من مكتبة مِداد الخطيب

وَهمُ الكَثرَةِ وَتَمَيزُ فُسطَاطِ الإِيمَانِ وَفُسطَاطِ النِّفَاقِ وَالكُفرِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مِيزَانِ الحَقِّ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالغُربَةِ

مشاركة
وَهمُ الكَثرَةِ وَتَمَيزُ فُسطَاطِ الإِيمَانِ وَفُسطَاطِ النِّفَاقِ وَالكُفرِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مِيزَانِ الحَقِّ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالغُربَةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي أَعَزَّ الحَقَّ بِبُرهَانِهِ وَسُلطَانِهِ لَا بِكَثرَةِ الأَتبَاعِ وَالأَشيَاعِ، وَمَيَّزَ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ وَسُنَّتِهِ المَاضِيَةِ بَينَ أَهلِ الصِّدقِ وَاليَقِينِ وَأَهلِ الزَّيغِ وَالنِّفَاقِ وَالِابتِدَاعِ، نَصَرَ الفِئَةَ القَلِيلَةَ المُؤمِنَةَ الصَّابِرَةَ عَلَى الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ البَاغِيَةِ، وَحَذَّرَ عِبَادَهُ مِنَ الاغتِرَارِ بِكَثرَةِ الهَالِكِينَ أَوِ استِيحَاشِ طَرِيقِ الهُدَى لِقِلَّةِ السَّالِكِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، القَوِيُّ العَزِيزُ، الحَكَمُ العَدلُ الَّذِي لَا يُوزَنُ الخَلقُ عِندَهُ بِالأَعدَادِ وَالأَمْوَالِ وَالأَجسَامِ، وَإِنَّمَا يُوزَنُونَ بِالتَّقوَى وَالتَّوحِيدِ وَالإِيمَانِ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي قَامَ بِأَمرِ اللهِ وَحدَهُ فِي وَجهِ جَاهِلِيَّةٍ طَامَّةٍ حَتَّى أَظهَرَ اللهُ بِهِ الدِّينَ، وَبَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ الفِتَنِ وَمَآلَ النَّاسِ إِلَى فُسطَاطَيِ الإِيمَانِ وَالنِّفَاقِ بَيَانًا يَشْفِي الصُّدُورَ وَيُثَبِّتُ المُوقِنِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالِاعتِصَامِ بِحَبلِهِ المَتِينِ، وَوَزنِ الأُمُورِ وَالأَشخَاصِ وَالأَفكَارِ بِمِيزَانِ الوَحيِ المَعصُومِ لَا بِمَوَازِينِ الأَهوَاءِ وَالكَثرَةِ الزَّائِفَةِ؛ يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِن أَعظَمِ الأَوهَامِ الَّتِي يَنصِبُهَا الشَّيطَانُ لِإِضلَالِ العُقُولِ، وَزَلزَلَةِ القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَصَرفِ النَّاسِ عَنِ الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ وَالسُّنَّةِ فِي كُلِّ عَصرٍ وَمِصرٍ: صَنَمًا خَادِعًا يُسَمَّى «وَهمَ الكَثرَةِ»! وَلِهَذَا الوَهمِ الخَطِيرِ فِي حَيَاةِ النَّاسِ ثَلَاثُ صُوَرٍ مُهلِكَةٍ: الصُّورَةُ الأُولَى: أَن يَجعَلَ الإِنسَانُ «كَثرَةَ النَّاسِ وَالجَماهيرِ» مِعيَارًا لِلحَقِّ وَالصَّوَابِ؛ فَإِذَا نُصِحَ بِتَركِ مُحَرَّمٍ أَو بِدعَةٍ أَو تَفَاهَةٍ، أَو دُعِيَ إِلَى التَّمَسُّكِ بِسُنَّةٍ أَو عِفَّةٍ أَوِ استِقَامَةٍ، قَالَ بِلِسَانِ المَهزُومِ أَمَامَ الضَّغطِ الجَمَاعِيِّ: «النَّاسُ كُلُّهُم يَفعَلُونَ هَذَا! وَالعَالَمُ كُلُّهُ يَسِيرُ فِي هَذَا الاتِّجَاهِ! أَفَأَكُونُ وَحدِي شَاذًّا بَينَ الخَلقِ؟!». وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَن يَنبَهِرَ الضَّعِيفُ بِكَثرَةِ أَعدَاءِ الإِسلَامِ، وَضَخَامَةِ أَموَالِهِم وَجُيُوشِهِم وَتِرسَانَتِهِم وَإِعلَامِهِم، فَيَظُنَّ أَنَّهُم عَلَى شَيءٍ، أَو يَيأَسَ مِن نَصرِ اللهِ لِأَوليَائِهِ المُؤمِنِينَ! وَالصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَن يُعجَبَ المُسلِمُونَ أَنفُسُهُم بِكَثرَةِ أَعدَادِهِم وَعُدَدِهِم، فَيَتَّكِلُوا عَلَى الكَثرَةِ المَادِّيَّةِ، وَيَنسَوُا الِافتِقَارَ إِلَى اللهِ وَالتَّبرُّؤَ مِنَ الحَولِ وَالقُوَّةِ! عِبَادَ اللهِ: لَقَد حَطَّمَ القُرآنُ الكَرِيمُ «وَهمَ الكَثرَةِ» بِصُوَرِهِ الثَّلَاثِ تَحطِيمًا كَامِلًا لَا يُبقِي فِي قَلبِ المُؤمِنِ ذَرَّةَ شَكٍّ وَلَا انبِهَارٍ! فَافتَحُوا كِتَابَ رَبِّكُم وَانظُرُوا: كَيفَ وَصَفَ اللهُ تَعَالَى «الأَكثَرِيَّةَ البَشَرِيَّةَ» حِينَ تَنفَصِلُ عَن نُورِ الوَحيِ؟ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وَقَالَ بَعدَهَا بِثَلَاثِ آيَاتٍ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الأَعرَافِ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وَقَالَ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩]، وَقَالَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بَعدَ قِصَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ مَعَ قَومِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]! وَفِي المُقَابِلِ، انظُرُوا كَيفَ أَثنَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى «القِلَّةِ المُؤمِنَةِ» الثَّابِتَةِ الشَّاكِرَةِ الصَّابِرَةِ: قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ فِي سُورَةِ سَبَإٍ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وَقَالَ فِي قَومِ نُوحٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]، وَقَالَ فِي أَهلِ العَدلِ وَالإِنصَافِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، وَقَالَ فِي السَّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ وَالأُمَمِ قَبلَهَا: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ۝ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣-١٤]! ثُمَّ وَضَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى القَاعِدَةَ الحَاسِمَةَ الَّتِي تَضبِطُ نَظرَةَ العَاقِلِ إِلَى الكَثرَةِ وَالقِلَّةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]! اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَدَبَّرُوا هَذِهِ الآيَةَ العظِيمَةَ: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾! لَو مَلَأَ الحَرَامُ الأَسوَاقَ، وَلَو طَغَتِ الفَوَاحِشُ وَالتَّفَاهَاتُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَلَو حَصَدَ أَهلُ البَاطِلِ وَالفُسُوقِ المَلَايِينَ مِنَ المُتَابِعِينَ وَالمُصَفِّقِينَ، وَلَو تَمَالَأتِ الدُّوَلُ الكُبرَى عَلَى تَشرِيعِ الشُّذُوذِ وَالرِّبَا وَالإِلحَادِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ «خَبِيثٌ» لَا يَزِيدُهُ انتِفَاخُهُ وَكَثرَتُهُ عِندَ اللهِ إِلَّا مَقتًا وَسُقُوطًا! وَإِنَّ دِرهَمًا وَاحِدًا مِنَ الحَلَالِ الطَّيِّبِ خَيرٌ مِن قَنَاطِيرِ الحَرَامِ الخَبِيثِ، وَإِنَّ رَجُلًا وَاحِدًا ثَابِتًا عَلَى التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ أَثقَلُ فِي مِيزَانِ اللهِ مِن مِلءِ الأَرضِ مِن أَهلِ الضَّلَالَةِ وَالهَوَى! أَلَم يَقُلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «عُرِضَت عَلَيَّ الأُمَمُ، فَرَأَيتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيطُ — أَي مَا دُونَ العَشَرَةِ —، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيسَ مَعَهُ أَحَدٌ»! فَبِاللهِ عَلَيكُم: نَبِيٌّ مِن أَنبِيَاءِ اللهِ المُرسَلِينَ يَأتِي يَومَ القِيَامَةِ وَحدَهُ لَيسَ مَعَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ قَدِ اتَّبَعَهُ مِن قَومِهِ! أَفَكَانَ ذَلِكَ النَّبِيُّ عَلَى بَاطِلٍ لِأَنَّهُ وَحدَهُ؟ أَم كَانَ قَومُهُ الكَثِيرُونَ عَلَى حَقٍّ لِأَنَّهُمُ الأَغلَبِيَّةُ السَّاحِقَةُ؟! كَلَّا وَاللهِ! بَل كَانَ النَّبِيُّ وَحدَهُ هُوَ الأُمَّةَ، وَكَانَ المَلَايِينُ مِن قَومِهِ هُمُ الهَالِكِينَ! كَمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى خَلِيلَهُ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ حِينَ وَقَفَ وَحدَهُ مُوَحِّدًا عَلَى وَجهِ الأَرضِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠]! وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَفقيهُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ لِعَمرِو بنِ مَيمُونٍ: «أَتَدرِي مَا الجَمَاعَةُ؟ الجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الحَقَّ وَإِن كُنتَ وَحدَكَ»! وَقَالَ الإِمَامُ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ فِي حِكمَةٍ تُكتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: «الزَمْ طَرِيقَ الهُدَى وَلَا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغتَرَّ بِكَثرَةِ الهَالِكِينَ»! وَقَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «يَا أَهلَ السُّنَّةِ، تَرَفَّقُوا رَحِمَكُمُ اللهُ؛ فَإِنَّكُم مِن أَقَلِّ النَّاسِ»! وَقَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي «إِعلَامِ المُوَقِّعِينَ»: «اعلَم أَنَّ الإِجمَاعَ وَالحُجَّةَ وَالسَّوَادَ الأَعظَمَ هُوَ العَالِمُ صَاحِبُ الحَقِّ وَإِن كَانَ وَحدَهُ، وَإِن خَالَفَهُ أَهلُ الأَرضِ»! أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَكَمَا حَذَّرَنَا القُرآنُ مِنَ الاغتِرَارِ بِكَثرَةِ أَهلِ البَاطِلِ، حَذَّرَنَا كَذَلِكَ مِنَ الاغتِرَارِ بِكَثرَتِنَا المَادِّيَّةِ إِذَا خَلَت مِنَ التَّقوَى وَالِافتِقَارِ إِلَى اللهِ! فَفِي غَزوَةِ بَدرٍ الكُبرَى، كَانَ المُسلِمُونَ ثَلَاثَمِئَةٍ وَبِضعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، لَيسَ مَعَهُم إِلَّا فَرَسَانِ وَسَبعُونَ بَعِيرًا، وَلَكِنَّ قُلُوبَهُم كَانَت مُعَلَّقَةً بِاللهِ وَحدَهُ، فَانتَصَرُوا عَلَى أَلفٍ مِن صَنَادِيدِ قُرَيشٍ؛ وَفِي غَزوَةِ حُنَينٍ، خَرَجَ المُسلِمُونَ فِي اثنَي عَشَرَ أَلفَ مُقَاتِلٍ، فَنَظَرَ بَعضُهُم إِلَى مَدِّ الجَيشِ وَكَثرَتِهِ وَقَالَ مُعجَبًا: «لَن نُغلَبَ اليَومَ مِن قِلَّةٍ»! فَكَانَت تِلكَ الكَلِمَةُ كَافِيَةً لِأَن يَرفَعَ اللهُ تَأْيِيدَهُ عَنهُم فِي الجَولَةِ الأُولَى حَتَّى يَعلَمُوا أَنَّ النَّصرَ مِن عِندِ اللهِ لَا مِنَ الكَثرَةِ! يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ۝ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٢٥-٢٦]. وَيَقُولُ جَلَّ شَأنُهُ فِي قِصَّةِ طَالُوتَ وَجُنُودِهِ القَلِيلِينَ أَمَامَ جَيشِ جَالُوتَ الجَرَّارِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]! وَأَمَّا الكَثرَةُ العَدَدِيَّةُ الَّتِي يَسكُنُ قُلُوبَهَا حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ وَالتَّنَازُعُ وَالفَشَلُ، فَهِيَ كَثرَةٌ غُثَائِيَّةٌ لَا وَزنَ لَهَا؛ كَمَا أَخبَرَ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ أَحمَدُ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَن تَدَاعَى عَلَيكُم كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِن قِلَّةٍ نَحنُ يَومَئِذٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بَل أَنتُم يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيلِ، وَلَيَنزِعَنَّ اللهُ مِن صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنكُم، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنيَا، وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ»! عِبَادَ اللهِ: وَمِن أَعظَمِ سُنَنِ اللهِ الكَونِيَّةِ وَالشَّرعِيَّةِ لِتَصفِيَةِ هَذَا الغُثَاءِ، وَكَشفِ الزَّيفِ، وَتَميِيزِ الصَّادِقِينَ مِنَ الكَاذِبِينَ: سُنَّةُ الِابتِلَاءِ وَالتَّمحيصِ الَّتِي يَنقَسِمُ النَّاسُ عِندَهَا إِلَى فُسطَاطَينِ مُتَمَايِزَينِ! فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ الشَّيخَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «كُنَّا قُعُودًا عِندَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ الفِتَنَ فَأَكثَرَ فِي ذِكرِهَا، حَتَّى ذَكَرَ فِتنَةَ الأَحلَاسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا فِتنَةُ الأَحلَاسِ؟ قَالَ: هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَنُهَا مِن تَحتِ قَدَمَي رَجُلٍ مِن أَهلِ بَيتِي يَزعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيسَ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَولِيَائِيَ المُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصطلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ، ثُمَّ فِتنَةُ الدُّهَيمَاءِ لَا تَدَعُ أَحَدًا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتهُ لَطمَةً، فَإِذَا قِيلَ: انقَضَت، تَمَادَت، يُصبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤمِنًا وَيُمسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسطَاطَينِ: فُسطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ! فَإِذَا كَانَ ذَاكُم فانتَظِرُوا الدَّجَّالَ مِن يَومِهِ أَو مِن غَدِهِ»! قِفُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَمَامَ هَذَا الإِعجَازِ النَّبَوِيِّ البَاهِرِ: «حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسطَاطَينِ: فُسطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ»! وَالْفُسطَاطُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ الخَيمَةُ العَظِيمَةُ الجَامِعَةُ، وَالمُعَسكَرُ الَّذِي يَنحَازُ إِلَيهِ الجُندُ وَالأَتبَاعُ! لِمَاذَا تَنتَهِي الفِتَنُ وَالأَحداثُ العِظَامُ بِانقِسَامِ النَّاسِ إِلَى هَذَينِ الفُسطَاطَينِ؟ لِأَنَّ النَّاسَ فِي أَزمِنَةِ الرَّخَاءِ وَالدَّعَةِ يَختَلِطُ فِيهِمُ الصَّادِقُ بِالمُنَافِقِ، وَالمُخلِصُ بِالمُرَائِي، وَالنَّاصِحُ بِالخَائِنِ؛ فَتَرَى المُنَافِقِينَ يَعيشُونَ فِي مَنطِقَةٍ رَمَادِيَّةٍ خَادِعَةٍ؛ يُصلُّونَ مَعَ المُؤمِنِينَ، وَيَحلِفُونَ بِالأَيمَانِ المُغَلَّظَةِ أَنَّهُم مِنهُم، بَينَمَا قُلُوبُهُم تَغلِي بِالبُغضِ لِشَرِيعَةِ اللهِ، وَأَيدِيهِم مَمدُودَةٌ فِي الظَّلَامِ لِأَعدَاءِ الدِّينِ وَالأُمَّةِ! يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاصِفًا حَالَهُم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٣]، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ۝ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨-١٣٩]. فَإِذَا حَمِيَ وَطِيسُ الِابتِلَاءِ، وَتَحَزَّبَتِ الأَحزَابُ عَلَى أَهلِ الإِيمَانِ، وَضَاقَتِ الأَرضُ، وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ؛ ذَابَتِ الأَقنِعَةُ، وَسَقَطَتِ الشِّعَارَاتُ الكَاذِبَةُ، وَانحَازَ كُلُّ امرِئٍ إِلَى مَعدِنِهِ الحَقِيقِيِّ وَفُسطَاطِهِ الَّذِي يَنتَمِي إِلَيهِ قَلبُهُ! فَأَمَّا أَهلُ النِّفَاقِ وَمَرضَى القُلُوبِ، فَيَخلَعُونَ قِنَاعَ التَّجمُّلِ، وَيُعلِنُونَ شَمَاتَتَهُم بِالمُؤمِنِينَ، وَإِعجَابَهُم بِقُوَّةِ الكَافِرِينَ، وَتَكذِيبَهُم بِوَعدِ رَبِّ العَالَمِينَ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَنهُم يَومَ الخَندَقِ: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وَكَمَا قَالَ عَنهُم يَومَ أُحُدٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: ١٦٧]! وَأَمَّا أَهلُ فُسطَاطِ الإِيمَانِ الخَالِصِ الَّذِي لَا نِفَاقَ فِيهِ، فَإِنَّ الشَّدَائِدَ لَا تَزِيدُهُم إِلَّا ثَبَاتًا وَيَقِينًا وَتَسلِيمًا وَوَلَاءً للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ؛ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ المُصطَفَى وَالسِّرَاجُ المُنِيرُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ فِقهَ حَدِيثِ الفُسطَاطَينِ وَمِيزَانِ الكَثرَةِ وَالقِلَّةِ يَحتَاجُ مِنَ المُسلِمِ البَصِيرِ إِلَى ضَبْطٍ شَرعِيٍّ دَقِيقٍ عَلَى مَنهَجِ أَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ؛ حَتَّى لَا يَزِلَّ فِي إِفرَاطِ الغُلَاةِ وَلَا فِي تَفرِيطِ المُنَافِقِينَ وَالجُفَاةِ! فَمِن جِهَةٍ أُولَى: يَجِبُ الحَذَرُ التَّامُّ مِن مَسلَكِ الخَوَارِجِ وَالغُلَاةِ الَّذِينَ يَختَطِفُونَ حَدِيثَ الفُسطَاطَينِ لِيَجْعَلُوا عِصَابَتَهُم أَو جَمَاعَتَهُم الحِزبِيَّةَ الضَّيِّقَةَ هِيَ «فُسطَاطَ الإِيمَانِ»، ثُمَّ يَرمُونَ عُمُومَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمُجتَمَعَاتِ المُسلِمِينَ بِأَنَّهُم فِي «فُسطَاطِ الكُفرِ وَالنِّفَاقِ»، فَيَستَحِلُّونَ بِذَلِكَ الدِّمَاءَ المَعصُومَةَ وَالأَموَالَ المُحَرَّمَةَ! وَهَؤُلَاءِ الغُلَاةُ قَد عَمِيَت أَبصَارُهُم عَن سِيَاقِ الحَدِيثِ نَفسِهِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَذَّرَ فِي الحَدِيثِ ذَاتِهِ مِن دُخُولِ الفِتَنِ العَميَاءِ وَقَالَ عَن فِتنَةِ الدُّهَيمَاءِ: «يُصبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤمِنًا وَيُمسِي كَافِرًا»؛ قَالَ أَئِمَّةُ الشَّرحِ: أَي بِسَبَبِ استِحلَالِهِ دَمَ أَخِيهِ المُسلِمِ وَمَالَهُ وَعِرضَهُ فِي الفِتنَةِ! وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ نَفسِهِ مُبَيِّنًا مِعيَارَ الوِلَايَةِ الشَّرعِيَّةِ: «وَإِنَّمَا أَولِيَائِيَ المُتَّقُونَ»! فَفُسطَاطُ الإِيمَانِ لَيسَ حِكرًا عَلَى حِزبٍ أَو طَائِفَةٍ مُحدَثَةٍ، بَل هُوَ مَعقِلُ كُلِّ مُسلِمٍ مُوَحِّدٍ مُتَّبِعٍ لِلكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهمِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، يَحفَظُ حُدُودَ اللهِ، وَيَصُونُ دِمَاءَ المُسلِمِينَ وَأَعرَاضَهُم، وَيُحِبُّ إِخوَانَهُ المُؤمِنِينَ وَيَنصُرُهُم، وَيَبرَأُ مِنَ الكُفرِ وَالنِّفَاقِ وَأَهلِهِمَا! وَمِن جِهَةٍ ثَانِيَةٍ: يَجِبُ الحَذَرُ التَّامُّ مِن مَسلَكِ المَخذُولِينَ المُنْبَهِرِينَ بِالكَثرَةِ الزَّائِفَةِ، الَّذِينَ يَبيعُونَ ثَوَابِتَ دِينِهِم وَعَقِيدَةِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ عِندَ أَوَّلِ مِحنَةٍ، وَيَستَوحِشُونَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ خَوفًا مِن لَومَةِ اللَّائِمِينَ أَو سُخرِيَةِ المُنَافِقِينَ! فَيَا عَبدَ اللهِ، وَيَا أَمَةَ اللهِ: إِيَّاكُم أَن تَستَوحِشُوا فِي طَرِيقِ الحَقِّ لِقِلَّةِ السَّالِكِينَ! تَذَكَّرُوا بِشَارَةَ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَدَأَ الإِسلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلغُرَبَاءِ»! وَفِي رِوَايَةِ أَحمَدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «الَّذِينَ يُصلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «نُزَّاعٌ مِنَ القَبَائِلِ، قَومٌ صَالِحُونَ فِي قَومِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَن يَعصِيهِم أَكثَرُ مِمَّن يُطِيعُهُم»! وَمَا أَصدَقَ وَأَبلَغَ قَولَ الشَّاعِرِ العَرَبِيِّ السَّمَوأَلِ فِي تَقرِيرِ أَنَّ العِبرَةَ بِالكَرمِ وَالفَضِيلَةِ لَا بِكَثرَةِ العَدَدِ: تُعَيِّرُنَا أَنَّا قَلِيلٌ عَدِيدُنَا ... فَقُلتُ لَهَا إِنَّ الكِرَامَ قَلِيلُ وَمَا قَلَّ مَن كَانَت بَقَايَاهُ مِثلَنَا ... شَبَابٌ تَسَامَى لِلعُلَى وَكُهُولُ وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي الاعتِزَازِ بِالحَقِّ وَإِن قَلَّ أَنصَارُهُ: تمَسَّكْ بِحَبلِ اللهِ وَاتَّبِعِ الهُدَى ... وَلَا تَكُ بِدعِيًّا لَعَلَّكَ تُفلِحُ وَدِنْ بِكِتَابِ اللهِ وَالسُّنَنِ الَّتِي ... أَتَت عَن رَسُولِ اللهِ تَنجُو وَتَربَحُ فَاثبُتُوا عِبَادَ اللهِ فِي فُسطَاطِ الإِيمَانِ؛ بِتَحقِيقِ التَّوحِيدِ الخَالِصِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَاتِّبَاعِ السُّنَّةِ، وَصِدقِ الوَلَاءِ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ، وَنُصرَةِ إِخوَانِكُمُ المُستَضعَفِينَ بِالدُّعَاءِ وَالبَذلِ وَالبَيَانِ، وَالِاستِعَاذَةِ الدَّائِمَةِ بِاللهِ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ؛ وَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ جَازِمٍ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلمُتَّقِينَ، وَأَنَّ طَائِفَةً مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَا تَزَالُ ظَاهِرَةً عَلَى الحَقِّ لَا يَضُرُّهُم مَن خَذَلَهُم وَلَا مَن خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمرُ اللهِ وَهُم كَذَلِكَ! ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ العَلِيمُ الخَبِيرُ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ. اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ، وَلَا تَجعَلْهُ مُلتَبِسًا عَلَينَا فَنَضِلَّ، وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا. اللَّهُمَّ اجعَلنَا فِي فُسطَاطِ الإِيمَانِ الَّذِي لَا نِفَاقَ فِيهِ، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الأَخلَاقِ، وَأَعِذنَا مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَثَبِّتنَا بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ. اللَّهُمَّ انصُر عِبَادَكَ المُؤمِنِينَ المُستَضعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاربِط عَلَى قُلُوبِهِم، وَثَبِّت أَقدَامَهُم، وَاكفِهِم شَرَّ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ بِمَا شِئتَ وَكَيفَ شِئتَ إِنَّكَ عَلَى مَا تَشَاءُ قَدِيرٌ. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.