🕌 اسمُ اللهِ «الهَادِي»... وبَراهِينُ النُّورِ في زَمَنِ الحَيْرَةِ والإِلْحَاد
#خطبة_جمعة #اسم_الله_الهادي #أنواع_الهداية #الرد_على_الإلحاد #عقيدة #توحيد #رقائق
الحمدُ للهِ الهادِي مَنِ استَهداهُ إلى صِراطٍ مُستَقِيم، الدالِّ بآياتِ خَلقِهِ وعَجائبِ صُنعِهِ على حِكمَتِهِ وقُدرَتِهِ العَظِيم، الذي أعطَى كُلَّ شيءٍ خَلقَهُ ثمَّ هَدَى، وجَعَلَ في كِتابِهِ شِفاءً لِما في الصُّدورِ ونُورًا للوَرَى.
وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَلَّ عَنِ النَّدِّ والشَّبِيه، وتَعالَى عَنِ العَبَثِ والتَّسوِيه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسُولُه، إمامُ المُهتَدِين، وقائدُ الغُرِّ المَحجَّلِين، بَعَثَهُ ربُّه بالهُدَى ودِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ على الدِّينِ كُلِّه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ واقتَفَى أثَرَه إلى يومِ الدِّين.
أمَّا بعد:
فيا عِبادَ الله، نَعيشُ في زَمَنٍ تَلاطَمَت فيه أَمواجُ الفِتَن، وتَزاحَمَت الشُّبُهاتُ في شاشاتِ الهَواتِفِ وبُيوتِ النَّاس، حتى خَرَجَت فِئاتٌ تَدعُو إلى إنكارِ خَالقِ الأرضِ والسَّماوات، وتَزعُمُ أنَّ هذا الكَونَ البَدِيعَ وُجِدَ صُدفَةً وعَبَثًا بلا صَانعٍ ولا هَاد! والصَّدمَةُ التي تَهُزُّ القَلب: كيفَ يَضِلُّ عَقلُ إنسانٍ يَرَى النِّظامَ المُحكَمَ في الذَّرَّةِ والمَجَرَّة، ثمَّ يَنسِبُهُ إلى العَمَى والعَدَم؟! في خُطبَتِنا اليومَ سَنَقفُ مع اسمِ اللهِ العَظِيم «الهَادِي»، ونَكشِفُ عَن أَربَعِ مَراتِبَ للهِدايةِ أودَعَها اللهُ في خَلقِه، ونَرُدُّ بحُجَجِ العَقلِ الصَّرِيحِ ونُورِ الوَحيِ المُبِين على دَعاوَى الإلحاد، لِنَعلَمَ أنَّ كُلَّ خَليَّةٍ في أجسادِنا تَصرُخُ بأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ الهَادِي.
أيُّها المُسلِمُون، عَجَبًا لِعَقلٍ يَرَى طِفلًا يَلتَقِمُ ثَديَ أُمِّهِ في الدَّقِيقَةِ الأُولَى مِن وِلادَتِهِ بلا تَعليم، ويَرَى طَيرًا يَقطَعُ آلافَ الأَميالِ فَوقَ البِحارِ لا يَضِلُّ طَرِيقَه، ثمَّ يَقُول: حَدَثَ كُلُّ ذلكَ صُدفَة! أَيُّ عَقلٍ هذا الذي يَقبَلُ أن تَكونَ صَفحَةُ كِتابٍ مَطبُوعَةٍ بلا مُؤَلِّف، ولا يَقبَلُ أن يَكُونَ هذا الكَونُ المُنَظَّمُ بلا خَالقٍ هَاد؟!
واسمَعُوا لِما يُقَرِّرُهُ القُرآنُ العَظِيم، حيثُ يَصرَعُ شُبَهاتِ المُلحِدينَ في آيَةٍ واحِدَةٍ تَقَعُ على القُلوبِ كالصَّاعِقَة؛ يقولُ اللهُ جَلَّ في عُلاه: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ • أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36].
تَأمَّلوا هذا الحَصرَ العَقلِيَّ القاطِع! هل خُلِقُوا مِن غَيرِ شَيءٍ خَلَقَهُم؟ هذا مُستَحِيلٌ عَقلاً؛ فالعدَمُ لا يُوجِدُ وُجودًا، وفَاقِدُ الشَّيءِ لا يُعطِيه. أم هُم خَلَقُوا أَنفُسَهُم؟ وهذا أَشَدُّ استِحالَةً؛ فكَيفَ يَخلُقُ المَعدُومُ نَفسَه قَبلَ أن يُوجَد؟! فإذا بَطَلَ الاحتمالان، لم يَبقَ في صَحِيحِ العَقلِ إلَّا حَقِيقَةٌ واحِدَة: أنَّ لهُم خَالقًا قادِرًا، عَلِيمًا هَادِيًا، سُبحانَهُ وتَعالَى عَمَّا يُشرِكُون.
ولَقَد جَلَسَ جُبَيرُ بنُ مُطعِمٍ رضي الله عنه — وكانَ يَومَئِذٍ مُشرِكًا — فَسَمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقرَأُ بهذِهِ الآياتِ في صَلاةِ المَغرِب، فارتَجَفَت أَركانُه، وقالَ كَلِمَتَهُ الخالِدَة: «كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ، وَذَلِكَ أَوَّلَ مَا وَقَرَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِي» (رواه البخاري). إنَّها سَطوَةُ الحَقِّ وبَداهَةُ الفِطرَة!
عِبادَ الله، إنَّ اسمَ اللهِ «الهَادِي» لَيسَ مُجَرَّدَ لَفظٍ نَتَلَقَّاه، بل هُوَ حَقِيقَةٌ تَسْرِي في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرَّاتِ الوُجُود. يقولُ اللهُ تباركَ وتَعالى مُثبِتًا هذا الوَصفَ الجَلِيل: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54]، ويقولُ عزَّ وجلّ: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31].
والهَادِي سُبحانَهُ هُوَ الذي دَلَّ خَلقَهُ على مَصَالِحِهِم، وهَداهُم إلى طُرُقِ مَعَاشِهِم، وبَيَّنَ لَهُم سَبِيلَ النَّجاةِ مِن طُرُقِ الهَلاك.
وقَد قَرَّرَ عُلَماءُ أُمَّتِنا — كالإمامِ ابنِ القَيِّمِ رحمهُ الله في كِتابِهِ «مَدارِج السَّالِكِين» و«طَرِيق الهِجرَتَين» — أنَّ الهِدايَةَ في كِتابِ اللهِ تَعالَى تَنقَسِمُ إلى أَربَعِ مَراتِبَ عِظام، لا يَستَغني عَبدٌ عَن مَعرِفَتِها وتَدَبُّرِها:
المَرتَبَةُ الأُولَى: الهِدايَةُ العامَّةُ لِجَميعِ المَخلُوقَات؛ وهيَ هِدايَةُ التَّقدِيرِ والتَّكوِينِ التي عَمَّت كُلَّ مَوجُود، مِن أَعظَمِ مَلَكٍ إلى أَصغَرِ ذَرَّة. وهيَ المَذكُورَةُ في قَولِ كَلِيمِ اللهِ مُوسَى عليهِ السَّلامُ لِفِرعَون: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50]، وفي قَولِ رَبِّنا سُبحانَه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ • وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ﴾ [الأعلى: 2-3].
تَأمَّلُوا يا رَعَاكُمُ الله: مَن الذي هَدَى الحَيَوانَ الأَعجَمَ إلى المَرعَى الذي يَنفَعُه، وحَمَاهُ مِنَ النَّباتِ الذي يَسُمُّه؟ مَن الذي هَدَى النَّحلَةَ لِتَبنِيَ بُيوتَها بِشَكلٍ سُداسِيٍّ هَندَسِيٍّ حَارَ فيهِ أَهبَرُ المُهَندِسِين، ثُمَّ تَسلُكَ سُبُلَ رَبِّها ذُلُلاً؟ مَن الذي هَدَى النَّملَةَ لِتَكسِرَ الحَبَّةَ نِصفَينِ كَي لا تَنبُتَ في الأَرضِ الرَّطبَة، وتَكسِرَ حَبَّةَ الكُزبَرَةِ أَربَعَةَ أَجزاءٍ لأنَّها تَنبُتُ إذا كُسِرَت نِصفَين؟!
أَهُوَ التَّطَوُّرُ الأَعمَى؟! أَهِيَ الطَّبِيعَةُ الصَّمَّاءُ التي لا تَسمَعُ ولا تَعقِل؟!
أَيُّ عَبَثٍ يَدَّعِيهِ المُلحِدُونَ حينَ يَنسِبُونَ كُلَّ هذا الإِتقانِ المُبهِرِ إلى الصُّدفَة! إنَّها يَدُ الهَادِي سُبحانَهُ التي تَشهَدُ عَلَيها كُلُّ دَابَّةٍ في الأَرضِ وكُلُّ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيه.
أمَّا المَرتَبَةُ الثَّانِيَة: فَهِيَ هِدايَةُ البَيانِ والدَّلالَةِ والإِرشاد؛ وهيَ التي جَعَلَها اللهُ حُجَّةً على الثَّقَلَين: الإنسِ والجِنّ، بإرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكُتُب، دَلَّهُم فيها على طَرِيقِ الخَيرِ مِن طَرِيقِ الشَّرّ. وهذِهِ الهِدايَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ بَشَر، مُؤمِنِهِم وكَافِرِهِم، كما قالَ تَعالى في شَأنِ مَن كَفَر: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾ [فصلت: 17]، أي: بَيَّنَّا لَهُم الحَقَّ وأوضَحناهُ لَهُم. وهيَ الهِدايَةُ التي أَثبَتَها اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِقَولِه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، أي: تَدُلُّ النَّاسَ وتُرشِدُهُم وتُبَيِّنُ لَهُم سَبِيلَ النَّجاة.
ثمَّ تَأتِي المَرتَبَةُ الثَّالِثَة، وهيَ قُرَّةُ عُيونِ المُؤمِنِين، وسِرُّ سَعادَتِهِم: هِدايَةُ التَّوفِيقِ والإِلهامِ والقَبُول؛ وهيَ أَن يَشرَحَ اللهُ الصَّدرَ لِلإِيمان، ويَجعَلَ القَلبَ مُنقادًا لِلحَقّ، طائِعًا مُخلِصًا. وهذِهِ الهِدايَةُ بِيَدِ اللهِ وَحدَهُ لا يَملِكُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرسَل؛ ولِذلكَ قالَ اللهُ لِحَبِيبِهِ ومُصطَفاهُ ﷺ حِينَ حَرِصَ على إيمانِ عَمِّهِ أبي طالِب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56].
فمَن ظَنَّ أَنَّهُ اهتَدَى بِذَكائِهِ، أو بِسَعَةِ عِلمِهِ، أو بِقُوَّةِ حُجَّتِهِ وَحدَها، فَقَد جَهِلَ نَفسَهُ وتَكَبَّرَ على رَبِّه؛ فالقُلُوبُ بَينَ أُصبُعَينِ مِن أَصابِعِ الرَّحمَنِ يُقَلِّبُها كَيفَ يَشاء.
وأمَّا المَرتَبَةُ الرَّابِعَة: فَهِيَ غَايَةُ المُشتَهَى ونِهايَةُ الرِّحلَة؛ هِدايَةُ أَهلِ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ يومَ القِيامَة، كما قالَ سُبحانَهُ في حَقِّ الشُّهَداءِ والأَبرار: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ • وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 5-6]، ويَومَ يَجتَمِعُ أَهلُ الفِردَوسِ في مَقاعِدِ الصِّدق، يَلهَجُونَ بالحَمدِ لِلهَادِي سُبحانَهُ الذي وَصَّلَهُم إلى دارِ كَرامَتِه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: 43].
أيُّها المُسلِمُون، إنَّ المَلاحِدَةَ الذينَ يُنكِرُونَ الخَالِقَ الهَادِي، يَقَعُونَ في مُفارَقَةٍ عَقلِيَّةٍ مُضحِكَةٍ مُبكِيَة؛ يَزعُمُونَ أَنَّهُم رِجالُ العَقلِ والبُرهان، وحِينَ تَسأَلُهُم: مَن الذي أَنشَأَ هذا العَقلَ الذي تُفَكِّرُونَ به؟ ومَن الذي بَرْمَجَ شَفْرَةَ الحِمضِ النَّوَوِيِّ في كُلِّ خَلِيَّةٍ بِمَلايِينِ المَعلُوماتِ الدَّقِيقَة؟! يَقُولُونَ لَكَ: الصُّدفَةُ والمادَّةُ الصَّمَّاء!
فيا لَعَجَبِ العُقُول! تَقبَلُونَ أَنَّ سَاعَةً مِعصَمِيَّةً دَقِيقَةً لا بُدَّ لها مِن صَانِعٍ حَكِيم، وتَقبَلُونَ أَنَّ كِتابًا لا يُمكِنُ أن تَنتَظِمَ كَلِماتُهُ بانفِجارٍ في مَطبَعَة، ثمَّ تَزعُمُونَ أَنَّ هذا الكَونَ بِأَفلاكِهِ، ومَدارَاتِ شُمُوسِهِ، وتَوازُنِ غَازاتِهِ، وتَركِيبِ الدِّماغِ البَشَرِيِّ الذي عَجَزَت عَن مُحاكاتِهِ أَعظَمُ حَواسِيبِ العالَم، قَد جَاءَ سُدًى وهَمَلًا بلا مُوجِدٍ ولا هَاد؟!
وقَد سَاقَ الإمامُ أبو حَنِيفَةَ رحمهُ الله مُناظَرَةً بَلِيغَةً لِجَماعَةٍ مِنَ المَلاحِدَةِ شَكُّوا في وُجُودِ اللهِ وهِدايَتِهِ لِخَلقِه؛ فجاءوهُ لِيُناظِرُوه، فجَلَسَ يَتَفَكَّرُ طَوِيلًا، فقالُوا لَه: ما لَكَ لا تَتَكَلَّم؟ فقالَ لَهُم بهُدُوءِ العَالِمِ الواثِق: «إنِّي أُفَكِّرُ في أَمرٍ حَدَّثُونِي عَنه؛ ذَكَرُوا أَنَّ سَفِينَةً في دِجلَةَ مَملُوءَةً مِن أَصنافِ التِّجارَاتِ والأَطعِمَة، تَسِيرُ وَحدَها وتَمخُرُ الأَمواج، وتَرسُو حَيثُ تَشاء، وتُفَرِّغُ حُمُولَتَها وَحدَها، ثُمَّ تَرجِعُ بلا رُبَّانٍ يَقُودُها ولا مَلَّاحٍ يُوَجِّهُها!»
فبُهِتَ القَومُ وضَحِكُوا وقالُوا: «يا أبا حَنِيفَة، أَجُنِنت؟! هذا كَلامٌ لا يَقبَلُهُ عَقل، ولا يُمكِنُ أَن يَكُونَ في الوُجُود!»
فهَزَّ الإمامُ رَأسَهُ وقالَ كَلِمَتَهُ التي سَحَقَت شُبْهَتَهُم: «يا سُبحانَ الله! عَجَزَت عُقُولُكُم أَن تَقْبَلَ سَفِينَةً صَغِيرَةً تَسِيرُ بِلا رُبَّان، وتَقبَلُونَ أَنَّ هذا العَالَمَ كُلَّهُ — بِسَمائِهِ وأَرضِهِ، وشَمسِهِ وقَمَرِه، وتَقَلُّبِ لَيلِهِ ونَهارِه، وتَسخِيرِ كائِناتِهِ — يَجرِي بلا صَانِعٍ ولا حَافِظٍ ولا هَادٍ حَكِيم؟!» فبُهِتَ الذينَ كَفَروا ورَجَعُوا إلى الحَقّ.
وذَكَرَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ رحمهُ اللهُ دَلِيلًا مِن أَلطَفِ الدَّلائِلِ حِينَ سُئِلَ عَنِ الدَّلِيلِ على وُجُودِ الخَالِقِ وهِدايَتِه؛ فالتَفَتَ إلى شَجَرَةٍ وأَخَذَ «وَرَقَةَ التُّوت»، فقال: «الدَّلِيلُ وَرَقَةُ التُّوت؛ طَعمُها واحِد، ولَونُها واحِد، ورَائِحَتُها واحِدة؛ يَأكُلُها دُودُ القَزِّ فيَخرُجُ حَرِيرًا، ويَأكُلُها النَّحلُ فيَخرُجُ عَسَلًا، وتَأكُلُها الشَّاةُ فيَخرُجُ لَبَنًا، ويَأكُلُها الغَزالُ فيَخرُجُ مِسكًا ذَفِرًا؛ فمَنِ الذي صَرَفَ هذِهِ المَادَّةَ الواحِدَةَ إلى هذِهِ الآثارِ المُختَلِفَةِ إلَّا الخَالِقُ الهَادِي سُبحانَه؟!».
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَمُوا أَنَّ الفِطرَةَ الإنسَانِيَّةَ مَجبُولَةٌ على مَعرِفَةِ الله؛ يقولُ النَّبيُّ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه).
فالإيمانُ أَصِيلٌ في النَّفس، والإلحادُ مَرَضٌ طَارِئ، وعُفُونَةٌ فِكرِيَّةٌ تَعرِضُ لِلعَقلِ حِينَ يَتَكَبَّرُ عَنِ الانقِيادِ لِفاطِرِه.
ولَو صَدَقَ هؤلاءِ المَلاحِدَةُ مَع أَنفُسِهِم، لَوَجَدُوا أَنَّ أَشَدَّهُم إنكارًا لِلهِ في حالِ الرَّخاء، يَفرَغُ قَلبُهُ مِن كُلِّ شُبُهاتِهِ إذا عَضَّهُ الأَلَمُ وأَحاطَت بهِ كُرَبُ المَوت، فيَصرُخُ باطِنُهُ قَبلَ ظاهِرِهِ مُستَغِيثًا بالقادِرِ الذي في السَّماء: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: 65].
فيا مَن حَفِظَ اللهُ قَلبَكَ بالإيمان، اشكُرِ الهَادِيَ الذي اجتَباك، فكَثيرٌ مِنَ النَّاسِ تاهُوا في دَهالِيزِ الفَلسَفاتِ العَقِيمَة، ورَزَقَكَ اللهُ طُمَأنِينَةَ الوَحيِ ونُورَ اليَقِين.
أقُولُ قَولِي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي ولَكُم ولِسائرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِرُوهُ إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكَفَى، وسَلامٌ على عِبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسُولُهُ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ على نَهجِهِ واقتَفَى.
أمَّا بعد:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولَى عَنِ اسْمِ اللهِ «الهَادِي»، ووَقَفنا مَع مَراتِبِ الهِدايَةِ الأَربَع: مِن هِدايَةِ الخَلقِ العَامَّةِ التي تَشهَدُ بها كُلُّ ذَرَّةٍ في الكَون، إلى هِدايَةِ البَيانِ بالوَحي، ثمَّ هِدايَةِ التَّوفِيقِ في القُلوب، وخِتامًا بِهِدايَةِ أَهلِ الجَنَّةِ إلى مَنازِلِ الرِّضوان. وبَيَّنَّا بِدَلائِلِ العَقلِ والفِطرَةِ تَهافُتَ دَعاوَى الإلحادِ وخَوَرِ شُبُهاتِ دُعاةِ الصُّدفَةِ والعَبَثِيَّة.
والسُّؤالُ العَمَلِيُّ الأَهَمُّ الذي يَجبُ أن نَخرُجَ بهِ مِن هذا الجَمعِ المُبارَك: كيفَ نَستَجلِبُ هِدايَةَ اللهِ لِقُلُوبِنا وأَهْلِينا ونَثبُتُ عَلَيها حتَّى نَلقَاه في زَمَنٍ كَثُرَت فيهِ الفِتَنُ والشُّبُهات؟
أُوصِيكُم بِخَمسِ وَصايا جامِعَة، مَن تَمَسَّكَ بِها ثَبَتَ على النُّور:
الأُولَى — وَصِيَّةٌ قَلبِيَّة: جَرِّدُوا الافتِقارَ والانكِسارَ بَينَ يَدَيِ الهَادِي سُبحانَه، واعلَمُوا أَنَّكُم لا تَستَغنُونَ عَن هِدايَتِهِ طَرفَةَ عَين؛ ولهذا فَرَضَ اللهُ عَلَينا أن نَسأَلَهُ الهِدايَةَ في كُلِّ رَكعَةٍ مِن صَلاتِنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. فاستَحضِرُوا هذا المَعنَى في صَلاتِكُم، ولا تَمُرَّ الآيَةُ على أَلسِنَتِكُم عادَةً بلا قَلب.
الثَّانِيَة — وَصِيَّةٌ لِسَانِيَّة: الزَمُوا دُعاءَ النَّبيِّ ﷺ العَظِيمَ في كُلِّ صَباحٍ ومَساء: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي» (رواه مسلم)، ودُعاءَهُ الجَامِع: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى» (رواه مسلم)؛ فَمَن أَلحَّ على اللهِ في طَلَبِ الهُدَى، لم يَرُدَّهُ خَائِبًا أبدًا.
الثَّالِثَة — وَصِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ فِعلِيَّة: أَقبِلُوا على كِتابِ اللهِ تِلاوَةً وتَدَبُّرًا؛ فالقُرآنُ هُوَ حَبلُ اللهِ المَمدُود، ومَنِ التَمَسَ الهُدَى في غَيرِهِ أَضَلَّهُ الله، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. اجعَل لِنَفسِكَ صَفحَاتٍ تَتَدَبَّرُها اللَّيلَة، فإِنَّ قَلبًا يَعِيشُ مَع الوَحيِ لا تَسحَبُهُ شُبُهاتُ المُشكِّكِين.
الرَّابِعَة — وَصِيَّةٌ اجتِمَاعِيَّةٌ أُسَرِيَّة: حَصِّنُوا أَبناءَكُم وبَناتِكُم مِن مَوجاتِ التَّشكِيكِ والإلحادِ التي تَغزُو هَواتِفَهُم؛ لا تَقْمَعُوا أَسئِلَتَهُم، بل أَجِيبُوا عَليها بالحِكمَةِ والعِلمِ والرِّفْق، أَجلِسُوهُم إلى مَجالِسِ العِلم، وعَرِّفُوهُم بِعَظَمَةِ الخَالِقِ وحِكمَتِهِ في خَلقِه، واجعَلُوا بُيُوتَكُم حُصُونًا لِلإِيمانِ لا مَراتِعَ لِلغَفلَة.
الخَامِسَة — وَصِيَّةٌ مَوضُوعِيَّة: اثبُتُوا على هذا الدِّينِ واعتَزُّوا به؛ فالحَقُّ أَبلَجُ والباطِلُ لَجلَج، وكُلُّ شُبهَةٍ يَطرَحُها المَلاحِدَةُ فإِنَّ في كِتابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ جَوابَها البَاتِر، قالَ سُبحانَه: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: 33].
فاتَّقُوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَمُوا أَنَّ التَّقوَى هِيَ مِفتاحُ نُورِ القُلُوبِ وبَصِيرَةِ النُّفُوس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: 29].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّمُوا على مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فقالَ جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبِيِّنا وحَبِيبِنا مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا هَادِيَ المُضِلِّين، ويا نُورَ السَّماواتِ والأَرض، اهْدِنا واهْدِ بنا واجعَلنا سَبَبًا لِمَنِ اهتَدَى.
اللَّهُمَّ أَرِنا الحَقَّ حَقًّا وارزُقنا اتِّباعَه، وأَرِنا الباطِلَ باطِلًا وارزُقنا اجتِنابَه.
اللَّهُمَّ ثَبِّت قُلُوبَنا على دِينِك، يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قُلُوبَنا على طاعَتِك.
اللَّهُمَّ اصْرِف عنَّا وعَن شَبابِنا وبَناتِنا شُبُهاتِ الإلحادِ والزَّيغِ والضَّلال، واجعَل في قُلُوبِهِم نُورًا، وفي أَسماعِهِم نُورًا، وفي أَبصارِهِم نُورًا.
اللَّهُمَّ رُدَّ الحَيارَى والتَّائِهينَ إلى دِينِكَ رَدًّا جَمِيلًا، واكشِف عَن بَصائِرِهِم غِشاوَةَ الشَّكِّ والغَفْلَة.
اللَّهُمَّ احفَظ بُيوتَنا مِنَ الفِتَن، وذُرِّيَّاتِنا مِنَ الانحِراف، ورَبِّ لَنا أَولادَنا على تَعظِيمِكَ ومَحَبَّتِك.
اللَّهُمَّ أصلِح أَحوالَ المُسلِمِينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج هُمُومَ المَهمُومِين، واقضِ الدَّينَ عَنِ المَدِينِين، واشفِ مَرضانا ومَرضَى المُسلِمِين، وارحَم مَوتانا ومَوتَى المُؤمِنِين.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذكُركُم، واشكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعُون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
🕌 اسمُ اللهِ «الهَادِي»... وبَراهِينُ النُّورِ في زَمَنِ الحَيْرَةِ والإِلْحَاد
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.