التَّصَوُّفُ وَالمَوَالِدُ وَالأَضرِحَةُ فِي مِيزَانِ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن خُطُورَةِ دُعَاءِ غَيرِ اللهِ وَالرَّدِّ عَلَى شُبُهَاتِ الغُلَاةِ وَبَيَانِ الزُّهدِ وَالتَّزكِيَةِ الحَقِيقِيَّةِ فِي الإِسلَامِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَأَخلَصَ لِنَفسِهِ الدُّعَاءَ وَالرَّجَاءَ وَالِاستِغَاثَةَ فِي كَشفِ الكُرُبَاتِ وَقَضَاءِ الحَاجَاتِ، وَأَكمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَينَا النِّعمَةَ فَلَم يَترُك لِعَبدٍ حَاجَةً إِلَى بِدعَةٍ مُحدَثَةٍ وَلَا إِلَى وَاسِطَةٍ مِنَ الأَموَاتِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُوَحِّدِينَ الصَّادِقِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُفتَقِرِينَ إِلَى بَابِهِ دُونَ سِوَاهُ مِنَ المَخلُوقِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وَالقَائِلِ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٦-١٠٧].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ تَوحِيدٍ خَالِصٍ تَهدِمُ كُلَّ تَعَلُّقٍ بِغَيرِ اللهِ، وَتَقطَعُ التَّمَسُّحَ بِالأَعتَابِ وَالأَضرِحَةِ وَالمَقَامَاتِ؛ فَإِنَّ النَّفعَ وَالضَّرَّ، وَالعَطَاءَ وَالمَنعَ، وَالمَدَدَ وَالغَوثَ بِيَدِ اللهِ الحَيِّ القَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَأَمَّا مَن سِوَاهُ مِنَ المَخلُوقِينَ فَعَبِيدٌ مُفتَقِرُونَ لَا يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِم وَلَا لِغَيرِهِم مِثقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرضِ؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣-١٤].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَإِمَامَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، بَعَثَهُ اللهُ بِالتَّوحِيدِ الخَالِصِ وَالسُّنَّةِ البَيضَاءِ الَّتِي لَيلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنهَا إِلَّا هَالِكٌ، فَسَدَّ كُلَّ ذَرِيعَةٍ تُفضِي إِلَى الشِّركِ وَالغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ مِنَ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ وَمَشَاهِدَ وَأَعيَادًا، وَأَعلَنَ لِلبَشَرِيَّةِ قَاعِدَةَ العُبُودِيَّةِ الكُبرَى: «إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللهِ»، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِ بَيتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ المُوَحِّدِينَ البُرَآءِ مِن غُلُوِّ الغَالِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَجرِيدِ التَّوحِيدِ لَهُ سُبحَانَهُ، وَالِاعتِصَامِ بِكِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَإِنَّ أَعظَمَ نِعمَةٍ أَنعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى العَبدِ بَعدَ خَلقِهِ هِيَ نِعمَةُ التَّوحِيدِ النَّقِيِّ الخَالِي مِن شَوَائِبِ الشِّركِ وَالخُرَافَةِ وَالابتِدَاعِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ وَالظُّلمُ هُنَا هُوَ الشِّركُ كَمَا فَسَّرَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَرسَلَ رُسُلَهُ جَمِيعًا مِن نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ عَلَيهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَصلٍ وَاحِدٍ عَظِيمٍ لَا يَقبَلُ اللهُ مِن عَبدٍ صَرفًا وَلَا عَدلًا إِلَّا بِهِ؛ وَهُوَ إِفرَادُ اللهِ وَحدَهُ بِالعِبَادَةِ وَالدُّعَاءِ وَالقَصدِ، وَتَركُ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ مِن مَلَكٍ مُقَرَّبٍ أَو نَبِيٍّ مُرسَلٍ أَو وَلِيٍّ صَالِحٍ؛ وَمِن رَحمَةِ اللهِ بِأُمَّةِ الإِسلَامِ أَن أَكمَلَ لَهَا الدِّينَ عَلَى يَدِ خَاتَمِ المرسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وَلَمَّا تَطَاوَلَتِ القُرُونُ بَعدَ القُرُونِ الثَّلَاثَةِ المُفَضَّلَةِ، وَضَعُفَ نُورُ العِلمِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي بَعضِ الأَمصَارِ، دَخَلَ الشَّيطَانُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ البَابِ نَفسِهِ الَّذِي دَخَلَ مِنهُ عَلَى قَومِ نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: بَابِ الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ وَتَعظِيمِ قُبُورِهِم، وَإِحدَاثِ البِدَعِ فِي العِبَادَاتِ وَالأَذكَاِرِ تَحتَ مسمَّى «التَّصَوُّفِ الطُّرُقِيِّ» وَ«مَحَبَّةِ الأَولِيَاءِ»!
فَكَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: «هَذِهِ أَسمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَومِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوحَى الشَّيطَانُ إِلَى قَومِهِم أَنِ انصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجلِسُونَ أَنصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسمَائِهِم، فَفَعَلُوا فَلَم تُعبَد، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلمُ عُبِدَت»!
تَأَمَّلُوا -يَا عِبَادَ اللهِ- كَيفَ تَتَكَرَّرُ المَأْسَاةُ نَفسُهَا حِينَ يَغِيبُ العِلمُ النَّبَوِيُّ الصَّحِيحُ! فَتُشَيَّدُ القِبَابُ وَالأَضرِحَةُ وَالمَقَامَاتُ الفَخمَةُ عَلَى القُبُورِ، بَل وَعَلَى مَشَاهِدَ وَهمِيَّةٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا مَقبُورٌ أَصلًا، وَتُشَدُّ إِلَيهَا الرِّحَالُ مِنَ الآفَاقِ، وَتُقَامُ عِندَهَا «المَوَالِدُ» السَّنَوِيَّةُ الَّتِي تَضِجُّ بِالِاختِلَاطِ المُحَرَّمِ وَالرَّقصِ وَالطُّبُولِ وَالأَذكَاِرِ المُبتَدَعَةِ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ فِي صَنَادِيقِ النُّذُورِ، ثُمَّ يَنتَهِي الأَمرُ بِالطَّوَافِ حَولَ الضَّرِيحِ، وَتَقبِيلِ أَعتَابِهِ وَمَقصُورَتِهِ، وَذَبحِ القَرَابِينِ لِصَاحِبِهِ، وَمَدِّ الأَكُفِّ إِلَى المَيِّتِ دُعَاءً وَاستِغَاثَةً وَطَلَبًا لِلمَدَدِ وَالوَلَدِ وَالشِّفَاءِ وَتَفرِيجِ الكُرُبَاتِ!
وَإِذَا أَرَدنَا أَن نَزِنَ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ بِمِيزَانِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، فَلْنَقِف مَعَ مَحَاوِرِهَا الكُبرَى بِبَيَانٍ عِلمِيٍّ وَاضِحٍ لَا لَبسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ:
فَأَمَّا المِحوَرُ الأَوَّلُ: فَهُوَ حُكمُ «الأَضرِحَةِ وَالمَقَامَاتِ» الَّتِي تُبنَى عَلَى القُبُورِ وَتُتَّخَذُ مَسَاجِدَ وَمَزَارَاتٍ:
لَقَد تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ فِي الصَّحِيحَينِ وَغَيرِهِمَا بِالنَّهيِ الصَّارِمِ وَالتَّحذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ البِنَاءِ عَلَى القُبُورِ أَوِ اتِّخَاذِهَا مَسَاجِدَ وَأَعيَادًا؛ بَل كَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا حَذَّرَ مِنهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَبلَ أَن تَفيضَ رُوحُهُ الشَّرِيفَةُ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعلَى! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ وَعَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قَالَا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ طَفِقَ يَطرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجهِهِ، فَإِذَا اغتَمَّ بِهَا كَشَفَهَا عَن وَجهِهِ فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعنةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِدَ»، قَالَت عَائِشَةُ: يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ جُندَبِ بنِ عَبدِ اللهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَبلَ أَن يَمُوتَ بِخَمسٍ وَهُوَ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ مَن كَانَ قَبلَكُم كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنبِيَائِهِم وَصَالِحِيهِم مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنهَاكُم عَن ذَلِكَ»!
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ أَيضًا عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُجَصَّصَ القَبرُ، وَأَن يُقعَدَ عَلَيهِ، وَأَن يُبنَى عَلَيهِ»! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَلَا أَبعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟ أَن لَا تَدَعَ تِمثَالًا إِلَّا طَمَستَهُ، وَلَا قَبرًا مُشرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ»!
انظُرُوا يَا عِبَادَ اللهِ: أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، سَيِّدُ آلِ البَيتِ الَّذِي يَدَّعِي الغُلَاةُ الانتِسَابَ إِلَيهِ، يُرسِلُ قَائِدَ شُرطَتِهِ بِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَترُكَ قَبرًا مُشرِفًا عَالِيًا مُعَظَّمًا إِلَّا سَوَّاهُ عَلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ قَدرَ شِبرٍ!
وَأَمَّا المِحوَرُ الثَّانِي: فَهُوَ بِدعَةُ «المَوَالِدِ» الَّتِي أُحدِثَت عِندَ تِلكَ الأَضرِحَةِ وَالمَقَامَاتِ:
فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسجِدِ الحَرَامِ، وَمَسجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَالمَسجِدِ الأَقصَى»، وَقَالَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «لَا تَتَّخِذُوا قَبرِي عِيدًا». فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ قَبرِهِ الشَّرِيفِ -وَهُوَ أَفضَلُ قَبرٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ- عِيدًا وَمَوسِمًا يُعتَادُ الاجتماعُ عِندَهُ، فَكَيفَ بِمَوَالِدِ الأَولِيَاءِ وَالأَقطَابِ الَّتِي لَم يَفعَلهَا أَبُو بَكرٍ وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثمَانُ وَلَا عَلِيٌّ وَلَا الحَسَنُ وَلَا الحُسَينُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَربَعَةِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَحِمَهُم؟! وَمَا أَحسَنَ كَلِمَةَ إِمَامِ دَارِ الهِجرَةِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَنِ ابتَدَعَ فِي الإِسلَامِ بِدعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً فَقَد زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فَمَا لَم يَكُن يَومَئِذٍ دِينًا فَلَا يَكُونُ اليَومَ دِينًا»!
وَأَمَّا المِحوَرُ الثَّالِثُ وَالأَخطَرُ: فَهُوَ «دُعَاءُ غَيرِ اللهِ وَالِاستِغَاثَةُ بِالأَموَاتِ وَالتَّوَسُّلُ بِغَيرِ اللهِ»:
عبادَ اللهِ: إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ لُبُّ العِبَادَةِ وَمُخُّهَا وَرُوحُهَا؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ»، ثُمَّ قَرَأَ قَولَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
فَمَن صَرَفَ الدُّعَاءَ وَالِاستِغَاثَةَ لِغَيرِ اللهِ، فَنَادَى صَاحِبَ القَبرِ أَوِ الضَّرِيحِ فِي شِدَّتِهِ وَكَربِهِ قَائِلًا: «المَدَدَ يَا سَيِّدِي فُلَان! أَغِثنِي يَا وَلِيَّ اللهِ! اشفِ مَرِيضِي! ارزُقنِي الوَلَدَ!»، فَقَد صَرَفَ خَالِصَ حَقِّ اللهِ لِمَخلُوقٍ مَيِّتٍ رَهِينٍ بِعَمَلِهِ فِي قَبرِهِ لَا يَملِكُ لِنَفسِهِ ضَرًّا وَلَا نَفعًا وَلَا مَوتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا!
استَمِعُوا إِلَى قَوَارِعِ القُرآنِ الكَرِيمِ وَهِيَ تُبطِلُ هَذَا التَّعَلُّقَ بِالأَموَاتِ مِن جُذُورِهِ:
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦]!
وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]!
وَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢]!
وَأَمَّا «التَّوَسُّلُ»، فَقَدِ التَبَسَ أَمرُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ بِسَبَبِ تَلبيسِ دُعَاةِ الغُلُوِّ؛ وَالتَّفصِيلُ الشَّرعِيُّ فِيهِ أَنَّ التَّوَسُّلَ قِسمَانِ:
تَوَسُّلٌ مَشرُوعٌ ثَابِتٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنوَاعٍ:
الأَوَّلُ: التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وَالثَّانِي: التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ بِالإِيمَانِ وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي عَمِلَهَا الدَّاعِي؛ كَقَولِ المُؤمِنِينَ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران: ١٦]، وَكَتَوَسُّلِ الثَّلَاثَةِ أَصحَابِ الغَارِ بِصَالِحِ أَعمَالِهِم فِي الصَّحِيحَينِ.
وَالثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ إِلَى اللهِ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الحَيِّ الحَاضِرِ القَادِرِ عَلَى الدُّعَاءِ، فَتَطلُبُ مِنهُ أَن يَدعُوَ اللهَ لَكَ كَمَا كَانَ الصَّحَابَةُ يَطلُبُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَيَاتِهِ أَن يَدعُوَ اللهَ لَهُم وَيَستَسقِيَ لَهُم؛ فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَحَطَ المَطَرُ فِي خِلَافَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، هَل ذَهَبَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ إِلَى قَبرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَطلُبُونَ مِنهُ الغَيثَ أَو يَتَوَسَّلُونَ بِذَاتِهِ بَعدَ مَوتِهِ؟ كَلَّا وَاللهِ! بَل ثَبَتَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ خَرَجَ بِالنَّاسِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِنَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَتَسقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسقِنَا! قَالَ: فَيُسقَونَ»، ثُمَّ قَالَ لِلعَبَّاسِ: «قُم يَا عَبَّاسُ فَادعُ اللهَ»!
هَذَا الفِعلُ مِن عُمَرَ وَجَمِيعِ الصَّحَابَةِ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ تَدمَغُ كُلَّ شُبهَةٍ؛ فَإِنَّ عُدُولَ الصَّحَابَةِ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ وَفَاتِهِ إِلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ العَبَّاسِ لِكُونِهِ حَيًّا حَاضِرًا يَدعُو لَهُم، دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ المَشرُوعَ هُوَ التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الحَيِّ لَا بِذَاتِ المَيِّتِ وَلَا بِجَاهِهِ! وَأَمَّا التَّوَسُّلُ المَمنُوعُ فَهُوَ التَّوَسُّلُ البدعِيُّ بِذَوَاتِ المَخلُوقِينَ أَو جَاهِهِم، أَوِ التَّوَسُّلُ الشِّركِيُّ الَّذِي هُوَ دُعَاءُ المَيِّتِ نَفسِهِ وَالِاستِغَاثَةُ بِهِ مِن دُونِ اللهِ!
مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: وَمَا هِيَ الشُّبُهَاتُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا غُلَاةُ المُتَصَوِّفَةِ وَالقُبُورِيُّونَ لِتَسويغِ هَذِهِ المُنكَرَاتِ، وَكَيفَ رَدَّ عَلَيهَا القُرآنُ الكَرِيمُ قَبلَ أَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا؟
الشُّبهَةُ الأُولَى: يَقُولُونَ: «نَحنُ نَعلَمُ أَنَّ الوَلِيَّ لَا يَخلُقُ وَلَا يَرزُقُ استِقلَالًا، وَلَكِنَّنَا نَدعُوهُم لِأَنَّهُم أَولِيَاءُ صَالِحُونَ لَهُم جَاهٌ عِندَ اللهِ، فَهُم وَسَائِطُ وَشُفَعَاءُ يُقَرِّبُونَنَا إِلَى اللهِ كَمَا يُتَوَسَّطُ بِالوُزَرَاءِ عِندَ المُلُوكِ»!
وَالجَوَابُ القُرآنِيُّ الصَّاعِقُ عَلَى هَذِهِ الشُّبهَةِ: أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ بِحُرُوفِهَا هِيَ عَينُ مَا قَالَهُ المُشرِكُونَ الأَوَّلُونَ الَّذِينَ بُعِثَ فِيهِم رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَفِي سُورَةِ الزُّمَرِ أَخبَرَ اللهُ عَن مَقَالَتِهِم فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وَفِي سُورَةِ يُونُسَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]!
وَأَيُّ قِيَاسٍ أَفسَدُ مِن قِيَاسِ الخَالِقِ العَلِيمِ السَّمِيعِ القَرِيبِ عَلَى المُلُوكِ العَاجِزِينَ مِنَ البَشَرِ؟! فَالملُوكُ يَحتَاجُونَ إِلَى الحُجَّابِ وَالوَسَائِطِ لِجَهلِهِم بِحَوَائِجِ الرَّعِيَّةِ وَبُخلِهِم؛ وَأَمَّا رَبُّ العَالَمِينَ فَيَسمَعُ ضَجِيجَ الأَصوَاتِ بِاختِلَافِ اللُّغَاتِ عَلَى تَفَنُّنِ الحَاجَاتِ، وَفَتَحَ بَابَهُ لِكُلِّ دَاعٍ بِلَا حَاجِبٍ وَلَا وَاسِطَةٍ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]! وَالشَّفَاعَةُ مِلكٌ للهِ وَحدَهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فَلَا تُطلَبُ إِلَّا مِنَ اللهِ فَيُقَالُ: «اللَّهُمَّ شَفِّع فِينَا نَبِيَّكَ وَصَالِحِي عِبَادِكَ»!
وَالشُّبهَةُ الثَّانِيَةُ: تَعَلُّقُهُم بِقَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، فَيَزعُمُونَ أَنَّ «الوَسِيلَةَ» هِيَ اتخاذُ الأَولِيَاءِ وَالأَضرِحَةِ وَسَائِطَ!
وَالجَوَابُ: أَنَّ هَذَا تَحرِيفٌ لِكَلِمِ اللهِ عَن مَوَاضِعِهِ؛ فَقَد أَجمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ التَّفسِيرِ كَابنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالحَسَنِ وَالطَّبَرِيِّ وَابنِ كَثِيرٍ عَلَى أَنَّ مَعنَى ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أَي: تَقَرَّبُوا إِلَى اللهِ بِطَاعَتِهِ وَالعَمَلِ بِمَا يُرضِيهِ مِنَ الإِيمَانِ وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ! وَيُفَسِّرُ ذَلِكَ قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَن دَعَا المَلَائِكَةَ وَالأَنبِيَاءَ وَالصَّالِحِينَ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦-٥٧]؛ فَهَؤُلَاءِ الأَنبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ أَنفُسُهُم يَتَقَرَّبُونَ إِلَى اللهِ بِالطَّاعَاتِ وَيَرجُونَ رَحمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ، فَكَيفَ يُدعَونَ مِن دُونِ اللهِ؟!
وَالشُّبهَةُ الثَّالِثَةُ: دَعوَاهُم أَنَّ إِنكَارَ الأَضرِحَةِ وَالمَوَالِدِ بُغضٌ لِأَولِيَاءِ اللهِ وَآلِ البَيتِ!
وَالجَوَابُ: حَاشَا للهِ! فَأَهلُ السُّنَّةِ وَالتَّوحِيدِ أَعظَمُ النَّاسِ مَحَبَّةً وَتَوقِيرًا لِآلِ بَيتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَلِأَولِيَاءِ اللهِ الصَّالِحِينَ؛ وَلَكِن مَن هُوَ وَلِيُّ اللهِ فِي القُرآنِ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢-٦٣]. فَكُلُّ مُؤمِنٍ تَقِيٍّ مُتَّبِعٍ لِلسُّنَّةِ فَهُوَ وَلِيٌّ للهِ، وَمَحَبَّتُهُم تَكُونُ بِالاقتِدَاءِ بِتَوحِيدِهِم وَاتِّبَاعِهِم لِلسُّنَّةِ وَالدُّعَاءِ لَهُم بِالرَّحمَةِ، لَا بِعِبَادَةِ قُبُورِهِم وَصَرفِ حَقِّ اللهِ لَهُم!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي بَعَثَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُزَكِّيَ النُّفُوسَ بِالوَحيِ المَعصُومِ، وَيَهدِيَ القُلُوبَ إِلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ العَظِيمُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ الرَّؤُوفُ الرَّحِيمُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِ القَوِيمِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّهُ إِذَا قِيلَ: مَا هُوَ «التَّصَوُّفُ الحَقِيقِيُّ» أَو «الزُّهدُ وَالتَّزكِيَةُ الحَقَّةُ» الَّتِي يَحُضُّ عَلَيهَا الإِسلَامُ وَيَقبَلُهَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟
فَالجَوَابُ الشَّرعِيُّ النَّاصِعُ: أَنَّ الإِسلَامَ جَاءَ بِأَعلَى مَرَاتِبِ صَفَاءِ الرُّوحِ، وَطَهَارَةِ القَلبِ، وَزَكَاءِ النَّفسِ، وَسَمَّاهَا بِالأَسمَاءِ الشَّرعِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ: سَمَّاهَا «الإِحسَانَ»، وَسَمَّاهَا «التَّزكِيَةَ»، وَسَمَّاهَا «الزُّهدَ وَالوَرَعَ وَالتَّقوَى وَالإِخبَاتَ»!
فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ لَمَّا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: مَا الإِحسَانُ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»! وَقَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠].
إِنَّ التَّزكِيَةَ الحَقِيقِيَّةَ وَالزُّهدَ الصَّادِقَ فِي الإِسلَامِ يَقُومُ عَلَى أَربَعِ دَعَائِمَ رَاسِخَةٍ كَانَ عَلَيهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الزُّهدِ الأَوَائِلُ كَالحَسَنِ البَصرِيِّ وَالفُضَيلِ بنِ عِيَاضٍ وَعَبدِ اللهِ بنِ المُبَارَكِ وَأَبِي سُلَيمَانَ الدَّارَانِيِّ وَالجُنَيدِ البَغدَادِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ:
الدِّعَامَةُ الأُولَى: صَفَاءُ التَّوحِيدِ وَإِخلَاصُ القَلبِ للهِ وَحدَهُ؛ بِأَن يَمتَلِئَ القَلبُ مَحَبَّةً للهِ، وَخَوفًا مِنهُ، وَرَجَاءً فِيهِ، وَتَوَكُّلًا عَلَيهِ، وَانقِطَاعًا عَنِ التَّعَلُّقِ بِالمَخلُوقِينَ أَحيَاءً وَأَموَاتًا!
وَالدِّعَامَةُ الثَّانِيَةُ: التَّقَيُّدُ الصَّارِمُ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ ذِكرٍ وَعِبَادَةٍ وَسُلُوكٍ، وَرَفضُ البِدَعِ وَالشَّطَحَاتِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ الجُنَيدُ بنُ مُحَمَّدٍ سَيِّدُ الطَّائِفَةِ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي حِليَةِ الأَولِيَاءِ وَسِيَرِ أَعلَامِ النُّبَلَاءِ بِلِسَانِ السُّنَّةِ الصَّرِيحِ: «طَرِيقُنَا هَذَا مُقَيَّدٌ بِأُصُولِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَالطُّرُقُ كُلُّهَا مَسدُودَةٌ عَلَى الخَلقِ إِلَّا عَلَى المقتَفِينَ أَثَرَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَمَن لَم يَحفَظِ القُرآنَ وَلَم يَكتُبِ الحَدِيثَ لَا يُقتَدَى بِهِ فِي هَذَا الأَمرِ»! وَقَالَ أَبُو سُلَيمَانَ الدَّارَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «رُبَّمَا يَقَعُ فِي قَلبِي النُّكتَةُ مِن نُكَتِ القَومِ أَيَّامًا، فَلَا أَقبَلُ مِنهُ إِلَّا بِشَاهِدَينِ عَدلَينِ: الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»! وَقَالَ أَبُو يَزِيدَ وَالجُنَيدُ: «لَو نَظَرتُم إِلَى رَجُلٍ أُعطِيَ مِنَ الكَرَامَاتِ حَتَّى يَرتَفِعَ فِي الهَوَاءِ، فَلَا تَغتَرُّوا بِهِ حَتَّى تَنظُرُوا كَيفَ تَجِدُونَهُ عِندَ الأَمرِ وَالنَّهيِ وَحِفظِ الحُدُودِ وَأَدَاءِ الشَّرِيعَةِ»!
وَالدِّعَامَةُ الثَّالِثَةُ: تَطهيرُ البَاطِنِ مِن أَمرَاضِ القُلُوبِ؛ مِنَ الكِبرِ، وَالرِّيَاءِ، وَالعُجبِ، وَالحَسَدِ، وَالغِلِّ، وَحُبِّ الرِّئَاسَةِ وَالشُّهرَةِ، وَعِمَارَةُ الأَوقَاتِ بِالصَّلَاةِ الخَاشِعَةِ وَقِيَامِ اللَّيلِ وَالأَذكَاِرِ النَّبَوِيَّةِ الثَّابِتَةِ وَالبُكَاءِ مِن خَشيَةِ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ.
وَالدِّعَامَةُ الرَّابِعَةُ: الزُّهدُ الحَقِيقِيُّ فِي الحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَأَن تَكُونَ الدُّنيَا فِي يَدِ المُؤمِنِ لَا فِي قَلبِهِ، مَعَ القِيَامِ بِالكَسبِ الحَلَالِ وَإِعمَارِ الحَيَاةِ وَبَذلِ المَعرُوفِ وَالجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الزُّهرِيُّ وَالإِمَامُ أَحمَدُ رَحِمَهُمَا اللهُ: «الزُّهدُ فِي الدُّنيَا: قِصَرُ الأَمَلِ، وَأَلَّا يَغلِبَ الحَرَامُ صَبرَكَ، وَلَا الحَلَالُ شُكرَكَ»!
فَهَذَا هُوَ صَفَاءُ الإِيمَانِ وَإِحسَانُ السَّلَفِ الصَّالِحِ الَّذِي يَجمَعُ بَينَ نُورِ التَّوحِيدِ، وَاتبَاعِ السُّنَّةِ، وَرِقَّةِ القَلبِ، وَزَكَاءِ الأَخلَاقِ! فَالزَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- غَرزَ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ الكِرَامِ، وَإِيَّاكُم وَمُحدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ خَيرَ الهَديِ هَديُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُوَحِّدِينَ وَقُدوَةِ الزَّاهِدِينَ العَابِدِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن آلِ بَيتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَحيِنَا عَلَى التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمِتنَا عَلَى التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَابعَثنَا يَومَ القِيَامَةِ مَعَ أَهلِ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نُشرِكَ بِكَ شَيئًا نَعلَمُهُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعلَمُهُ، اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ، وَلَا تَجعَلْهُ مُلتَبِسًا عَلَينَا فَنَضِلَّ، وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
اللَّهُمَّ زَكِّ نُفُوسَنَا أَنتَ خَيرُ مَن زَكَّاهَا، أَنتَ وَلِيُّهَا وَمَولَاهَا، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الشِّركِ وَالبِدعَةِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّصَوُّفُ وَالمَوَالِدُ وَالأَضرِحَةُ فِي مِيزَانِ التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.