أُصُولُ المُعَاشَرَةِ بَينَ الإِخوَانِ وَضَوَابِطُهَا الشَّرعِيَّةُ وَوُجُوبُ ائتِمَانِ بَعضِهِم لِبَعضٍ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَلَّفَ بَينَ قُلُوبِ المُؤمِنِينَ بِعُروَةِ الإِيمَانْ، وَجَعَلَ الأُخُوَّةَ فِي دِينِهِ أَوثَقَ مِن وَشَائِجِ النَّسَبِ وَالأَبدَانْ، وَشَرَعَ لِعِبَادِهِ مِن أُصُولِ المُعَاشَرَةِ وَآدَابِ الصُّحبَةِ مَا يَسمُو بِالأَروَاحِ إِلَى مَنَازِلِ الرِّضوَانْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعمَةِ الإِسلَامِ وَالإِحسَانْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الدَّيَّانْ، حَرَّمَ الغِشَّ وَالخِيَانَةَ وَالغَدرَ وَالبُهتَانْ، وَأَمَرَ بِالوَفَاءِ بِالعُهُودِ وَحِفظِ الأَمَانَاتِ وَصِيَانَةِ الأَعرَاضِ فِي السِّرِّ وَالإِعلَانْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المَبعُوثُ بِمَكَارِمِ الأَخلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ إِلَى الإِنسِ وَالجَانْ، كَانَ أَوفَى النَّاسِ ذِمَّةً، وَأَصدَقَهُم لَهجَةً، وَأَرحَمَهُم عِشرَةً، وَأَحفَظَهُم لِودِّ أَصحَابِهِ وَإِخوَانِهِ عَلَى مَرِّ الأَزمَانْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَروَعَ الأَمثِلَةِ فِي الإِيثَارِ وَالتَّنَاصُحِ وَالائتِمَانْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الأَسَاسُ المَتِينُ الَّذِي تُبنَى عَلَيهِ العَلَاقَاتُ، وَهِيَ المِيزَانُ العَدلُ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الصَّدَاقَاتُ وَالمُعَامَلَاتُ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحَشرِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ الإِنسَانَ مَدَنِيٌّ بِطَبعِهِ، لَا يَستَطِيعُ أَن يَعِيشَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ مُنفَرِدًا مَعزُولًا عَنِ النَّاسِ، بَل لَا بُدَّ لَهُ مِن إِخوَانٍ يُعَاشِرُهُم وَيُعَاشِرُونَهُ، وَأَصدِقَاءَ يَأنَسُ بِهِم وَيَأنَسُونَ بِهِ، وَشُرَكَاءَ وَجِيرَانٍ وَزُمَلَاءَ يُخَالِطُهُم فِي مَسجِدِهِ وَسُوقِهِ وَعَمَلِهِ وَسَفَرِهِ وَحَضَرِهِ. وَلَمَّا كَانَتِ الخُلطَةُ وَالمُعَاشَرَةُ بَينَ النَّاسِ تَجلِبُ المَحَبَّةَ وَالتَّعَاوُنَ تَارَةً، وَقَد يَعتَرِيهَا مِن نَزَغَاتِ الشَّيطَانِ وَشُحِّ النُّفُوسِ وَاختِلَافِ الطِّبَاعِ مَا يُوقِعُ الجَفَاءَ وَالشِّقَاقَ تَارَةً أُخرَى؛ جَاءَت شَرِيعَةُ الإِسلَامِ الغَرَّاءُ بِمَنهَجٍ رَبَّانِيٍّ مُحكَمٍ يُؤَصِّلُ «أُصُولَ المُعَاشَرَةِ بَينَ الإِخوَانِ»، وَيَرسُمُ «ضَوَابِطَهَا الشَّرعِيَّةَ»، وَيُوجِبُ عَلَى المُؤمِنِينَ «ائتِمَانَ بَعضِهِم لِبَعضٍ» عَلَى الدِّمَاءِ وَالأَموَالِ وَالأَعرَاضِ وَالأَسرَارِ!
لَقَدِ امْتَنَّ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ بِنِعمَةِ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ، وَجَعَلَهَا مِنَّةً إِلهِيَّةً لَا تُشتَرَى بِكُنُوزِ الأَرضِ وَلَا بِقَنَاطِيرِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، وَأَعلَنَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ قَانُونَ الأُخُوَّةِ العُظمَى الَّتِي تَربِطُ كُلَّ مُؤمِنٍ بِأَخِيهِ فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ المُؤمِنِينَ فِي تَوَادِّهِم وَتَرَاحُمِهِم وَتَعَاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشتَكَى مِنهُ عُضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى»!
فَإِذَا كَانَت هَذِهِ هِيَ مَنزِلَةَ الأُخُوَّةِ فِي الإِسلَامِ، فَمَا هِيَ الأُصُولُ الَّتِي تَقُومُ عَلَيهَا المُعَاشَرَةُ بَينَ الإِخوَانِ حَتَّى تَدُومَ المَوَدَّةُ وَتَثبُتَ الصُّحبَةُ؟
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أُصُولَ المُعَاشَرَةِ الحَسَنَةِ بَينَ الإِخوَانِ تَقُومُ عَلَى أَربَعِ دَعَائِمَ رَاسِخَةٍ:
الأَصلُ الأَوَّلُ: إِخلَاصُ المَوَدَّةِ للهِ، وَلِينُ الجَانِبِ، وَبَشَاشَةُ الوَجهِ، وَطِيبُ الكَلِمَةِ:
فَالمُؤمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ، قَرِيبٌ مِن إِخوَانِهِ، يَألَفُ وَيُؤلَفُ، لَا يَلقَى إِخوَانَهُ بِوَجهٍ عَبُوسٍ وَلَا بِجَبِينٍ مُقَطَّبٍ وَلَا بِكَلِمَةٍ جَافِيَةٍ تَجرَحُ المَشَاعِرَ؛ وَقَد أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ بِخَفضِ الجَنَاحِ لِلمُؤمِنِينَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَأَمَرَ العِبَادَ جَمِيعًا فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ بِانتِقَاءِ أَحسَنِ الكَلِمَاتِ عِندَ المُحَاوَرَةِ وَالمُعَاشَرَةِ؛ لِئَلَّا يَجِدَ الشَّيطَانُ مَدخَلًا لِلتَّحرِيشِ بَينَهُم، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعرُوفِ شَيئًا، وَلَو أَن تَلقَى أَخَاكَ بِوَجهٍ طَلقٍ»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ رَحِمَهُ اللهُ يُفَسِّرُ حُسنَ الخُلُقِ فِي المُعَاشَرَةِ: «هُوَ بَسطُ الوَجهِ، وَبَذلُ المَعرُوفِ، وَكَفُّ الأَذَى».
الأَصلُ الثَّانِي مِن أُصُولِ المُعَاشَرَةِ: التَّغَافُلُ الكَرِيمُ، وَاحتِمَالُ الهَفَوَاتِ، وَالتِمَاسُ الأَعذَارِ، وَتَركُ التَّدقِيقِ وَالِاستِقصَاءِ:
فَاعلَمُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ أَنَّ أَخَاكَ بَشَرٌ يُصِيبُ وَيُخطِئُ، وَيَذكُرُ وَيَنسَى، وَيَنشَطُ وَيَفتُرُ؛ فَلَو أَنَّكَ حَاسَبتَ أَخَاكَ عَلَى كُلِّ كَلِمَةٍ، وَوَقفْتَ لَهُ عِندَ كُلِّ هَفوَةٍ، وَسَأَلتَهُ عَن كُلِّ تَقصِيرٍ، لَم يَبقَ لَكَ صَدِيقٌ وَلَا أَخٌ عَلَى وَجهِ الأَرضِ! وَلِذَلِكَ أَرسَى القُرآنُ الكَرِيمُ قَاعِدَةَ المُعَاشَرَةِ الكُبرَى فِي سُورَةِ الأَعرَافِ بِقَولِهِ سُبحَانَهُ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾؛ أَي خُذْ مَا عَفَا وَتَيَسَّرَ مِن أَخلَاقِ النَّاسِ وَطِبَاعِهِم، وَلَا تُكَلِّفهُم مَا يَشُقُّ عَلَيهِم، وَتَغَاضَ عَن زَلَّاتِهِم!
وَللهِ دَرُّ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَالَ كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ: «لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَت مِن أَخِيكَ المُؤمِنِ شَرًّا وَأَنتَ تَجِدُ لَهَا فِي الخَيرِ مَحمَلًا»! وَقَالَ الفُضَيلُ بنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن طَلَبَ أَخًا بِلَا عَيبٍ بَقِيَ بِلَا أَخٍ»! وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «الكَيِّسُ العَاقِلُ هُوَ الفَطِنُ المُتَغَافِلُ»! يَعنِي الَّذِي يَرَى الهَفوَةَ مِن أَخِيهِ وَيَفهَمُهَا بذكائه، لَكِنَّهُ يَغُضُّ الطَّرفَ عَنهَا كَرَمًا وَحِلمًا حَتَّى لَا يُخجِلَ أَخَاهُ وَلَا يُكَدِّرَ صَفوَ المَوَدَّةِ.
الأَصلُ الثَّالِثُ مِن أُصُولِ المُعَاشَرَةِ: المُوَاسَاةُ فِي الشَّدَائِدِ، وَقَضَاءُ الحَوَائِجِ، وَحِفظُ الوُدِّ القَدِيمِ:
فَإِنَّمَا يُعرَفُ الإِخوَانُ عِندَ الحَاجَاتِ وَالنَّوَائِبِ، لَا عِندَ الرَّخَاءِ وَالمَوَائِدِ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ، لَا يَظلِمُهُ وَلَا يُسلِمُهُ، وَمَن كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَن فَرَّجَ عَن مُسلِمٍ كُربَةً فَرَّجَ اللهُ عَنهُ كُربَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ». قَولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا يُسلِمُهُ» أَي لَا يَخذُلُهُ وَلَا يَتَخَلَّى عَنهُ حِينَ تَنزِلُ بِهِ مِحنَةٌ أَو يَحتَاجُ إِلَى عَونِهِ وَنُصرَتِهِ!
الأَصلُ الرَّابِعُ مِن أُصُولِ المُعَاشَرَةِ: إِنزَالُ الإِخوَانِ مَنَازِلَهُم، وَتَوقِيرُ كَبِيرِهِم، وَرَحمَةُ صَغِيرِهِم، وَشُكرُ صَنِيعِهِم:
فَمِن جَوهَرِ المُعَاشَرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَن تَعرِفَ لِأَخِيكَ قَدرَهُ وَفَضلَهُ، وَأَن تَشكُرَ مَعرُوفَهُ، فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَشكُرُ اللهَ مَن لَا يَشكُرُ النَّاسَ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا عِندَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: «مَن صَنَعَ إِلَيكُم مَعرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِن لَم تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوا أَنَّكُم قَد كَافَأتُمُوهُ».
أيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ: وَإِذَا كَانَت هَذِهِ هِيَ أُصُولَ المُعَاشَرَةِ، فَإِنَّ الإِسلَامَ قَد حَوَّطَهَا بِـ «ضَوَابِطَ شَرعِيَّةٍ صَارِمَةٍ» تَمنَعُ انقِلَابَ الصُّحبَةِ إِلَى مَفسَدَةٍ، أَو تَحَوُّلَ المُعَاشَرَةِ إِلَى فَوْضَى تُضَيَّعُ فِيهَا الحُدُودُ وَالحُقُوقُ:
الضَّابِطُ الشَّرعِيُّ الأَوَّلُ: أَن تَكُونَ المُعَاشَرَةُ وَالصُّحبَةُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ وَتَقوَاهُ، لَا عَلَى مَعصِيَةِ اللهِ أَو مُدَاهَنَةِ البَاطِلِ:
فَكلُّ صُحبَةٍ وَمُعَاشَرَةٍ قَامَت عَلَى مَصلَحَةٍ دُنيَوِيَّةٍ مَحْضَةٍ، أَو عَلَى التَّعَاوُنِ عَلَى الإِثمِ وَالعُدوَانِ وَأَكلِ الحَرَامِ وَظُلمِ الخَلقِ، فَإِنَّهَا تَنقَلِبُ يَومَ القِيَامَةِ إِلَى عَدَاوَةٍ وَحَسرَةٍ وَنَدَامَةٍ! استَمِعُوا إِلَى هَذَا القَانُونِ الإِلَهِيِّ فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ حَيثُ يَقُولُ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾! وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤمِنًا، وَلَا يَأكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوءِ كَحَامِلِ المِسكِ وَنَافِخِ الكِيرِ». فَالضَّابِطُ الأَوَّلُ هُوَ قَولُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
الضَّابِطُ الشَّرعِيُّ الثَّانِي: التَّنَاصُحُ الصَّادِقُ بِرِفقٍ وَسِترٍ، وَكَفُّ الأَخِ عَنِ الظُّلمِ وَالحَرَامِ:
فَلَيسَ مِنَ الأُخُوَّةِ الشَّرعِيَّةِ أَن تَرَى أَخَاكَ يَقَعُ فِي ظُلمٍ أَو مَعصِيَةٍ أَو أَكلِ حَرَامٍ فَتُجامِلَهُ وَتُزَيِّنَ لَهُ بَاطِلَهُ بِاسمِ الصَّدَاقَةِ وَالعِشرَةِ! بَلِ الأُخُوَّةُ الحَقَّةُ تَقتَضِي أَن تَأخُذَ بِيَدِهِ إِلَى الحَقِّ وَتَمنَعَهُ مِنَ الظُّلمِ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «انصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَو مَظلُومًا»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظلُومًا، أَفَرَأَيتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيفَ أَنصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحجُزُهُ أَو تَمنَعُهُ مِنَ الظُّلمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصرُهُ»!
وَلَكِنَّ هَذَا النُّصحَ مَشرُوطٌ بِأَدَبِ السِّترِ وَالخَفَاءِ، لَا بِالتَّشهِيرِ وَالفَضِيحَةِ عَلَى المَلَأِ؛ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «مَن وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَد نَصَحَهُ وَزَانَهُ، وَمَن وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَد فَضَحَهُ وَشَانَهُ»!
الضَّابِطُ الشَّرعِيُّ الثَّالِثُ: الِاعتِدَالُ وَالقَصدُ فِي المَحَبَّةِ وَالمُخَالَطَةِ، وَحِفظُ الحُدُودِ الشَّرعِيَّةِ فِي البُيُوتِ وَالأَموَالِ:
فَإِنَّ الإِفرَاطَ فِي الخُلطَةِ وَرَفعَ الكُلفَةِ التَّامَّ قَد يُفضِي إِلَى التَّسَاهُلِ فِي حُدُودِ اللهِ، أَو إِلَى انكِشَافِ مَا لَا يَنبَغِي انكِشَافُهُ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الأَثَرِ المَشهُورِ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَرَوَاهُ التِّرمِذِيُّ مَرفُوعًا وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ: «أَحبِبْ حَبِيبَكَ هَونًا مَا، عَسَى أَن يَكُونَ بَغِيضَكَ يَومًا مَا؛ وَأَبغِضْ بَغِيضَكَ هَونًا مَا، عَسَى أَن يَكُونَ حَبِيبَكَ يَومًا مَا»! وَقَالَ الفَارُوقُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا يَكُن حُبُّكَ كَلَفًا، وَلَا بُغضُكَ تَلَفًا»!
وَمِن أَخطَرِ ضَوَابِطِ المُعَاشَرَةِ: التِزَامُ آدَابِ الِاستِئذَانِ، وَغَضُّ البَصرِ عَن مَحَارِمِ بَيتِ الصَّدِيقِ وَالأَخِ، وَمَنعُ الخَلوَةِ وَالِاختِلَاطِ المُحَرَّمِ مَهمَا بَلَغَت قُوَّةُ الصَّدَاقَةِ بَينَ الرَّجُلَينِ أَوِ الأُسرَتَينِ! وَكَذَلِكَ تَوثِيقُ الحُقُوقِ المَالِيَّةِ وَالدُّيُونِ وَالشَّرِكَاتِ بِالكِتَابَةِ وَالإِشهَادِ دُونَ حَرَجٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبقَى لِلمَوَدَّةِ وَأَقطَعُ لِلنِّزَاعِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ فِي آيَةِ الدَّينِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
وَهَذَا يَقُودُنَا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى الرُّكنِ الأَعظَمِ فِي خُطبَتِنَا اليَومَ، وَهُوَ: «وُجُوبُ ائتِمَانِ الإِخوَانِ بَعضِهِم لِبَعضٍ»!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ كَلِمَةَ «المُؤمِنِ» مُشتَقَّةٌ فِي لُغَةِ العَرَبِ وَفِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ مِنَ «الأَمنِ وَالأَمَانَةِ»؛ فَلَا يَكُونُ المُؤمِنُ مُؤمِنًا حَقًّا حَتَّى يَأمَنَهُ إِخوَانُهُ عَلَى أَنفُسِهِم وَأَعرَاضِهِم وَأَسرَارِهِم وَأَموَالِهِم! استَمِعُوا إِلَى هَذَا التَّعرِيفِ النَّبَوِيِّ الجَامِعِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِم وَأَموَالِهِم»! وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ: «لَا إِيمَانَ لِمَن لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَن لَا عَهدَ لَهُ»!
وَيَتَجَلَّى وُجُوبُ ائتِمَانِ الإِخوَانِ بَعضِهِم لِبَعضٍ فِي أَربَعِ صُوَرٍ عَظِيمَةٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ أَن يَرعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا:
الصُّورَةُ الأُولَى: أَمَانَةُ المَجَالِسِ وَحِفظُ أَسرَارِ الإِخوَانِ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ:
إِذَا جَلَسَ إِلَيكَ أَخُوكَ المُسلِمُ فَأَفضَى إِلَيكَ بِهَمِّهِ، أَو شَكَا إِلَيكَ شَأنًا مِن شُؤُونِ بَيتِهِ أَو تِجَارَتِهِ أَو نَفسِهِ، أَو حَدَّثَكَ بِحَدِيثٍ يَكرَهُ أَن يَطَّلِعَ عَلَيهِ النَّاسُ، فَإِنَّ صَدرَكَ يَجِبُ أَن يَكُونَ قَبرًا لِذَلِكَ السِّرِّ! لَا يَجُوزُ لَكَ شَرعًا أَن تُفشِيَهُ لِقَرِيبٍ وَلَا لِبَعِيدٍ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالحَدِيثِ ثُمَّ التَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ»!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ: لَم يَشتَرِطِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يَستَحلِفَكَ أَخُوكَ بِاللهِ أَلَّا تُخبِرَ أَحَدًا، بَل مَتى التَفَتَ يَمِينًا أَو شِمَالًا خَشيَةَ أَن يَسمَعَهُ أَحَدٌ، فَقَد صَارَت كَلِمَتُهُ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ تُسأَلُ عَنهَا يَومَ القِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَالِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾!
وَأَقبحُ الخِيَانَةِ وَأَدَلُّهَا عَلَى نِفَاقِ القَلبِ وَخِسَّةِ الطَّبعِ: أَن يَكونَ الرَّجُلُ صَدِيقًا لِأَخِيهِ سَنَوَاتٍ طِوَالَاً، يَدخُلُ بَيتَهُ، وَيَأكُلُ زَادَهُ، وَيَطَّلِعُ عَلَى أَسرَارِهِ وَخَبَايَاهُ، فَإِذَا وَقَعَ بَينَهُمَا خِلَافٌ دُنيَوِيٌّ انقَلَبَ إِلَى عَدُوٍّ فَاجِرٍ، فَأَخرَجَ كُلَّ الأَسرَارِ القَدِيمَةِ وَنَشَرَهَا عَلَى المَلَأِ لِيَنتَقِمَ مِن أَخِيهِ! وَهَذَا وَاللهِ هُوَ عَينُ «الفُجُورِ فِي الخُصُومَةِ» الَّذِي جَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ خَصلَةً مِن خِصَالِ المُنَافِقِ الخَالِصِ حِينَ قَالَ: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: «وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»!
قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «إِنَّ مِنَ الخِيَانَةِ أَن تُحَدِّثَ بِسِرِّ أَخِيكَ»، وَقَالَ بَعضُ السَّلَفِ: «الكَرِيمُ إِذَا انقَطَعَت مَوَدَّتُهُ كَتَمَ السِّرَّ وَحَفِظَ العَهدَ القَدِيمَ، وَاللَّئِيمُ إِذَا غَضِبَ نَسِيَ الفَضلَ وَأَفشَى السِّرَّ وَهَتَكَ السِّترَ»!
وَانظُرُوا كَيفَ رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صِغَارَ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا الائتِمَانِ العَظِيمِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَلعَبُ مَعَ الغِلمَانِ، فَسَلَّمَ عَلَينَا، فَبَعَثَنِي إِلَى حَاجَةٍ، فَأَبطَأتُ عَلَى أُمِّي، فَلَمَّا جِئتُ قَالَت: مَا حَبَسَكَ؟ قُلتُ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَةٍ. قَالَت: مَا حَاجَتُهُ؟ قُلتُ: إِنَّهَا سِرٌّ! قَالَت أُمُّ سُلَيمٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا المَرأَةُ المُؤمِنَةُ العَظِيمَةُ: «لَا تُحَدِّثَنَّ بِسِرِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا»! قَالَ أَنَسٌ لِثَابِتٍ البُنَانِيِّ بَعدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ: «وَاللهِ لَو حَدَّثتُ بِهِ أَحَدًا لَحَدَّثتُكَ يَا ثَابِتُ»! مَاتَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَدُفِنَ السِّرُّ مَعَهُ فِي صَدرِهِ!
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ مِن صُوَرِ الائتِمَانِ بَينَ الإِخوَانِ: أَمَانَةُ النَّصِيحَةِ وَالمَشُورَةِ:
إِذَا استَشَارَكَ أَخُوكَ فِي تِجَارَةٍ، أَو فِي سَفَرٍ، أَو فِي زَوَاجٍ وَمُصَاهَرَةٍ، أَو فِي شَرِكَةٍ مَعَ فُلَانٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَدِ ائتَمَنَكَ عَلَى مَصِيرِهِ وَمُستَقبَلِهِ؛ فَيَجِبُ عَلَيكَ شَرعًا أَن تَمحَضَهُ النُّصحَ الصَّادِقَ كَمَا تُحِبُّ لِنَفسِكَ وَأَولَادِكَ، وَلَا يَحِلُّ لَكَ أَن تَغُشَّهُ مُجَامَلَةً لِطَرَفٍ آخَرَ أَو حَسَدًا لَهُ! فَقَد رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُستَشَارُ مُؤتَمَنٌ»! وَفِي البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفرَدِ وَمُسنَدِ أَحمَدَ: «مَن أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمرٍ يَعلَمُ أَنَّ الرُّشدَ فِي غَيرِهِ فَقَد خَانَهُ»!
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ مِن صُوَرِ الائتِمَانِ: أَمَانَةُ العِرضِ وَالذَّبُّ عَن أَخِيكَ فِي غَيبَتِهِ:
فَإِنَّ أَخَاكَ الغَائِبَ عَنِ المَجلِسِ قَدِ ائتَمَنَكَ بِأُخُوَّةِ الإِيمَانِ عَلَى عِرضِهِ وَسُمعَتِهِ؛ فَإِذَا سَمِعتَ مَن يَغتَابُهُ أَو يَنهَشُ فِي عِرضِهِ، فَمِن خِيَانَةِ الأُخُوَّةِ أَن تَسكُتَ أَو تُشَارِكَ فِي الغِيبَةِ، بَلِ الوَاجِبُ أَن تَذُبَّ عَن عِرضِ أَخِيكَ؛ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَن أَبِي الدَّردَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن رَدَّ عَن عِرضِ أَخِيهِ رَدَّ اللهُ عَن وَجهِهِ النَّارَ يَومَ القِيَامَةِ»!
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ مِن صُوَرِ الائتِمَانِ: أَمَانَةُ المُعَامَلَةِ المَالِيَّةِ وَتَركُ الغِشِّ وَالتَّغَابُنِ بَينَ الإِخوَانِ:
فَإِذَا ائتَمَنَكَ أَخُوكَ فِي بَيعٍ أَو شِرَاءٍ أَو وَكَالَةٍ أَو شَرِكَةٍ، وَقَالَ لَكَ: «أَنَا وَاضِعٌ ثِقَتِي فِيكَ فَاشتَرِ لِي أَو بِعْ لِي»، فَيَحْرُمُ عَلَيكَ أَن تَستَغِلَّ ثِقَتَهُ وَطِيبَةَ قَلبِهِ فَتَغبنَهُ أَو تَأخُذَ عُمُولَةً خَفِيَّةً مِن وَرَاءِ ظَهرِهِ؛ فَإِنَّ غَبنَ المُستَرسِلِ الَّذِي يَثِقُ بِأَخِيهِ مِن أَقبَحِ الغِشِّ، وَفِي الحَدِيثِ القُدسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ مَا لَم يَخُن أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجتُ مِن بَينِهِمَا»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ مَصَابِيحِ الدُّجَى، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، وَاعلَمُوا أَنَّنَا نَعِيشُ فِي عَصرٍ تَعَرَّضَت فِيهِ أُصُولُ المُعَاشَرَةِ وَالائتِمَانِ بَينَ الإِخوَانِ لِتَحَدِّيَاتٍ خَطِيرَةٍ وَآفَاتٍ مُستَحدَثَةٍ لَا بُدَّ مِنَ التَّحذِيرِ الصَّرِيحِ مِنهَا عَلَى مَنَابِرِ الجُمُعَةِ!
أُنَبِّهُ أَوَّلًا عَلَى «خِيَانَةِ الأَمَانَةِ الإِلِكترُونِيَّةِ وَالرَّقَمِيَّةِ بَينَ الإِخوَانِ»!
فَكَم مِن مَجلِسٍ خَاصٍّ يَجلِسُ فِيهِ الإِخوَانُ وَالأَصدِقَاءُ عَلَى البَسَاطَةِ وَالعَفوِيَّةِ، فَيَقُومُ بَعضُ مَن ضَعُفَ إِيمَانُهُ وَقَلَّت مُرُوءَتُهُ بِتَصوِيرِ أَخِيهِ خِلسَةً بِهَاتِفِهِ أَو تَسجِيلِ صَوتِهِ دُونَ عِلمِهِ وَإِذنِهِ، ثُمَّ يَذهَبُ فَيَنشُرُهُ فِي المَجمُوعَاتِ أَو عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ مِزَاحًا أَو سُخرِيَةً أَو تَشفِّيًا! وَكَم مِن شَخصٍ يُرسِلُ إِلَيهِ أَخُوكَ رِسَالَةً خَاصَّةً أَو رِسَالَةً صَوتِيَّةً يَستَشِيرُهُ فِيهَا أَو يَشكُو إِلَيهِ هَمًّا، فَيَأخُذُ «لَقطَةَ شَاشَةٍ» لِلمُحَادَثَةِ السِّرِّيَّةِ أَو يُعِيدُ تَوجِيهَ المَقطَعِ الصَّوتِيِّ إِلَى الآخَرِينَ!
اعلَمُوا يَا عِبَادَ اللهِ أَنَّ المُحَادَثَةَ الخَاصَّةَ بَينَكَ وَبَينَ أَخِيكَ عَلَى الهَاتِفِ لَهَا حُرمَةُ المَجلِسِ الخَاصِّ تَمَامًا بِتَمَامٍ، وَأَنَّ نَشرَهَا أَو إِرسَالَهَا لِغَيرِكَ بِلَا إِذنِ صَاحِبِهَا خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ، وَهَتكٌ لِلسِّترِ، وَإِيذَاءٌ لِلمُؤمِنِينَ، وَقَد قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
وَأُنَبِّهُ ثَانِيًا عَلَى خَطَرِ القَطِيعَةِ وَالهَجرِ بَينَ الإِخوَانِ لِأَتفَهِ الأَسبَابِ الدُّنيَوِيَّةِ!
تَرَى الرَّجُلَينِ يَصطَحِبَانِ عِشرِينَ سَنَةً، يُصَلِّيَانِ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، وَيَتَزَاوَرَانِ فِي الأَعيَادِ وَالمُنَاسَبَاتِ، ثُمَّ يَقَعُ بَينَهُمَا خِلَافٌ عَلَى مَوقِفِ سَيَّارَةٍ، أَو عَلَى حِسَابٍ مَالِيٍّ يَسِيرٍ، أَو عَلَى كَلِمَةٍ نَقَلَهَا نَمَّامٌ مُفسِدٌ، فَيَهجُرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا أَخَاهُ الشُّهُورَ وَالسَّنَوَاتِ، وَإِذَا التقَيَا فِي الطَّرِيقِ أَعرَضَ هَذَا وَأَعرَضَ هَذَا! أَمَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي أَيُّوبَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَن يَهجُرَ أَخَاهُ فَوقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلتَقِيَانِ فَيُعرِضُ هَذَا وَيُعرِضُ هَذَا، وَخَيرُهُمَا الَّذِي يَبدَأُ بِالسَّلَامِ»؟ وَأَمَا سَمِعُوا الوَعِيدَ الرَّهِيبَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُفتَحُ أَبوَابُ الجَنَّةِ يَومَ الإِثنَينِ وَيَومَ الخَمِيسِ، فَيُغفَرُ لِكُلِّ عَبدٍ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَت بَينَهُ وَبَينَ أَخِيهِ شَحنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا، أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا، أَنظِرُوا هَذَينِ حَتَّى يَصطَلِحَا»!
وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الحَكِيمِ حِينَ لَخَّصَ دُستُورَ المُعَاشَرَةِ وَالائتِمَانِ بَينَ الإِخوَانِ فَقَالَ:
إِذَا مَرِضتَ فَنَادِ الأَخَ تُبصِرهُ ... حَقًّا، وَعِندَ الرَّخَا كُلُّ الوَرَى إِخوَانُ
فَاحفَظْ أَمانَةَ مَن آخَيتَهُ أَبَدًا ... إِنَّ الأَمَانَةَ عِندَ الحُرِّ إِيمَانُ
وَاقبَلْ مَعَاذِيرَ مَن يَأتِيكَ مُعتَذِرًا ... إِنْ بَرَّ عِندَكَ فِيمَا قَالَ أَو فَجَرَا
فَيَا عِبَادَ اللهِ: أَحيُوا فِي مُجتَمَعَاتِكُم أُصُولَ المُعَاشَرَةِ الكَرِيمَةِ، وَكونُوا لِإِخوَانِكُم مَأْمَنًا وَمَفزَعًا وَسِترًا؛ مَنِ ائتَمَنَكُم عَلَى سِرٍّ فَاحفَظُوهُ، وَمَنِ استَشَارَكُم فَانصَحُوهُ، وَمَن عَامَلَكُم فِي دِرهَمٍ أَو دِينَارٍ فَاصدُقُوهُ، وَمَن أَخطَأَ فِي حَقِّكُم فَاعفُوا عَنهُ وَاصفَحُوا؛ ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾!
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا رَحِمَكُمُ اللهُ عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ كِتَابِهِ فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِعَفوِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا، وَأَصلِح ذَاتَ بَينِنَا، وَاهدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخرِجنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبنَا الفَوَاحِشَ وَالفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ اسلُل سَخِيمَةَ صُدُورِنَا، وَطَهِّر قُلُوبَنَا مِنَ الغِلِّ وَالحَسَدِ وَالغِشِّ وَالخِيَانَةِ وَالنِّفَاقِ، وَالسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالشِّقَاقِ. اللَّهُمَّ اجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَاجعَلنَا هُدَاةً مُهتَدِينَ غَيرَ ضَالِّينَ وَلَا مُضِلِّينَ. اللَّهُمَّ اهدِنا لِأَحسَنِ الأَخلَاقِ لَا يَهدِي لِأَحسَنِهَا إِلَّا أَنتَ، وَاصرِف عَنَّا سَيِّئَهَا لَا يَصرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلَّا أَنتَ. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاحفَظ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
أُصُولُ المُعَاشَرَةِ بَينَ الإِخوَانِ وَضَوَابِطُهَا الشَّرعِيَّةُ وَوُجُوبُ ائتِمَانِ بَعضِهِم لِبَعضٍ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.