🕌 اسم الله القريب: أُنس القلب عند شعوره بالوحدة
#خطبة_جمعة #أسماء_الله_الحسنى #القريب #الوحدة #الطمأنينة #عقيدة #رقائق
الحمدُ للهِ الذي قَرُبَ من خَلقِه بعِلمِه ولُطفِه، وأحاطَ بهم بقُدرَتِه وقَهرِه، يَسمَعُ أنينَ المُتأَلِّمين، ويَرى دُموعَ المُنكَسِرين، ويَجبُرُ قُلوبَ المُستَوحِشين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً نَرجو بها القُربَ من رَحمَتِه يومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أقرَبُ الخَلقِ إلى اللهِ مَنزِلَةً، وأعظَمُهم له خَشيَةً، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ:
تَخيَّلوا معي رَجُلاً يَجلسُ في غُرفةٍ مُزدَحِمةٍ بالناس. الأَصواتُ تَحفُّهُ من كلِّ جانِب، والوُجوهُ تُحيطُ به عن يَمينِه وشِمالِه، والهواتِفُ تَرِنُّ، والشاشاتُ تُضيء... ومع ذلك كلِّه؛ يَشعُرُ في أَعماقِ صَدرِه أنَّهُ وَحيد. وَحيدٌ وِحدَةً مُوحِشَة، كأنَّهُ في صَحراءَ لا نِهايَةَ لها. يَبتَسِمُ لهم، لكنَّ أحَدًا لا يَرى الانكِسارَ الذي يُخفيه. يَتحدَّثُ معهم، لكنَّ أحَدًا لا يَسمَعُ صَرخَةَ رُوحِه.
هذه لَيست مُجرَّدَ قِصَّةٍ خَياليَّة، بل هي واقِعٌ يَعيشُهُ الكَثيرونَ مِنَّا اليوم. في عَصرٍ اشتَبَكَت فيهِ الاتِّصالات، تَباعدَت فيه القُلوب، وتَضَخَّمَ شُعورُ الإنسانِ بالعُزلَة. فما هو العِلاج؟ ما هو الدَّواءُ الذي يُطفِئُ نارَ هذه الوَحشَة؟ العِلاجُ — يا عِبادَ الله — مَوجودٌ في اسمٍ من أسماءِ اللهِ الحُسنى؛ اسمٍ نَقرؤُهُ كَثيرًا، لكنَّنا نَغفُلُ عن التَّدَثُّرِ بدِفئِه. إنَّهُ اسمُ اللهِ "القَريب".
أَيُّها الإخوةُ الأَحِبَّة، سَأَبدأُ معكم اليومَ بسُؤالٍ — وأُريدُكُم أن تُفَكِّروا فيهِ لَحظَةً: متى آخِرُ مَرَّةٍ شَعَرتَ فيها أنَّ اللهَ قريبٌ مِنك؟ ليسَ قُربًا نَظَريًّا تَقرؤُهُ في الكُتُب، بل قُربًا حَقيقيًّا شَعَرتَ بهِ في نَبَضاتِ قَلبِك؟ متى دَعَوتَهُ فَأَحسَستَ أنَّهُ يَسمَعُ هَمسَكَ في الحال؟
يَقُولُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى في مُحكَمِ كِتابِه، في آيَةٍ تَتَساقَطُ لها القُلوبُ شَوقًا ومَحبَّة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة: 186].
تَأمَّلوا... اللهُ عَزَّ وجَلَّ لم يَقُل "فَقُلْ إنِّي قَريب". في آياتٍ أُخرى يَقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم...﴾، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾. دائمًا هُناكَ "قُل"، جَعلَ النَّبيَّ ﷺ واسِطَةً في التَّبليغ. إلَّا في الدُّعاءِ والقُرب! حَذَفَ الواسِطَة، وألغى المَسافَة، وقالَ مُباشَرَةً: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾. اللهُ أكبَر! أيُّ جَلالٍ وأيُّ جَمالٍ في هذا التَّقَرُّبِ الإلهيِّ لِعِبادِه الضعفاء!
وهذا القُربُ الإلهيُّ، كما قَرَّرَ عُلَماؤُنا، على نَوعَين: قُربٌ عامٌّ بِعِلمِه وقُدرَتِه وإحاطَتِه بِكُلِّ خَلقِه، كما قال سُبحانَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق: 16]. وقُربٌ خاصٌّ، وهو قُربُ اللُّطفِ والمَحبَّةِ والنُّصرَةِ والإجابَة، وهذا لا يَكونُ إلَّا للمُؤمِنين، كما قال جلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [سورة هود: 61].
أَيُّها المُسلِمون، انظُروا إلى حالِنا اليوم. نَحنُ في زَمَنٍ يَبحَثُ فيه النَّاسُ عن القُربِ المُزَيَّف. نَجمَعُ الأَصدِقاءَ في مَواقِعِ التَّواصُلِ بالآلاف، نَنتَظِرُ إعجابًا من هُنا، وتَعليقًا من هُناك، نُصَوِّرُ لَحَظاتِ حَياتِنا لِيَراها النَّاس، لِماذا؟ لأنَّ في أعماقِنا جُوعًا للقُرب، وعَطَشًا للاهتِمام. لكنَّ النَّاسَ مَشغولونَ بأنفُسِهم. والنَّاسُ يُمِلُّونَ كَثرَةَ الشَّكوى. والإنسانُ، مَهما أَعطاكَ من وَقتِه، فإنَّهُ يَعجِزُ عن فَهمِ كُلِّ ما يَدورُ في خَلَجاتِ صَدرِك.
يَقولُ الإمامُ ابنُ القَيِّم رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَةً تَكتُبُ بماءِ الذَّهَب: "في القَلبِ شَعَثٌ لا يَلُمُّهُ إلَّا الإقبالُ على الله، وفيهِ وَحشَةٌ لا يُزيلُها إلَّا الأُنسُ به، وفيهِ حُزنٌ لا يُذهِبُهُ إلَّا السُّرورُ بِمَعرِفَتِه، وفيهِ فاقَةٌ لا يَسُدُّها إلَّا صِدقُ اللَّجَأِ إليه".
نَعَم يا عِبادَ الله، صِدقُ اللَّجَأِ إلى "القَريب".
ألا تَتَفَكَّرونَ في قِصَّةِ أَعظَمِ وِحدَةٍ في التَّاريخ؟
لَيسَت وِحدَةً في غُرفَة، ولا في سِجن. بَل في ثَلاثِ ظُلُماتٍ مُتَراكِبَة. نَبيُّ اللهِ يونُسُ عليهِ السَّلام، يَجِدُ نَفسَهُ فَجأَةً في قاعِ المُحيط المظلم، في جَوفِ حوتٍ عِملاق، في زَوفِ اللَّيلِ البَهيم. أيُّ شُعورٍ بالوَحشَةِ هذا؟ أيُّ انقِطاعٍ عن العالَم؟ لا هاتفَ يَعمَل، لا بَشَرَ يَسمَع، لا ضَوءَ يُرى. مُحاطٌ بأحماضِ بَطنِ الحوتِ وأهوالِ البَحر. ماذا فَعَل؟ هل استَسلَمَ لليَأس؟
استَحضَرَ اسمَ اللهِ "القَريب". صَرَخَ بكلمةٍ وَصَلَت إلى سابِعِ سَماءٍ قَبلَ أن يَرى شَيئًا. يَقولُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 87].
لاحظوا السُّرعَةَ في الاستِجابَة، جاءَ حَرفُ الفاءِ الفَوريِّ مُباشَرَةً: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 88].
قالَ بَعضُ السَّلَفِ مُتَأمِّلًا في هذا المَشهَد: "كانَ يونُسُ في بَطنِ الحوتِ أقرَبَ إلى اللهِ منهُ حينَ كانَ على الأرض". لِماذا؟ لأنَّ انقِطاعَهُ عن الخَلقِ جَعلَهُ لا يَرى إلَّا الخالِق.
وكَذَلِكَ نَبيُّنا ﷺ، في لَحظَةٍ طارَدَهُ فيها العالَمُ كُلُّه. قُرَيشٌ تَبحَثُ عَنه، والمُشرِكونَ وَقَفوا على بابِ غارِ ثَور. أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضيَ اللهُ عنه يَلتَفِتُ يَمينًا وشِمالًا، ويَقولُ بِصَوتٍ يَرتَجِفُ إشفاقًا على نَبيِّهِ: يا رَسولَ الله، لو أنَّ أحَدَهم نَظَرَ إلى مَوضِعِ قَدَمَيهِ لَأَبصَرَنا!
ماذا كانَ رَدُّ "المُوقِنِ بالقَريب" ﷺ؟
قالَ كَلِمَةً زَلزَلَت الخَوفَ في قَلبِ صاحِبِه: «يا أبا بَكرٍ، ما ظَنُّكَ باثنَينِ اللهُ ثالِثُهُما؟» (متفق عليه).
وسَطَّرَ اللهُ هذا المَوقِفَ قُرآنًا يُتلى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: 40].
إخواني في الله، هل سَأَلتُم أنفُسَكُم يَومًا: كَيفَ نَعيشُ هذا القُرب؟ كيفَ أجعَلُ المَسافَةَ بَيني وبَينَ رَبِّي مَعدومَة؟
الجوابُ في حَرَكَةٍ بَسيطَةٍ تَفعَلُها كُلَّ يَوم، لكنَّكَ رُبَّما غَفَلتَ عن سِرِّها.
واسمَعوا لهذا الحَديثِ العَظيم، الذي إذا تأمَّلتُموهُ لَن تَبقى صَلاتُكُم كما كانت. يقولُ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أَقرَبُ ما يَكونُ العَبدُ من رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، فَأَكثِروا الدُّعاء» (رواه مسلم).
تَأمَّلوا المِفارقَةَ العَجيبَة! السُّجودُ هو غايَةُ النُّزولِ إلى الأرض، وتَعفيرُ الجَبهَةِ بالتُّراب، ومع ذَلِكَ هو أقرَبُ مَسافَةٍ إلى العَرش! كُلَّما انخَفَضتَ للهِ وتَواضَعتَ له، كُلَّما ارتَفَعتَ واقتَرَبتَ منه. السُّجودُ لَيسَ حَرَكَةً رياضيَّةً، بَل هو التِصاقٌ بأَعتابِ القَريب. ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ [سورة العلق: 19].
إنَّ من أعظَمِ مآسينا اليوم، أنَّ أحَدَنا يَحزَن، فيَرفَعُ سَمَّاعَةَ الهاتِفِ ويُكَلِّمُ صَديقَهُ ساعَتَين، يَشكو لهُ هَمَّه، ولا يَجِدُ إجابَةً تُريحُه. يَكتُبُ في مَواقِعِ التَّواصُلِ كَلِماتِ الحُزن، يَنتَظِرُ المُواساةَ من شاشَةٍ بارِدَة. ونَسيَ أنَّ سَجدَةً واحِدَةً في غُرفَةٍ مُظلِمَة، تُريقُ فيها دَمعَةً لا يَراها إلَّا الله، كافِيَةٌ أن تَغسِلَ قَلبَكَ وتَجبُرَ كَسرَك.
أَيُّها الأَحِبَّة، إنَّ اللهَ جَلَّ جَلالُهُ يُحِبُّ أن تَسمَعَهُ صَوتَك. يُحِبُّ أن تُناجِيَه. خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ يَومًا في سَفَر، فَرَفَعَ الصَّحابَةُ أصواتَهم بالدُّعاءِ والتَّكبيرِ جِدًّا، فَقالَ لَهُم النَّبيُّ ﷺ، مُذَكِّرًا إيَّاهم بحَقيقَةِ القُربِ الإلهيِّ: «أيُّها النَّاسُ، اربَعوا على أنفُسِكُم — أي ارفِقوا بِها —، فإنَّكُم لا تَدعُونَ أَصَمَّ ولا غائِبًا، إنَّهُ مَعَكُم، إنَّهُ سَميعٌ قَريب، إنَّ الَّذي تَدعُونَهُ أقرَبُ إلى أحَدِكُم من عُنُقِ راحِلَتِه» (متفق عليه).
يا لَعَظَمَةِ هذا الدِّين! ويا لَرَحمَةِ هذا الرَّبِّ الكَريم! إلهٌ عَظيمٌ مَجيدٌ استَوى على عَرشِه، بيَدِهِ مَقاليدُ السَّماواتِ والأرض، ومع ذَلِكَ هو أقرَبُ إليكَ من نَفسِك. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [سورة الأنعام: 59]. فإذا كانَ يَعلَمُ حالَ وَرَقَةٍ يابِسَةٍ سَقَطَت في غابَةٍ مُظلِمَة، أَيَخفى عَليهِ دَمعٌ سَقَطَ من عَينِكَ المَهمومَة؟ أيَخفى عليهِ أنينُ قَلبِكَ وأنتَ تَتَقَلَّبُ على فِراشِك؟
لا والله، لا يَخفى. وفي الحَديثِ القُدسيِّ الذي يُذيبُ القُلوبَ القاسيَة، يَقولُ اللهُ تَعالى: «أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي، وأنا مَعَهُ إذا ذَكَرَني، فَإن ذَكَرَني في نَفسِهِ ذَكَرتُهُ في نَفسي، وإن ذَكَرَني في مَلَأٍ ذَكَرتُهُ في مَلَأٍ خَيرٍ مِنهُم، وإن تَقَرَّبَ إلَيَّ بِشِبرٍ تَقَرَّبتُ إلَيهِ ذِراعًا، وإن تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبتُ إلَيهِ باعًا، وإن أتاني يَمشي أتَيتُهُ هَروَلَةً» (متفق عليه).
هذا رَبُّكُم يَتَوَدَّدُ إليكُم. فما بالُنا نُدبِرُ عَنه؟ المَرءُ يَهَرُبُ ممَّن يَخافُه، إلَّا الله؛ كُلَّما خِفتَهُ هَرَبتَ إلَيه، وكُلَّما استَوحَشتَ من النَّاسِ أَنِستَ بِقُربِه.
فَمَن وَجَدَ اللهَ... فماذا فَقَد؟
ومَن فَقَدَ اللهَ... فماذا وَجَد؟
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، القَريبُ المُجيب، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، أكرَمُ خَلقِهِ عَليه، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ:
عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عن مَعنى اسمِ اللهِ "القَريب"، وكَيفَ أنَّهُ سُبحانَهُ المَلاذُ في زَمَنِ العُزلَةِ والوَحشَة، ووَقَفنا مَعَ قِصَّةِ يُونُسَ عليهِ السَّلام في بَطنِ الحوت، وكَيفَ أنَّ السُّجودَ هو المَسافَةُ الأَقصَرُ للوُصولِ إلَيهِ سُبحانَه. والآن، نَحنُ أمامَ السُّؤالِ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا القُربَ إلى واقِعٍ في حَياتِنا؟ كَيفَ نَخرُجُ من هذا المَسجِدِ وقَد تَغَيَّرَ تَعامُلُنا مَعَ الله؟
فأوصيكُم وأوصي نَفسي بخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ من مِنبَري، لِتَكونَ زادًا لِقُلوبِكُم:
الأولى (قَلبيَّة): استَحضِروا اليَقينَ الكامِلَ أنَّ اللهَ يَرى قُلوبَكُم ويَسمَعُ ضَجيجَها قَبلَ أن تَنطِقَ ألسِنَتُكُم. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [سورة ق: 16]. لا تَحزَن إن لم يَفهَمكَ النَّاس؛ يَكفيكَ أنَّ القَريبَ يَعلَمُ خائِنَةَ الأَعيُنِ وما تُخفي الصُّدُور.
الثانية (لِسانيَّة): اجعَلوا لَكُم مَعَ اللهِ "مُناجاةً" في خَلوَة. في ظُلمَةِ اللَّيل، حَدِّثُوهُ كما تُحَدِّثونَ أقرَبَ أقرِبائِكُم، أخبِرُوهُ بِمَخاوِفِكُم، ضَعفِكُم، وآمالِكُم. قال النَّبيُّ ﷺ: «يَنزِلُ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى كُلَّ لَيلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنيا، حينَ يَبقى ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِر، يَقول: مَن يَدعوني فَأَستَجيبَ لَه؟ مَن يَسأَلُني فَأُعطِيَه؟ مَن يَستَغفِرُني فَأَغفِرَ لَه؟» (متفق عليه). فهل يَعقِلُ أن يَنزِلَ القَريبُ إلَيك، وأنتَ نائِمٌ أو غافِلٌ عَنه؟ الليلةَ، اختَلِ بِهِ ولَو لِخَمسِ دَقائق.
الثالثة (عَمَليَّة): أطيلوا السُّجودَ، ولا تَستَعجِلوا الرَّفعَ مِنه. إذا سَجَدتَ، فَاستَشعِر أنَّكَ ألقَيتَ حُمولَ الدُّنيا عن كَتِفَيكَ بَينَ يَدَي مَن بِيَدِهِ المَلَكوت. كُلَّما زادَت هُمومُك، طَوِّل سَجدَتَك. السُّجودُ مِعراجُ الأرواح المُتعَبَة.
الرابعة (اجتماعيَّة): إن أرَدتُم قُربَ الله، فَاقتَرِبوا من الضُّعَفاءِ والمُنكَسِرين. تَقَرَّبوا لليَتيم، والمِسكين، والأرمَلَة، والمَريض. قال النَّبيُّ ﷺ: «هَل تُنصَرونَ وتُرزَقونَ إلَّا بِضُعَفائِكُم؟» (رواه البخاري). مَن جَبَرَ كَسرَ مَخلوقٍ، جَبَرَ الخالِقُ القَريبُ كَسرَه، وأَذْنَبَهُ من رَحمَتِه.
الخامسة (موضوعيَّة): أيُّها الشَّاب، أيُّها المُسلِم... إن دَعَتكَ نَفسُكَ لِمَعصِيَةٍ في السِّرِّ، وخَلَوتَ بِشاشَةِ هاتِفِكَ أو في غُرفَتِك، فتَذَكَّر اسمَهُ "القَريب". قُل لِنَفسِك: كَيفَ أَعصيهِ وهو يَراني؟ كَيفَ أجعَلُهُ أهوَنَ النَّاظِرينَ إلَيَّ وهو أقرَبُ إلَيَّ من نَبضِ وَريدي؟ المَعصيَةُ في الخَلوَةِ تُبعِدُك، والتَّوبَةُ مِنها تُقرِّبُك.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ مَن تَقَرَّبَ إلى اللهِ بالرِّضا، تَقَرَّبَ اللهُ إلَيهِ بالجَزاءِ والأُنس.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عَليه، عَمَلًا بِقَولِ القَريبِ المُجيب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلِّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهم بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يا قَريبُ يا مُجيب، يا سَميعُ يا بَصير، إنَّا نَقِفُ بَينَ يَدَيكَ مُقِرِّينَ بِضَعفِنا فاجبُر كَسرَنا.
اللَّهُمَّ آنِس وَحشَتَنا بِقُربِك، واجعَلنا مِمَّن إذا دَعاكَ أجَبتَه، وإذا سَألَكَ أعطَيتَه، وإذا استَغفَرَكَ غَفَرتَ لَه.
اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا من التَّعَلُّقِ بِغَيرِك، واجعَل أُنسَنا في سُجودِنا بَينَ يَدَيك، واجعَل القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا ونُورَ صُدورِنا وجَلاءَ أحزانِنا.
اللَّهُمَّ إنَّ في قُلوبِنا حاجاتٍ لا يَعلمُها إلَّا أنت، فَاقضِها لَنا يا قاضِيَ الحاجات، ونَفِّس كُرَبَ المَكروبين، واشفِ مَرضانا ومَرضى المُسلِمين.
اللَّهُمَّ ارزُقنا القُربَ مِنكَ في الدُّنيا بالطَّاعَة، وفي الآخِرَةِ بالنَّظَرِ إلى وَجهِكَ الكَريمِ في جَنَّاتِ النَّعيم.
اللَّهُمَّ انصُر عِبادَكَ المُستَضعَفينَ المَظلومينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ اربُط على قُلوبِهم، وأطعِم جائِعَهم، وآمِن خائِفَهم، وكُن لَهُم ناصِرًا ومُعينًا، يا قَويُّ يا عَزيز.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
مختارات للخطيباسم الله القريب: أُنس القلب عند شعوره بالوحدة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.