من مكتبة مِداد الخطيب

تَعظِيمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُلُوبِ وَالأَعمَالِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ إِجلَالِ اللهِ وَتَوقِيرِهِ وَثَمَرَاتِ تَعظِيمِ الشَّعَائِرِ وَالحُرُمَاتِ

مشاركة
تَعظِيمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي القُلُوبِ وَالأَعمَالِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن حَقِيقَةِ إِجلَالِ اللهِ وَتَوقِيرِهِ وَثَمَرَاتِ تَعظِيمِ الشَّعَائِرِ وَالحُرُمَاتِ الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الكَبِير، العَزِيزِ القَدِير، المُتَفَرِّدِ بِالجَلَالِ وَالكِبرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ وَالتَّدبِير، الَّذِي خَضَعَت لِهَيبَتِهِ الرِّقَابُ، وَذَلَّت لِجبَرُوتِهِ الصِّعَابُ، وَسَبَّحَ الرَّعدُ بِحَمدِهِ وَالمَلَائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةَ عَبدٍ امتلَأَ فُؤَادُهُ بِإِجلَالِ مَولَاه، وَعَلِمَ أَنَّ كُلَّ عَظِيمٍ فِي الكَونِ صَغِيرٌ أَمَامَ كِبرِيَائِهِ وَعُلَاه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَعرَفُ الخَلقِ بِرَبِّهِ، وَأَعظَمُهُم خَشيَةً لَهُ وَتَوقِيرًا لِحَقِّهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ السَّادَةِ الأَبرَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ ثَمَرَةُ تَعظِيمِهِ فِي القُلُوب، وَسَبِيلُ النَّجَاةِ مِن كُلِّ مَرهُوب، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ رُوحَ العِبَادَةِ، وَسِرَّ الطَّاعَةِ، وَيَنبُوعَ الإِيمَانِ الَّذِي تَتَفَجَّرُ مِنهُ جَمِيعُ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَتَنكَفُّ بِهِ النَّفسُ عَنِ المَعَاصِي وَالآثَام، إِنَّمَا هُوَ أَصلٌ وَاحِدٌ مَتَى استَقَرَّ فِي القَلبِ أَحيَاهُ وَنَوَّرَهُ، وَمَتَى ضَعُفَ فِي القَلبِ أَظلَمَهُ وَأَردَاه؛ ذَلِكُمُ الأَصلُ العَظِيمُ هُوَ «تَعظِيمُ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقدَّسَت أَسمَاؤُهُ»! تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا العِتَابَ القُرآنِيَّ المَهِيبَ الَّذِي يَهُزُّ القُلُوبَ الغَافِلَةَ هَزًّا؛ حِينَ قَالَ نُوحٌ عَلَيهِ السَّلَامُ لِقَومِهِ كَمَا حَكَى اللهُ عَنهُ فِي كِتَابِهِ الكَرِيم: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ۝ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٣-١٤]. أَي: مَا لَكُم لَا تُعَظِّمُونَ اللهَ حَقَّ تَعظِيمِهِ؟! مَا لَكُم لَا تَخَافُونَ عَظَمَتَهُ وَلَا تُجِلُّونَ قَدرَهُ وَهُوَ الَّذِي أَوجَدَكُم مِنَ العَدَمِ، وَصَوَّرَكُم فِي الأَرحَامِ، وَرَفَعَ فَوقَكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبعَ الطِّبَاقَ بِلَا عَمَد؟! عِبَادَ اللهِ: مَن هُوَ الرَّبُّ العَظِيمُ الَّذِي نَعبُدُهُ وَنَسجُدُ لَهُ؟ إِنَّهُ اللهُ الَّذِي لَا يَقدُرُ قَدرَهُ قَادِر، وَلَا يُحيطُ بِعَظَمَتِهِ وَاصِفٌ أَو ذَاكِر! فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «جَاءَ حَبرٌ مِنَ الأَحبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجعَلُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصبَعٍ، وَالمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلَائِقِ عَلَى إِصبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا المَلِكُ! فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَت نَوَاجِذُهُ تَصدِيقًا لِقَولِ الحَبرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]». إِذَا كَانَ هَذَا الكَونُ الفَسِيحُ الَّذِي تَتِيهُ العُقُولُ فِي أَبعَادِهِ وَمَجَرَّاتِهِ مَطوِيًّا يَومَ القِيَامَةِ بِيَمِينِ الرَّحمَنِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلكُتُب، وَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَد أَخبَرَنَا عَن مَخلُوقٍ وَاحِدٍ مِن مَلَائِكَةِ اللهِ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّهُ قَالَ: «أُذِنَ لِي أَن أُحَدِّثَ عَن مَلَكٍ مِن مَلَائِكَةِ اللهِ مِن حَمَلَةِ العَرشِ، إِنَّ مَا بَينَ شَحمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبعِمِائَةِ عَامٍ!»؛ فَكَيفَ بِعَظَمَةِ خَالِقِ المَلَائِكَةِ وَرَبِّ العَرشِ العَظِيمِ جَلَّ جَلَالُه؟! وَانظُرُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ كَيفَ تَعظِّمُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ رَبَّهَا؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَونَ، وَأَسمَعُ مَا لَا تَسمَعُونَ؛ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَن تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوضِعُ أَربَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبهَتَهُ سَاجِدًا للهِ، وَاللهِ لَو تَعلَمُونَ مَا أَعلَمُ لَضَحِكتُم قَلِيلًا وَلَبَكَيتُم كَثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذتُم بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ، وَلَخَرَجتُم إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجأَرُونَ إِلَى اللهِ!». مَلَائِكَةٌ كِرَامٌ أَطهَارٌ لَا يَعصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُم، يَسجُدُونَ مِن أَوَّلِ خَلقِهِم إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَإِذَا قَامُوا يَومَ الحِسَابِ قَالُوا: «سُبحَانَكَ مَا عَبَدنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ!»؛ فَمَا بَالُ الإِنسَانِ الضَّعِيفِ الَّذِي خُلِقَ مِن مَاءٍ مَهِينٍ يَتَجَرَّأُ عَلَى مَعصِيَةِ الجَبَّارِ، أَو يَستَخِفُّ بِأَوَامِرِ المَلِكِ القَهَّار؟! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ تَعظِيمَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَيسَ دَعوَى يَنطِقُ بِهَا اللِّسَانُ بَينَمَا الجَوَارِحُ تَنقُضُهَا، بَل لِتَعظِيمِ اللهِ فِي قَلبِ العَبدِ المَؤمِنِ أَربَعَةُ مَظَاهِرَ وَعَلَامَاتٍ صَادِقَةٍ تَشهَدُ لِصَاحِبِهَا بِالإِجلَالِ وَالتَّوقِير: أَوَّلُهَا: تَعظِيمُ التَّوحِيدِ وَإِفرَادُ اللهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَالتَّوَكُّلِ وَالحُبِّ وَالخَوفِ وَالرَّجَاء! فَالمُعَظِّمُ للهِ لَا يَصْرِفُ شَيئًا مِنَ العِبَادَةِ لِغَيرِ الله، وَلَا يَعلِّقُ قَلبَهُ بِمَخلُوقٍ ضَعِيفٍ فِي جَلبِ نَفعٍ أَو دَفعِ ضُرٍّ، وَلَا يَخَافُ أَحَدًا مِنَ الخَلقِ كَخَوفِهِ مِنَ الله؛ لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ نَوَاصِيَ العِبَادِ بِيَدِ اللهِ وَحدَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وَثَانِيهَا: تَعظِيمُ أَمرِ اللهِ وَنَهيِهِ وَشَرعِهِ الحَكِيم! قَالَ شَيخُ الإِسلَامِ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ وَالإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: «تَعظِيمُ اللهِ تَعَالَى إِنَّمَا يَكُونُ بِتَعظِيمِ أَمرِهِ وَنَهيِهِ!». فَالمُؤمِنُ الَّذِي يُعَظِّمُ رَبَّهُ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ الخَالِدَ مِن فَوْقِ المَآذِنِ: «اللهُ أَكبَرُ، اللهُ أَكبَرُ»، عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ اللهَ أَكبَرُ مِن تِجَارَتِهِ، وَأَكبَرُ مِن وَظِيفَتِهِ، وَأَكبَرُ مِن فِرَاشِهِ، وَأَكبَرُ مِن دُنيَاهُ كُلِّهَا؛ فَيَنتَفِضُ مُلَبِّيًا نِدَاءَ رَبِّهِ، وَيَقِفُ فِي صَلَاتِهِ خَاشِعًا مُتَذَلِّلًا لَا يَلتَفِتُ بِقَلبِهِ وَلَا بِبَصَرِهِ؛ إِجلَالًا لِمَن هُوَ وَاقِفٌ بَينَ يَدَيه! وَإِذَا عُرِضَ عَلَيهِ حُكمٌ مِن أَحكَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَم يُقَدِّمْ عَلَيهِ هَوَى نَفسٍ، وَلَا عَادَةَ قَومٍ، وَلَا رَأْيَ بَشَرٍ، بَل يَقُولُ كَمَا أَمَرَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]. وَثَالِثُهَا: تَعظِيمُ حُرُمَاتِ اللهِ وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ مِنِ استِصغَارِ الذُّنُوب! قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج: ٣٠]. إِنَّ مَن عَظُمَ اللهُ فِي قَلبِهِ عَظُمَتِ المَعصِيَةُ فِي عَينِهِ وَلَو كَانَت صَغِيرَةً عِندَ النَّاس! تَأَمَّلُوا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّهُ قَالَ لِلتَّابِعِينَ: «إِنَّكُم لَتَعمَلُونَ أَعمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعيُنِكُم مِنَ الشَّعرِ، إِن كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَى عَهدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُوبِقَاتِ!»؛ أَيِ المُهلِكَات! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَيضًا عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «إِنَّ المُؤمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَن يَقَعَ عَلَيهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا!». وَلِذَلِكَ سَطَّرَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ بِلَالُ بنُ سَعدٍ رَحِمَهُ اللهُ قَاعِدَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي تُوقِظُ كُلَّ غَافِلٍ حِينَ قَالَ: «لَا تَنظُرْ إِلَى صِغَرِ الخَطِيئَةِ، وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَن عَصَيتَ!». وَرَابِعُهَا: تَعظِيمُ اللهِ فِي الخَلَوَاتِ حِينَ تَغِيبُ عُيُونُ المَخلُوقِين! أَيُّ استِخفَافٍ بِعَظَمَةِ اللهِ أَشَدُّ مِن أَن يَستَحيِيَ العَبدُ مِن طِفلٍ صَغِيرٍ أَن يَرَاهُ عَلَى مَعصِيَةٍ، ثُمَّ إِذَا خَلَا فِي غُرفَتِهِ أَو أَمَامَ شَاشَةِ هَاتِفِهِ جَعَلَ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيه؟! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُحَذِّرًا مِن هَذَا المَسلَكِ الخَطِير: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]. بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مِلءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلءَ الأَرضِ وَمِلءَ مَا شَاءَ رَبُّنَا مِن شَيءٍ بَعد، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُه، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مِن تَعظِيمِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَعظِيمَ كَلَامِهِ وَأَسمَائِهِ وَشَعَائِرِهِ؛ فَلَا يُحلَفُ بِاسْمِ اللهِ كَذِبًا، وَلَا يُجعَلُ اللهُ عُرضَةً لِلأَيمَانِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ، وَلَا يُتَّخَذُ شَيءٌ مِن دِينِ اللهِ أَو سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَادَّةً لِلهَزلِ وَالسُّخرِيَة، وَلَا يُتَلَقَّى قَضَاءُ اللهِ وَقَدَرُهُ بِالتَّسَخُّطِ وَالِاعتِرَاض؛ فَإِنَّ المُعَظِّمَ لِرَبِّهِ يَعلَمُ أَنَّ أَفعَالَ اللهِ كُلَّهَا حِكمَةٌ وَعَدلٌ وَرَحمَة. وَلَعَلَّ سَائِلًا يَسأَلُ بِنَفسٍ صَادِقَةٍ: كَيفَ أَملَأُ قَلبِي بِتَعظِيمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى أَذُوقَ حَلَاوَةَ الخُشُوعِ وَالإِجلَال؟ وَالجَوَابُ يَا عِبَادَ اللهِ فِي ثَلَاثِ وَسَائِلَ عَمَلِيَّةٍ عَظِيمَة: الوَسِيلَةُ الأُولَى: مَعرِفَةُ اللهِ تَعَالَى بِأَسمَائِهِ الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى وَتَدَبُّرُ آيَاتِ القُرآنِ الكَرِيم! فَكُلَّمَا ازْدَادَ العَبدُ عِلمًا بِرَبِّهِ؛ بِعِلمِهِ المُحِيطِ، وَقُدرَتِهِ النَّافِذَةِ، وَغِنَاهُ التَّامِّ، وَرَحمَتِهِ الوَاسِعَةِ، وَبطشِهِ الشَّدِيدِ، امتلَأَ قَلبُهُ هَيبَةً وَتَعظِيمًا؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وَالوَسِيلَةُ الثَّانِيَةُ: التَّفَكُّرُ الدَّائِمُ فِي آيَاتِ اللهِ الكَونِيَّةِ وَمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرض! فَانظُرْ يَا عَبدَ اللهِ إِلَى السَّمَاءِ وَارتِفَاعِهَا، وَالشَّمسِ وَضِيَائِهَا، وَالجِبَالِ وَرسُوخِهَا، وَالبِحَارِ وَزَخَرِهَا، وَتَفَكَّرْ فِي دِقَّةِ صُنعِ اللهِ فِي جَسَدِكَ وَنَبضِ قَلبِكَ وَأَنفَاسِك؛ تَخرَّ سَاجِدًا قَائِلًا مَعَ أُولِي الأَلبَاب: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وَالوَسِيلَةُ الثَّالِثَةُ: إِدامَةُ ذِكرِ اللهِ بِالقَلبِ وَاللِّسَانِ وَاستِحضَارُ رُؤيَتِهِ وَاطِّلَاعِهِ عَلَيك! وَقَد ذَكَرَ أَهلُ السِّيَرِ وَالتَّرَاجِمِ أَنَّ الإِمَامَ أَحمَدَ بنَ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنشِدُ بَيتَينِ فِي مُرَاقَبَةِ اللهِ وَتَعظِيمِهِ، فَأَغلَقَ عَلَى نَفسِهِ البَابَ وَظَلَّ يُرَدِّدُهُمَا وَيَبكِي بُكَاءً شَدِيدًا، وَهُمَا قَولُ الشَّاعِر: إِذَا مَا خَلَوتَ الدَّهرَ يَومًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوتُ وَلَكِن قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ وَلَا تَحسَبَنَّ اللهَ يَغفُلُ سَاعَةً ... وَلَا أَنَّ مَا تُخفِي عَلَيهِ يَغِيبُ فَطُوبَى لِعَبدٍ عَظَّمَ اللهَ فِي دُنيَاهُ، فَأَعلَى اللهُ قَدرَهُ، وَأَلقَى مَهَابَتَهُ وَمَحَبَّتَهُ فِي قُلُوبِ الخَلقِ، وَآمَنَهُ يَومَ الفَزَعِ الأَكبَر! هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ املَأ قُلُوبَنَا بِتَعظِيمِكَ وَإِجلَالِكَ وَمَحَبَّتِكَ وَخَشيَتِك، وَاجعَلنَا مِمَّن يُعَظِّمُ شَعَائِرَكَ وَيَقِفُ عِندَ حُرُمَاتِك. اللَّهُمَّ اقسِم لَنَا مِن خَشيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَينَنَا وَبَينَ مَعَاصِيك، وَمِن طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَك، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينَا مَصَائِبَ الدُّنيَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَة، وَكَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَب، وَالقَصدَ فِي الفَقرِ وَالغِنَى. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِين، وَآمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.