من مكتبة مِداد الخطيب

غزوة مؤتة رمز البطولة

مشاركة
🕌 غزوة مؤتة رمز البطولة #خطبة_جمعة #غزوة_مؤتة #خالد_بن_الوليد #جعفر_بن_أبي_طالب #البطولة #السيرة_النبوية #سيرة الحمدُ للهِ الذي أعزَّ جندَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه. أحمدُه سبحانه حمدَ الشاكرين، وأتوكلُ عليه توكلَ الموقنين، جعلَ الشهادةَ في سبيلِه أسمى أماني الصادقين، وربطَ على قلوبِ أوليائِه بثباتٍ لا تُزلزلُه جيوشُ الأرضِ أجمعين. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، إلهٌ عظيمٌ لا يُقاسُ نصرُه بكثرةِ العدد، ولا يَخيبُ من اعتصمَ بحبلِه المتينِ واستند. وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا محمداً عبدُه ورسولُه، القائدُ الأعلى للغرِّ الميامين، ومربِّي الأبطالِ الذين باعوا النفوسَ لربِّ العالمين، صلَّى اللهُ وسلمَ وباركَ عليه، وعلى آلِه الأطهار، وصحابتِه الأبرار، ومن سارَ على دربِهم القويمِ إلى يومِ القرار. أمَّا بعدُ: فتخيلوا معي جيشاً صغيراً لا يتجاوزُ ثلاثةَ آلافِ رجل، يقفُ في أرضٍ غريبةٍ بعيدةٍ عن ديارِه، ليفاجأَ أمامَه بطوفانٍ بشريٍّ يبلغُ مئتي ألفِ مقاتلٍ مدججينَ بالسلاح! في حساباتِ الأرضِ وموازينِ المادة، هذه ليست معركةً، بل هي فناءٌ محتمٌ وإبادةٌ مؤكدة. ولكنَّ ما حدثَ على أرضِ الشامِ في جمادى الأولى من السنةِ الثامنةِ للهجرةِ قلبَ قوانينَ العسكريةِ في التاريخِ كلِّه، وكشفَ عن معادلةٍ ربانيةٍ تغيبُ عن كثيرٍ منَّا حينَ تحاصرُنا الأزماتُ وتشتدُّ بنا الخطوب. كيفَ صمدَ القليلُ أمامَ الكثير؟ وكيفَ تحولتْ تلالُ «مؤتة» إلى منارةٍ للبطولةِ والعبقريةِ القياديةِ تقتبسُ منها الأمةُ نورَها كلما ادلهمَّ الظلام؟ أيها المسلمون، لو سألتُكم الآنَ سؤالاً صريحاً: متى يشعرُ الإنسانُ بالهزيمةِ الحقيقية؟ أحينَ يقلُّ مالُه وعتادُه، أم حينَ يتسللُ الوهنُ إلى قلبِه قبلَ أن تبدأَ المعركة؟ إنَّ كثيراً من الناسِ اليومَ ينهزمونَ أمامَ أولِ عقبةٍ في حياتِهم، وينكسرونَ أمامَ أولِ موجةٍ من موجاتِ البلاء، لأنهم يقيسونَ الأمورَ بمقياسِ الأرقامِ المجردة، وينسونَ مقياسَ الإيمانِ الذي يزنُ الجبالَ الراسيات. ولذلكَ كانَ لا بدَّ لنا أن نعودَ بقلوبِنا وأرواحِنا أربعةَ عشرَ قرناً إلى الوراء. لنقفَ على ثرى بلدةٍ في أطرافِ الشامِ اسمُها «مؤتة»، ولنقرأَ صفحةً من أعظمِ صفحاتِ المجدِ التي خطَّها أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ بدمائِهم الزكيةِ وبصيرتِهم النافذة. معاشر المصلين، إنَّ القصصَ العظمى في تاريخِنا لا تبدأُ من فراغ، وغزوةُ مؤتةَ لم تكنْ حرباً من أجلِ غنيمةٍ عابرة، ولا صراعاً على أرضٍ أو نفوذ. لقد بدأتِ القصةُ برجلٍ واحدٍ فقط! رجلٌ واحدٌ من أصحابِ النبيِّ ﷺ، اسمُه الحارثُ بنُ عميرٍ الأزديُّ رضي الله عنه. أرسلَه الحبيبُ المصطفى ﷺ بكتابٍ يدعو فيه ملِكَ بُصرى إلى الإسلام، فكانَ سفيراً يحملُ رسالةَ النورِ والسلام، والأعرافُ البشريةُ قديماً وحديثاً تقضي بأنَّ الرُّسُلَ والسفراءَ لا يُقتلون. فماذا حدثَ لهذا السفيرِ الأعزل؟ حينَ نزلَ الحارثُ رضي الله عنه بأرضِ «مؤتة»، اعترضَ طريقَه شرحبيلُ بنُ عمرو الغسانيُّ، أحدُ أمراءِ قيصرَ الرومِ على الشام، فسألَه: أينَ تريد؟ ولعلَّك من رسلِ محمد؟ فقالَ الحارثُ بعزةِ المؤمنِ الذي لا يعرفُ الكذب: نعم، أنا رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ. فأمرَ به ذلكَ الطاغيةُ الغادر، فَأُوثِقَ رباطاً، ثمَّ قُدِّمَ فضُربتْ عنقُه صبراً بدمٍ بارد! ولم يُقتلْ لرسولِ اللهِ ﷺ رسولٌ غيرُه قط. وصلَ الخبرُ الفاجعُ إلى المدينةِ المنورة. واشتدَّ الحزنُ على قلبِ الرحمةِ المهداةِ ﷺ؛ فدمُ المسلمِ عندَ اللهِ وعندَ رسولِه ليسَ ماءً رخيصاً يُراقُ على قارعةِ الطريقِ ثمَّ يُطوى خبرُه بالنسيان! لقدْ أعلنَ الصادقُ المصدوقُ ﷺ قاعدةَ الكرامةِ الإسلاميةِ العظمى حينَ قال: «المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح). تأملوا هذا الحديثَ العظيمَ يا عبادَ الله! «تتكافأُ دماؤُهم»؛ فدمُ الفردِ الواحدِ يحرِّكُ أمةً بأسرِها، وكرامةُ السفيرِ الواحدِ تستنفرُ دولةَ الإسلامِ من أقصاها إلى أقصاها! أرأيتُم كيفَ يبني الإسلامُ هيبتَه في قلوبِ الأعداء؟ لم يكتفِ النبيُّ ﷺ ببيانِ استنكار، ولم يرسلْ رسالةَ عتاب، بل أمرَ بتجهيزِ جيشٍ قوامُه ثلاثةُ آلافِ مقاتل، وهو أكبرُ جيشٍ إسلاميٍّ اجتمعَ في ذلكَ الوقتِ بعدَ غزوةِ الأحزاب، ليقطعَ مئاتِ الأميالِ عبرَ الصحاري القاحلة، وليعلِّمَ طغاةَ الأرضِ أنَّ الاعتداءَ على رجلٍ واحدٍ من أمةِ محمدٍ ﷺ ثمنُه باهظٌ لا يُحتمل! يا أمةَ محمدٍ ﷺ، اجتمعَ الجيشُ المباركُ في المدينةِ متأهباً للرحيل، وهنا تتجلى عبقريةُ القيادةِ النبويةِ في التخطيطِ وتفويضِ المهامِّ وبناءِ الصفِّ الثاني والثالثِ من القادة. لم يتركِ النبيُّ ﷺ الجيشَ لرجلٍ واحدٍ فإذا سقطَ اضطربَ الصفُّ وضاعتِ الراية، بل وضعَ خطةَ خلافةٍ عسكريةٍ محكمةٍ تقشعرُّ لها الأبدان؛ لأنها خطةٌ تنمُّ عن علمٍ نبويٍّ بضراوةِ المعركةِ القادمة. وقفَ رسولُ اللهِ ﷺ يودِّعُ جيشَه، فعيَّنَ القائدَ الأول: حبَّه وابنَ حبِّه، زيدَ بنَ حارثةَ رضي الله عنه. ثمَّ قالَ كلماتٍ كأنها نعيٌ مسبقٌ وبشارةٌ بالشهادة: فإنْ قُتلَ زيدٌ فجعفرُ بنُ أبي طالب، فإنْ قُتلَ جعفرٌ فعبدُ اللهِ بنُ رواحة، فإنْ قُتلَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ فليرتضِ المسلمونَ منْ بينهم رجلاً فليجعلوهُ عليهم. توقفوا معي لحظةً عندَ هذا الترتيبِ العجيب! كيفَ وقعَ هذا الكلامُ على قلوبِ القادةِ الثلاثة؟ الأميرُ العسكريُّ في جيوشِ الدنيا يُعيَّنُ ليرجعَ بنياشينِ النصرِ ومغانمِ الملك، أمَّا أمراءُ محمدٍ ﷺ فقدْ عُيِّنوا وفقَ ترتيبِ صعودِ أرواحِهم إلى السماء! ومعَ هذا الحزمِ العسكريِّ المهيب، لم ينسَ النبيُّ ﷺ أخلاقَ الإسلامِ ورحمتَه؛ فأوصاهم بتقوى الله، وأمرَهم ألا يغدروا، وألا يغلُّوا، وألا يقتلوا وليداً ولا امرأةً ولا كبيراً فانياً ولا منعزلاً في صومعة، وألا يقطعوا نخلاً ولا شجراً، وألا يهدموا بناءً. أيُّ عظمةٍ هذه يا عبادَ الله؟ جيشٌ يخرجُ ثائراً لدمِ سفيرِه المقتولِ غدراً، ومعَ ذلكَ يُقيَّدُ بأعلى مواثيقِ الرحمةِ والعدلِ والشرفِ العسكريِّ قبلَ أن يخطوَ خطوةً واحدة! وعندَ «ثنيةِ الوداع»، خرجَ أهلُ المدينةِ يودِّعونَ جيشَ الأمراءِ، ويقولونَ لهم: صحبَكم الله، ودفعَ عنكم، وردَّكم إلينا صالحين. وفجأةً، وسطَ هذا المشهدِ المهيب، يبكي القائدُ الثالثُ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ رضي الله عنه! نظرَ إليه الناسُ متعجبين: أتبكي يا ابنَ رواحةَ وقدْ سمَّاكَ رسولُ اللهِ ﷺ في أمراءِ الجيش؟ ما الذي يبكيك؟ اسمعوا إلى جوابِه الذي يكشفُ معدنَ تلكَ القلوبِ التي ربَّاها القرآن؛ قالَ رضي الله عنه: «أما واللهِ ما بي حبُّ الدنيا ولا صبابةٌ بكم، ولكني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقرأُ آيةً من كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ يذكرُ فيها النار، فلستُ أدري كيفَ لي بالصدرِ بعدَ الورود!». لقدْ تذكرَ قولَ ربِّنا جلَّ وعلا: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [سورة مريم: 71-72]. يا الله! رجلٌ يخرجُ بقدمَيه إلى ساحةِ الشهادة، وقدْ بشَّره النبيُّ ﷺ ضمناً بارتقاءِ روحِه، ومعَ ذلكَ لا يتكئُ على منصبِه ولا يغترُّ بعملِه، بل يرتجفُ قلبُه خشيةً من الوقوفِ بينَ يديِ اللهِ والمرورِ على الصراط! فأينَ هذا الخوفُ الصادقُ من حالِ من يفرِّطُ في الفرائضِ ويقتحمُ المحرماتِ ثمَّ يقولُ بملءِ فمِه: ربُّك غفورٌ رحيم؟! إخواني في الله، سارَ الجيشُ الإسلاميُّ يشقُّ الفيافي شمالاً حتى نزلَ بمنطقةِ «معان» من أرضِ الشام. وهناكَ وقعتِ الصدمةُ الكبرى التي لم تكنْ في الحسبان! جاءتِ الاستخباراتُ والأخبارُ المؤكدةُ بأنَّ هرقلَ عظيمَ الرومِ قدْ نزلَ بمنطقةِ «مآب» في البلقاءِ بمئةِ ألفِ مقاتلٍ من الروم، وانضمَّ إليهم من نصارى العربِ من قبائلِ لخمٍ وجذامٍ وبلقينَ وبهراءَ وبليٍّ مئةُ ألفٍ آخرون! مئتا ألفِ مقاتلٍ بكاملِ عتادِهم الحربيِّ وأسلحتِهم الثقيلة، ينتظرونَ ثلاثةَ آلافِ مسلمٍ فقط! احسبوا النسبةَ بعقولِكم يا عبادَ الله: كلُّ رجلٍ مسلمٍ يقابلُه نحوُ سبعةٍ وستينَ مقاتلاً من الأعداء! توقفَ الجيشُ في «معان» ليلتَينِ كاملتَينِ يتشاورونَ ويتفكرون. ودارَ نقاشٌ عسكريٌّ واقعيٌّ بينَ الصحابة؛ قالَ بعضُهم: نكتبُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنخبرُه بعددِ عدوِّنا، فإمَّا أن يمدَّنا برجالٍ، وإمَّا أن يأمرَنا بأمرِه فنمضيَ له. كانَ رأياً وجيهاً من الناحيةِ الماديةِ البحتة. وفي تلكَ اللحظةِ الحاسمةِ التي تتأرجحُ فيها القلوبُ بينَ التقدمِ والتوقف، نهضَ الفارسُ الشاعرُ والقائدُ الربانيُّ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ رضي الله عنه، ليُلقيَ خطبةً تكتبُ بماءِ الذهبِ في جبينِ الدهر، وليحسمَ الترددَ بكلماتٍ كأنها صواعقُ من نور! وقفَ بينَ الصفوفِ وهتفَ بصوتِه الجهوريِّ: «يا قوم! واللهِ إنَّ التي تكرهونَ للتي خرجتُم تطلبون: الشهادة! وما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرة، ما نقاتلُهم إلا بهذا الدينِ الذي أكرمَنا اللهُ به، فانطلقوا؛ فإنما هي إحدى الحسنيَين: إمَّا ظهورٌ وإمَّا شهادة!». تأملوا هذه الكلماتِ التي قلبتْ موازينَ الخوفِ إلى شوقٍ عارم! «ما نقاتلُ الناسَ بعددٍ ولا قوةٍ ولا كثرة»! إنها العقيدةُ القرآنيةُ الراسخةُ التي سطَّرها المولى تبارك وتعالى في كتابِه الكريمِ حينَ قال: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة: 249]. تأملوا سرَّ هذه الآيةِ العظيمة؛ لم يقلْ سبحانه «غلبتْ بقوتِها أو بدهائِها»، بل قال: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ثمَّ كشفَ شرطَ هذا الإذنِ الربانيِّ فقال: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فمتى تحققتْ معيةُ اللهِ بالصبرِ والثبات، تلاشتْ فوارقُ الأرقامِ وسقطتْ هيبةُ الكثرةِ الكاثرة! ما إنْ سمعَ الصحابةُ كلماتِ ابنِ رواحةَ حتى صاحوا بصوتٍ واحد: «قدْ واللهِ صدقَ ابنُ رواحة!». وطووا صفحةَ التردد، وحسموا أمرَهم، ومضوا قدماً نحوَ أرضِ «مؤتة» بقلوبٍ يملؤُها اليقينُ الذي وصفَه ربُّنا جلَّ في علاه بقولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [سورة آل عمران: 173]. نعم والله! التخويفُ الذي يُرادُ به كسرُ المؤمنِ يتحولُ في قلبِ الصادقِ إلى وقودٍ يزيدُه إيماناً وثباتاً وتوكلاً على الحيِّ الذي لا يموت! أيها المؤمنون، التقى الجمعانِ على أرضِ «مؤتة»؛ البحرُ الهادرُ من جيوشِ الرومِ والعربِ المتنصرة، في مواجهةِ العصابةِ المؤمنةِ القليلة. ودعونا الآنَ ننتقلُ بأرواحِنا بينَ مشهدَينِ متزامنَينِ في لحظةٍ تاريخيةٍ واحدة: المشهدُ الأولُ هناكَ في الشامِ حيثُ صليلُ السيوفِ، وغبارُ السنابك، وتطايرُ الجماجم. والمشهدُ الثاني في مسجدِ المدينةِ المنورة، حيثُ طُويتِ المسافاتُ والأميالُ لنبيِّ اللهِ ﷺ، وكُشفَ له الحجابُ فصارَ ينظرُ إلى المعركةِ رأيَ العين، وينقلُ أخبارَها لأصحابِه لحظةً بلحظة! روى الإمامُ البخاريُّ في صحيحِه عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ نعى زيداً وجعفراً وابنَ رواحةَ للناسِ قبلَ أن يأتيَهم خبرُهم، فقالَ وعيناهُ تذرفان: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» (رواه البخاري). عيشوا معي تفاصيلَ هذه اللحظةِ التي أبكتْ رسولَ اللهِ ﷺ! انطلقَ القائدُ الأولُ زيدُ بنُ حارثةَ رضي الله عنه يحملُ رايةَ التوحيد، فقاتلَ قتالَ الأبطالِ واقتحمَ صفوفَ الرومِ لا يهابُ الموت، حتى شاطَ في رماحِ القومِ وسقطَ شهيداً مضرجاً بدمِه. وقبلَ أن تلامسَ الرايةُ التراب، انقضَّ كالصقرِ الجارحِ ابنُ عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ، وأشبهُ الناسِ به خَلْقاً وخُلُقاً، جعفرُ بنُ أبي طالبٍ رضي الله عنه! أخذَ جعفرٌ الرايةَ بيمينِه، وقاتلَ حتى إذا ألحمتِ المعركةُ واشتدَّ الحصارُ عليه، اقتحمَ عن فرسِه الأشقرِ فعقرَه؛ لئلا يطمعَ فيه عدوٌّ، وليرسلَ رسالةً لنفسِه ولإخوانِه أنَّ اليومَ يومُ ثباتٍ حتى الموتِ لا يومُ رجوع! تقدَّمَ جعفرٌ وسطَ غاباتِ الرماحِ والسيوف، فضُربتْ يمينُه حتى قُطعتْ! فهلْ تركَ الرايةَ تسقط؟ كلا والله! بلْ تلقَّفها بشمالِه ليظلَّ لواءُ الإسلامِ خفاقاً، فضُربتْ شمالُه حتى قُطعتْ! تخيلوا رجلاً بلا يدَينِ في قلبِ المعركةِ والدماءُ تنزفُ منه بغزارة، ماذا يصنع؟ احتضنَ الرايةَ بعضدَيه وألصقَها بصدرِه الشريف، يرفضُ أن تنكَّسَ رايةُ رسولِ اللهِ ﷺ وفي عروقِه نبضٌ من حياة، حتى تكاثرتْ عليه الرماحُ والسيوفُ فارتقى شهيداً إلى العلا! يصفُ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنهما جسدَ جعفرٍ بعدَ المعركةِ في حديثٍ يخلعُ القلوب، فيقول: «كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي القَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وَتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ» (رواه البخاري). وفي روايةٍ أخرى: لم يكنْ شيءٌ منها في دبرِه، كلُّها في صدرِه ووجهِه؛ لأنه كانَ مقبلاً غيرَ مدبر! فماذا كانَ الجزاءُ الربانيُّ لهذا البطلِ العظيم؟ أبدلَه اللهُ بيدَيه المقطوعتَينِ جناحَينِ من ياقوتٍ يطيرُ بهما في الجنةِ حيثُ شاء، فصارَ يُعرفُ في السماءِ والأرضِ بـ «جعفرٍ الطيار» و«ذي الجناحَين»! إنها التجارةُ الرابحةُ التي أعلنَ عنها ربُّنا تبارك وتعالى في قرآنِه المجيدِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ ۖ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ ۚ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ۚ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ ۚ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة التوبة: 111]. المشتري هو اللهُ جلَّ جلاله، والثمنُ هو الجنة، والسلعةُ هي النفسُ التي وهبَها اللهُ أصلاً للإنسان، فأيُّ كرمٍ بعدَ هذا الكرم؟! سقطَ جعفرٌ رضي الله عنه، فنادى المنادي: يا عبدَ اللهِ بنَ رواحة! تقدَّمَ القائدُ الثالثُ وأخذَ الرايةَ وهو على فرسِه، وهنا حدثتْ لحظةٌ إنسانيةٌ عجيبةٌ تُدرَّسُ في علمِ النفسِ الإيماني. لقدْ رأى ابنُ رواحةَ مصرعَ صاحبَيه أمامَ عينَيه، ورأى أمواجَ الرومِ تبتلعُ كلَّ من يتقدم، فحدثتْه نفسُه البشريةُ بشيءٍ من الترددِ اللحظيِّ والخوفِ الفطري! فكيفَ تعاملَ معَ نفسِه في تلكَ الثواني الحاسمة؟ وقفَ يخاطبُ نفسَه ويؤدِّبُها بشعرٍ ارتجلَه تحتَ ظلالِ السيوف: أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْ ... طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ مَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّةْ ... قَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةْ يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي ... هَذَا حِمَامُ المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ ... إِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ! ثمَّ نزلَ عن فرسِه، فأتاهُ ابنُ عمٍّ له بعَرقٍ من لحمٍ وقال: شُدَّ بهذا صلبَك فإنكَ قدْ لقيتَ في أيامِك هذه ما لقيت! فأخذَه من يدِه فنهسَ منهُ نهسةً واحدة، ثمَّ سمعَ حطمةَ السيوفِ في ناحيةِ الناس، فانتفضَ وقالَ لنفسِه كلمةً تهزُّ الوجدان: «وأنتِ في الدنيا بعدُ؟!». فألقى قطعةَ اللحمِ من يدِه، وأخذَ سيفَه فتقدمَ فقاتلَ حتى قُتلَ شهيداً رضي الله عنه وأرضاه! قفوا باللهِ عليكم عندَ هذه الكلمة: «وأنتِ في الدنيا بعدُ؟!». إخواناهُ سبقاهُ إلى الجنةِ منذُ دقائق، وهو يرى أنَّ بقاءَه بعدَهم لمجردِ مضغِ لقمةٍ من طعامٍ هو تأخرٌ طويلٌ وغفلةٌ لا تليق! أولئكَ همُ الرجالُ الذين أنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيهم وفي أمثالِهم قولَه الخالد: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [سورة الأحزاب: 23]. تأملوا وصفَ اللهِ لهم بـ ﴿رِجَالٌ﴾؛ فالرجولةُ في ميزانِ القرآنِ ليستْ ضخامةَ الأجسادِ ولا فصاحةَ الألسن، بل هي الصدقُ في الوفاءِ بالعهدِ معَ اللهِ والثباتُ على المبدأِ دونَ تبديلٍ أو مساومة. وهم أحياءٌ في مقعدِ صدقٍ عندَ مليكٍ مقتدر، كما بشَّرَنا ربُّنا سبحانه بقولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [سورة آل عمران: 169]. معاشر المصلين، استُشهدَ القادةُ الثلاثةُ الذين سمَّاهم رسولُ اللهِ ﷺ في ساعةٍ واحدةٍ من نهار! وكادَ عقدُ الجيشِ أن ينفرطَ من هولِ الصدمةِ وضغطِ المئتي ألفِ مقاتل. وهنا يبرزُ معدنُ الجنديِّ المسلمِ الواعي؛ إذْ وثبَ الصحابيُّ الجليلُ ثابتُ بنُ أقرمَ الأنصاريُّ رضي الله عنه فأخذَ الرايةَ وصاحَ في المسلمينَ، فاجتمعوا إليه. فلمَّا رأى خالدَ بنَ الوليدِ رضي الله عنه — وكانَ خالدٌ قدْ أسلمَ حديثاً قبلَ أشهرٍ معدودةٍ وهذه أولُ معركةٍ يخوضُها تحتَ رايةِ الإسلام — دفعَ الرايةَ إليه وقال: «خُذِ اللواءَ يا أبا سليمان، فواللهِ ما أخذتُه إلا لك، أنتَ أعلمُ بالقتالِ منِّي!». انظروا إلى هذا التجردِ العجيبِ والإخلاصِ النادر! ثابتُ بنُ أقرمَ من قدماءِ البدريينَ والأنصار، يتنازلُ عنِ القيادةِ طائعاً مختاراً لخالدِ بنِ الوليدِ حديثِ العهدِ بالإسلام؛ لأنَّ المصلحةَ العليا للأمةِ تقتضي تقديمَ الأكفأِ والأقدرِ عسكرياً في ساعةِ العسرة، بلا حسدٍ ولا حظوظِ نفسٍ ولا تفاخرٍ بالأسبقية! ومدَّ خالدٌ يدَه فتسلَّمَ الراية، وفي تلكَ اللحظةِ بالذاتِ أطلقَ عليه النبيُّ ﷺ من فوقِ منبرِ المدينةِ لقبَه الخالد: «سيفٌ من سيوفِ الله»! فماذا صنعَ سيفُ اللهِ المسلولُ رضي الله عنه في هذا المأزقِ العسكريِّ المستحيل؟ أولاً، ثبتَ الصفوفَ ببطولةٍ فرديةٍ خارقةٍ أعادتِ التوازنَ النفسيَّ للجيشِ حتى أقبلَ الليل؛ ويحدِّثُنا خالدٌ نفسُه عن ضراوةِ ذلكَ القتالِ فيقولُ كما في صحيحِ البخاري: «لَقَدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ» (رواه البخاري). تسعةُ أسيافٍ من الحديدِ الصلبِ تتكسرُ وتتحطمُ في يدِ رجلٍ واحدٍ في يومٍ واحد! أيُّ ذراعٍ تلك؟ وأيُّ قلبٍ هذا الذي كانَ يضربُ بتلكَ السيوفِ؟ إنهُ الإيمانُ حينَ يسري في العروقِ فيمنحُ الجسدَ البشريَّ طاقةً تفوقُ الخيال، تحقيقاً لقولِ النبيِّ ﷺ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ» (رواه مسلم). ثانياً، حينَ جنَّ الليلُ وتوقفَ القتال، أعملَ خالدٌ رضي الله عنه عقلَه العسكريَّ الفذ؛ فقدْ أدركَ ببصيرتِه أنَّ الاستمرارَ في معركةِ استنزافٍ مفتوحةٍ أمامَ مئتي ألفٍ يعني فناءَ الجيشِ الإسلاميِّ بالكامل، وأنَّ البطولةَ الحقيقيةَ الآنَ هي كسرُ شوكةِ العدوِّ نفسياً وإنقاذُ هذا الجيشِ المباركِ ليكونَ نواةَ الفتوحاتِ القادمة. فقامَ بخطةِ خداعٍ استراتيجيٍّ وحربٍ نفسيةٍ أذهلتْ قادةَ الروم: غيَّرَ في ظلامِ الليلِ هيئةَ الجيشِ بالكامل؛ فجعلَ مقدمتَه ساقةً، وساقتَه مقدمةً، وميمنتَه ميسرةً، وميسرتَه ميمنةً! وأمرَ كتيبةً من الفرسانِ أنْ تكمنَ خلفَ الجيشِ في الصحراء، فإذا طلعَ الصباحُ أقبلتْ على دفعاتٍ تثيرُ الغبارَ الكثيفَ وترفعُ الأصواتَ بالتكبيرِ والتهليل! فلما طلعَ الفجرُ وتراءى الجمعان، نظرَ الرومُ فرأوا وجوهاً غيرَ الوجوهِ التي قاتلوها بالأمس، وراياتٍ جديدةً، وسمعوا جلبةً هائلةً ورأوا غباراً يملأُ الأفقَ من خلفِ المسلمين! فوقعَ الرعبُ في قلوبِ الرومِ وقالوا: «لقدْ جاءَهم مددٌ من المدينة! فإذا كانوا قدْ فعلوا بنا ما فعلوا بالأمسِ وهم ثلاثةُ آلاف، فكيفَ بنا اليومَ وقدْ جاءَهم المدد؟!». وشنَّ خالدٌ هجوماً خاطفاً قوياً أربكَ صفوفَهم الأمامية، ثمَّ بدأَ ينسحبُ بالجيشِ تدريجياً بنظامٍ عسكريٍّ دقيقٍ متماسك، والرومُ واقفونَ في أماكنِهم لا يجرؤُ واحدٌ منهم على التقدمِ خطوةً واحدةً؛ خوفاً من أنْ يكونَ تراجعُ خالدٍ كميناً يستدرجُهم به إلى الهلاك! وهكذا عادَ خالدٌ بالجيشِ سالماً عزيزاً مهيباً، بعدَ أنْ كبَّدَ الرومَ خسائرَ فادحةً وكسرَ هيبةَ إمبراطوريتِهم الكبرى، ولمْ يُستشهدْ من المسلمينَ في هذه الملحمةِ المستحيلةِ سوى اثني عشرَ رجلاً فقط! إنَّ هذا الصنيعَ العبقريَّ من خالدٍ رضي الله عنه يُجسِّدُ التكاملَ العظيمَ في الإسلامِ بينَ الإيمانِ بالغيبِ والأخذِ بأقصى الأسبابِ الماديةِ والعقلية، تحقيقاً لأمرِ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [سورة الأنفال: 60]. معَ امتثالِ أمرِه سبحانه في الثباتِ والذكرِ عندَ اللقاء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: 45]. ولقدْ أشارَ الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ رحمه الله في «فتحِ الباري» عندَ شرحِه لأحاديثِ غزوةِ مؤتةَ إلى أنَّ في صنيعِ خالدِ بنِ الوليدِ رضي الله عنه مشروعيةَ إعمالِ المكيدةِ الحربيةِ وحفظِ نفوسِ المسلمينَ عندَ عدمِ تكافؤِ القوى، وأنَّ ذلكَ من كمالِ الحنكةِ والفتحِ النبويِّ الموعود، لا من الفرارِ المذموم. وكما قررَ الإمامُ ابنُ القيمِ رحمه الله في «زادِ المعاد» أنَّ التوكلَ على اللهِ لا ينافي الأخذَ بالأسباب، بل لا يصحُّ التوكلُ إلا معَ القيامِ بالأسبابِ المأمورِ بها؛ فتركُ الأسبابِ عجزٌ ينافي الشرعَ والحكمة، والاعتمادُ عليها وحدَها دونَ اللهِ قدحٌ في التوحيد. عبادَ الله، ولننظرْ إلى مشهدٍ آخرَ من مشاهدِ الوفاءِ النبويِّ بعدَ المعركة؛ فالقائدُ الحقُّ لا ينسى أسرَ الشهداءِ وأيتامَهم في غمرةِ الأحداثِ العسكرية. دخلَ النبيُّ ﷺ على أسماءَ بنتِ عميسٍ رضي الله عنها — زوجةِ جعفرِ بنِ أبي طالب — فدعا أبناءَ جعفرٍ الصغار، فشمَّهم وضمَّهم إليه وذرفتْ عيناهُ الشريفتانِ حتى قَطَرَ دمعُه على لحيتِه، فقالتْ أسماءُ بفزع: بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ الله، ما يبكيك؟ أبلغكَ عن جعفرٍ وأصحابِه شيء؟ قال: «نعم، أُصيبوا هذا اليوم». ثمَّ خرجَ ﷺ إلى أهلِه موجهاً الأمةَ كلَّها إلى التكافلِ والمواساةِ العمليةِ فقال: «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» (رواه أبو داود والترمذي وحسنه). وحينَ وصلَ الجيشُ العائدُ إلى مشارفِ المدينة، لم يستوعبْ بعضُ الناسِ طبيعةَ المناورةِ العسكريةِ التي قامَ بها خالد، فجعلوا يحثونَ الترابَ على الجيشِ ويقولون: «يا فُرَّار! فررتُم في سبيلِ الله!». فتدخلَ القائدُ الأعلى ﷺ ليصححَ المفاهيمَ وليرفعَ الروحَ المعنويةَ لجنودِه الأبطال، وقالَ كلمتَه الحاسمة: «لَيْسُوا بِالفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». وصدقَ رسولُ اللهِ ﷺ! فما مضتْ سنواتٌ قليلةٌ حتى عادَ هؤلاءِ «الكُرَّار» بقيادةِ خالدٍ وأبي عبيدةَ وعمرو بنِ العاصِ رضي الله عنهم، فدكُّوا حصونَ الرومِ في اليرموكِ وأجنادينَ ودمشقَ والقدس، وطووا بساطَ قيصرَ من بلادِ الشامِ إلى الأبد! وهذه الروحُ الإيمانيةُ العاليةُ التي وُلدتْ في مؤتة، هي ذاتُها التي سرتْ في عروقِ الصحابيِّ الجليلِ ربعيِّ بنِ عامرٍ رضي الله عنه بعدَ سنواتٍ في معركةِ القادسية؛ حينَ دخلَ بفرسِه المتواضعِ وثوبِه الخشنِ على «رستم» قائدِ الفرسِ في إيوانِه المرصعِ بالذهبِ والديباج، فلمْ تبهرْه زينةُ الدنيا، بلْ كانَ يتكئُ على رمحِه فيخرقُ به البُسُطَ الفاخرة، ولما سألَه رستم: ما الذي جاءَ بكم؟ أطلقَ كلمتَه التي لخصتْ رسالةَ الإسلام: «اللهُ ابتعثَنا لنخرجَ من شاءَ من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ اللهِ وحدَه، ومن ضيقِ الدنيا إلى سعتِها، ومن جورِ الأديانِ إلى عدلِ الإسلام». ولقدْ صدقَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه حينَ وضعَ القانونَ الخالدَ لعزةِ هذه الأمةِ فقال: «نَحْنُ قَوْمٌ أَعَزَّنَا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، فَمَهْمَا نَبْتَغِ العِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ» (رواه الحاكم وصححه). وقررَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله أنَّ «بالصبرِ واليقينِ تُنالُ الإمامةُ في الدين»؛ فلا نصرَ بلا صبر، ولا تمكينَ بلا يقين! أيها الأحبةُ في الله، لعلَّ سائلاً منكم يسألُ نفسَه الآن: وما علاقةُ غزوةِ مؤتةَ بحياتي اليوميةِ أنا؟ أنا لا أحملُ سيفاً في صحراءِ البلقاء، ولا أواجهُ جيشَ هرقل! أقولُ لكَ يا أخي الكريم: بلْ أنتَ تخوضُ «مؤتةَ» الخاصةَ بكَ في كلِّ يوم! حينَ يقفُ الشابُّ المسلمُ وحدَه أمامَ طوفانٍ جارفٍ من الشهواتِ المحرمةِ والفتنِ المعروضةِ على شاشاتِ الهواتفِ، فيقولُ لنفسِه الأمارةِ بالسوءِ كما قالَ ابنُ رواحة: «أقسمتُ يا نفسُ لتنزلنَّه»، ويغلقُ بابَ الحرامِ طاعةً للهِ؛ فهو بطلٌ من أبطالِ الصبرِ والثبات! وحينَ يُعرضُ المالُ الحرامُ والرشوةُ والربا على الموظفِ أو التاجرِ في زمنِ الغلاءِ والضيقِ الماليِّ، ويُقالُ له: «كلُّ الناسِ يفعلونَ ذلك، أنتَ وحدَك لن تغيِّرَ الكون»، فيثبتُ على مبدئِه ويقول: «ما نعيشُ بكثرةِ الحرامِ ولكنْ ببركةِ الحلال»؛ فهذا وريثُ ثباتِ جعفرٍ وزيد! إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يخاطبُنا جميعاً في كلِّ زمانٍ ومكانٍ بقولِه الحق: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران: 160]. ويبعثُ الأملَ والعزةَ في نفوسِنا مهما اشتدتِ المحنُ فيقولُ سبحانه: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران: 139]. إخواني، الرايةُ التي احتضنَها جعفرٌ بعضدَيه المقطوعتَينِ لم تكنْ مجردَ قطعةِ قماش، بل كانتْ رايةَ العقيدةِ والصلاةِ والأمانةِ والقيم. والعمرُ يمضي سريعاً، والأنفاسُ معدودة، وكلُّ لحظةٍ تمرُّ وأنتَ متنازلٌ عن ثوابتِ دينِك أو منهزمٌ أمامَ هواكَ هي خسارةٌ لا تُعوَّض. فيا من تسمعُني الآن، إنَّ اللهَ الذي نصرَ ثلاثةَ آلافٍ في مؤتةَ قادرٌ على أنْ ينصرَك على همومِك، وأنْ يفرِّجَ كربتَك، وأنْ يثبِّتَ قلبَك، فالبابُ مفتوحٌ، والمددُ الربانيُّ لا ينقطعُ عمَّن صدقَ معَ الله! لا تنتظرْ حتى الغد؛ اتخذْ قرارَ الثباتِ من هذه الساعة، وراجعْ موقفَكَ من صلاتِك وأمانتِك وأسرتِك، وكنْ على ثغرةٍ من ثغورِ الإسلامِ فلا يُؤتينَّ الإسلامُ من قِبَلِك! ومَن صدقَ اللهَ في عهدِه، فتحَ اللهُ له مغاليقَ الأبوابِ كما فتحَ لخالدٍ وأصحابِه يومَ مؤتة. أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كلِّ ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمداً عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلمَ وباركَ عليه وعلى آلِه وصحبِه ومن اهتدى بهداهُ إلى يومِ الدين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، لقدْ عشنا في خطبتِنا الأولى معَ ملحمةِ «مؤتة» الخالدة، ورأينا كيفَ تحركَ جيشُ الإسلامِ ثأراً لكرامةِ رجلٍ واحدٍ قُتلَ غدراً. ووقفنا بخشوعٍ أمامَ تضحياتِ القادةِ الثلاثةِ زيدٍ وجعفرٍ وابنِ رواحةَ الذين قدَّموا أرواحَهم رخيصةً في سبيلِ الله، وتأملنا عبقريةَ خالدِ بنِ الوليدِ رضي الله عنهم أجمعينَ في الجمعِ بينَ شجاعةِ القلبِ وحكمةِ التدبير. والآنَ يا كرام، يبقى السؤالُ العمليُّ الأهمُّ: كيفَ نترجمُ دروسَ مؤتةَ إلى واقعٍ حيٍّ في بيوتِنا وأعمالِنا ونفوسِنا؟ أوصيكم بخمسٍ قبلَ أن تغادروا مصلاكم هذا: الأولى: جدِّدوا في قلوبِكم صدقَ العهدِ معَ اللهِ والدارِ الآخرةِ من هذه اللحظة؛ فمنْ سألَ اللهَ معاليَ الأمورِ بصدقٍ بلَّغه اللهُ منازلَ الأبطالِ وإنْ لم يبرحْ مكانَه، واسمعوا لبشارةِ نبيِّكم ﷺ حينَ قال: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ» (رواه مسلم)، فلا تخرجْ من المسجدِ اليومَ إلا وقدْ عقدتَ نيةً صادقةً أنْ تعيشَ للهِ وتموتَ على طاعتِه، ولا تقلْ أنا ضعيفٌ، فالصدقُ يرفعُ صاحبَه إلى أعلى عليين. الثانية: احفظوا ألسنتَكم عن بثِّ اليأسِ والإحباطِ في أوقاتِ الأزمات، واجعلوا كلامَكم تثبيتاً وبشارةً لأهلِيكم وإخوانِكم كما فعلَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ يومَ مؤتة؛ فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 69]، فابدأْ من هذا اليومِ بهجرِ كلماتِ التشاؤمِ والقنوطِ في مجالسِك وعبرَ هاتفِك، واستبدلْها بذكرِ اللهِ والتذكيرِ بوعدِه الصادق. الثالثة: خذوا بأسبابِ القوةِ والتخطيطِ والإتقانِ في كلِّ شؤونِ حياتِكم كما خططَ خالدُ بنُ الوليدِ لإنقاذِ جيشِه؛ فالمؤمنُ لا يتركُ نفسَه وأسرتَه للعشوائيةِ والفوضى بحجةِ التوكل، بل يجمعُ بينَ دقةِ التدبيرِ وصدقِ الاعتمادِ على الله، وقدْ قالَ الحسنُ البصريُّ رحمه الله: «يا ابنَ آدم، إنما أنتَ أيام، كلما ذهبَ يومٌ ذهبَ بعضُك»، فاجلسِ الليلةَ ورتِّبْ أولوياتِك الدينيةَ والدنيويةَ، وأتقنْ عملَك الذي تكسبُ منهُ قوتَ عيالِك. الرابعة: تفقدوا أسرَ المحتاجينَ والأيتامِ والمنكوبينَ من حولِكم عملاً بوصيةِ النبيِّ ﷺ في آلِ جعفر؛ فإنَّ نصرَ اللهِ يتنزلُ على الأمةِ المتراحمةِ المتكافلة، كما قالَ ربُّنا جلَّ وعلا: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد: 7]، فلا يمضينَّ عليكَ هذا الأسبوعُ إلا وقدْ أدخلتَ السرورَ على بيتِ يتيمٍ أو محتاجٍ بصدقةٍ خفيةٍ أو خدمةٍ تقضيها له، ولا تستقلَّ القليلَ فإنَّ القليلَ عندَ اللهِ عظيم. الخامسة: اثبتوا على مبادئِكم وأخلاقِكم ولا تغرنَّكم كثرةُ المفرطينَ في زمنِ الفتن؛ فقدْ حذَّرَنا الصادقُ المصدوقُ ﷺ بقولِه: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ» (رواه مسلم)، وتذكروا قولَ الإمامِ الفضيلِ بنِ عياضٍ رحمه الله: «لا تستوحشْ طرقَ الهدى لقلةِ أهلِها، ولا تغترَّ بكثرةِ الهالكين»، ولتكنْ رايةُ الصلاةِ والاستقامةِ في بيتِك مرفوعةً لا تسقطُ أبداً؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ يقول: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» (متفق عليه). فاتقوا اللهَ عبادَ الله، واعلموا أنَّ تقوى اللهِ والمرابطةَ على طاعتِه هي سفينةُ النجاةِ في الدنيا والآخرة، ممتثلينَ وصيةَ ربِّكم جلَّ في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران: 200]. ثمَّ اعلموا رحمَكم اللهُ أنَّ اللهَ أمرَكم بأمرٍ بدأَ فيه بنفسِه، وثنَّى بملائكتِه المسبِّحةِ بقدسِه، وثلَّثَ بكم أيها المؤمنونَ من جِنِّه وإنسِه، فقالَ جلَّ من قائلٍ عليماً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنكَ حميدٌ مجيد، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنكَ حميدٌ مجيد، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وعن شهداءِ مؤتةَ الأبرار، وعن سائرِ الصحابةِ والتابعين، ومن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك يا أكرمَ الأكرمين. اللهمَّ إنَّا نسألُك إيماناً صادقاً لا يرتد، ويقيناً راسخاً لا ينفد، وثباتاً على الحقِّ حتى نلقاكَ وأنتَ عنَّا راضٍ يا ربَّ العالمين. اللهمَّ كما ثبَّتَّ قلوبَ القلةِ المؤمنةِ يومَ مؤتة، فثبِّتْ قلوبَنا على دينِك وطاعتِك في السرِّ والعلن، ولا تكلْنا إلى أنفسِنا ولا إلى قوتِنا طرفةَ عين. اللهمَّ ارزقْنا صدقَ زيد، وإقدامَ جعفر، ويقينَ ابنِ رواحة، وحكمةَ خالد، واحشرْنا في زمرتِهم تحتَ لواءِ نبيِّك محمدٍ ﷺ غيرَ خزايا ولا مفتونين. اللهمَّ اجبرْ كسرَ المستضعفينَ والمكلومينَ من المسلمينَ في كلِّ مكان، واربطْ على قلوبِهم، واحفظْ دماءَهم وأعراضَهم، وكنْ للأيتامِ والأراملِ ولياً ونصيراً ومعيناً. اللهمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمينَ عامة، واجمعْ كلمتَهم على الحقِّ والهدى، وألِّفْ بينَ قلوبِهم، واصرفْ عنهم الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطن. اللهمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلمات، والمؤمنينَ والمؤمنات، الأحياءِ منهم والأموات، إنكَ سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عبادَ الله، إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي، يعظُكم لعلَّكم تذكرون. فاذكروا اللهَ العظيمَ يذكرْكم، واشكروهُ على نعمِه يزدْكم، ولذكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنعون. وأقمِ الصلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.