من مكتبة مِداد الخطيب

الإحسانُ المَنسِي... عِبادَةُ إتْقَانِ العَمَل

مشاركة
🕌 الإحسانُ المَنسِي... عِبادَةُ إتْقَانِ العَمَل #خطبة_جمعة #إتقان_العمل #الإحسان #الأمانة #العمل_العبادة #أخلاق #إيمانيات الحمدُ للهِ الذي خَلَقَ الموتَ والحياةَ لِيَبْلُوَكُم أيُّكُم أحسَنُ عَمَلاً، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الإحسانَ مِفتاحًا لِمَحَبَّتِه، وأوجَبَ الإتقانَ على كُلِّ صَنعَةٍ وعَمَل. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَهادةً نَرجو بها النَّجاةَ يومَ العَرضِ الأكبر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّداً عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتقِنين، وقُدوَةُ العامِلين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَخيَّلوا معي رَجُلاً يَقفُ في الصَّفِّ الأوَّلِ في المسجدِ أربعينَ عاماً، لا تَفوتُه تَكبيرةُ الإحرام، يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ اللَّيل... ومع ذلك، يَأتي يومَ القيامةِ لِيَجِدَ جِبالاً من السَّيِّئاتِ تَنتَظِرُه، لم يَرتَكِبها في خَلوةٍ ولا في مَلهى، بَل ارتَكَبها على مَكتَبِه الذي يَجلِسُ عليه كُلَّ صَباح! كيفَ يَنقَلِبُ الطَّائِعُ العابدُ إلى مُفلِسٍ في قضيَّةٍ نَظُنُّها بَعيدةً عَن الدِّين؟ هذا ما سَنَعرِفُه اليَومَ في حَديثِنا عَن الفَريضَةِ الغائِبَة، والإحسانِ المَنسِي. أيُّها الإخوةُ المؤمنون، نَحنُ نَعيشُ في زَمَنٍ انتَشَرَ فيهِ وَباءٌ خَطير، وَباءٌ لا يُصيبُ الأجساد، بل يُصيبُ الذِّمَمَ والمُجتَمَعات. وَباءُ "مَشِّ حالَك"، وَباءُ "الحدِّ الأدنى"، وَباءُ إنجازِ العَمَلِ بِأقَلِّ جُهدٍ مُمكِن، لا لِشيءٍ إلا لِيُقالَ إنَّهُ أُنجِز. لقد فَصَلنا في عُقولِنا بينَ المُسَلَّماتِ الإيمانيَّةِ وبَينَ دَوامِنا اليَومي. نَظُنُّ أنَّ الدِّينَ مَحصورٌ بَينَ جُدرانِ هذا المسجد، فإذا خَرَجنا مِنهُ وانخَرَطنا في أعمالِنا ومِهنِنا، سَقَطت عَنَّا التَّكاليف، وتَحَوَّلَ الأمرُ إلى مُجَرَّدِ عَقدٍ بَشَريٍّ نَتَحايَلُ عليه ما استَطَعنا. واسمَعوا لِهذهِ الآيةِ العَظيمةِ التي إِذا تَأمَّلتُموها لَن تَبقى أعمَالُكُم كَما كانَت. يَقولُ ربُّنا تَبارَكَ وتَعالى في مُفتَتَحِ سورةِ المُلك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! لَم يَقُل ربُّنا: "لِيَبلُوَكُم أيُّكُم (أكثَرُ) عَمَلاً"، ولَم يَقُل: "أيُّكُم (أسرَعُ) عَمَلاً". بَل قال: ﴿أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. القَضيَّةُ عندَ اللهِ لَيست في الكَمِّيات، بَل في الجَودَةِ والإتقان. وقَد سُئِلَ الفُضَيلُ بنُ عياض رحمهُ اللهُ عَن قَولِه تَعالى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فَقالَ كَلِمَةً تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "أَخْلَصُهُ وأَصوَبُه". قالوا: يا أبا عليّ، ما أخلَصُه وأصوَبُه؟ قال: "إنَّ العَمَلَ إذا كانَ خالِصاً ولَم يَكُن صَواباً لَم يُقبَل، وإذا كانَ صَواباً ولَم يَكُن خالِصاً لَم يُقبَل، حَتَّى يَكونَ خالِصاً صَواباً. والخالِصُ أن يَكونَ لله، والصَّوابُ أن يَكونَ على السُّنَّة". والصَّوابُ في أُمورِ الدُّنيا هوَ إتقانُها، وإحكامُ صَنعَتِها، وأداؤُها على الوَجهِ الأكمَل. يا أمَّةَ الإسلام، إتقانُ العَمَلِ لَيسَ مُجَرَّدَ استِراتيجيَّةٍ إداريَّةٍ نَتَعَلَّمُها من أُمَمِ الشَّرقِ أو الغَرب، بَل هوَ دينٌ نَتَعَبَّدُ اللهَ بِه. انظُروا إلى الجَمالِ في هذا الحَديثِ العَظيم، حينَ يَربِطُ النَّبيُّ ﷺ بَينَ إتقانِكَ لِحِرفَتِكَ، وبَينَ نَيلِكَ لِمَحَبَّةِ مَلِكِ المُلوك. يَقولُ ﷺ: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلاً أن يُتقِنَه» (رواهُ أبو يَعلى والبَيهَقي وحَسَّنَه الألباني). اللهُ يُحِبُّك! رَبُّ السَّماواتِ والأرضِ يُحِبُّكَ أيُّها المُهَندِسُ إذا أتقَنتَ حِساباتِك، ويُحِبُّكَ أيُّها المُعَلِّمُ إذا دَخَلتَ فَصلَكَ مُستَعِدّاً، ويُحِبُّكَ أيُّها الطَّبيبُ إذا شَخَّصتَ مَريضَكَ بِأمانَة، ويُحِبُّكَ أيُّها السَّبَّاكُ والنَّجَّارُ والعامِلُ إذا شَدَدتَ بُرغِياً بِذِمَّة! مَحَبَّةُ اللهِ مُعَلَّقَةٌ في أطرافِ أصابِعِكُم أثنَاءَ العَمَل. لَكِن دَعوني أنقُلُكُم إلى مَشهَدٍ نَبويٍّ عَجيب، مَشهَدٍ يَكشِفُ لَنا عُمقَ هذهِ العِبادة. تُوُفِّيَ أحَدُ الصَّحابةِ رِضوانُ اللهِ عليهم، وحُفِرَ لَهُ قَبرٌ. وجاءَ النَّبيُّ ﷺ لِيُشرِفَ عَلى دَفنِه. بَينَما هُم يُغَطُّونَ القَبر، نَظَرَ النَّبيُّ ﷺ فَوَجَدَ فُرجةً (أي فَتحةً وتَشَقُّقاً غيرَ مُستَوٍ) في جانِبِ القَبر. فَطَلَبَ ﷺ مِنَ الصَّحابةِ أن يُسَوُّوها ويُصلِحوها. قالَ بَعضُ الصَّحابةِ — بِمَنطِقِ البَشَرِ المَألوف —: يا رَسولَ الله، هَل يَضُرُّ المَيِّتَ شَيءٌ مِن ذَلك؟ (يعني: الرَّجُلُ قَد مات، وهو تَحتَ التُّراب، ولَن يَتأثَّرَ شَكلُ القَبرِ بَعدَ دَفنِه، فَما الداعي لِكُلِّ هذا التَّدقيق؟). فَماذا كانَ جَوابُ إمامِ المُتقِنين ﷺ؟ قالَ كَلِمَةً تَهُزُّ الوِجدان: «أمَا إِنَّ هذا لا يَنفَعُ المَيِّتَ ولا يَضُرُّه، ولَكِنَّهُ تَقَرُّ بِهِ عَينُ الحَيِّ، وإنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ مِنَ العامِلِ إذا عَمِلَ عَمَلاً أن يُحسِنَه». يا سُبحانَ الله! رَسولُ اللهِ ﷺ يُدقِّقُ في إتقانِ (قَبرٍ) سَيُطمَرُ بِالتُّرابِ ولَن يَراهُ أحَد، ويَرفُضُ أن يُترَكَ فيهِ شَقٌّ أو مَيلان! فَكيفَ بِنا نَحنُ فيما نَبنيهِ لِلأحياء؟ كَيفَ بِمُهَندِسٍ يَبني عِمارةً سَتَسكُنُها عَشَراتُ الأُسَرِ فَيَتَغاضى عَن عَيبٍ في الأساسات لِيُوَفِّرَ بَعضَ المال؟ كيفَ بِمُوَظَّفٍ يُؤَخِّرُ مُعاملاتِ النَّاسِ وهُوَ يَحتَسي قَهوَتَه؟ إذا كانَ إتقانُ العَمَلِ مَطلوباً في قَبرٍ يَتوارى تَحتَ الأرض، فَكيفَ بِما يُقامُ عَلى ظَهرِها؟! أيُّها المُسلِمون، إنَّ فَقدانَ الإتقانِ لَيسَ خَطأً مِهنياً فَحَسب، بَل هوَ نَوعٌ مِن أنواعِ الخِيانَةِ المَخفيَّة. ويَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3]. لا تَظُنُّوا أنَّ التَّطفيفَ مَحصورٌ في بائِعِ الفاكِهَةِ الذي يُنقِصُ في الميزان. لا والله! المُوَظَّفُ الذي يُطالِبُ بِراتِبِه كامِلاً غيرَ مَنقوص، ثُمَّ يَأتِي مُتأخِّراً ساعَة، ويَخرُجُ مُبَكِّراً ساعَة، ويُضَيِّعُ ساعَتَينِ في الهاتِف.. هوَ مِنَ المُطَفِّفين. المُعَلِّمُ الذي يَأخُذُ أجرَهُ كامِلاً، ثُمَّ يَدخُلُ الفَصلَ بِلا تَحضير، ولا يَشغَلُهُ هَل فَهِمَ الطُّلابُ أم رَسَبوا.. هوَ مِنَ المُطَفِّفين. العامِلُ الذي يَطلُبُ حَقَّهُ قَبلَ أن يَنشَفَ عَرَقُه، ثُمَّ يُخفي عَيبَ صَنعَتِهِ في مَكانٍ لا يَراهُ صاحِبُ البَيت.. هوَ مِنَ المُطَفِّفين. وقد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ حَقيقَةً مُرعِبَةً حِينَ قالَ في مَدارِجِ السَّالِكين: "والأعمالُ لا تَتَفاضَلُ بِصُوَرِها وعَدَدِها، وإنَّما تَتَفاضَلُ بِتَفاضُلِ ما في القُلوب، فَتَكونُ صُورَةُ العَمَلَينِ واحِدة، وبَينَهُما في الفَضلِ كَما بَينَ السَّماءِ والأرض". فَخَيرُ النَّاسِ مَن أيقَنَ أنَّ رَقابَةَ اللهِ أشدُّ مِن رَقابَةِ المُدير. المُديرُ يَرى الحُضورَ والانصِراف، ولَكِنَّ اللهَ يَرى النِّيَّةَ والإتقان. يَقولُ سُبحانَه: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 105]. السُّؤالُ لَيسَ "هل سيُعجِبُ العَمَلُ مَسؤولي؟"، السُّؤالُ الذي يَجِبُ أن تَسأَلَهُ لِنَفسِكَ كُلَّ صَباح: "هَل هذا العَمَلُ جاهِزٌ لِيُعرَضَ عَلى اللهِ الآن؟" أرَأيتُم هذا الدِّينَ العَظيم؟ حَتَّى في أضيقِ المَواطِنِ وأشَدِّها، يَفرِضُ الإتقان. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ الذي رَواهُ مُسلِمٌ في صَحيحِه، قالَ رَسولُ الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسانَ عَلى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». إحسانٌ حَتَّى في ذَبحِ بَهيمَة! اللهُ يَأمُرُكَ أن تُتقِنَ عَمَليَّةَ إزهاقِ رُوحٍ أباحَها لَك، بِأن تُحِدَّ السِّكينَ لِئَلا تَتَعَذَّب. فَإن كانَ الإحسانُ والإتقانُ مَطلوباً في قَطعِ رَقَبَةِ شاة، فَما الظَّنُّ بِالإحسانِ في بَقِيَّةِ شُؤونِ حَياتِنا؟! إخوَتي الأكارِم، لَقد بَنَى أسلافُنا حَضارَةً سادَت الدُّنيا يَوماً ما، لَم يَبنوها بِكَثرَةِ الكَلام، بَل بَنَوها بِعِبادةِ "الإتقان". إِذا دَخَلتُم مَساجِدَ قُرطُبَةَ والأندَلُسِ أو مَحاريبَ الشَّام، تَرون نقوشاً وأعمدةً وُضِعَت قَبلَ ألفِ عامٍ، لا تَزالُ صامِدَةً كأنَّها بُنِيَت بِالأمس. لِماذا؟ لأنَّ المُسلِمَ قَديماً كانَ يَبني وهوَ يَقرَأُ قَولَهُ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]، فَكانَ يَستَحيي مِن رَبِّهِ أن يُخرِجَ مِن بَينِ يَدَيهِ صَنعَةً مَعيبَةً، وهوَ يَرجو مِن رَبِّهِ الجَنَّةَ الكامِلَة. أمَّا اليَوم، فَقَد استَورَدنا ثَقافَةَ "الخِداع" مِن حَيثُ لا نَشعُر. الطَّريقُ يُعَبَّدُ اليَوم، فَيَنهَدمُ بَعدَ شَهرَين. البِنايَةُ تُرفَع، فَتَتَشَقَّقُ جُدرانُها قَبلَ أن تُسكَن. البَضاعَةُ تُباع، فَتَكتَشِفُ أنَّ أردَأَ ما فيها كانَ مَخفيّاً في الأسفَل! ثُمَّ نَرفَعُ أيدينا ونَبكي ونَقول: يا رَبِّ انصُرنا، يا رَبِّ غَيِّر حالَنا! أيُّ حالٍ يَتَغيَّرُ والأمانةُ قَد ضُيِّعَت؟ يَقولُ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ الله: "المُؤمِنُ قَوَّامٌ عَلى نَفسِه، يُحاسِبُ نَفسَهُ لله، وإنَّما خَفَّ الحِسابُ يَومَ القيامَةِ عَلى قَومٍ حاسَبوا أنفُسَهُم في الدُّنيا، وإنَّما شَقَّ الحِسابُ يَومَ القيامَةِ عَلى قَومٍ أَخَذوا هَذا الأمرَ مِن غَيرِ مُحاسَبَة". فَيا أيُّها المُسلِم، يا مَن تَخرُجُ سَعيًا على رِزقِك، اعلَم أنَّ كُلَّ دِرهَمٍ يَدخُلُ جَيبَك، لَهُ وَجهان: وَجهٌ في الدُّنيا تَشتَري بِهِ طَعامَ أولادِك، وَوَجهٌ في الآخِرَةِ سَيُسأَلُ عَنهُ أمامَ الله: مِن أينَ اكتَسَبتَه؟ فإن اكتَسَبتَهُ بِغِشٍّ، أو إهمالٍ، أو تَضييعِ وَقت، فَقَد أطعَمتَ أبناءَكَ ناراً وأنتَ لا تَشعُر. قال ﷺ: «كُلُّ جَسَدٍ نَبَتَ مِن سُحتٍ فَالنَّارُ أَولى بِه». رَدُّوا إلى أعمالِكُم رُوحَ الإحسان، فَإنَّ اللهَ لا يَظلمُ مِثقالَ ذَرَّة: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بِجلالِ وَجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى سيِّدِنا مُحمَّدٍ الأمين، وعلى آلِهِ وصَحبِهِ المَيامين. أمَّا بعدُ: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن عِبادَةٍ غائِبَةٍ وهي "إتقانُ العَمَل"، ووَقَفنا عَلى حَقيقةِ أنَّ الإحسانَ في الصَّنعَةِ والوَظيفَةِ لَيسَ خِياراً دُنيويّاً، بَل هُوَ أمرٌ رَبَّانيٌّ نُؤجَرُ عَليهِ أو نُعاقَب، وكَيفَ أنَّ انحِدارَ الإتقانِ في مُجتَمَعاتِنا هو نَوعٌ مِنَ التَّطفيفِ الذي يَمحَقُ البَركة. والآن، بَعدَ أن عَرَفنا هذا كُلَّه، كَيفَ نُتَرجِمُهُ إلى واقِعٍ نَعيشُه في أُسبوعِنا القادِم؟ وأُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مَنبَري هذا، تَجعَلُ أعمالَكُم كُلَّها في ميزانِ حَسَناتِكم: الأُولى (قَلبيَّة): نَوِّر قَلبَكَ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ كُلَّ صَباح. قَبلَ أن تَفتَحَ بابَ بَيتِكَ لِلذَّهابِ إلى عَمَلِك، قُل في نَفسِك: "اللهمَّ إنِّي خارِجٌ لِأعِفَّ نَفسي وأهلِ بَيتي بالحَلال، ولِأَنفَعَ عِبادَك". هذه الثَّانيَةُ الواحِدةُ مِن استِحضارِ النِّيَّة، تَقلِبُ ساعاتِ دَوامِكَ الثَّماني إلى عِبادَةٍ مَقبولَةٍ تُؤجَرُ عَلَيها، كَأنَّكَ ساجِدٌ في مِحرابِك. الثَّانِيَة (لِسانيَّة): طَهِّر لِسانَكَ في العَمَلِ مِن كَثرَةِ الشَّكوى، وتَضييعِ أوقاتِ المُراجِعينَ وزُمَلائِكَ في الغيبَةِ والنَّميمَة والقيلِ والقال. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ومَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيراً أو لِيَصمُت». الوَقتُ الذي تَقضيهِ في حَديثٍ لا يَنفَعُ أثناءَ الدَّوام، هُوَ وَقتٌ مَسروقٌ مِن ذِمَّتِك. الثَّالِثَة (عَمَليَّة فِعليَّة): ابدَأ مِنَ الغَدِ بِإصلاحِ "عَيبٍ واحِدٍ" كُنتَ تَتَغاضى عَنهُ في عَمَلِك. إن كُنتَ مُعَلِّماً، فحضِّر دَرسَ غَدٍ بِإتقانٍ لم تَفعَلهُ مِن قَبل. إن كُنتَ تاجِراً، فبَيِّن عَيبَ سِلعَتِكَ لِلشَّاري ولا تُخفِه، فَإنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَن غَشَّنا فَلَيسَ مِنَّا». قُم بِعَمَلِكَ لِغَدٍ كَأنَّ اللهَ يَنظُرُ إليكَ وَحدَك. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): خُذ بِيَدِ زَميلٍ أكرَمَكَ اللهُ بالخِبرَةِ قَبلَه، وعَلِّمهُ سِرَّ إتقانِ الصَّنعَة. لا تَكتُم عِلماً، ولا تَبخَل بِمَهارة، فَإنَّ زَكاةَ المِهنَةِ إرشادُ الجاهِلِ بِها. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، فَكُن قَويّاً بِعِلمِك، أميناً في نَقلِه. الخامِسَة (مَوضوعيَّة): تَذَكَّر دائِماً أنَّ الرَّاتِبَ الذي تَأخُذُه، والمالَ الذي تَكسِبُه، هو مُقابِلُ "عَهدٍ" قَطَعتَهُ على نَفسِك. واللهُ يَقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]. مَن لم يُوفِ بِعَهدِهِ في الدُّنيا بَإتقانِ عَمَلِه، وَقَفَ مَسؤولاً عَنهُ أمامَ الجَبَّارِ يَومَ الحِساب. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واجعَلوا أعمالَكُم كُلَّها مِصداقاً لِدينِكم، فَإنَّ النَّاسَ قَد لا يَقرَؤونَ القُرآن، ولَكِنَّهُم يَقرَؤونَ أخلاقَكُم وإتقانَكُم. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ عَليه، عَمَلاً بِقَولِ رَبِّكُم جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على نَبيِّنا مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمَعين. اللهمَّ إنَّا نَسأَلُكَ أن تَجعَلَنا مِن عِبادِكَ المُحسِنين، الذينَ إذا عَمِلوا عَمَلاً أتقَنوه. اللهمَّ طَهِّر كَسبَنا، وبارِك لَنا في رِزقِنا، واكفِنا بِحَلالِكَ عَن حَرامِك، وبِطاعَتِكَ عَن مَعصِيَتِك، وبِفَضلِكَ عَمَّن سِواك. اللهمَّ لا تَجعَل في أموالِنا درهَماً مِن سُحتٍ أو شُبهَة، واجعَل أعمالَنا كُلَّها جُسوراً نَعبُرُ بِها إلى رِضوانِكَ وجَنَّتِك. اللهمَّ أصلِح أحوالَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان، وارحَم ضَعفَهُم، واجبر كَسرَهُم، وآمِن رَوعاتِهِم، واحفَظ ديماءهُم وأعراضَهُم في مَشارقِ الأرضِ ومَغارِبها. اللهمَّ ارزُقنا حُسنَ الخاتِمَة، واجعَل خَيرَ أيَّامِنا يَومَ نَلقاك، وأنتَ راضٍ عَنَّا غيرَ غَضبان. عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.