القَبرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ فِي رِحلَةِ الرُّوحِ وَسُؤَالِ المَلَكَينِ وَتَمَنِّي الرُّجُوعِ بَينَ حَسرَةِ الغَافِلِينَ وَشَوقِ المُجَاهِدِينَ
الحَمدُ للهِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالبَقَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالكِبرِيَاءْ، وَكَتَبَ عَلَى جَمِيعِ خَلقِهِ المَوتَ وَالفَنَاءْ، وَجَعَلَ القُبُورَ بَرزَخًا بَينَ دَارِ العَمَلِ وَالابتِلَاءِ وَدَارِ الحِسَابِ وَالجَزَاءْ، فَهِيَ إِمَّا رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجِنَانِ لِأَهلِ الإِيمَانِ وَالتَّقوَى وَالوَفَاءْ، وَإِمَّا حُفرَةٌ مِن حُفَرِ النِّيرَانِ لِأَهلِ الكُفرِ وَالعِصيَانِ وَالشَّقَاءْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ حَمدَ مَنِ استَعَدَّ لِيَومِ الرَّحِيلِ وَاللِّقَاءْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الحَيُّ القَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَالإِنسُ وَالجِنُّ يَمُوتُونَ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَنصَحُ الخَلقِ لِلخَلقِ، وَأَعظَمُهُم تَذكِيرًا بِهَادِمِ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقِ الجَمَاعَاتْ، وَقَفَ عَلَى شَفِيرِ القَبرِ فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى مِن دُمُوعِهِ الزَّكِيَّاتْ، وَنَادَى فِي أَصحَابِهِ وَأُمَّتِهِ: «يَا إِخوَانِي لِمِثلِ هَذَا فَأَعِدُّوا» قَبلَ فَوَاتِ الأَوقَاتْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ السَّابِقِينَ إِلَى الخَيرَاتِ وَالبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ البَعثِ وَالنُّشُورِ مِنَ الأَجدَاثِ وَالرُّفَاتْ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا القُلُوبُ الغَافِلَةُ فِي سَكرَةِ الدُّنيَا، وَيَا أَيُّهَا الأَروَاحُ السَّائِرَةُ فِي كُلِّ نَفَسٍ وَطَرفَةِ عَينٍ إِلَى مَصِيرِهَا المَحتُومِ:
أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ الخَاطِئَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالتَّزَوُّدِ لِسَفَرٍ طَوِيلٍ لَا مَفَرَّ مِنهُ وَلَا مَحِيصَ عَنهُ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ: حَدِيثُنَا اليَومَ لَيسَ حَدِيثًا عَن قُصُورِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ، وَلَا عَن أَسوَاقِهَا الصَّاخِبَةِ، وَلَا عَن أَموَالِهَا وَمَنَاصِبِهَا الزَّائِلَةِ؛ بَل حَدِيثُنَا اليَومَ عَن ذَلِكَ البَيتِ المَهِيبِ الَّذِي يُبنَى بِلَا نَوَافِذَ وَلَا أَبوَابٍ، وَيُفرَشُ بِالحَصبَاءِ وَالتُّرَابِ، وَيَدخُلُهُ المَلِكُ وَالمَملُوكُ، وَالغَنِيُّ وَالفَقِيرُ، وَالصَّحِيحُ وَالسَّقِيمُ، وَالطَّائِعُ وَالعَاصِي، فَرْدًا وَحِيدًا فِي خِرقَةٍ بَيضَاءَ لَا يَصحَبُهُ فِيهَا إِلَّا عَمَلُهُ! إِنَّهُ «القَبرُ: أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ أَيقَظَ القُرآنُ الكَرِيمُ القُلُوبَ اللاهِيَةَ بِهَذِهِ الصَّيحَةِ المَدَوِّيَةِ فِي مَطلَعِ سُورَةِ التَّكَاثُرِ حِينَ قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾! سَمَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ دُخُولَ القُبُورِ «زِيَارَةً»؛ لِأَنَّ الزَّائِرَ لَا يُقِيمُ فِي مَوضِعِ زِيَارَتِهِ أَبَدًا، بَل هُوَ عَابِرٌ مِنهُ إِلَى دَارِ الخُلُودِ وَالقَرَارِ، كَمَا قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ يُذَكِّرُ الإِنسَانَ بِأَطوَارِ وُجُودِهِ وَنِهَايَةِ غُرُورِهِ فِي سُورَةِ عَبَسَ: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾!
وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن هَانِئٍ مَولَى عُثمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كَانَ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبرٍ بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحيَتَهُ! فَقِيلَ لَهُ: تُذكَرُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبكِي، وَتَبكِي مِن هَذَا؟ فَقَالَ ذُو النُّورَينِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ القَبرَ أَوَّلُ مَنزِلٍ مِن مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِن نَجَا مِنهُ فَمَا بَعدَهُ أَيسَرُ مِنهُ، وَإِن لَم يَنجُ مِنهُ فَمَا بَعدَهُ أَشَدُّ مِنهُ»، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَا رَأَيتُ مَنظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالقَبرُ أَفظَعُ مِنهُ»!
يَا للهِ! عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ الَّذِي تَستَحِي مِنهُ مَلَائِكَةُ الرَّحمَنِ، وَالَّذِي بَشَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالجَنَّةِ مِرَارًا، يَقِفُ عَلَى حَافَّةِ القَبرِ فَتَنهَمِرُ دُمُوعُهُ حَتَّى تَبتَلَّ لِحيَتُهُ الشَّرِيفَةُ؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ القَبرَ هُوَ العَقَبَةُ الأُولَى، وَالبَوَّابَةُ الفَاصِلَةُ؛ مَن أُكرِمَ فِيهِ وَفُسِحَ لَهُ فِيهِ فَقَد فازَ وَأَفلَحَ وَسَهُلَ عَلَيهِ الحَشرُ وَالحِسَابُ وَالصِّرَاطُ، وَمَن خُذِلَ فِيهِ وَضُيِّقَ عَلَيهِ فِيهِ فَمَا بَعدَهُ مِن أَهوَالِ القِيَامَةِ وَسَلَاسِلِ الجَحِيمِ أَشَدُّ وَأَفظَعُ!
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّمَا القَبرُ رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، أَو حُفرَةٌ مِن حُفَرِ النَّارِ». وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن بُرَيدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «كُنتُ نَهَيتُكُم عَن زِيَارَةِ القُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ»!
وَانظُرُوا كَيفَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رِضوَانُ اللهِ عَلَيهِم يَعِيشُونَ هَيبَةَ القَبرِ فِي قُلُوبِهِم:
خَرَجَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَومًا إِلَى مَقَابِرِ الكُوفَةِ، فَوَقَفَ عَلَى القُبُورِ وَنَادَى بِصَوتٍ حَزِينٍ يَخلَعُ القُلُوبَ: «يَا أَهلَ القُبُورِ، يَا أَهلَ الدِّيَارِ المُوحِشَةِ، وَالمَحَالِّ المُقفِرَةِ، وَالظُّلمَةِ المُطبِقَةِ: مَا الخَبَرُ عِندَكُم؟ أَمَّا الخَبَرُ عِندَنَا: فَإِنَّ الأَموَالَ قَد قُسِمَت، وَإِنَّ الدِّيَارَ قَد سُكِنَت، وَإِنَّ الأَزوَاجَ قَد نُكِحَت! هَذَا خَبَرُ مَا عِندَنَا، فَمَا خَبَرُ مَا عِندَكُم؟»، ثُمَّ التَفَتَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى أَصحَابِهِ وَهُوَ يَبكِي وَقَالَ: «أَمَا وَاللهِ لَو أُذِنَ لَهُم فِي الكَلَامِ لَقَالُوا: إِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى»!
وَكَانَ الخَلِيفَةُ الزَّاهِدُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ يَجمَعُ العُلَمَاءَ فِي كُلِّ لَيلَةٍ فَيَتَذَاكَرُونَ المَوتَ وَالقَبرَ وَالقيَامَةَ ثُمَّ يَبكُونَ كَأَنَّ بَينَ أَيدِيهِم جِنَازَةً! وَقَالَ يَومًا لِأَحدِ جُلَسَائِهِ: «يَا فُلَانُ، لَو رَأَيتَ المَيِّتَ بَعدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي قَبرِهِ لَاستَوحَشتَ مِن قُربِهِ بَعدَ طُولِ الأُنسِ بِهِ؛ لَرَأَيتَ بَيتًا تَجُولُ فِيهِ الهَوَامُّ، وَيَجرِي فِيهِ الصَّدِيدُ، وَتَختَرِقُهُ الدِّيدَانُ، مَعَ تَغَيُّرِ الرِّيحِ وَبِلَى الأَكفَانِ، بَعدَ حُسنِ الهَيئَةِ، وَطِيبِ الرِّيحِ، وَنَقَاءِ الثَّوبِ!»، ثُمَّ شَهَقَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ شَهقَةً وَخَرَّ مَغشِيًّا عَلَيهِ!
وَكَانَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ لِنَفسِهِ: «وَيحَكَ يَا يَزِيدُ! مَن يُصَلِّي عَنكَ بَعدَ المَوتِ؟ مَن يَصُومُ عَنكَ بَعدَ المَوتِ؟ مَن يَترَضَّى عَنكَ رَبَّكَ بَعدَ المَوتِ؟ أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَا تَبكُونَ وَتَنُوحُونَ عَلَى أَنفُسِكُم بَاقِيَ حَيَاتِكُم؟ مَنِ المَوتُ طَالِبُهُ، وَالقَبرُ بَيتُهُ، وَالتُّرَابُ فِرَاشُهُ، وَالدُّودُ أَنِيسُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَنتَظِرُ الفَزَعَ الأَكبَرَ، كَيفَ يَكُونُ حَالُهُ؟».
وَوَقَفَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى شَفِيرِ قَبرٍ بَعدَ أَن دُفِنَ صَاحِبُهُ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ: «يَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَمرًا هَذَا آخِرُهُ لَحَقِيقٌ أَن يُزهَدَ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنَّ أَمرًا هَذَا أَوَّلُهُ لَحَقِيقٌ أَن يُخَافَ آخِرُهُ»!
وَللهِ دَرُّ الإِمَامِ زَينِ العَابِدِينَ عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ وَمَن نُسِبَت إِلَيهِ تِلكَ الأَبيَاتُ الوعظِيَّةُ الَّتِي تَهُزُّ أَركَانَ القُلُوبِ هَزًّا:
لَيسَ الغَرِيبُ غَرِيبَ الشَّامِ وَاليَمَنِ ... إِنَّ الغَرِيبَ غَرِيبُ اللَّحدِ وَالكَفَنِ
سَفَرِي بَعِيدٌ وَزَادِي لَن يُبَلِّغَنِي ... وَقُوَّتِي ضَعُفَت وَالمَوتُ يَطلُبُنِي
وَلِي بَقَايَا ذُنُوبٍ لَستُ أَعلَمُهَا ... اللهُ يَعلَمُهَا فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ
أَنَا الَّذِي أَغلَقَ الأَبوَابَ مُجتَهِدًا ... عَلَى المَعَاصِي وَعَينُ اللهِ تَنظُرُنِي
يَا زَلَّةً كُتِبَت فِي غَفلَةٍ ذَهَبَت ... يَا حَسرَةً بَقِيَت فِي القَلبِ تُحرِقُنِي
فَيَا لَيتَ شِعرِي كَيفَ الحَالُ حِينَ يُقَا ... لُ قَد أُدرِجَ المَيتُ فِي الأَثوَابِ وَالكَفَنِ
وَقَد أَتَوا بِطَبِيبٍ كَي يُعَالِجَنِي ... وَلَم أَرَ الطِّبَّ هَذَا اليَومَ يَنفَعُنِي
وَقَامَ مَن كَانَ حِبَّ النَّاسِ فِي عَجَلٍ ... نَحوَ المُغَسِّلِ يَأتِينِي يُغَسِّلُنِي
وَحَمَّلُونِي عَلَى الأَكتَافِ أَربَعَةٌ ... مِنَ الرِّجَالِ وَخَلفِي مَن يُشَيِّعُنِي
وَقَدَّمُونِي إِلَى المِحرَابِ وَانصَرَفُوا ... خَلفَ الإِمَامِ فَصَلَّى ثُمَّ وَدَّعَنِي
صَلَّوا عَلَيَّ صَلَاةً لَا رُكُوعَ لَهَا ... وَلَا سُجُودَ لَعَلَّ اللهَ يَرحَمُنِي
وَأَنزَلُونِي إِلَى قَبرِي عَلَى مَهَلٍ ... وَقَدَّمُوا وَاحِدًا مِنهُم يُلَحِّدُنِي
وَكَشَّفَ الثَّوبَ عَن وَجهِي لِيَنظُرَنِي ... وَأَسبَلَ الدَّمعَ مِن عَينَيهِ أَغرَقَنِي
فَقَامَ مُحتَزِمًا بِالعَزمِ مُشتَمِلًا ... وَصَفَّفَ اللَّبِنَ مِن فَوقِي وَفَارَقَنِي
وَقَالَ هُلُّوا عَلَيهِ التُّربَ وَاغتَنِمُوا ... حُسنَ الثَّوَابِ مِنَ الرَّحمَنِ ذِي المِنَنِ
وَانصَرَفَ النَّاسُ وَالأَهلُونَ قَد رَجَعُوا ... يَقتَسِمُونَ تُرَاثِي بَعدَمَا دُفِنِي!
أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: مَاذَا يَحدُثُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ الرَّهِيبَةِ؟ كَيفَ تُقبَضُ الرُّوحُ؟ وَكَيفَ تَصعَدُ إِلَى السَّمَاءِ؟ وَكَيفَ تَعُودُ إِلَى الجَسَدِ فِي القَبرِ؟ وَكَيفَ يَأتِي المَلَكَانِ لِلسُّؤَالِ؟ وَمَا حَالُ أَهلِ الإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَمَا حَالُ أَهلِ الكُفرِ وَالعِصيَانِ؟
تَعَالَوا لِنَسمَعَ هَذِهِ الرِّحلَةَ الغَيبِيَّةَ المُذهِلَةَ بِلِسَانِ مَن لَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ الصَّحِيحِ المَشهُورِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابنُ مَاجَه وَالحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ:
خَرَجنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ، فَانتَهَينَا إِلَى القَبرِ وَلَمَّا يُلحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُستَقبِلَ القِبلَةِ، وَجَلَسنَا حَولَهُ وَكَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنكُتُ فِي الأَرضِ، فَجَعَلَ يَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ وَيَنظُرُ إِلَى الأَرضِ، وَجَعَلَ يَرفَعُ بَصَرَهُ وَيُصَوِّبُهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «استَعِيذُوا بِاللهِ مِن عَذَابِ القَبرِ» مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ القَبرِ» ثَلَاثًا!
ثُمَّ بَدَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَسرُدُ لَنَا رِحلَةَ الرُّوحِ مُنذُ لَحظَةِ الاحتِضَارِ إِلَى مَا بَعدَ الدَّفنِ وَالسُّؤَالِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن حَالِ العَبدِ المُؤمِنِ الصَّالِحِ:
«إِنَّ العَبدَ المُؤمِنَ إِذَا كَانَ فِي انقِطَاعٍ مِنَ الدُّنيَا وَإِقبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمسُ، مَعَهُم كَفَنٌ مِن أَكفَانِ الجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِن حَنُوطِ الجَنَّةِ، حَتَّى يَجلِسُوا مِنهُ مَدَّ البَصَرِ! ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوتِ عَلَيهِ السَّلَامُ حَتَّى يَجلِسَ عِندَ رَأسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفسُ الطَّيِّبَةُ، اخرُجِي إِلَى مَغفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضوَانٍ!».
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَتَخرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ القَطرَةُ مِن فِي السِّقَاءِ، فَيَأخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَم يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرفَةَ عَينٍ حَتَّى يَأخُذُوهَا فَيَجعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الحَنُوطِ، وَيَخرُجُ مِنهَا كَأَطيَبِ نَفحَةِ مِسكٍ وُجِدَت عَلَى وَجهِ الأَرضِ!».
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن صُعُودِهَا إِلَى السَّمَاءِ: «فَيَصعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ يَعنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنَ المَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذِهِ الرُّوحُ الطَّيِّبَةُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ بِأَحسَنِ أَسمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنيَا، حَتَّى يَنتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا، فَيَستَفتِحُونَ لَهُ فَيُفتَحُ لَهُم، فَيُشَيِّعُهُ مِن كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكتُبُوا كِتَابَ عَبدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرضِ، فَإِنِّي مِنهَا خَلَقتُهُم، وَفِيهَا أُعِيدُهُم، وَمِنهَا أُخرِجُهُم تَارَةً أُخرَى»! وَهَذَا تَصدِيقُ قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ المُطَفِّفِينَ: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾.
ثُمَّ استَمِعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى لَحظَةِ عَودَةِ الرُّوحِ إِلَى القَبرِ وَمَجِيءِ المَلَكَينِ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
«فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَإِنَّهُ لَيَسمَعُ قَرعَ نِعَالِ أَصحَابِهِ إِذَا وَلَّوا عَنهُ مُدبِرِينَ! فَيَأتِيهِ مَلَكَانِ شَدِيدَا الانتِهَارِ، فَيُجلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسلَامُ! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأتُ كِتَابَ اللهِ فَآمَنتُ بِهِ وَصَدَّقتُ!».
وَهُنَا تَنزِلُ آيَةُ التَّثبِيتِ الإِلَهِيِّ الَّتِي أَنزَلَهَا اللهُ فِي سُورَةِ إِبرَاهِيمَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾!
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَن صَدَقَ عَبدِي، فَأَفرِشُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَأَلبِسُوهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَافتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الجَنَّةِ! فَيَأتِيهِ مِن رَوحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفسَحُ لَهُ فِي قَبرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ! قَالَ: وَيَأتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبشِر بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَومُكَ الَّذِي كُنتَ تُوعَدُ! فَيَقُولُ لَهُ: مَن أَنتَ؟ فَوَجهُكَ الوَجهُ يَجِيءُ بِالخَيرِ! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ! فَيَقُولُ المؤمنُ شَوقًا إِلَى الجَنَّةِ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ! رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرجِعَ إِلَى أَهلِي وَمَالِي»!
وَفِي المُقَابِلِ يَا عِبَادَ اللهِ، استَمِعُوا وَالقُلُوبُ تَرتَجِفُ إِلَى حَالِ الفَاجِرِ الكَافِرِ وَالمُفرِّطِ الخَائِنِ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ:
«وَإِنَّ العَبدَ الكَافِرَ وَفِي رِوَايَةٍ الفَاجِرَ إِذَا كَانَ فِي انقِطَاعٍ مِنَ الدُّنيَا وَإِقبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، سُودُ الوُجُوهِ، مَعَهُمُ المَسُوحُ مِنَ النَّارِ، فَيَجلِسُونَ مِنهُ مَدَّ البَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ المَوتِ حَتَّى يَجلِسَ عِندَ رَأسِهِ فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفسُ الخَبِيثَةُ، اخرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللهِ وَغَضَبٍ! قَالَ: فَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنتَزِعُهَا كَمَا يُنتَزَعُ السَّفُّودُ الكَثِيرُ الشُّعَبِ مِنَ الصُّوفِ المَبلُولِ، فَتَقَطَّعُ مَعَهَا العُرُوقُ وَالعَصَبُ!».
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَيَأخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَم يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرفَةَ عَينٍ حَتَّى يَجعَلُوهَا فِي تِلكَ المَسُوحِ، وَيَخرُجُ مِنهَا كَأَنتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَت عَلَى وَجهِ الأَرضِ! فَيَصعَدُونَ بِهَا، فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنَ المَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بنُ فُلَانٍ بِأَقبَحِ أَسمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنيَا، حَتَّى يُنتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنيَا فَيُستَفتَحُ لَهُ فَلَا يُفتَحُ لَهُ!»، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَولَ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾!
«فَيَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: اكتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرضِ السُّفلَى، فَتُطرَحُ رُوحُهُ طَرحًا!»، ثُمَّ قَرَأَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الآيَةَ مِن سُورَةِ الحَجِّ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾.
قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدرِي! فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُم؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدرِي، سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ ذَاكَ! فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَن كَذَبَ، فَأَفرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ! فَيَأتِيهِ مِن حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيهِ قَبرُهُ حَتَّى تَختَلِفَ فِيهِ أَضلَاعُهُ! وَيَأتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الوَجهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبشِر بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذَا يَومُكَ الَّذِي كُنتَ تُوعَدُ! فَيَقُولُ: مَن أَنتَ؟ فَوَجهُكَ الوَجهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ! فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الخَبِيثُ! فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ»!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَقَد أَثبَتَ القُرآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ المُتَوَاتِرَةُ عَذَابَ القَبرِ وَنَعِيمَهُ لِأَهلِ الإِيمَانِ وَأَهلِ الكُفرِ وَالعِصيَانِ؛ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى عَن آلِ فِرعَونَ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾! فَعَرضُهُم عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا هُوَ فِي القَبرِ قَبلَ قِيَامِ السَّاعَةِ!
وَلَيسَ عَذَابُ القَبرِ خَاصًّا بِالكُفَّارِ وَحدَهُم، بَل قَد يُعَذَّبُ فِي قَبرِهِ بَعضُ عُصَاةِ المُسلِمِينَ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ استَصغَرُوهَا وَتَهَاوَنُوا بِهَا فِي الدُّنيَا! فَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبرَينِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَستَتِرُ مِنَ البَولِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ»!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ الرُّؤيَا العَظِيمِ عَن سَمُرَةَ بنِ جُندُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي عَالَمِ البَرزَخِ أَصنَافًا مِنَ العُصَاةِ يُعَذَّبُونَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: رَأَى الَّذِي تَتَثَاقَلُ رَأسُهُ عَنِ الصَّلَاةِ المَكتُوبَةِ وَيَهجُرُ القُرآنَ يُثلَغُ رَأسُهُ بِالحَجَرِ، وَرَأَى الكَذَّابَ الَّذِي يَكذِبُ الكَذبَةَ تَبلُغُ الآفَاقَ يُشَرشَرُ شِدقُهُ وَمَنخِرُهُ وَعَينُهُ إِلَى قَفَاهُ بِكَلُّوبٍ مِن حَدِيدٍ، وَرَأَى الزُّنَاةَ وَالزَّوَانِيَ فِي تَنُّورٍ مِن نَارٍ، وَرَأَى آكِلَ الرِّبَا يَسبَحُ فِي نَهرٍ مِن دَمٍ وَيُلقَمُ الحِجَارَةَ!
فَيَا مَن يَسمَعُ هَذِهِ المَوعِظَةَ وَرُوحُهُ مَا زَالَت فِي جَسَدِهِ، وَقَلبُهُ مَا زَالَ يَنبِضُ، وَبَابُ التَّوبَةِ مَا زَالَ مَفتُوحًا أَمَامَهُ:
انتَبِه قَبلَ الفَوَاتِ! وَاعْمَل قَبلَ أَن يَنزِلَ بِكَ المَوتُ فَتَطلُبَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنيَا لِتُصَلِّيَ رَكعَتَينِ أَو تَتَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ أَو تَستَغفِرَ تَسبِيحَةً فَلَا يُجَابُ سُؤَالُكَ!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ كَم مَرَّةً حَدَّثَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ عَن «أُمنِيَةِ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنيَا» وَحَسرَةِ المُفرِّطِينَ وَالكَافِرِينَ حِينَ يُعَايِنُونَ المَوتَ وَالقَبرَ وَالحِسَابَ!
فَفِي سُورَةِ المُؤمِنُونَ يُصَوِّرُ اللهُ لَنَا صَرخَةَ المُفرِّطِ سَاعَةَ الاحتِضَارِ فَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾! فَمَاذَا يَكُونُ الجَوَابُ الحَاسِمُ الَّذِي يَقطَعُ كُلَّ أَمَلٍ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾!
لَم يَطلُب هَذَا النَّادِمُ أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا لِيُكمِلَ بِنَاءَ قَصرِهِ، وَلَا لِيَجمَعَ أَموَالَهُ، وَلَا لِيَستَمتِعَ بِشَهَوَاتِهِ؛ بَل قَالَ: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾!
وَفِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ يُنَادِينَا رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَبلَ فَوَاتِ الأَوَانِ فَيَقُولُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾!
وَإِذَا قَامَتِ القِيَامَةُ وَعَايَنَ الكَافِرُونَ وَالمُجرِمُونَ العَذَابَ، تَتَعَالَى صَرَخَاتُ الحَسرَةِ وَالنَّدَمِ بِتَمَنِّي الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنيَا؛ فَفِي سُورَةِ السَّجدَةِ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾! وَفِي سُورَةِ الأَنعَامِ يَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾! وَفِي سُورَةِ فَاطِرٍ يَصرُخُونَ مِن قَعرِ جَهَنَّمَ: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾، فَيَأتِيهِمُ التَّوبِيخُ الإِلَهِيُّ القَاصِمُ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾! وَيَومَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفَجرِ: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾! سَمَّى الآخِرَةَ «حَيَاتِي»؛ لِأَنَّ الحَيَاةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ حَيَاةُ الآخِرَةِ الَّتِي لَا مَوتَ فِيهَا!
وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَصَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَبرٍ فَقَالَ: «مَن صَاحِبُ هَذَا القَبرِ؟»، فَقَالُوا: فُلَانٌ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «رَكعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»! وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ بِلَفظٍ يَهزُّ الوِجدَانَ: «رَكعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحقِرُونَ وَتَنَفَّلُونَ يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ أَحَبُّ إِلَيهِ مِن بَقِيَّةِ دُنيَاكُم»!
وَهُنَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ نَقِفُ أَمَامَ مُفَارَقَةٍ إِيمَانِيَّةٍ عَظِيمَةٍ، وَسِرٍّ بَاهِرٍ مِن أَسرَارِ الوَحيِ يَربِطُ بَينَ أَمنِيَةِ الرُّجُوعِ إِلَى الدُّنيَا وَبَينَ أَعلَى ذُروَةِ سَنَامِ الإِسلَامِ: «الجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ»!
لَقَد عَلِمنَا أَنَّ الكُفَّارَ وَالمُفرِّطِينَ يَتَمَنَّونَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنيَا مِن شِدَّةِ النَّدَمِ وَالحَسرَةِ وَالعَذَابِ لِيَتَدَارَكُوا مَا ضَيَّعُوهُ فَلَا يُجَابُونَ؛ وَعَلِمنَا أَنَّ أَهلَ الجَنَّةِ مِنَ المُؤمِنِينَ إِذَا دَخَلُوا الجَنَّةَ وَرَأَوا مَا فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ لَا يُحِبُّ أَحَدٌ مِنهُم أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا وَلَو أُعطِيَ الدُّنيَا كُلَّهَا بِمَا فِيهَا!
وَلَكِن... هُنَاكَ صِنفٌ وَاحِدٌ فَقَط مِن أَهلِ الجَنَّةِ، هُم أَعلَى الخَلقِ مَكَانَةً بَعدَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، يَتَمَنَّونَ وَهُم فِي أَعلَى فِردَوسِ الجِنَانِ أَن يَرجِعُوا إِلَى الدُّنيَا! لِمَاذَا يَتَمَنَّونَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنيَا؟ هَل نَدَمًا عَلَى تَفرِيطٍ؟ كَلَّا! هَل شَوقًا إِلَى مَالٍ أَو قُصُورٍ؟ حَاشَا وَكَلَّا! بَل يَتَمَنَّونَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنيَا لِيُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقتَلُوا وَيُستَشهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ مَرَّةً بَعدَ مَرَّةٍ، لِمَا رَأَوا مِن عَظِيمِ كَرَامَةِ الشَّهَادَةِ عِندَ اللهِ وَأَمنِ الشَّهِيدِ مِن فِتنَةِ القَبرِ وَعَذَابِهِ!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ فِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَحَدٌ يَدخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرضِ مِن شَيءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ؛ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا فَيُقتَلَ عَشرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنَ الكَرَامَةِ»!
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلُوا الفَرقَ الشَّاسِعَ بَينَ الرَّغبَتَينِ وَالأُمنِيَتَينِ:
الكَافِرُ وَالغَافِلُ الَّذِي بَاعَ دِينَهُ لِلدُّنيَا وَفَرَّ مِنَ الطَّاعَةِ وَالجِهَادِ يَصرُخُ فِي القَبرِ وَفِي النَّارِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، نَدَمًا وَحَسرَةً وَعَذَابًا!
وَأَمَّا المُجَاهِدُ الشَّهِيدُ الَّذِي بَاعَ رُوحَهُ وَدَمَهُ للهِ فِي الدُّنيَا، فَإِنَّهُ يَنجُو مِن فِتنَةِ القَبرِ وَسُؤَالِهِ وَعَذَابِهِ، وَتَطِيرُ رُوحُهُ فِي حَوَاصِلِ طَيرٍ خُضرٍ تَسرَحُ فِي الجَنَّةِ حَيثُ شَاءَت ثُمَّ تَأوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرشِ، فَيَرَى مِن كَرَامَةِ اللهِ وَرضوَانِهِ مَا يَجعَلُهُ يَتَمَنَّى أَن يَرجِعَ إِلَى الدُّنيَا لَا لِيَعِيشَ فِيهَا مُترَفًا، بَل لِيُقتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَشرَ مَرَّاتٍ!
وَاستَمِعُوا إِلَى قِصَّةِ سَيِّدٍ مِن سَادَاتِ الشُّهَدَاءِ، وَهُوَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَالِدُ جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: «يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنكَسِرًا؟»، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، استُشهِدَ أَبِي يَومَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَينًا! قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟»، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِن وَرَاءِ حِجَابٍ، وَأَحيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ: يَا عَبدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعطِكَ! قَالَ: يَا رَبِّ، تُحيِينِي فَأُقتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً! قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّهُ قَد سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُم إِلَيهَا لَا يَرجِعُونَ! قَالَ: يَا رَبِّ فَأَبلِغ مَن وَرَائِي!»، فَأَنزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ الخَالِدَاتِ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾!
وَلِمَاذَا نَالَ الشَّهِيدُ وَالمُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللهِ هَذِهِ المَنزِلَةَ العُظمَى فِي البَرزَخِ وَالقَبرِ؟
فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ المِقدَامِ بنِ مَعدِي كَرِبَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لِلشَّهِيدِ عِندَ اللهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفعَةٍ مِن دَمِهِ، وَيُرَى مَقعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَيَأمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكبَرِ، وَيُحَلَّى حُلَّةَ الإِيمَانِ، وَيُزَوَّجُ مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبعِينَ إِنسَانًا مِن أَقَارِبِهِ»!
وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَالُ المُؤمِنِينَ يُفتَنُونَ فِي قُبُورِهِم إِلَّا الشَّهِيدَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «كَفَى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ عَلَى رَأسِهِ فِتنَةً»! أي إِنَّ ثَبَاتَهُ تَحتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ وَأَزيزِ الرَّصَاصِ وَالقَذَائِفِ فِي الدُّنيَا قَدِ اختَبَرَ صِدقَ إِيمَانِهِ، فَأَعفَاهُ اللهُ مِن فِتنَةِ القَبرِ وَسُؤَالِهِ! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِن صِيَامِ شَهرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِن مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعمَلُهُ، وَأُجرِيَ عَلَيهِ رِزقُهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ»! فَكُلُّ الأَموَاتِ يَنقَطِعُ عَمَلُهُم بِالمَوتِ، إِلَّا المُرَابِطَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّ عَمَلَهُ يَنمُو لَهُ فِي قَبرِهِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ وَيَأمَنُ فِتنَةَ القَبرِ!
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: هَا أَنتُمُ اليَومَ فِي دَارِ المُهلَةِ وَالعَمَلِ؛ فَمَاذَا أَعدَدتُم لِأَوَّلِ لَيلَةٍ فِي القَبرِ؟
لَقَد كَانَ أَبُو الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجلِسُ عَلَى القُبُورِ وَيَقُولُ: «يَا أَهلَ القُبُورِ، ظَاهِرُكُم هَادِئٌ، وَبَاطِنُكُم دَوَاهِي!»، وَكَانَ الحَسَنُ البَصرِيُّ يَقُولُ: «يَا ابنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَن تَلقَى اللهَ بِعَمَلٍ أَفضَلَ مِن طَاعَةٍ قَدَّمتَهَا، وَتَوبَةٍ أَخلَصتَهَا، وَمَظلَمَةٍ رَدَدتَهَا؛ فَإِنَّ القَبرَ صُندُوقُ العَمَلِ، مَا وَضَعتَهُ فِيهِ اليَومَ وَجَدتَهُ فِيهِ غَدًا»!
بَادِرُوا يَا عِبَادَ اللهِ بِالتَّوبَةِ النَّصُوحِ قَبلَ أَن يُغلَقَ البَابُ، وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي أَوقَاتِهَا فَإِنَّ الصَّلَاةَ نُورٌ فِي القَبرِ وَتَثبِيتٌ عِندَ السُّؤَالِ، وَاقرَؤُوا سُورَةَ المُلكِ كُلَّ لَيلَةٍ فَإِنَّهَا المَانِعَةُ المُنَجِّيَةُ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَطَهِّرُوا أَلسِنَتَكُم مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ، وَأَبدَانَكُم وَثِيَابَكُم مِنَ النَّجَاسَاتِ، وَذِمَمَكُم مِن أَموَالِ الحَرَامِ وَمَظَالِمِ العِبَادِ، وَاعمُرُوا أَوقَاتَكُم بِالبَذلِ وَالجِهَادِ وَنُصرَةِ دِينِ اللهِ وَالمُستَضعَفِينَ مِن عِبَادِهِ، وَأَكثِرُوا مِنَ الِاستِعَاذَةِ بِاللهِ مِن عَذَابِ القَبرِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا أَمَرَكُم نَبِيُّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، هَوِّن عَلَينَا سَكَرَاتِ المَوتِ، وَثَبِّتنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ القَبرِ، وَمِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ اجعَل قُبُورَنَا وَقُبُورَ وَالِدِينَا وَأَمَواتِ المُسلِمِينَ رَوضَةً مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَلَا تَجعَلهَا حُفرَةً مِن حُفَرِ النَّارِ. اللَّهُمَّ آنِس فِي القُبُورِ وَحشَتَنَا، وَارحَم غُربَتَنَا، وَنَوِّر ظُلمَتَنَا، وَآمِن رَوعَتَنَا، وَثَبِّت عِندَ سُؤَالِ المَلَكَينِ حُجَّتَنَا. اللَّهُمَّ لَا تَجعَلنَا مِنَ النَّادِمِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ عِندَ المَوتِ رَبِّ ارجِعُونِ، وَاجعَلنَا مِنَ الصَّادِقِينَ المُخبِتِينَ، وَارزُقنَا عِيشَةَ السُّعَدَاءِ، وَمِيتَةَ الشُّهَدَاءِ، وَمُرَافَقَةَ الأَنبِيَاءِ فِي أَعلَى جَنَّاتِ الخُلدِ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
القَبرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَةِ: مَوعِظَةٌ بَلِيغَةٌ فِي رِحلَةِ الرُّوحِ وَسُؤَالِ المَلَكَينِ وَتَمَنِّي الرُّجُوعِ بَينَ حَسرَةِ الغَافِلِينَ وَشَوقِ المُجَاهِدِينَ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.