لَا إِيمَانَ حَقِيقِيَّ إِلَّا بِتَمَامِ تَحقِيقِ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَإِن صَلَّى وَصَام
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الإِيمَانَ حَقِيقَةً تَسكُنُ القُلُوبَ فَتُحيِيهَا، وَحَلَاوَةً تَسرِي فِي الأَروَاحِ فَتُزَكِّيهَا، وَصِبغَةً رَبَّانِيَّةً تَظهَرُ عَلَى الجَوَارِحِ فَتَقُودُهَا إِلَى طَاعَةِ بَارِيهَا، وَلَم يَجعَلْهُ دَعوَى بِالأَلسِنَةِ خَالِيَةً مِنَ اليَقِين، وَلَا حَرَكَاتٍ ظَاهِرَةً خَاوِيَةً مِنَ الرِّضَا وَالإِذعَانِ وَالتَّسلِيم. أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن رَضِيَ بِهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَحَكَمًا وَمُدَبِّرًا، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، لَهُ الخَلقُ وَالأَمر، وَلَهُ الحُكمُ وَالقَضَاء، لَا مُعَقِّبَ لِحُكمِهِ وَلَا رَادَّ لِأَمرِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُه، الَّذِي جَعَلَ اللهُ طَاعَتَهُ مِن طَاعَتِه، وَجَعَلَ الرِّضَا بِحُكمِهِ وَالتَّسلِيمَ لِسُنَّتِهِ شَرطًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَحَقِيقَتِه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ سَمِعُوا وَأَطَاعُوا وَرَضُوا وَسَلَّمُوا، وَعَلَى مَنِ اقتَفَى أَثَرَهُم وَاستَنَّ بِسُنَّتِهِم إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: أُوصِيكُم وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ العَظِيم، وَتَجرِيدِ التَّوحِيدِ وَالانقِيَادِ لَهُ سُبحَانَه، وَفَحصِ القُلُوبِ وَتَفقُّدِ بَوَاطِنِهَا؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَنظُرُ إِلَى الصُّوَرِ وَالقَوَالِبِ الظَّاهِرَةِ إِذَا خَرِبَتِ القُلُوبُ وَفَسَدَتِ النِّيَّات، وَقَد أَمَرَنَا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا بِتَحقِيقِ الإِيمَانِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الإِسلَامِ حَتَّى المَمَاتِ فَقَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ مِن أَخطَرِ الأَوهَامِ الَّتِي تَسرَّبَت إِلَى عُقُولِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي الأَزمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ أَنَّهُم ظَنُّوا أَنَّ الإِيمَانَ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ تُقَالُ بِاللِّسَان، أَو شَهَادَةِ مِيلَادٍ يُكتَبُ فِيهَا أَنَّ فُلَانًا مُسلِم، أَو حَرَكَاتٍ آلِيَّةٍ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالإِمسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يَفعَلُهَا المَرءُ بِحُكمِ العَادَةِ وَالمَورُوثِ الِاجتِمَاعِيّ، بَينَمَا قَلبُهُ فِي الدَّاخِلِ مَملُوءٌ بِالِاعتِرَاضِ عَلَى أَقدَارِ الله، أَوِ الضِّيقِ وَالتَّبَرُّمِ مِن أَحكَامِ شَرِيعَةِ الإِسلَام، أَوِ التَّقَدُّمِ بِآرَاءِ البَشَرِ وَأَهوَائِهِم بَينَ يَدَي حُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم!
وَالحَقِيقَةُ الشَّرعِيَّةُ القَاطِعَةُ الَّتِي نَطَقَ بِهَا القُرآنُ الكَرِيم، وَصَدَعَت بِهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَة، وَأَجمَعَ عَلَيهَا أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَأَهلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَة: أَنَّهُ لَا إِيمَانَ حَقِيقِيَّ يَنجُو بِهِ العَبدُ عِندَ اللهِ وَيَذُوقُ بِهِ حَلَاوَةَ اليَقِينِ وَطُمَأنِينَةَ القَلبِ إِلَّا بِتَمَامِ تَحقِيقِ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا، وَإِن صَلَّى بِجَسَدِهِ وَصَامَ بِلِسَانِهِ وَبَطنِه!
فَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَسَائِرُ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ إِنَّمَا هِيَ ثَمَرَاتٌ وَفُرُوعٌ لِشَجَرَةِ الإِيمَان، وَلَا تَحيَا الفُرُوعُ وَلَا تُثمِرُ إِلَّا إِذَا كَانَ الجَذرُ وَالأَصلُ فِي القَلبِ حَيًّا ثَابِتًا، وَجَذرُ الإِيمَانِ وَرُوحُهُ هُوَ «الرِّضَا وَالتَّسلِيمُ وَالانقِيَادُ الكَامِلُ للهِ وَلِدِينِهِ وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم»!
استَمِعُوا بَصَائِرِ قُلُوبِكُم إِلَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ الَّذِي أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ العَبَّاسِ بنِ عَبدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا»!
وَأَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ أَيضًا فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَن رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَت لَهُ الجَنَّةُ»!
قَالَ أَئِمَّةُ الإِسلَامِ -كَمَا ذَكَرَ القَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمُ اللهُ-: «هَذَانِ الحَدِيثَانِ عَلَيهِمَا مَدَارُ مَقَامَاتِ الدِّينِ كُلِّهَا، وَإِلَيهِمَا يَنتَهِي»!
تَأَمَّلُوا قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: «ذَاقَ طَعمَ الإِيمَانِ»؛ فَإِنَّ لِلإِيمَانِ طَعمًا وَحَلَاوَةً يَذُوقُهَا القَلبُ كَمَا يَذُوقُ الفَمُ حَلَاوَةَ العَسَلِ وَالماءِ العَذبِ الزُّلَال! وَلَكِن مَنِ الَّذِي يَذُوقُ هَذَا الطَّعمَ وَيَحصُلُ لَهُ حَقِيقَةُ الإِيمَان؟ إِنَّهُ لَيسَ مَن يَنتَسِبُ إِلَى الإِسلَامِ بِالوِرَاثَةِ وَهُوَ سَاخِطٌ عَلَى رَبِّهِ أَو كَارِهٌ لِشَرِيعَتِهِ أَو مُعرِضٌ عَن سُنَّةِ نَبِيِّه؛ بَل هُوَ مَن حَقَّقَ أَركَانَ الرِّضَا الثَّلَاثَةَ فِي سُوَيدَاءِ قَلبِهِ وَفِي وَاقِعِ حَيَاتِه! فَتَعَالَوا بِنَا يَا عِبَادَ اللهِ نَعِشْ مَعَ هَذِهِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ العُظمَى لِنَزِنَ بِهَا إِيمَانَنَا وَنَمتَحِنَ بِهَا قُلُوبَنَا:
الأَصلُ الأَوَّلُ: تَمَامُ تَحقِيقِ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا:
مَا مَعنَى أَن تَرضَى بِاللهِ رَبًّا يَا عَبدَ الله؟ إِنَّ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا يَقُومُ عَلَى جَنَاحَينِ لَا يَصِحُّ أَحَدُهُمَا بِدُونِ الآخَر:
الجَنَاحُ الأَوَّلُ: الرِّضَا بِاللهِ إِلَهًا وَمَعبُودًا وَحَكَمًا وَمُشَرِّعًا؛ فَتَرضَى بِهِ وَحدَهُ وَلِيًّا وَنَصِيرًا، وَمَلجَأً وَمَلاذًا، فَلَا تَصرِفُ شَيئًا مِن خَالِصِ حَقِّهِ لِغَيرِه؛ لَا تَدعُو إِلَّا الله، وَلَا تَستَغِيثُ فِي الشَّدَائِدِ إِلَّا بِالله، وَلَا تَذبَحُ وَلَا تَنذُرُ إِلَّا لله، وَلَا تَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَى الله! فَمَن صَلَّى وَصَامَ ثُمَّ ذَهَبَ يَطُوفُ بِالأَضرِحَةِ وَالقُبُور، أَو يَستَغِيثُ بِالأَموَاتِ فِي الكُرُوب، أَو يُعَلِّقُ قَلبَهُ بِالتَّمَائِمِ وَالكَهَنَةِ وَالعَرَّافِين، أَو يَتَّخِذُ أَعدَاءَ اللهِ أَولِيَاءَ مِن دُونِ الله؛ فَأَينَ رِضَاهُ بِاللهِ رَبًّا؟! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مُنكِرًا عَلَى مَنِ اتَّخَذَ غَيرَ اللهِ وَلِيًّا أَو حَكَمًا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، وَقَالَ سُبحَانَه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وَالجَنَاحُ الثَّانِي مِنَ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا: الرِّضَا بِتَدبِيرِ اللهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَقِسمَتِه!
أَن تَعلَمَ يَقِينًا أَنَّ رَبَّكَ سُبحَانَهُ هُوَ الحَكِيمُ العَلِيم، وَالرَّحِيمُ اللَّطِيف، الَّذِي لَا يَقضِي لِلمُؤمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيرًا لَه؛ فَإِن أَعطَاكَ شَكَرت، وَإِن مَنَعَكَ رَضِيتَ وَعَلِمتَ أَنَّ مَنعَهُ عَطَاءٌ وَحِكمَة، وَإِنِ ابتَلَاكَ بِمَرَضٍ أَو فَقرٍ أَو فَقدِ حَبِيبٍ صَبَرتَ وَانشَرَحَ صَدرُكَ بِحُكمِ مَولَاك!
أَمَّا ذَلِكَ الَّذِي يُصَلِّي وَيَصُومُ مَا دَامَتِ الدُّنيَا مُقبِلَةً عَلَيه، وَالأَموَالُ مُتَدَفِّقَةً فِي يَدَيه، حَتَّى إِذَا امْتَحَنَهُ اللهُ بِضِيقٍ فِي الرِّزقِ أَو بَلَاءٍ فِي الجَسَدِ انقَلَبَ سَاخِطًا شَاكِيًا مُتَبَرِّمًا يَقُولُ بِلِسَانِ حَالِهِ أَو مَقَالِه: «مَاذَا فَعَلتُ يَا رَبِّ حَتَّى تَفعَلَ بِي هَذَا؟! لِمَاذَا فُلَانٌ العَاصِي فِي نِعمةٍ وَأَنَا المُصَلِّي فِي بَلَاء؟!»؛ فَهَذَا لَم يَذُق طَعمَ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا! بَل هُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ مِنَ الآيَةِ الَّتِي تَهتَزُّ لَهَا القُلُوبُ فِي سُورَةِ الحَجّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]!
قَالَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ الله: «أَصبَحتُ وَمَا لِي سُرُورٌ إِلَّا فِي مَوَاقِعِ القَدَرِ»، وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «إِنَّ اللهَ بِقِسطِهِ وَعَدلِهِ جَعَلَ الرَّوحَ وَالفَرَحَ فِي اليَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الهَمَّ وَالحُزنَ فِي الشَّكِّ وَالسَّخَطِ»!
الأَصلُ الثَّانِي: تَمَامُ تَحقِيقِ الرِّضَا بِالإِسلَامِ دِينًا:
وَمَا مَعنَى أَن يَرضَى العَبدُ بِالإِسلَامِ دِينًا يَا عِبَادَ الله؟ مَعنَاهُ أَن يَقبَلَ هَذَا الدِّينَ العَظِيمَ كُلَّهُ جُملَةً وَتَفصِيلًا، بِانشِرَاحِ صَدرٍ وَطِيبِ نَفسٍ وَاعتِزَازٍ تَامّ؛ يَرضَى بِعقِيدَتِهِ وَتَوحِيدِه، وَيَرضَى بِشَعَائِرِهِ وَعِبَادَاتِه، وَيَرضَى بِأَحكَامِهِ وَتشْرِيعَاتِهِ فِي المَالِ وَالأُسرَةِ وَالمِيرَاثِ وَالحُدُودِ وَالأَخلَاقِ وَالآدَاب!
لَا يَكُونُ مُنتَقِيًا مِنَ الدِّينِ مَا يُوَافِقُ هَوَاهُ وَمَصلَحَتَه، وَنَابِذًا لِمَا يُخَالِفُ شَهوَتَهُ وَمَطمَعَه!
كَم نَرَى اليَومَ -وَلِلأَسَفِ الشَّدِيدِ- أُنَاسًا يَشهَدُونَ الجُمَعَ وَالجَمَاعَاتِ وَيَصُومُونَ رَمَضَان، لَكِنَّكَ إِذَا ذَكَرتَ لِأَحَدِهِم حُكمَ اللهِ فِي تَحرِيمِ الرِّبَا، أَو فِي قِسمَةِ المَوَارِيثِ وَإِعطَاءِ الأَخَوَاتِ حَقَّهُنَّ الشَّرعِيّ، أَو فِي وُجُوبِ الحِجَابِ الشَّرعِيِّ وَمَنعِ التَّبَرُّجِ وَالِاختِلَاطِ المُحَرَّم، أَو فِي تَحرِيمِ الغِنَاءِ وَالمَعَازِفِ وَالرِّشوَةِ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِل؛ رأَيتَ وَجهَهُ يَتَمَعَّر، وَصَدرَهُ يَضِيق، وَلِسَانَهُ يَنطِقُ بِالِاعتِرَاضِ عَلَى أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ قَائِلًا: «هَذِهِ أَحكَامٌ قَدِيمَةٌ لَا تُنَاسِبُ عَصرَنَا الحَدِيث!» أَو «الدِّينُ فِي القَلبِ وَلَا دَخلَ لِلدِّينِ فِي تِجَارَتِنَا وَحَيَاتِنَا الشَّخصِيَّة!»
أَعيذُكُم بِاللهِ يَا عِبَادَ الله! أَيُّ إِيمَانٍ يَبقَى فِي قَلبِ مَن يَكرَهُ حُكمًا وَاحِدًا مِن أَحكَامِ اللهِ أَو يَستَبشِعُ شَرِيعَةَ الرَّحمَنِ وَإِن صَلَّى أَلفَ رَكعَةٍ وَصَامَ الدَّهرَ كُلَّه؟!
استَمِعُوا إِلَى حُكمِ اللهِ الفَاصِلِ فِي مَن كَرِهَ مَا أَنزَلَ اللهُ فِي سُورَةِ مُحَمَّد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]! حَبِطَت أَعمَالُهُم كُلُّهَا؛ صَلَاتُهُم وَصِيَامُهُم وَصَدَقَاتُهُم، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُم «كَرِهُوا مَا أَنزَلَ الله» وَلَم يَرضَوا بِالإِسلَامِ دِينًا وَشَرِيعَةً وَمِنهَاجَ حَيَاة!
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِن هَذِهِ الانتِقَائِيَّةِ المَحقُوقَةِ الَّتِي هِيَ خَصلَةٌ مِن خِصَالِ بَنِي إِسرَائِيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥].
وَأَعلَنَ القُرآنُ الكَرِيمُ القَاعِدَةَ الكُبرَى الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ الإِيمَانُ إِلَّا بِهَا فِي قَولِهِ سُبحَانَه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فَالمُؤمِنُ الصَّادِقُ قَد يَضعُفُ أَحيَانًا فَيَقَعُ فِي مَعصِيَةٍ بِسَبَبِ غَلَبَةِ الشَّهوَة، لَكِنَّهُ فِي أَعمَاقِ قَلبِهِ مُعَظِّمٌ لِحُكمِ الله، رَاضٍ بِشَرعِ الله، مُعتَرِفٌ بِذَنبِهِ وَتَقصِيرِه، يَعلَمُ أَنَّ الحَقَّ وَالخَيرَ وَالحِكمَةَ وَالعَدلَ كُلَّهُ فِيمَا شَرَعَهُ الله! أَمَّا مَن يَرفُضُ حُكمَ اللهِ بِقَلبِهِ أَو يَستَعلِي عَلَى شَرِيعَةِ الإِسلَامِ بِعَقلِهِ القَاصِرِ أَو يَبتَغِي غَيرَ الإِسلَامِ مَنهَجًا وَمِيزَانًا، فَقَد حَكَمَ اللهُ عَلَيهِ بِالخُسرَانِ المُبِينِ حَيثُ قَال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
الأَصلُ الثَّالِثُ: تَمَامُ تَحقِيقِ الرِّضَا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا:
وَأَمَّا الرُّكنُ الثَّالِثُ الَّذِي لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبدٍ إِلَّا بِه، فَهُوَ الرِّضَا التَّامُّ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا وَإِمَامًا وَقُدوَةً وَحَكَمًا!
أَتَدرُونَ يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ أَقسَمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنَفسِهِ الكَرِيمَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عَلَى نَفيِ الإِيمَانِ عَن كُلِّ مَن لَم يَرضَ بِحُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رِضًا كَامِلًا بِلَا ضِيقٍ وَلَا حَرَج؟! استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَقطَعُ كُلَّ جَدَل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]!
تَدَبَّرُوا مَعِي هَذِهِ المَرَاتِبَ الثَّلَاثَ الَّتِي اشْتَرَطَهَا اللهُ لِوُجُودِ الإِيمَان:
المَرتَبَةُ الأُولَى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أَي يَرجِعُوا إِلَى سُنَّتِكَ وَحُكمِكَ فِي كُلِّ نِزَاعٍ وَخِلَافٍ صَغُرَ أَو كَبُر، فَلَا يُقَدِّمُوا عَلَى حَدِيثِكَ عَادَةً قَبَلِيَّة، وَلَا هَوًى نَفسِيًّا، وَلَا رَأيَ مَخلُوقٍ كَائِنًا مَن كَان!
وَلَكِن هَل يَكفِي التَّحَاكُمُ الظَّاهِرِيُّ وَحدَهُ؟ لَا وَالله! بَل قَالَ فِي المَرتَبَةِ الثَّانِيَة: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾! وَالحَرَجُ هُوَ الضِّيق! فَلَو أَنَّ إِنسَانًا نَفَّذَ حُكمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الظَّاهِرِ لَكِنَّهُ وَجَدَ فِي صَدرِهِ ضِيقًا وَانقِبَاضًا وَاعتِرَاضًا عَلَى حُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، لَم يَكُن مُحَقِّقًا لِهَذَا الشَّرط!
ثُمَّ جَاءَتِ المَرتَبَةُ الثَّالِثَةُ المُتَوِّجَةُ لِلرِّضَا: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾! أَكََّدَ الفِعلَ بِالمَصدَرِ «تَسلِيمًا» لِيَدُلَّ عَلَى الانقِيَادِ التَّامِّ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ الَّذِي لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ وَلَا مُعَارَضَة!
انظُرُوا كَيفَ حَقَّقَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم هَذَا الرِّضَا العَظِيم:
فِي قِصَّةِ الآيَةِ نَفسِهَا -كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ- اختَصَمَ الزُّبَيرُ بنُ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَعَ رَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِي يَسقُونَ بِهَا النَّخل، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيرِ بَعدَ أَن أَشَارَ عَلَيهِ بِالرِّفق: «اسقِ يَا زُبَيرُ ثُمَّ أَرسِلِ المَاءَ إِلَى جَارِكَ»، فَغَضِبَ الأَنصَارِيُّ وَقَالَ كَلِمَةً شَنيِعَة: «أَن كَانَ ابنَ عَمَّتِكَ يَا رَسُولَ الله!» أَي حَكَمْتَ لَهُ لِأَنَّهُ قَرِيبُك! فَتَلَوَّنَ وَجهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وَنَزَلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُقسِمُ بِاللهِ أَنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَن وَجَدَ فِي صَدرِهِ حَرَجًا مِن قَضَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم!
وَلِهَذَا كَانَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا سُئِلَ عَن مَسأَلَةٍ فَرَوَى فِيهَا حَدِيثًا صَحِيحًا عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ لَهُ السَّائِل: «يَا أَبَا عَبدِ الله، أَتَأخُذُ بِهَذَا الحَدِيث؟» انتَفَضَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وَقَالَ كَلِمَتَهُ المَشهُورَة: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرضٍ تُقِلُّنِي، إِذَا رَوَيتُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فَلَم آخُذْ بِه؟! أَشهَدُكُم أَنَّ عَقلِي قَد ذَهَبَ إِن لَم أَرضَ بِحُكمِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم!». وَلِلَّهِ دَرُّ القَائِل:
دَعُوا كُلَّ قَولٍ عِندَ قَولِ مُحَمَّدٍ ... فَمَا آمَنٌ فِي دِينِهِ كَمُخَاطِرِ
فَطَاعَتُهُ فَرضٌ وَمِنهَاجُ سُنَّةٍ ... بِهَا يَستَنِيرُ القَلبُ عِندَ البَصَائِرِ
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيه، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَالعَاقِبَةُ لِلمُتَّقِين، وَلَا عُدوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِين، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الوَعدِ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ الله: هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَومًا: لِمَاذَا جُمِعَت هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ بِذَاتِهَا -الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا- فِي حَدِيثِ تَذَوُّقِ طَعمِ الإِيمَان؟
السِّرُّ المَهِيبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الأُصُولَ الثَّلَاثَةَ هِيَ بِعَينِهَا «أَسئِلَةُ الِامتِحَانِ الأَكبَرِ فِي أَوَّلِ لَيلَةٍ فِي القَبرِ»!
فَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المَشهُورِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ المَلَكَينِ يَأتِيَانِ العَبدَ فِي قَبرِهِ فَيُجلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَه: «مَن رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَن نَبِيُّكَ؟».
وَاعلَمُوا يَقِينًا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ الجَوَابَ فِي تِلكَ الحُفرَةِ المَظلِمَةِ لَا يَكُونُ بِحِفظِ اللِّسَانِ وَمَعلُومَاتِ الذَّاكِرَة؛ وَإِلَّا فَكُلُّ مُنَافِقٍ فِي الدُّنيَا يَعرِفُ بِذِهنِهِ أَنَّ اللهَ رَبُّهُ وَالإِسلَامَ دِينُهُ وَمُحَمَّدًا نَبِيُّه! وَلَكِنْ حِينَ يُوضَعُ فِي القَبرِ وَيُسأَل، يَنعَقِدُ لِسَانُهُ وَيَقول: «هَاه هَاه لَا أَدرِي! سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيئًا فَقُلتُهُ»!
لِمَاذَا نَسِيَ الجَوَابَ وَإِن كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ وَيَصُومُ فِي الظَّاهِر؟ لِأَنَّهُ قَالَهَا فِي الدُّنيَا بِلِسَانِهِ تَقلِيدًا لِلنَّاسِ وَلَم يُحَقِّقْهَا فِي قَلبِهِ رِضًا وَيَقِينًا وَتَسلِيمًا وَانقِيَادًا!
أَمَّا المُؤمِنُ الصَّادِقُ الَّذِي عَاشَ فِي الدُّنيَا رَاضِيًا بِاللهِ رَبًّا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاء، رَاضِيًا بِالإِسلَامِ دِينًا فِي المَنشَطِ وَالمَكرَه، رَاضِيًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَحَكَمًا وَقُدوَةً فِي كُلِّ شُؤُونِ حَيَاتِه، فَإِنَّ اللهَ يُثَبِّتُهُ فِي قَبرِهِ فَيَنطِقُ بِمَا عَاشَ عَلَيهِ قَلبُهُ قَائِلًا بِكُلِّ ثَبَات: «رَبِّيَ الله، وَدِينِيَ الإِسلَام، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم»! وَذَلِكَ مِصدَاقُ قَولِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
فَيَا عِبَادَ الله: إِذَا أَرَدتُم أَن تَحيَوا حَيَاةَ السُّعَدَاء، وَتَذُوقُوا حَلَاوَةَ الإِيمَانِ فِي صَلَاتِكُم وَصِيَامِكُم وَمَنَاجَاتِكُم، وَتَثبُتُوا عِندَ السُّؤَالِ يَومَ اللِّقَاء، فَجَدِّدُوا فِي قُلُوبِكُم كُلَّ يَومٍ عَهدَ الرِّضَا وَالتَّسلِيم!
فَتِّشُوا فِي صُدُورِكُم: هَل فِيهَا ذَرَّةُ سَخَطٍ عَلَى قَدَرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عَلَيكُم؟ فَاستَغفِرُوا اللهَ وَاسأَلُوهُ الرِّضَا بِالقَضَاء!
وَهَل فِي قُلُوبِكُم أَو بُيُوتِكُم أَو مُعَامَلَاتِكُم تَحَرُّجٌ أَوِ استِثقَالٌ لِحُكمٍ مِن أَحكَامِ الإِسلَامِ أَو سُنَّةٍ مِن سُنَنِ سَيِّدِ الأَنَامِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم؟ فَاخلَعُوا رِدَاءَ الهَوَى، وَقولُوا كَمَا قَالَ المُؤمِنُونَ الصَّادِقُون: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]!
وَاحرِصُوا عَلَى تَردِيدِ هَذَا الذِّكرِ النَّبَوِيِّ العَظِيمِ بِقُلُوبٍ حَاضِرَةٍ مُوقِنَةٍ عَقِبَ سَمَاعِ المُؤَذِّن، وَفِي أَذكَارِ الصَّبَاحِ وَالمَسَاء؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: «مَن قَالَ حِينَ يَسمَعُ المُؤَذِّنَ: أَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنبُهُ»!
قُلهَا بِلِسَانِكَ وَصَدِّقْهَا بِقَلبِكَ وَبَرهِنْ عَلَيهَا بِاستِقَامَةِ جَوَارِحِك، تَفُزْ بِمَغفِرَةِ الذُّنُوبِ وَتَذُقْ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَتَظفَرْ بِجَنَّةِ الرَّحمَن!
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِير، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُمُ العَلِيُّ الكَبِيرُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّين؛ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَرَحمَتِكَ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نُشهِدُكَ وَنُشهِدُ مَلَائِكَتَكَ وَحَمَلَةَ عَرشِكَ أَنَّنَا قَد رَضِينَا بِكَ رَبًّا، وَبِالإِسلَامِ دِينًا، وَبِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَرَسُولًا؛ اللَّهُمَّ فَثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى هَذَا الرِّضَا فِي المَحيَا وَالمَمَاتِ وَعِندَ سُؤَالِ القَبرِ وَيَومَ العَرضِ عَلَيك! اللَّهُمَّ أَذِقنَا طَعمَ الإِيمَان، وَبَردَ اليَقِين، وَحَلَاوَةَ المُنَاجَاة، وَلَذَّةَ الطَّاعَة، وَاشْرَح صُدُورَنَا لِقَبُولِ حُكمِكَ وَحُكمِ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِلَا ضِيقٍ وَلَا حَرَج! اللَّهُمَّ نَسأَلُكَ الرِّضَا بَعدَ القَضَاء، وَبَردَ العَيشِ بَعدَ المَوت، وَلَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجهِكَ الكَرِيم، وَالشَّوقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتنَةٍ مُضِلَّة! اللَّهُمَّ أَصلِح قُلُوبَنَا وَأَعمَالَنَا، وَتَقَبَّل صَلَاتَنَا وَصِيَامَنَا وَسَائِرَ طَاعَاتِنَا، وَأَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ يَا رَبَّ العَالَمِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
لَا إِيمَانَ حَقِيقِيَّ إِلَّا بِتَمَامِ تَحقِيقِ الرِّضَا بِاللهِ رَبًّا وَبِالإِسلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا وَإِن صَلَّى وَصَام
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.