التَّوحِيدُ وَأَثَرُهُ فِي بِنَاءِ النَّفسِ وَالأُمَّةِ وَالمُجتَمَعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ تَوحِيدِ اللهِ وَثَمَرَاتِهِ الحَضَارِيَّةِ وَالإِيمَانِيَّةِ وَكَيفِيَّةِ تَحقِيقِهِ
الحَمدُ للهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، الفَردِ الصَّمَدِ، الَّذِي لَم يَلِد وَلَم يُولَد، وَلَم يَكُن لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَتَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِقُدرَتِهِ، وَأَقَامَ الكَونَ كُلَّهُ عَلَى تَوحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ، وَجَعَلَ كَلِمَةَ التَّوحِيدِ مِفتَاحَ دَارِ السَّعَادَةِ، وَأَصلَ المِلَّةِ، وَرُوحَ النَّفسِ الزَّكِيَّةِ، وَعِمَادَ الأُمَّةِ القَوِيَّةِ العَزِيزَةِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ المُوَحِّدِينَ الشَّاكِرِينَ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُخبِتِينَ الصَّادِقِينَ، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وَالقَائِلِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَلِمَةٌ قَامَت بِهَا الأَرضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَخُلِقَت لِأَجلِهَا جَمِيعُ المَخلُوقَاتِ، وَبِهَا أُرسِلَتِ الرُّسُلُ، وَأُنزِلَتِ الكُتُبُ، وَشُرِعَتِ الشَّرَائِعُ، وَنُصِبَتِ المَوَازِينُ، وَانقَسَمَتِ الخَلِيقَةُ إِلَى أَوليَاءِ الرَّحمَنِ وَأَولِيَاءِ الشَّيطَانِ؛ كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، إِمَامُ المُوَحِّدِينَ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، الَّذِي مَكَثَ فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ عَشرَةَ سَنَةً يَغرِسُ شَجَرَةَ التَّوحِيدِ فِي القُلُوبِ، وَيَقتَلِعُ أَوثَانَ الشِّركِ وَالجَاهِلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ قَبلَ الأحجَارِ، حَتَّى صَنَعَ بِالتَّوحِيدِ مِن رُعَاةِ الشَّاءِ قَادَةَ الأُمَمِ وَهُدَاةَ البَشَرِيَّةِ، فَصَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَعَلَى التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالعَضِّ بِالنَّوَاجِذِ عَلَى عُروَةِ التَّوحِيدِ الوُثقَى الَّتِي لَا انفِصَامَ لَهَا؛ فَإِنَّ التَّوحِيدَ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُكَلَّفِينَ، وَآخِرُ مَا يَخرُجُ بِهِ المُؤمِنُ مِنَ الدُّنيَا إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ «التَّوحِيدَ» فِي الإِسلَامِ لَيسَ مَسأَلَةً نَظَرِيَّةً جَافَّةً تُحبَسُ فِي بُطُونِ الكُتُبِ، وَلَا مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَنطِقُ بِهَا اللِّسَانُ عَن عَادَةٍ وَتَقلِيدٍ دُونَ أَن يَظهَرَ سُلطَانُهَا فِي حَيَاةِ الإِنسَانِ وَعُمرَانِ الأَوطَانِ! بَل إِنَّ التَّوحِيدَ -بِأَقسَامِهِ الثَّلَاثَةِ المُتَلَازِمَةِ: تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ بِاليَقِينِ بِأَنَّ اللهَ وَحدَهُ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المُدَبِّرُ، وَتَوحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ بِإِفرَادِ اللهِ وَحدَهُ بِجَمِيعِ أَنوَاعِ العِبَادَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَتَوحِيدِ الأَسمَاءِ وَالصِّفَاتِ بِإِثبَاتِ مَا أَثبَتَهُ اللهُ لِنَفسِهِ وَأَثبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن غَيرِ تَحرِيفٍ وَلَا تَعطِيلٍ وَلَا تَكيِيفٍ وَلَا تَمثِيلٍ- هُوَ القُوَّةُ الإِلهِيَّةُ الكُبرَى الَّتِي تَصنَعُ الإِنسَانَ السَّوِيَّ، وَتَبنِي الأُمَّةَ العَزِيزَةَ، وَتُقِيمُ المُجتَمَعَ الفَاضِلَ المُتَمَاسِكَ!
وَهُوَ حَقُّ اللهِ الأَعظَمُ عَلَى عِبَادِهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: كُنتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيرٌ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَل تَدرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟»، قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ! قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَن يَعبُدُوهُ وَلَا يُشرِكُوا بِهِ شَيئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أَن لَا يُعَذِّبَ مَن لَا يُشرِكُ بِهِ شَيئًا»!
فَتَعَالَوا بِنَا -يَا عِبَادَ اللهِ- نَتَأَمَّلُ كَيفَ يَفعَلُ التَّوحِيدُ فِعلَهُ العَجِيبَ إِذَا خَالَطَت بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَكَيفَ يَبنِي النَّفسَ وَالأُمَّةَ وَالمُجتَمَعَ بِنَاءً لَا تَقوَى عَلَى مِثلِهِ جَمِيعُ فَلْسَفَاتِ الأَرضِ وَقَوَانِينِهَا:
أَمَّا أَثَرُ التَّوحِيدِ فِي «بِنَاءِ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ»، فَيَتَجَلَّى فِي أَربَعِ ثَمَرَاتٍ عُظمَى:
الثَّمَرَةُ الأُولَى: تَحرِيرُ النَّفسِ الإِنسَانِيَّةِ مِن كُلِّ عُبُودِيَّةٍ لِغَيرِ اللهِ، وَجَمعُ شَتَاتِ القَلبِ عَلَى رَبٍّ وَاحِدٍ:
فَإِنَّ الإِنسَانَ إِذَا لَم يَكُن مُوَحِّدًا للهِ تَمَزَّقَت نَفسُهُ بَينَ آلافِ الأَربَابِ وَالمَعبُودَاتِ؛ فَيَصِيرُ عَبدًا لِلدِّينَارِ وَالدِّرهَمِ، وَعَبدًا لِلشَّهوَةِ وَالهَوَى، وَعَبدًا لِلمَنصِبِ وَالجَاهِ، وَعَبدًا لِلمَخلُوقِينَ يَخَافُهُم وَيَرجُوهُم وَيَتَمَلَّقُهُم، فَيَعِيشُ فِي تِيهٍ وَتَشَتُّتٍ وَشَقَاءٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ! وَأَمَّا المُوَحِّدُ فَقَد جَمَعَ هُمُومَهُ كُلَّهَا فِي هَمٍّ وَاحِدٍ وَهُوَ إِرضَاءُ رَبِّهِ الوَاحِدِ الأَحَدِ، فَاستَرَاحَ قَلبُهُ وَسَكَنَت رُوحُهُ!
استَمِعُوا إِلَى هَذَا المَثَلِ القُرآنِيِّ المُعجِزِ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ، وَهُوَ يُصَوِّرُ الفَرقَ النَّفسِيَّ الهَائِلَ بَينَ المُشرِكِ المُشتَّتِ وَالمُوَحِّدِ المُطمَئِنِّ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]!
تَدَبَّرُوا هَذِهِ الصُّورَةَ البَيَانِيَّةَ: عَبدٌ مَملُوكٌ يَملِكُهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشُّرَكَاءِ المُتَخَاصِمِينَ المُتَعَاكِسِينَ فِي أَهوَائِهِم؛ هَذَا يَأْمُرُهُ بِأَمرٍ، وَالآخَرُ يَنهَاهُ عَنهُ، فَهُوَ فِي حَيرَةٍ دَائِمَةٍ وَعَذَابٍ مُقِيمٍ لَا يَدرِي مَن يُرضِي مِنهُم؛ وَعَبدٌ آخَرُ خَالِصٌ لِسَيِّدٍ وَاحِدٍ رَحِيمٍ كَرِيمٍ حَكِيمٍ، يَعرِفُ مَا يُرضِي سَيِّدَهُ فَيَفعَلُهُ وَيَستَرِيحُ؛ هَل يَستَوِيَانِ مَثَلًا؟!
وَالثَّمَرَةُ الثَّانِيَةُ فِي بِنَاءِ النَّفسِ: الأَمنُ النَّفسِيُّ وَالسَّكِينَةُ الرُّوحِيَّةُ، وَالتَّحَرُّرُ مِنَ الخَوفِ وَالقَلَقِ وَالهَلَعِ:
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. فَأَعظَمُ مَا يُقلِقُ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ وَيُمرِضُهَا هُوَ الخَوفُ عَلَى الرِّزقِ وَالخَوفُ عَلَى الأَجَلِ وَالخَوفُ مِن سَطوَةِ الخَلقِ؛ فَيَأتِي التَّوحِيدُ لِيَسكُبَ اليَقِينَ فِي قَلبِ المُؤمِنِ بِأَنَّ الرِّزقَ مَقسُومٌ لَا يَملِكُ مَخلُوقٌ قَطعَهُ، وَأَنَّ الأَجَلَ مَحتُومٌ لَا يَملِكُ أَحَدٌ تَقدِيمَهُ، وَأَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ! فَعَلَامَ الخَوفُ وَالجَزَعُ؟!
وَالثَّمَرَةُ الثَّالِثَةُ فِي بِنَاءِ النَّفسِ: العِزَّةُ الشَّامِخَةُ، وَالشَّجَاعَةُ الفَائِقَةُ، وَالتَّرَفُّعُ عَنِ الذِّلَّةِ وَالهَوَانِ:
فَالمُوَحِّدُ يَسجُدُ جَبِينُهُ للهِ وَحدَهُ، فَلَا يَنحَنِي رَأسُهُ بَعدَ ذَلِكَ لِطَاغِيَةٍ وَلَا لِمُتَجَبِّرٍ! انظُرُوا مَاذَا صَنَعَ التَّوحِيدُ فِي نُفُوسِ سَحَرَةِ فِرعَونَ فِي لَحظَةٍ وَاحِدَةٍ! فَفِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَبلَ التَّوحِيدِ كَانُوا يَتَذَلَّلُونَ لِفِرعَونَ طَمَعًا فِي دَرَاهِمَ مَعدُودَةٍ قَائِلِينَ: ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤١]؛ فَلَمَّا أَشرَقَ نُورُ التَّوحِيدِ فِي قُلُوبِهِم وَخَرُّوا سُجَّدًا لِرَبِّ العَالَمِينَ، تَحَوَّلُوا فِي دَقَائِقَ إِلَى جِبَالٍ شُمٍّ تَتَحَدَّى جَبَرُوتَ فِرعَونَ وَتَهدِيدَهُ بِالقَتلِ وَالصَّلبِ، وَصَاحُوا فِي وَجهِهِ بِعِزَّةِ المُوَحِّدِينَ: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢]!
وَانظُرُوا مَاذَا صَنَعَ التَّوحِيدُ فِي نَفسِ بِلَالِ بنِ رَبَاحٍ الحَبَشِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، وَكَانَ عَبدًا مُستَضعَفًا يُلقَى عَلَى الرَّمضَاءِ المُلتَهِبَةِ بمَكَّةَ وَتُوضَعُ الصَّخرَةُ العَظِيمَةُ عَلَى صَدرِهِ، فَلَا يَزِيدُ عَلَى أَن يَهتِفَ بِكَلِمَةِ التَّوحِيدِ الَّتِي هَزَمَت قُرَيشًا: «أَحَدٌ، أَحَدٌ»! وَمَاذَا صَنَعَ التَّوحِيدُ فِي نَفسِ رِبعِيِّ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ دَخَلَ بِفَرَسِهِ القَصِيرَةِ وَثِيَابِهِ المُتَوَاضِعَةِ عَلَى إيوانِ «رُستُمَ» قَائِدِ الفُرسِ المَفروشِ بِالدِّيبَاجِ وَالذَّهَبِ، فَسَأَلَهُ رُستُمُ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكُم؟ فَلَخَّصَ رِبعِيٌّ رِسَالَةَ التَّوحِيدِ فِي كَلِمَاتٍ هَزَّت عَرشَ كِسرَى كَمَا فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ وَتَارِيخِ الطَّبَرِيِّ: «اللهُ ابتَعَثَنَا لِنُخرِجَ مَن شَاءَ مِن عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، وَمِن ضِيقِ الدُّنيَا إِلَى سَعَةِ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ، وَمِن جَورِ الأَديَانِ إِلَى عَدلِ الإِسلَامِ»!
وَالثَّمَرَةُ الرَّابِعَةُ فِي بِنَاءِ النَّفسِ: يَقَظَةُ الضَّمِيرِ وَاستِقَامَةُ السُّلُوكِ فِي الخَلوَةِ وَالجَلوَةِ؛ لِأَنَّ المُوَحِّدَ يَعلَمُ أَنَّ مَعبُودَهُ الحَقَّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، فَيَستَحِيِي مِنَ اللهِ أَن يَرَاهُ حَيثُ نَهَاهُ، أَو يَفقِدَهُ حَيثُ أَمَرَهُ!
مَعَاشِرَ المُؤمِنِينَ: وَإِذَا انتَقَلنَا مِن بِنَاءِ النَّفسِ إِلَى «أَثَرِ التَّوحِيدِ فِي بِنَاءِ الأُمَّةِ وَالمُجتَمَعِ»، رَأَينَا آيَاتٍ بَاهِرَاتٍ شَهِدَ لَهَا التَّارِيخُ وَالوَاقِعُ:
الأَثَرُ الأَوَّلُ: تَوحِيدُ صَفِّ الأُمَّةِ، وَصَهرُ الشُّعُوبِ وَالقَبَائِلِ فِي بُوتَقَةِ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ الوَاحِدَةِ:
فَكَمَا أَنَّ الشِّركَ يُفَرِّقُ الشَّملَ وَيُمَزِّقُ المُجتَمَعَ إِلَى طَوَائِفَ وَعَصَبِيَّاتٍ وَطَبَقَاتٍ يَعبدُ بَعضُهَا بَعضًا، فَإِنَّ تَوحِيدَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَجمَعُ المُتَفَرِّقِينَ عَلَى رَبٍّ وَاحِدٍ، وَكِتَابٍ وَاحِدٍ، وَنَبِيٍّ وَاحِدٍ، وَقِبلَةٍ وَاحِدَةٍ!
سَلُوا التَّارِيخَ: كَيفَ كَانَت جَزِيرَةُ العَرَبِ قَبلَ دَعوَةِ التَّوحِيدِ؟ كَانَت قَبَائِلَ مُتَنَاحِرَةً تَشتَعِلُ بَينَهَا الحُرُوبُ أَربَعِينَ سَنَةً مِن أَجلِ نَاقَةٍ أَو فَرَسٍ، وَظَلَّتِ الحَربُ بَينَ الأَوسِ وَالخَزرَجِ فِي يَثرِبَ مِائَةً وَعِشرِينَ عَامًا! فَلَمَّا دَخَلَ التَّوحِيدُ قُلُوبَهُم ذَابَتِ الأَحقادُ الجَاهِلِيَّةُ، وَأَصبَحُوا بِنِعمَةِ اللهِ إِخوَانًا؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].
بِالتَّوحِيدِ وَحدَهُ جَلَسَ أَبُو بَكرٍ وَعُمَرُ القُرَشِيَّانِ إِلَى جِوَارِ سَلمَانَ الفَارِسِيِّ، وَصُهَيبٍ الرُّومِيِّ، وَبِلَالٍ الحَبَشِيِّ، إِخوَةً مُتَحَابِّينَ فِي مَسجِدٍ وَاحِدٍ وَصَفٍّ وَاحِدٍ، لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعجَمِيٍّ وَلَا لِأَبيَضَ عَلَى أَسوَدَ إِلَّا بِالتَّقوَى!
وَالأَثَرُ الثَّانِي فِي بِنَاءِ المُجتَمَعِ: سِيَادَةُ الشَّرِيعَةِ وَالعَدلِ وَالأَمَانِ الأَخلَاقِيِّ وَالاقتِصَادِيِّ:
فَالمُجتَمَعُ المَبنيُّ عَلَى التَّوحِيدِ لَا يُفَرِّقُ فِي العَدلِ بَينَ شَرِيفٍ وَوَضِيعٍ، وَلَا بَينَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ؛ لِأَنَّ الجَمِيعَ عَبِيدٌ للهِ سَوَاسِيَةٌ أَمَامَ شَرعِهِ! وَهُوَ مُجتَمَعٌ طَاهِرٌ مِنَ الفَوَاحِشِ وَالمَظَالِمِ وَالرِّبَا وَالغِشِّ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ؛ لِأَنَّ كُلَّ فَردٍ فِيهِ يَستَحضِرُ فِي سُوقِهِ وَبَيتِهِ وَوَظِيفَتِهِ مَقَامَ الوُقُوفِ بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الدَّيَّانِ!
وَالأَثَرُ الثَّالِثُ فِي بِنَاءِ الأُمَّةِ: تَحقيقُ وَعدِ اللهِ بِالِاستِخلَافِ وَالتَّمكِينِ وَالنَّصرِ وَالأَمنِ الحَضَارِيِّ:
فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَد رَبَطَ تَمكِينَ الأُمَّةِ فِي الأَرضِ وَانتِصَارَهَا عَلَى أَعدَائِهَا وَتَبَدُّلَ خَوفِهَا أَمنًا بِشَرطٍ أَسَاسِيٍّ هُوَ تَحقِيقُ التَّوحِيدِ وَنَبذُ الشِّركِ؛ قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي آيَةِ الِاستِخلَافِ الكُبرَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]!
تَأَمَّلُوا خِتَامَ الشَّرطِ الإِلَهِيِّ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾! فَمَتَى أَقَامَتِ الأُمَّةُ عِبَادَةَ اللهِ وَحدَهُ وَطَهَّرَت دِيَارَهَا وَقُلُوبَهَا مِنَ الشِّركِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، أَنجَزَ اللهُ لَهَا وَعدَهُ بِالنَّصرِ وَالتَّمكِينِ وَالعِزِّ المَكِينِ!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، الَّذِي جَعَلَ تَحقِيقَ التَّوحِيدِ سَبَبًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الكَرِيمُ الوَهَّابُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أُولِي البَصَائِرِ وَالأَلبَابِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ المَآبِ.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ أَعظَمَ سُؤَالٍ يَنبَغِي لِكُلِّ مُسلِمٍ أَن يَسأَلَهُ نَفسَهُ هُوَ: «كَيفَ أُحَقِّقُ التَّوحِيدَ فِي قَلبِي وَحَيَاتِي؟»، حَتَّى أَكُونَ مِن أَهلِ تِلكَ المَنزِلَةِ العَالِيَةِ الَّتِي بَشَّرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي السَّبعِينَ أَلفًا الَّذِينَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ، وَمَعَ كُلِّ أَلفٍ سَبعُونَ أَلفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِن حَثَيَاتِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ؛ حِينَ وَصَفَهُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِقَولِهِ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَستَرقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِم يَتَوَكَّلُونَ»!
قَالَ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ: إِنَّ «تَحقِيقَ التَّوحِيدِ» هُوَ تَصفِيَتُهُ وَتَخلِيصُهُ مِن شَوَائِبِ الشِّركِ وَالبِدَعِ وَالمَعَاصِي، وَيَتِمُّ ذَلِكَ بِأَربَعِ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
الخُطوَةُ الأُولَى: العِلمُ الصَّحِيحُ بِمَعنَى كَلِمَةِ التَّوحِيدِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَالعملُ بِمُقتَضَاهَا وَشُرُوطِهَا؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]. فَيَعلَمُ المُسلِمُ أَنَّ مَعنَاهَا: «لَا مَعبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ»، وَأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى رُكنَينِ عَظِيمَينِ هُمَا: النَّفيُ وَالإِثبَاتُ؛ فَقَولُكَ «لَا إِلَهَ» نَفيٌ لِلأُلُوهِيَّةِ عَن كُلِّ مَا سِوَى اللهِ كَائِنًا مَن كَانَ، وَقَولُكَ «إِلَّا اللهُ» إِثبَاتٌ لِلعِبَادَةِ للهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، مَعَ استِكمَالِ شُرُوطِهَا السَّبعَةِ الَّتِي دَلَّت عَلَيهَا نُصُوصُ الوَحيَينِ: العِلمِ المُنَافِي لِلجَهلِ، وَاليَقِينِ المُنَافِي لِلشَّكِّ، وَالقَبُولِ المُنَافِي لِلرَّدِّ، وَالِانقِيَادِ المُنَافِي لِلتَّركِ، وَالصِّدقِ المُنَافِي لِلكَذِبِ، وَالإِخلَاصِ المُنَافِي لِلشِّركِ، وَالمَحَبَّةِ المُنَافِيَةِ لِلبُغضِ!
وَالخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: تَطهيرُ العَقِيدَةِ وَاللِّسَانِ وَالعَمَلِ مِن نَوَاقِضِ التَّوحِيدِ وَمُنَقِّصَاتِهِ؛ فَيَجتَنِبُ المُسلِمُ كُلَّ صُوَرِ الشِّركِ الأَكبَرِ مِن دُعَاءِ غَيرِ اللهِ، أَوِ الذَّبحِ وَالنَّذرِ لِلقُبُورِ، أَوِ الذَّهَابِ إِلَى السَّحَرَةِ وَالكَهَنَةِ وَالعَرَّافِينَ؛ كَمَا يَحذَرُ أَشَدَّ الحَذَرِ مِن «الشِّركِ الأَصغَرِ وَالخَفِيِّ» الَّذِي يَجرَحُ كَمَالَ التَّوحِيدِ وَيُحبِطُ العَمَلَ؛ كَالرِّيَاءِ وَالسُّمعَةِ وَابتِغَاءِ مَدحِ النَّاسِ بِالطَّاعَةِ، أَوِ الحَلِفِ بِغَيرِ اللهِ، أَوِ التَّشَاؤُمِ وَالطِّيَرَةِ، أَو تَعلِيقِ التَّمَائِمِ وَالحُجُبِ وَالخَرَزَاتِ؛ فَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّركُ الأَصغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ»!
وَالخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: كَمَالُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللهِ، وَقَطعُ التَّعَلُّقِ القَلبِيِّ بِالأَسبَابِ وَالمَخلُوقِينَ؛ فَيَأخُذُ المُؤمِنُ بِالأَسبَابِ المَشرُوعَةِ بِجَوَارِحِهِ، وَيَبقَى قَلبُهُ مُعَلَّقًا بِمُسَبِّبِ الأَسبَابِ وَحدَهُ؛ مُمْتَثِلًا وَصِيَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ أَحمَدَ: «إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وَإِذَا استَعَنتَ فَاستَعِن بِاللهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجتَمَعَت عَلَى أَن يَنفَعُوكَ بِشَيءٍ لَم يَنفَعُوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجتَمَعُوا عَلَى أَن يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»!
وَالخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: عِمَارَةُ القَلبِ بِأَركَانِ العِبَادَةِ الثَّلَاثَةِ: كَمَالِ المَحَبَّةِ للهِ، وَكَمَالِ الرَّجَاءِ فِيهِ، وَكَمَالِ الخَوفِ مِنهُ، مَعَ كَثرَةِ تَجدِيدِ الإِيمَانِ بِذِكرِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَالهَربِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي؛ فَإِنَّ كُلَّ مَعصِيَةٍ هِيَ طَاعَةٌ لِلهَوَى وَالشَّيطَانِ تَنقُصُ مِن ثَمَرَةِ التَّوحِيدِ فِي القَلبِ!
فَحَقِّقُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- تَوحِيدَ رَبِّكُم فِي عَقَائِدِكُم وَعِبَادَاتِكُم وَأَخلَاقِكُم وَبُيُوتِكُم، وَعَلِّمُوهُ أَبنَاءَكُم وَأَهلِيكُم كَمَا كَانَ يَعقُوبُ عَلَيهِ السَّلَامُ يَأخُذُ العَهدَ بِهِ عَلَى بَنِيهِ عِندَ المَوتِ: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى إِمَامِ المُوَحِّدِينَ وَسَيِّدِ المُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجعَلنَا مِنَ المُحَقِّقِينَ لِلتَّوحِيدِ، السَّالِمِينَ مِنَ الشِّركِ وَالتَّندِيدِ، الفَائِزِينَ يَومَ الوَعِيدِ، الدَّاخِلِينَ الجَنَّةَ بِغَيرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ بِفَضلِكَ يَا حَمِيدُ يَا مَجِيدُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَن نُشرِكَ بِكَ شَيئًا نَعلَمُهُ، وَنَستَغفِرُكَ لِمَا لَا نَعلَمُهُ، اللَّهُمَّ أَحيِنَا عَلَى كَلِمَةِ التَّوحِيدِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَتَوَفَّنَا عَلَيهَا، وَاجعَل آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنيَا «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ».
اللَّهُمَّ اجمَع عَلَى التَّوحِيدِ وَالسُّنَّةِ كَلِمَةَ المُسلِمِينَ، وَوَحِّد صُفُوفَهُم، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِهِم، وَانصُرهُم عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِم، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
التَّوحِيدُ وَأَثَرُهُ فِي بِنَاءِ النَّفسِ وَالأُمَّةِ وَالمُجتَمَعِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَنزِلَةِ تَوحِيدِ اللهِ وَثَمَرَاتِهِ الحَضَارِيَّةِ وَالإِيمَانِيَّةِ وَكَيفِيَّةِ تَحقِيقِهِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.