهَا فِي سُورَةِ التَّحرِيمِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾»! وَوَافَقَ رَبَّهُ أَيضًا فِي أُسَارَى بَدرٍ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ، وَفِي تَحرِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ! وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَقَد كَانَ فِيمَا قَبلَكُم مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِن يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ»! وَ«المُحَدَّثُ» هُوَ الصِّدِّيقُ المُلهَمُ الَّذِي يُلقِي اللهُ الحَقَّ وَالصَّوَابَ فِي قَلبِهِ وَعَلَى لِسَانِهِ؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلبِهِ»! وَأَمَّا هَيبَةُ إِيمَانِهِ الَّتِي أَرعَبَت شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالجِنِّ، فَقَد شَهِدَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَيثُ قَالَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبتَسِمُ: «إِيهًا يَا ابنَ الخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَينَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيتُ النَّاسَ يُعرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيهِم قُمُصٌ، مِنهَا مَا يَبلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وَعَلَيهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ!»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الدِّينَ»! وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَينَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبتُ حَتَّى إِنِّي لَأَرَى الرِّيَّ يَخرُجُ فِي أَظفَارِي، ثُمَّ أَعطَيتُ فَضلِي عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «العِلمَ»! أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: وَلَمَّا أَفضَتِ الخِلَافَةُ إِلَى الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بَعدَ وَفَاةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ، أَرَى العَالَمَ كُلَّهُ طِرَازًا فَرِيدًا مِنَ الحُكمِ لَم تَعرِفِ البَشَرِيَّةُ لَهُ مَثِيلًا قَبلهُ بَعدَ النُّبُوَّةِ وَالصِّدِّيقِ! لَقَد حَكَمَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَشرَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشهُرٍ؛ فَمَاذَا صَنَعَ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ العَشرِ؟ أَسقَطَ إِمبرَاطُورِيَّةَ فَارِسَ الكِسرَوِيَّةَ إِلَى الأَبَدِ فِي القَادِسِيَّةِ وَالمَدَائِنِ وَنَهَاوَندَ، وَدَكَّ حُصُونَ إِمبرَاطُورِيَّةِ الرُّومِ القَيصَرِيَّةِ فِي اليَرمُوكِ وَفَتَحَ دِمَشقَ وَحِمصَ وَأَنطَاكِيَةَ وَبَيتَ المَقدِسِ وَمِصرَ وَالإِسكَندَرِيَّةَ وَبَرقَةَ وَطَرَابُلُسَ، وَمَصَّرَ الأَمصَارَ فَبَنَى الكُوفَةَ وَالبَصرَةَ وَالفُسطَاطَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَوَضَعَ التَّارِيخَ الهِجرِيَّ، وَأَسَّسَ بَيتَ المَالِ وَالقَضَاءَ المُستَقِلَّ وَالعَسَسَ وَكَفَالَةَ الأَطفَالِ وَالشُّيُوخِ وَالأَرَامِلِ! وَانظُرُوا إِلَى مَشهَدِ فَتْحِ بَيتِ المَقدِسِ سَنَةَ خَمسَ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ: حِينَ طَلَبَ بطرِيَركُ القُدسِ «صَفرُونِيُوسُ» أَن يَحضُرَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ بِنَفسِهِ لِيتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ المَسجِدِ الأَقصَى وَإِيلِيَاءَ؛ فَخَرَجَ عُمَرُ مِنَ المَدِينَةِ مَعَ غُلَامِهِ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، يَتَنَاوَبَانِ رُكُوبَهُ، يَركَبُ الخَلِيفَةُ مَرحَلَةً وَيَمشِي الغُلَامُ، ثُمَّ يَركَبُ الغُلَامُ مَرحَلَةً وَيَمشِي أَمِيرُ المُؤمِنِينَ! فَلَمَّا دَنَا مِن بَيتِ المَقدِسِ وَقَدِ استَقبَلَهُ قَادَةُ الجُيُوشِ أَبُو عُبَيدَةَ وَخَالِدُ بنُ الوَلِيدِ وَيزِيدُ بنُ أَبِي سُفيَانَ وَعَمرُو بنُ العَاصِ، كَانَتِ النَّوبَةُ فِي الرُّكُوبِ لِلغُلَامِ، وَخَاضَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي المَخَاضَةِ وَالطِّينِ حَافِيًا مُمسِكًا بِزمَامِ البَعِيرِ وَعَلَيهِ ثَوبٌ فِيهِ أَربَعَ عَشرَةَ رُقعَةً! فَقَالَ لَهُ أَبُو عُبَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مُشفِقًا: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، قَد صَنَعتَ اليَومَ صَنِيعًا عَظِيمًا عِندَ أَهلِ الأَرضِ؛ فَلَو لَبِستَ ثَوبًا غَيرَ هَذَا وَرَكِبتَ دَابَّةً هَيئَةً يَرَاكَ عَلَيهَا الرُّومُ!»؛ فَضَرَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي صَدرِ أَبِي عُبَيدَةَ وَأَطلَقَ قَاعِدَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي رَوَاهَا الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ عَن طَارِقِ بنِ شِهَابٍ قَالَ عُمَرُ: «أَوَّهْ، لَو غَيرُكَ يَقُولُهَا يَا أَبَا عُبَيدَةَ! إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَومٍ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسلَامِ، فَمَهمَا نَطلُبُ العِزَّةَ بِغَيرِ مَا أَعَزَّنَا اللهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللهُ»! وَأَمَّا عَدلُ الفَارُوقِ عُمَرَ وَرَحمَتُهُ بِالرَّعِيَّةِ وَشَفَقَتُهُ عَلَى الفُقَرَاءِ وَالأَرَامِلِ، فَهُوَ حَدِيثٌ تَدمَعُ لَهُ العُيُونُ وَتَخشَعُ لَهُ الأَفئِدَةُ: لَقَد كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ: «لَو مَاتَت شَاةٌ أَو جَديٌ عَلَى شَطِّ الفُرَاتِ ضَيَاعًا لَخَشِيتُ أَن يَسأَلَنِي اللهُ عَنهُ يَومَ القِيَامَةِ!»؛ وَفِي «عَامِ الرَّمَادَةِ» سَنَةَ ثَمَانِ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ حِينَ أَجدَبَتِ الأَرضُ وَجَاعَ النَّاسُ، حَلَفَ عُمَرُ أَلَّا يَذُوقَ سَمنًا وَلَا لَحمًا وَلَا لَبَنًا حَتَّى يَشبَعَ أَفقَرُ المُسلِمِينَ، وَصَارَ يَأكُلُ الخُبزَ اليَابِسَ بِالزَّيتِ حَتَّى اسوَدَّ لَونُهُ وَقَرقَرَ بَطنُهُ، فَكَانَ يَضرِبُ بَطنَهُ بِأُصبُعِهِ وَيَقُولُ: «قَرقِرْ أَو لَا تُقَرقِرْ، وَاللهِ لَا تَذُوقُ السَّمنَ حَتَّى يَحيَا النَّاسُ»! وَخَرَجَ لَيلَةً مَعَ مَولَاهُ «أَسلَمَ» يَتَفَقَّدُ أَحوَالَ النَّاسِ فِي ظَلَامِ اللَّيلِ، فَرَأَى نَارًا تُوقَدُ فِي خِبَاءٍ بِظَاهِرِ المَدِينَةِ، فَدَنَا مِنهَا فَإِذَا امرَأَةٌ مَعَهَا صِبيَةٌ صِغَارٌ يَتَضَاغَونَ وَيَبكُونَ، وَبَينَ يَدَيهَا قِدرٌ عَلَى النَّارِ، فَسَلَّمَ وَقَالَ: مَا بَالُ هَؤُلَاءِ الصِّبيَةِ يَبكُونَ؟ قَالَتِ المَرأَةُ وَهِيَ لَا تَعرِفُهُ: «الجُوعُ!»، قَالَ: فَمَا هَذَا الَّذِي فِي القِدرِ؟ قَالَت: «مَاءٌ وَحَصًى أُعَلِّلُهُم بِهِ حَتَّى يَنَامُوا، وَاللهُ بَينَنَا وَبَينَ عُمَرَ!»؛ فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَقَالَ: «يَرحَمُكِ اللهُ، وَمَا يَدرِي عُمَرُ بِكُم؟»، قَالَت: «يَتَوَلَّى أَمرَنَا ثُمَّ يَغفُلُ عَنَّا!». فَانطَلَقَ عُمَرُ يُهرْوِلُ إِلَى دَارِ الدَّقِيقِ، فَأَخرَجَ عِدلًا مِن دَقِيقٍ وَكُبَّةً مِن شَحمٍ وَقَالَ لِأَسلَمَ: احمِلهُ عَلَى ظَهرِي! فَقَالَ أَسلَمُ: أَنَا أَحمِلُهُ عَنكَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فَقَالَ عُمَرُ غَاضِبًا: «أَأَنتَ تَحمِلُ وِزرِي عَنِّي يَومَ القِيَامَةِ؟ لَا أُمَّ لَكَ، احمِلهُ عَلَيَّ!»؛ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهرِهِ حَتَّى أَتَى المَرأَةَ، وَجَعَلَ يَطبُخُ لَهُم بِيَدِهِ وَيَنفُخُ تَحتَ القِدرِ وَالدُّخَانُ يَتَخلَّلُ لِحيَتَهُ الشَّرِيفَةَ، ثُمَّ أَطعَمَ الصِّبيَةَ بِيَدِهِ حَتَّى شَبِعُوا وَقَامُوا يَلعَبُونَ وَيَضحَكُونَ، فَقَالَتِ المَرأَةُ: «جَزَاكَ اللهُ خَيرًا، أَنتَ وَاللهِ أَولَى بِهَذَا الأَمرِ مِن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ!»، فَقَالَ لَهَا عُمَرُ بِأَدَبٍ وَتَوَاضُعٍ: «قُولِي خَيرًا، فَإِذَا جِئتِ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ غَدًا وَجَدتِينِي هُنَاكَ إِن شَاءَ اللهُ»، ثُمَّ تَنَحَّى نَاحِيَةً وَربَضَ قَرِيبًا مِنهُم يَنظُرُ إِلَيهِم، فَقَالَ لَهُ أَسلَمُ: مَا يُجلِسُكَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قَالَ: «إِنِّي رَأَيتُهُم يَبكُونَ، فَأَحبَبتُ أَن أَرَاهُم يَضحَكُونَ سَاعَةً كَمَا رَأَيتُهُم يَبكُونَ»! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَومِ الدِّينِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ إِمَامُ المُتَّقِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ. أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَتَأَمَّلُوا فِي هَذِهِ الخُطبَةِ الثَّانِيَةِ كَيفَ اجتَمَعَت فِي قَلبِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ تِلكَ القُوَّةُ الهَائِلَةُ فِي الحَقِّ مَعَ أَعظَمِ خَشيَةٍ وَبُكَاءٍ بَينَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ! لَقَد كَانَ فِي خَدَّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ خَطَّانِ أَسوَدَانِ مِن كَثرَةِ البُكَاءِ مِن خَشيَةِ اللهِ! وَكَانَ يَمُرُّ بِالآيَةِ مِن كِتَابِ اللهِ فِي وِردِهِ بِاللَّيلِ فَتَخنُقُهُ العَبرَةُ وَيَسقُطُ مَرِيضًا فِي بَيتِهِ أَيَّامًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدرُونَ مَا بِهِ؛ مرَّ لَيلَةً بِدَارِ رَجُلٍ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ وَيَقرَأُ سُورَةَ الطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ۝ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾، قَالَ عُمَرُ: «قَسَمٌ وَرَبِّ الكَعبَةِ حَقٌّ!»، ثُمَّ نَزَلَ عَن حِمَارِهِ وَاستَنَدَ إِلَى حَائِطٍ يَبكِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيتِهِ فَمَرِضَ شَهرًا كَامِلًا مِن هَيبَةِ تِلكَ الآيَةِ! وَكَانَ مِن أَعظَمِ أَمنِيَّاتِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَن يَختِمَ اللهُ حَيَاتَهُ الحَافِلَةَ بِالجِهَادِ وَالفُتُوحِ بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن زَيدِ بنِ أَسلَمَ عَن أَبِيهِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ يَدعُو فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارزُقنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجعَل مَوتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد بَشَّرَهُ بِالشَّهَادَةِ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ وَعُثمَانُ فَرَجَفَ بِهِم، فَقَالَ: «اثبُت أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيكَ نَبِيٌّ، وَصِدِّيقٌ، وَشَهِيدَانِ»! فَكَيفَ تَحَقَّقَت هَذِهِ البِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ وَاستُجِيبَت دَعوَةُ الفَارُوقِ؟ فِي فَجرِ يَومِ الأَربِعَاءِ لِأَربَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشرِينَ لِلهِجرَةِ، كَمَا رَوَى عَمرُو بنُ مَيمُونٍ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، خَرَجَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُوقِظُ النَّاسَ لِصَلَاةِ الفَجرِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مِحرَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسَوَّى الصُّفُوفَ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ حَتَّى وَثَبَ عَلَيهِ العِلجُ المَجُوسِيُّ الحَاقِدُ «أَبُو لُؤلُؤَةَ فِيرُوزُ الفَارِسِيُّ» الَّذِي غَاظَهُ أَن أَطاحَ عُمَرُ بِدَولَةِ المَجُوسِ، فَطَعَنَ أَمِيرَ المُؤمِنِينَ بِخِنجَرٍ مَسمُومٍ ذِي رَأسَينِ فِي كَتِفِهِ وَخَاصِرَتِهِ! فَسَقَطَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ يَتلو قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وَتَنَاوَلَ بِيَدِهِ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ فَقَدَّمَهُ لِيُتِمَّ الصَّلَاةَ بِالمُسلِمِينَ! ثُمَّ حُمِلَ الفَارُوقُ إِلَى بَيتِهِ وَدَمُهُ يَثعَبُ، فَلَمَّا أَفَاقَ مِن غَشيَتِهِ مَاذَا كَانَ أَوَّلُ سُؤَالٍ سَأَلَهُ؟ لَم يَسأَل عَن جُرحِهِ وَلَا عَن قَاتِلِهِ، بَل قَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟»، قَالُوا: نَعَم يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ! فَقَالَ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «الحَمدُ للهِ، لَا حَظَّ فِي الإِسلَامِ لِمَن تَرَكَ الصَّلَاةَ»! ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى وَجُرحُهُ يَثعَبُ دَمًا! ثُمَّ سَأَلَ: مَن قَتَلَنِي؟ قَالُوا: غُلَامُ المُغِيرَةِ المَجُوسِيُّ، فَقَالَ عُمَرُ: «الحَمدُ للهِ الَّذِي لَم يَجعَل مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإِسلَامَ، وَلَا قَدرَ لِي عَلَى قَاتِلٍ سَجَدَ للهِ سَجدَةً قَطُّ يُحَاجُّنِي بِهَا عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ»! ثُمَّ أَرسَلَ ابنَهُ عَبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ إِلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا يَستَأذِنُهَا قَائِلًا: «يَقرَأُ عُمَرُ السَّلَامَ عَلَيكِ، وَلَا تَقُل أَمِيرُ المُؤمِنِينَ فَإِنِّي لَستُ اليَومَ لِلمُؤمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُل: يَستَأذِنُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أَن يُدفَنَ مَعَ صَاحِبَيهِ»؛ فَبَكَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا وَقَالَت: «كُنتُ أُرِيدُهُ لِنَفسِي، وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ اليَومَ عَلَى نَفسِي»! فَلَمَّا بُشِّرَ بِذَلِكَ قَالَ: «الحَمدُ للهِ، مَا كَانَ شَيءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِن ذَلِكَ»، ثُمَّ جَعَلَ الأَمرَ شُورَى فِي السِّتَّةِ الَّذِينَ مَاتَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنهُم رَاضٍ، وَلَم يَستَخلِف وَلَدَهُ، وَفَاضَت رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ إِلَى رِضوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ! وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حَافِظِ إِبرَاهِيمَ حِينَ صَوَّرَ عَظَمَةَ الفَارُوقِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي قَصِيدَتِهِ العُمَرِيَّةِ الخَالِدَةِ فَقَالَ: وَرَاعَ صَاحِبَ كِسرَى أَن رَأَى عُمَرًا ... بَينَ الرَّعِيَّةِ عُطلًا وَهُوَ رَاعِيهَا وَعَهدُهُ بِمُلُوكِ الفُرسِ أَنَّ لَهَا ... سُورًا مِنَ الجُندِ وَالأَحرَاسِ يَحمِيهَا رَآهُ مُستَغرِقًا فِي نَومِهِ فَرَأَى ... فِيهِ الجَلَالَةَ فِي أَسمَى مَعَانِيهَا فَوقَ الثَّرَى تَحتَ ظِلِّ الدَّوحِ مُشتَمِلًا ... بِبُردَةٍ كَادَ طُولُ العَهدِ يُبلِيهَا فَهَانَ فِي عَينِهِ مَا كَانَ يُكبِرُهُ ... مِنَ الأَكَاسِرِ وَالدُّنيَا بِأَيدِيهَا وَقَالَ قَولَةَ حَقٍّ أَصبَحَت مَثَلًا ... وَأَصبَحَ الجِيلُ بَعدَ الجِيلِ يَروِيهَا أَمِنتَ لَمَّا أَقَمتَ العَدلَ بَينَهُمُ ... فَنِمتَ نَومَ قَرِيرِ العَينِ هَانِيهَا! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى نَبِيِّ الهُدَى وَالرَّحمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ، وَعُمَرَ الفَارُوقِ، وَعُثمَانَ ذِي النُّورَينِ، وَعَلِيٍّ أَبِي السِّبطَينِ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَاحشُرنَا فِي زُمرَتِهِم بِرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَدَمِّر أَعدَاءَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ املَأ قُلُوبَنَا بِحُبِّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَآلِ بَيتِهِ وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينَ، وَطَهِّر أَلسِنَتَنَا وَقُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ لِلَّذِينَ آمَنُوا. اللَّهُمَّ رُدَّ المُسلِمِينَ إِلَى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا، وَمَكِّن لِأَهلِ الحَقِّ وَالعَدلِ فِي الأَرضِ، وَانصُر إِخوَانَنَا المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۝ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.