من مكتبة مِداد الخطيب

خُطُورَةُ الحَسَدِ وَضَرَرُ العَينِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن دَاءِ الحَاسِدِينَ وَحَقِيقَةِ الإِصَابَةِ بِالعَينِ وَطُرُقِ الوِقَايَةِ وَالعِلَاجِ الشَّرعِيِّ

مشاركة
خُطُورَةُ الحَسَدِ وَضَرَرُ العَينِ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن دَاءِ الحَاسِدِينَ وَحَقِيقَةِ الإِصَابَةِ بِالعَينِ وَطُرُقِ الوِقَايَةِ وَالعِلَاجِ الشَّرعِيِّ الحَمدُ للهِ الحَكِيمِ العَلِيم، الرَّزَّاقِ ذِي القُوَّةِ المَتِين، الَّذِي قَسَمَ بَينَ عِبَادِهِ مَعِيشَتَهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا بِحِكمَتِهِ وَعَدلِهِ المَبِين، وَأَمَرَنَا أَن نَستَعِيذَ بِرَبِّ الفَلَقِ مِن شَرِّ الحَاسِدِينَ وَالعَائِنِين، وَجَعَلَ ذِكرَهُ وَالتَّوَكُّلَ عَلَيهِ حِصنًا حَصِينًا يَردُّ سِهَامَ النُّفُوسِ الخَبِيثَةِ عَنِ المُؤمِنِين، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ۝ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ۝ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ۝ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ ۝ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١-٥]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ مَن رَضِيَ بِقِسمَةِ مَولَاه، وَطَهَّرَ قَلبَهُ مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ لِعِبَادِ الله، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ حَقِيقَةَ الحَسَدِ وَضَرَرَ العَينِ، وَأَرشَدَهَا إِلَى دَوَاءِ الوَحيَينِ دُونَ غُلُوٍّ أَو تَفريطٍ أَو مَين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَمَنِ اتَّقَى اللهَ كَفَاهُ، وَمَنِ اعتَصَمَ بِهِ حَفِظَهُ وَحَمَاهُ وَتَوَلَّاه، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ مِن أَخطَرِ الأَدوَاءِ القَلبِيَّةِ الَّتِي تَفتِكُ بِالأَفرَادِ وَالأُسَرِ وَالمُجتَمَعَات، وَتُحِيلُ المَوَدَّةَ إِلَى عَدَاوَات، وَتَبعَثُ مِنَ النُّفُوسِ المَرِيضَةِ سِهَامًا تُؤذِي الأَجسَادَ وَالأَرزَاقَ وَالبُيُوتَ وَالثَّمَرَات؛ دَاءً قَدِيمًا حَذَّرَ اللهُ مِنهُ فِي كِتَابِه، وَحَذَّرَ مِنهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِه؛ أَلَا وَهُوَ «دَاءُ الحَسَدِ وَضَرَرُ العَينِ الحَاسِدَةِ»! عِبَادَ اللهِ: مَا هُوَ الحَسَدُ؟ الحَسَدُ هُوَ أَن يَتَأَلَّمَ القَلبُ المَرِيضُ إِذَا رَأَى نِعمَةً مِن نِعَمِ اللهِ عَلَى أَخِيهِ المُسلِمِ؛ مِن مَالٍ، أَو وَلَدٍ، أَو صِحَّةٍ، أَو عِلمٍ، أَو زَوَاجٍ، أَو مَحبَّةٍ فِي قُلُوبِ الخَلق، فَيَكرَهَ تِلكَ النِّعمَةَ وَيَتَمَنَّى زَوَالَهَا عَن صَاحِبِهَا! وَتَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ قُبحَ هَذَا الخُلُقِ الذَّمِيم؛ فَإِنَّ الحَاسِدَ فِي حَقِيقَةِ أَمرِهِ مُعتَرِضٌ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، كَارِهٌ لِقِسمَةِ الرَّحمَنِ، سَاخِطٌ عَلَى حِكمَةِ المَلِكِ الدَّيَّان! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُنكِرًا عَلَى أَهلِ الحَسَد: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، وَقَالَ سُبحَانَهُ قَاطِعًا مَادَّةَ الحَسَدِ مِن جُذُورِهَا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]. لَقَد كَانَ الحَسَدُ هُوَ أَوَّلَ ذَنبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ؛ حِينَ حَسَدَ إِبلِيسُ اللَّعِينُ أَبَانَا آدَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ عَلَى مَا كَرَّمَهُ اللهُ بِهِ، فَأَبَى وَاستَكبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِين! وَكَانَ الحَسَدُ هُوَ أَوَّلَ ذَنبٍ سُفِكَ بِهِ الدَّمُ الحَرَامُ عَلَى وَجهِ الأَرضِ؛ حِينَ حَسَدَ أَحَدُ ابنَي آدَمَ أَخَاهُ لَمَّا تَقَبَّلَ اللهُ مِن أَخِيهِ وَلَم يَتَقَبَّلْ مِنهُ فَقَتَلَهُ فَأَصبَحَ مِنَ الخَاسِرِين! وَلِذَلِكَ حَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ مِن هَذَا الدَّاءِ المُهلِكِ الَّذِي يَحلِقُ الدِّينَ وَيَأكُلُ الحَسَنَات؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانًا». وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَسُنَنِ التِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَنِ الزُّبَيرِ بنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «دَبَّ إِلَيكُم دَاءُ الأُمَمِ قَبلَكُم: الحَسَدُ وَالبَغضَاءُ؛ هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحلِقُ الشَّعرَ، وَلَكِن تَحلِقُ الدِّينَ!». وَأَمَّا تَمَنِّي مِثلِ نِعمَةِ الغَيرِ فِي طَاعَةِ اللهِ دُونَ تَمَنِّي زَوَالِهَا عَنهُ، فَذَلِكَ هُوَ «الغِبطَةُ المَحمُودَةُ» الَّتِي قَالَ فِيهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثنَتَينِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكمَةَ فَهُوَ يَقضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا». أَيُّهَا المُسلِمُونَ: وَمِن رَحِمِ الحَسَدِ وَالإِعجَابِ المَقرُونِ بِخبثِ النَّفسِ أَوِ الغَفلَةِ عَن ذِكرِ اللهِ، يَتَوَلَّدُ «ضَرَرُ العَينِ»! فَمَا هِيَ العَينُ؟ وَمَا حَقِيقَتُهَا فِي مِيزَانِ الشَّرعِ الحَكِيم؟ يَقُولُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ «زَادِ المَعَادِ» مُحَقِّقًا العِلَاقَةَ بَينَ الحَسَدِ وَالعَين: «كُلُّ عَائِنٍ حَاسِدٌ، وَلَيسَ كُلُّ حَاسِدٍ عَائِنًا؛ فَلَمَّا كَانَ الحَاسِدُ أَعَمَّ مِنَ العَائِنِ، كَانَتِ الِاستِعَاذَةُ مِن شَرِّ الحَاسِدِ فِي سُورَةِ الفَلَقِ شَامِلَةً لِلِاستِعَاذَةِ مِنَ العَائِنِ! وَهِيَ سِهَامٌ تَخرُجُ مِن نَفسِ الحَاسِدِ وَالعَائِنِ نَحوَ المَحسُودِ وَالمَعِين، تُصِيبُهُ تَارَةً وَتُخطِئُهُ تَارَةً؛ فَإِن صَادَفَتهُ حَاسِرًا لَا وِقَايَةَ عَلَيهِ أَثَّرَت فِيهِ، وَإِن صَادَفَتهُ حَذِرًا شَاكِيَ السِّلَاحِ بِالذِّكرِ وَالتَّعَوُّذِ لَم يَبقَ لِلسِّهَامِ فِيهِ مَنفَذٌ، وَرُبَّمَا رُدَّتِ السِّهَامُ عَلَى صَاحِبِهَا!». عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الإِصَابَةَ بِالعَينِ حَقِيقَةٌ ثَابِتَةٌ بِالقُرآنِ وَالسُّنَّةِ وَالوَاقِعِ المَشهُود، لَا يُنكِرُهَا إِلَّا جَاهِلٌ بِالوَحيِ وَغَوَامِضِ الأَروَاح، مَعَ يَقِينِنَا التَّامِّ أَنَّ العَينَ لَا تَضُرُّ بِنَفسِهَا استِقلَالًا، بَل لَا تَضُرُّ إِلَّا بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِه! فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «العَينُ حَقٌّ». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العَينُ حَقٌّ، وَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ سَبَقَتهُ العَينُ، وَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا». وَأَخرَجَ البَزَّارُ وَالطَّيَالِسِيُّ بِإِسنَادٍ حَسَّنَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ وَغَيرُهُ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَكثَرُ مَن يَمُوتُ مِن أُمَّتِي بَعدَ قَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ بِالعَينِ!». وَتَعَالَوا بِنَا يَا عِبَادَ اللهِ نَقِفْ مَعَ قِصَّتَينِ نَبَوِيَّتَينِ صَحِيحَتَينِ تُبَيِّنَانِ لَنَا كَيفَ يَقَعُ ضَرَرُ العَينِ حَتَّى مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ إِذَا أُعجِبَ بِشَيءٍ فَلَم يَدعُ بِالبَرَكَةِ، وَكَيفَ عَالَجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: القِصَّةُ الأُولَى: مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِي «المُوَطَّأِ» وَالإِمَامُ أَحمَدُ فِي «المُسنَدِ» وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: اغتَسَلَ أَبِي سَهلُ بنُ حُنَيفٍ بِالخَرَّارِ -وَهُوَ وادٍ مِن أَودِيَةِ المَدِينَةِ- فَنَزَعَ جُبَّةً كَانَت عَلَيهِ، وَعَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ يَنظُرُ إِلَيهِ -وَكِلَاهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ البَدرِيِّينَ الأَخيَار- وَكَانَ سَهلٌ رَجُلًا أَبيَضَ حَسَنَ الجِلدِ، فَقَالَ لَهُ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ مُتعَجِّبًا: «مَا رَأَيتُ كَاليَومِ وَلَا جِلدَ مُخَبَّأَةٍ!»؛ أَي وَلَا جِلدَ فَتَاةٍ عَذرَاءَ فِي خِدرِهَا! قَالَ: فَلُبِطَ سَهلٌ مَكَانَهُ -أَي سَقَطَ عَلَى الأَرضِ يَتَصَرَّعُ مِن شِدَّةِ الحُمَّى وَالأَلَم!- فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، هَل لَكَ فِي سَهلِ بنِ حُنَيفٍ؟ وَاللهِ مَا يَرفَعُ رَأسَهُ!»، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هَل تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا؟»، قَالُوا: «نَظَرَ إِلَيهِ عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ!». فَدَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَامِرًا فَتَغَيَّظَ عَلَيهِ وَقَالَ لَهُ كَلِمَةً عَظِيمَةً تَهُزُّ المَسَامِع: «عَلَامَ يَقتُلُ أَحَدُكُم أَخَاهُ؟! هَلَّا إِذَا رَأَيتَ مَا يُعجِبُكَ بَرَّكتَ!»، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اغتَسِلْ لَهُ»، فَغَسَلَ عَامِرٌ وَجهَهُ وَيَدَيهِ وَمِرفَقَيهِ وَرُكبَتَيهِ وَأَطرَافَ رِجلَيهِ وَدَاخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ ذَلِكَ المَاءُ عَلَى سَهلٍ مِن خَلفِهِ، فَقَامَ سَهلٌ مَعَ النَّاسِ فَوْرًا لَيسَ بِهِ بَأسٌ! وَالقِصَّةُ الثَّانِيَةُ: مَا أَخرَجَهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الصَّحَابِيَّةِ الجَلِيلَةِ أَسمَاءَ بِنتِ عُمَيسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّهَا قَالَت: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ وَلَدَ جَعفَرٍ تُسرِعُ إِلَيهِمُ العَينُ، أَفَأَستَرقِي لَهُم؟»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «نَعَم، فَلَو كَانَ شَيءٌ سَابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتهُ العَينُ!». وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيتِهَا جَارِيَةً فِي وَجهِهَا سَفعَةٌ -أَي تَغَيُّرٌ وَشُحُوبٌ- فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «استَرقُوا لَهَا؛ فَإِنَّ بِهَا النَّظرَةَ!»؛ أَي أَصَابَتهَا العَين. أَرَأَيتُم يَا عِبَادَ اللهِ كَيفَ تَعمَلُ العَينُ وَالحَسَدُ فِي الصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ وَالبُيُوتِ وَالأَولَادِ بِإِذنِ الله؟! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِنهَجَ الإِسلَامِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الحَسَدِ وَضَرَرِ العَينِ مِنهَجٌ وَسَطٌ بَينَ طَرَفَينِ مَذمُومَين: بَينَ الجُحُودِ وَالإِهمَالِ لِلأَذكَارِ وَالتَّحصِينِ، وَبَينَ الهَوَسِ وَالوَسْوَاسِ الَّذِي يَجعَلُ صَاحِبَهُ يَتَّهِمُ النَّاسَ فِي كُلِّ عَثرَةٍ أَو زُكَامٍ أَو كَسَل! وَقَد شَرَعَ لَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَمسَ خُطُوَاتٍ عَمَلِيَّةٍ لِلوِقَايَةِ وَالعِلَاجِ مِنَ الحَسَدِ وَالعَين: الخُطوَةُ الأُولَى: تَطهيرُ القُلُوبِ مِنَ الحَسَدِ، وَتَعوِيدُ اللِّسَانِ عَلَى التَّبرِيكِ عِندَ رُؤيَةِ مَا يُعجِب! فَإِذَا رَأَيتَ يَا عَبدَ اللهِ فِي نَفسِكَ أَو مَالِكَ أَو وَلَدِكَ أَو عِندَ أَخِيكَ المُسلِمِ نِعمَةً تُعجِبُكَ، فَبَادِرْ فَوْرًا بِالدُّعَاءِ بِالبَرَكَةِ قَائِلًا: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ، مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ»، عَمَلًا بِأَمرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «هَلَّا إِذَا رَأَيتَ مَا يُعجِبُكَ بَرَّكتَ!». وَالخُطوَةُ الثَّانِيَةُ: الحِفظُ وَالتَّحصِينُ اليَومِيُّ بِالقُرآنِ وَالأَذكَارِ النَّبَوِيَّة! فَمَن حَافَظَ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الكُرسِيِّ، وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وَسُورَةِ الإِخلَاصِ وَالمُعَوِّذَتَينِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ وَعِندَ النَّومِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ، كَفَاهُ اللهُ كُلَّ شَيء، كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ خُبَيبٍ رَضِيَ اللهُ عَنه. وَكُفُّوا عَن أَطفَالِكُم سِهَامَ العَينِ بِتَعوِيذِهِم كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالحُسَينَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَائِلًا: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ، مِن كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِن كُلِّ عَينٍ لَامَّةٍ». وَالخُطوَةُ الثَّالِثَةُ: الحَذَرُ مِنَ المُبَالَغَةِ فِي استِعرَاضِ النِّعَمِ وَالخُصُوصِيَّاتِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُل! إِنَّ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ تَفَشِّي الحَسَدِ وَالعَينِ فِي زَمَانِنَا هَذَا الفَوضَى العَجِيبَةَ فِي تَصوِيرِ المَوَائِدِ، وَالأَطفَالِ، وَالهَدَايَا، وَالسَّفَرِيَّاتِ، وَالأَفْرَاحِ الخَاصَّةِ، وَنَشرِهَا أَمَامَ آلَافِ الأَعيُنِ الَّتِي فِيهَا الفَقِيرُ المَحرُومُ، وَالمَريضُ المُتَأَلِّمُ، وَالحَاسِدُ الحَقُود! تَذَكَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ وَصِيَّةَ نَبِيِّ اللهِ يَعقُوبَ عَلَيهِ السَّلَامُ لِأَبنَائِهِ حِينَ خَشِيَ عَلَيهِمُ العَينَ لِجَمَالِهِم وَكَثرَتِهِم: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧]. وَالخُطوَةُ الرَّابِعَةُ: التَّدَاوِي بِالرُّقيَةِ الشَّرعِيَّةِ وَغُسلِ العَائِنِ عِندَ وُقُوعِ الإِصَابَة! فَإِن عُرِفَ العَائِنُ طُلِبَ مِنهُ أَن يَغتَسِلَ أَو يَتَوَضَّأَ لِأَخِيهِ، وَعلَى المَطلُوبِ مِنهُ أَن يُجِيبَ طَاعَةً لِأَمرِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَإِذَا استُغسِلتُم فَاغسِلُوا» دُونَ حَرَجٍ أَو غَضَب. وَإِن لَم يُعرَفِ العَائِنُ، فَالرُّقيَةُ بِسُورَةِ الفَاتِحَةِ وَالمُعَوِّذَتَينِ وَرُقيَةِ جِبرِيلَ عَلَيهِ السَّلَامُ الثَّابِتَةِ فِي صَحِيحِ مُسلِم: «بِاسمِ اللهِ أَرقِيكَ، مِن كُلِّ شَيءٍ يُؤذِيكَ، مِن شَرِّ كُلِّ نَفسٍ أَو عَينِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشفِيكَ، بِاسمِ اللهِ أَرقِيكَ» هِيَ الشِّفَاءُ النَّافِعُ الكَافِي بِإِذنِ الله. وَالخُطوَةُ الخَامِسَةُ: الحَذَرُ التَّامُّ مِنَ التَّمَائِمِ وَالخَرَزَاتِ الزَّرقَاءِ وَالكَفِّ وَحَدوَةِ الفَرَسِ وَأَعمَالِ الدَّجَّالِين! فَإِنَّ تَعلِيقَ العَينِ الزَّرقَاءِ أَوِ الخَرَزَةِ أَوِ التَّمِيمَةِ لِدَفعِ الحَسَدِ شِركٌ يَقدَحُ فِي التَّوحِيدِ وَلَا يَزِيدُ صَاحِبَهُ إِلَّا وَهنًا وَبَلَاء، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي مُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عُقبَةَ بنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنه: «مَن عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَد أَشرَكَ». وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ عَاقِبَةَ الحَسَدِ وَعِزَّةَ المُتَحَصِّنِ بِالله: اصبِرْ عَلَى كَيدِ الحَسُودِ فَإِنَّ صَبرَكَ قَاتِلُهْ ... فَالنَّارُ تَأكُلُ بَعضَهَا إِن لَم تَجِدْ مَا تَأكُلُهْ وَحِمَاكَ بِالرَّحمَنِ حِصنٌ شَامِخٌ لَا يُثلَمُ ... مَن لَاذَ بِالذِّكرِ الحَكِيمِ مِنَ الأَذِيَّةِ يَسلَمُ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُم لِإِخوَانِكُم، وَحَصِّنُوا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُم بِذِكرِ رَبِّكُم وَالتَّوَكُّلِ عَلَيه. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الحَسَدِ وَالغِلِّ وَالبَغضَاءِ وَالشَّحنَاء، وَاجعَلنَا إِخوَانًا مُتَحَابِّينَ فِيكَ يَا رَبَّ العَالَمِين. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقت، وَمِن شَرِّ كُلِّ شَيطَانٍ وَهَامَّة، وَمِن كُلِّ عَينٍ لَامَّة، وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَد. اللَّهُمَّ احفَظنَا وَأَهلِينَا وَأَولَادَنَا وَأَموَالَنَا بِحِفظِكَ الجَمِيل، وَاكلَأنَا بِرِعَايَتِكَ الَّتِي لَا تَنَام، وَاشفِ كُلَّ مَريضٍ وَمُبتَلًى مِنَ المُسلِمِينَ شِفَاءً عَاجِلًا لَا يُغَادِرُ سَقَمًا. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.