من مكتبة مِداد الخطيب

الشُّكرُ... حَياةُ القُلوبِ ومِفتاحُ المَزيد

مشاركة
🕌 الشُّكرُ... حَياةُ القُلوبِ ومِفتاحُ المَزيد #خطبة_جمعة #الشكر #الرضا #النعم #الإيمان #رقائق #تزكية_النفس #الحمد الحمدُ للهِ المُنعِمِ المُتَفَضِّل، الذي غَمَرَ عِبادَهُ بِنِعَمٍ لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وبَسَطَ يَدَهُ بالخَيراتِ في السِّرِّ والنَّجوى. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ الشُّكرَ مِفتاحًا للمَزيد، وعَدًا مِنهُ حَقًّا وقَولًا سَديدًا، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ الشَّاكرين، وسَيِّدُ الحامِدين، مَن قامَ ليلَهُ حتَّى تَفَطَّرَت قَدَماهُ حُبًّا لِمَولاه وشُكرًا، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليمًا كثيرًا. أمَّا بَعد: نُردِّدُ في صلواتنا كلَّ يومٍ عشرات المرات: "الحمدُ للهِ ربِّ العالمين"، نَنطِقُها بألسنَتِنا في المسجد... لكنَّنا نَخرُجُ للحياة فَنَشتَكي، ونَتذَمَّر، ونَنظُرُ بِحَسرةٍ إلى ما في أَيدي النَّاس. لِماذا يَتَبَخَّرُ شُكرُنا بِمُجَرَّد خُروجِنا لِمُواجَهةِ الدُّنيا؟ وما هو السِّرُّ العظيمُ في الآية التي تَحفَظونَها جَميعًا ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾؟ الجوابُ يَحمِلُه لنا نَبيٌّ قامَ اللَّيلَ حتَّى تَفَطَّرَت قَدَماه، وقِصَّةٌ عَجيبةٌ لِثلاثةِ رِجالٍ كانوا في مِحنَةٍ فانقَسَموا. بَعدَ قَليلٍ تَعرفونَ الخَبر. أيُّها المسلمون، هَل سألتُم أنفسَكم يَومًا: ما هو الهَدَفُ الأكبرُ لِلشَّيطان من إغوائنا؟ قد تَقولون: أن نَكفُر، أو أن نَظلِم، أو أن نَترُكَ الصَّلاة. نَعم، هذه أهدافُه، لكِنَّ إبليسَ لَمَّا طُرِدَ من رَحمةِ الله، وقَفَ يَتَوَعَّدُ بَني آدَم، فَلَخَّصَ هَدَفَهُ النِّهائيَّ في كَلِمَةٍ واحدةٍ مُخيفَة. اسمعوا ماذا قال لِرَبِّ العِزَّة، كما حَكى القرآنُ عَنه: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف: 17]. تأمَّلوا هَذه الآيَةَ جَيِّدًا! لَم يَقُل: "ولا تَجدُ أكثَرهم يُصَلُّون"، أو "ولا تَجد أكثَرَهم يُوَحِّدون"... بَل قال: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾. الشَّيطانُ يَعرِفُ أنَّ القَلبَ إذا فَقَدَ الشُّكر، صارَ أرضًا خَصبَةً لِكُلِّ مَعصيَة. إذا غابَ الشُّكرُ حَضَرَ التَّسَخُّط، وإذا حَضَرَ التَّسَخُّطُ ضاعَ الرِّضا، وإذا ضاعَ الرِّضا التَفَتَ العَبدُ إلى الحَرام. ولِذَلك بَيَّنَ رَبُّنا تبارَكَ وتعالى نُدرَةَ الشَّاكرينَ مِن عِبادِه، فَقال: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ: 13]. السُّؤالُ الذي يَجِبُ أن نَطرَحَهُ على أنفُسِنا الآن: هَل نَحنُ مِن هَذا القَليل، أم مِنَ الأغلَبيَّةِ الغافِلَة؟ يا عِبادَ الله، كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أنَّ الشُّكرَ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ تُقالُ باللِّسانِ بَعدَ وَجبَةِ طَعام، أو بَعدَ شَربَةِ ماء. "الحمد لله" كَلِمَةٌ عَظيمة، مِلءُ الميزان، لكِنَّ الشُّكرَ أعمَقُ من ذَلك بِكَثير. قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّم في "مَدارج السَّالكين" أنَّ الشُّكرَ يَقومُ على ثلاثةِ أركان، لا يَصِحُّ إلَّا بها: "اعترافٌ من القَلبِ بالمُنعِم، وثَناءٌ باللِّسانِ على النِّعمَة، وعَمَلٌ بالجَوارِحِ في طاعَةِ المُعطي". فَلا يَكونُ شَاكِرًا مَن قالَ بِلِسانِهِ "الحمد لله"، وهو يَستَخدِمُ نِعمَةَ البَصَرِ في النَّظَرِ إلى الحَرام، أو يَستَخدِمُ نِعمَةَ الصِّحَّةِ في التَّكَبُّرِ والظُّلم! لِذلك قال تَعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ: 13]. الشُّكرُ عَمَلٌ قَبلَ أن يَكونَ قَولًا. ولْنَتأمَّل مَعًا أعظَمَ شاكِرٍ عَرَفَتهُ البَشَريَّة، نَبيَّنا مُحمَّدًا ﷺ. نَبيٌّ غُفِرَ لهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ وما تَأخَّر، ضَمِنَ الفِردَوسَ الأعلى، وهو سَيِّدُ وَلَدِ آدَم. كَيفَ كانَ حالُه؟ تَدخُلُ عليهِ زَوجَتُهُ عائِشَةُ رَضيَ اللهُ عَنها في جَوفِ اللَّيل، فَتَجِدُهُ قائِمًا يُصَلِّي حَتَّى تَتَوَرَّمَ وتَتَفَطَّرَ قَدَماه. مَشهَدٌ يَبكيهِ القَلب! قَدَمانِ شَريفتانِ تَتَشَقَّقانِ مِن طولِ الوُقوفِ بَين يَدَي الله. فتُشفِقُ عليهِ وتقول: يا رَسولَ الله، أتَصنَعُ هذا وقد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنبِكَ وما تأخَّر؟ فَيَرُدُّ عليها بِكَلِمَةٍ تَختَصِرُ مَفهومَ العُبوديَّة: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟»! (متفق عليه). واسمَعوا لهذا، وانتبِهوا جَيِّدًا. النَّبيُّ ﷺ لَم يَعبُد رَبَّهُ في تِلك اللَّيلَةِ خَوفًا من النَّار، فَقَد أُمِّنَ مِنها. ولَم يَعبُدهُ طَمَعًا في مَغفِرَة، فَقَد غُفِرَ له. بَل عَبَدَهُ "شُكرًا". وهذا أرقَى مَراتِبِ الإيمان: أن تَعبُدَ اللهَ لِأنَّهُ يَستَحِقُّ العِبادَة، ولِأنَّ نِعَمَهُ تَغمُرُكَ من قِمَّةِ رَأسِكَ إلى أخمَصِ قَدَمَيك. فَأينَ نَحنُ مِن رَكعَتَينِ نَركَعُهُما في اللَّيل، لا لِنَطلُبَ شَيئًا، بَل فَقَط لِنَقولَ: "يا رَبِّ، شُكرًا لكَ عَلى نِعَمِك"؟ عبادَ الله، إنَّ مِن أخطَرِ الأمراضِ التي تُصيبُ القُلوبَ في زماننا: مَرَضَ "إلْفِ النِّعمَة". أن تَعتادَ النِّعمَةَ حتى تَنسى أنَّها نِعمَة. أنتَ تَستَيقِظُ صَباحًا، تَفتَحُ عَينَيكَ فَتُبصِر، تَقومُ على قَدَمَيكَ فَتَمشي، تَتَنَفَّسُ بِلا صُعوبَة، تَشرَبُ الماءَ فَلا يَغَصُّ بِحَلقِك، تَذهَبُ إلى عَمَلِكَ آمِنًا... كُلُّ هَذا تَعتَبِرُهُ "شَيئًا عاديًّا"! مَن قالَ إنَّ هذا عادي؟ اسأل مَن فقدَ بَصَرَهُ عَن قيمَةِ النُّور، واسأل مَن يَغسِلُ كُلاهُ ثلاثَ مرَّاتٍ في الأسبوعِ عَن نِعمَةِ الكُلى التي تَعمَلُ في جَسَدِكَ بِصَمتٍ وأنتَ نائم، واسأل مَن لا يَنامُ إلَّا بالمُهَدِّئاتِ عَن نِعمَةِ النَّومِ الهادئ. يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة إبراهيم: 34]. نَحنُ نَغرَقُ في بِحارِ النِّعَم، لكنَّنا نُغمِضُ أعيُنَنا عَن كُلِّ هذا، ونَبكي عَلى أُمنِيَةٍ واحِدَةٍ لَم تَتَحَقَّق! قالَ مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ رَحِمَهُ الله: "لَأَن أُعافَى فَأشكُر، أحَبُّ إلَيَّ مِن أن أُبتَلى فَأصبِر". العافيَةُ تاجٌ لا يَراهُ إلَّا المَرضى، فَلِماذا نَنتَظِرُ زَوالَ التَّاجِ حتَّى نُدرِكَ قيمَتَه؟ لِنَنتَقِل مَعًا الآنَ إلى قِصَّةٍ تَهُزُّ الوُجدان، رَواها الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ لِيُعَلِّمَنا كَيفَ يَختَبِرُ اللهُ القُلوبَ بالنِّعَم. في صَحيحَي البُخاريِّ ومُسلِم، عَن أبي هُرَيرَةَ رَضيَ اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ ثَلاثَةً من بَني إسرائيل: أَبْرَصَ، وأَقْرَعَ، وأَعْمَى، أرادَ اللهُ أن يَبتَليَهُم، فَبَعَثَ إليهِم مَلَكًا...". تَخَيَّلوا المَشهَد، ثَلاثةُ رِجالٍ في قِمَّةِ الابتِلاءِ والضَّعف. يَأتي المَلَكُ لِلأبرَص، ويَسألُه: ما أحَبُّ شَيءٍ إلَيك؟ قال: لَونٌ حَسَنٌ، وجِلدٌ حَسَنٌ، فقد قَذِرَني النَّاس. فمَسَحَهُ فذَهَبَ عنه بَرَصُه، وأُعطيَ لَونًا حَسَنًا. ثم قال: أيُّ المالِ أحَبُّ إليك؟ قال: الإبِل. فأُعطيَ ناقَةً عُشَراء. ثُمَّ يأتي إلى الأقرَعِ الذي مَلَّ مِن سُخريَةِ النَّاس، فيُعطيهِ شَعرًا حَسَنًا، وبَقَرًا حَوامِل. ثُمَّ يأتي إلى الأعمى في مَحبَسِ ظَلامِه، فَيَرُدُّ اللهُ عليه بَصَرَه، ويُعطيه شاةً والِدًا. وتَمُرُّ السِّنون. الإبلُ مَلأَتِ الوادي، والبَقَرُ مَلَأَ الوادي، والغَنَمُ مَلأَتِ الوادي. ثَلاثَتُهُم صاروا مِن أثرياءِ القَوم، أصحَّاء، مُنَعَّمين. وهُنا... جاءَ وقتُ الحِساب. جاءَ وَقتُ الاختِبارِ الحَقيقي: اختِبارُ الشُّكر. يَعودُ المَلَكُ نَفسُه، لكِنَّهُ يَأتي هَذه المرَّة في صورَةِ رَجُلٍ مِسكينٍ مُنقَطِع، ويَقِفُ أمامَ الأبرَصِ في قَصرِهِ بَين إبِلِه، ويَقول: "رَجُلٌ مِسكين، قدِ انقَطَعَت بيَ الحِبالُ في سَفَري، فَلا بَلاغَ لِيَ اليَومَ إلَّا باللهِ ثُمَّ بِك، أسألُكَ بالذي أعطاكَ اللَّونَ الحَسَن، والجِلدَ الحَسَن، والمال... بَعيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ في سَفَري". يا سُبحانَ الله! كَلِماتٌ تُذَكِّرُهُ بِأصلِه، بِماضيه، بِلَحظَةِ الضَّعفِ التي عاشَها. فَبِماذا أجاب؟ هل رَقَّ قَلبُه؟ هل تَذَكَّرَ فَضلَ الله؟ كلا! قال الكَلِمَةَ الَّتي يَقولُها كُلُّ جاحدٍ للنِّعمَة: "الحُقوقُ كَثيرة"! أي: عِندي التِزامات ومَصاريف ولا أستَطيعُ إعطاءَك. فَقال لهُ المَلَك: كَأنِّي أعرِفُك! ألم تَكُن أبرَصَ يَقدَرُكَ النَّاس، فَقيرًا فأعطاك الله؟ فقال الرَّجُلُ الجاحِد: "إنَّما وَرِثتُ هذا المالَ كابِرًا عَن كابِر"! كَذَبَ وافتَرى! نَسَبَ النِّعمَةَ لِنَفسِه ونَسيَ المُنعِم. فقال المَلَكُ كَلِمَةً صارِمَة: "إن كُنتَ كاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللهُ إلى ما كُنت". وعادَ إلى بَرَصِهِ وفَقرِه. وذَهَبَ المَلَكُ إلى الأقرَعِ فَقال لهُ مِثلَ ما قال للأبرَص، ورَدَّ الأقرَعُ بِمِثلِ رَدِّ الأبرَص، ودَعا عليهِ المَلَكُ فَعادَ أقرَعَ فَقيرًا. ثُمَّ يَأتي المَشهَدُ الأكبَر... المَشهَدُ الَّذي تُذرَفُ فيه الدُّموع. يَقِفُ المَلَكُ بِصورَةِ المِسكين أمامَ الرَّجُلِ الثَّالِث، الَّذي كان أعمى بَصَر، لكِنَّ قَلبَهُ كان بَصيرًا حَيًّا. ويَطلُبُ مِنهُ شاةً واحِدةً يَتَبَلَّغُ بها في سَفَرِه، ويُذَكِّرُهُ بالذي رَدَّ عليه بَصَرَه. واسمَعوا هُنا لإجابَةِ الشَّاكِر... إجابَةِ القَلبِ الذي لَم تُفسِدهُ الدُّنيا. لم يَقُل "خُذ شاة"، بَل طَفَحَ الشُّكرُ من قَلبِهِ فَقال: "قَد كُنتُ أعمى فَرَدَّ اللهُ إلَيَّ بَصَري، وكُنتُ فَقيرًا فَأغناني... فَخُذ ما شِئتَ ودَع ما شِئت، فَواللهِ لا أجهَدُكَ اليَومَ بِشَيءٍ أخَذتَهُ للهِ عَزَّ وجَلَّ"! اللهُ أكبَر! أيُّ نُبلٍ هذا؟ أيُّ اعتِرافٍ هذا؟ كَأنَّهُ يَقول: المالُ مالُ الله، وأنا عَبدُه، فَخُذ ما تُريد. هُنا ابتَسَمَ المَلَكُ وكَشَفَ عَن نَفسِهِ وقال الكَلِمَةَ الحاسمَة: "أمسِك مالَك، فَإنَّما ابتُليتُم، فَقَد رَضِيَ اللهُ عَنك، وسَخِطَ على صاحِبَيك". يا لها مِن قِصَّةٍ تَلخِّصُ حَياتَنا! كَم مِنَّا مَن كان فَقيرًا فأغناهُ الله، فَإذا سُئِلَ الصَّدَقَةَ قال: جَمَعتُهُ بِجُهدي وعَرَقي؟ كَم مِنَّا مَن كادَ يَرسُبُ وتَضيعُ سَنواتُه، فَنَجَّاهُ الله، ثُمَّ قال: نَجَحتُ بِذَكائي؟ كَم مِنَّا مَن يَمُرُّ بِضيقَةٍ، فَيَبكي ويَدعو، فَإذا كَشَفَ اللهُ غُمَّتَهُ نَسيَ رَبَّهُ وعادَ لِلغَفلَة؟ ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: 152]. الكُفرانُ هُنا هو جُحودُ النِّعمَة. ولَعَلَّكُم تَسألون: وكَيفَ أشكُرُ والضِّيقُ يُحيطُ بي؟ كَيفَ أشكُرُ وأنا مُبتَلىً في مالي أو عِيالي أو صِحَّتي؟ أقولُ لَكُم: أظَنَنتُم أنَّ الشُّكرَ فَقط عِندَ الرَّخاء؟ لا والله، الشُّكرُ في البَلاءِ هو شُكرُ الأنبياءِ والصِّدِّيقين. واسمَعوا هَذا المَوقِفَ مِن قَلعةِ اليَقين، عُروَةَ بنِ الزُّبَيرِ رَحِمَهُ الله. ذَهَبَ في سَفَر، فَأصابَت رِجلَهُ الآكِلَةُ (الغَرغَرينا)، فَقَرَّرَ الأطِبَّاءُ قَطعَها حتَّى لا يَفسُدَ جَسَدُه. وفي نَفسِ الرِّحلَةِ، دَخَلَ ابنُهُ إلى مَربَطِ خَيلٍ، فَرَفَسَتهُ فَرَسٌ فَماتَ! في رِحلَةٍ واحِدَة: قُطِعَت ساقه، وماتَ أحَبُّ أبنائِه. فماذا قال هذا الجَبَلُ الأَشَمّ؟ هل جَزِع؟ هل صَرَخ؟ التَفَتَ إلى السَّماءِ وقال كَلِماتٍ تُكْتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمد، كان لي أطرافٌ أربَعَة، فَأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ ثَلاثَة. وكان لي أبناءٌ سَبعَة، فَأخَذتَ واحِدًا وأبقَيتَ سِتَّة. فَلَئِن كُنتَ قَد أخذت، فَلَطالَما أبقَيت، ولَئِن كُنتَ قَد ابتَلَيت، فَلَطالَما عافَيت". هَذا هو الشُّكرُ الذي يَقهرُ شَيطانَ اليَأس! كان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضيَ اللهُ عَنهُ يَقول: "ما ابتُليتُ بِمُصيبَةٍ إلَّا كان لِلَّهِ عَلَيَّ فيها أربَعُ نِعَم: أنَّها لم تَكُن في ديني، وأنَّها لم تَكُن أعظَمَ مِنها، وأنِّي لم أُحرَمِ الرِّضا فيها، وأنِّي أرجو ثَوابَها". حتَّى في وُسطِ المُصيبَةِ، يَنظُرُ السَّلَفُ إلى النِّعمَةِ المَخفيَّةِ فيها! ونحنُ اليوم، للأسَف، صِرنا في عَصرٍ تُحاصِرُنا فيهِ شاشاتُ الهَواتِف، نَرى فيها صُوَرًا مُلَمَّعةً لِحَياةِ الآخَرين، سَيَّارات فارهة، بُيوت واسعة، سَفَريَّات، طَعام فاخِر... فَنَنظُرُ إلى بُيوتِنا فَنَحتَقِرُها، ونَنظُرُ إلى زَوجاتِنا فَنَزدريهِن، ونَنظُرُ إلى أرزاقِنا فَنَستَقِلُّها. نَسينا حَديثَ النَّبيِّ ﷺ الصَّارِمَ الَّذي رَواهُ مُسلم: «انظُروا إلى مَن أسفَلَ مِنكُم، ولا تَنظُروا إلى مَن هو فَوقَكُم، فَهوَ أجدَرُ أن لا تَزدَروا نِعمَةَ الله». المُقارَنَةُ سارِقُ الفَرَح، ولِصُّ الشُّكر. كُلَّما نَظَرتَ إلى مَن يَملِكُ أكثَرَ مِنك، حُرِمتَ لَذَّةَ ما تَملِك. أينَ نَحنُ مِن نِعمَةِ التَّوحيد، وأنَّنا نَسجُدُ للهِ في حينِ يَسجُدُ الملايينُ لِبَقَرَةٍ أو صَنَم؟ أينَ نَحنُ مِن نِعمَةِ الأَمن، في حين يَتَخَطَّفُ الخَوفُ إخوانًا لَنا تَحتَ القَصفِ والرُّكام؟ وأينَ نَحنُ... — واسمَعوها بِقُلوبِكُم — من نِعمَةِ "السِّتْر"؟ لو كَشَفَ اللهُ غِطاءَ السِّترِ عَن ذُنوبِنا ونَوايانا وخَلَواتِنا، هَل كان أحَدٌ مِنكُم سَيَرضى أن يَجلِسَ بِجانِبي أو أضَعَ يَدي في يَدِه؟ واللهِ، إنَّ سِترَ اللهِ علينا نِعمَةٌ لو سَجَدنا لَها عُمرَنا شُكرًا لَما وَفَّينا. بارَكَ اللهُ لي ولكم في القُرآنِ العَظيم، ونَفَعَني وإيَّاكُم بِما فيهِ مِنَ الآياتِ والذِّكرِ الحَكيم. أقولُ قَولي هَذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائِرِ المُسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيه كَما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، صَلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصَحبِهِ أجمَعين. أمَّا بَعد: عِبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأولى عَن حَقيقَةِ الشُّكر، وكَيفَ أنَّهُ عَمَلٌ واعترافٌ قَبلَ أن يَكونَ كَلِمَة. ووَقَفنا مَع حالِ نَبيِّنا ﷺ الَّذي قامَ اللَّيلَ شُكرًا، وقِصَّةِ الأعمى الَّذي عَرَفَ قَدرَ النِّعمَةِ فَأَبقى اللهُ عَليه بَرَكَتها. والآن، ونَحنُ نَستَعِدُّ لِلخُروجِ إلى واقِعِنا وحَياتِنا، بَقِيَ السُّؤالُ الأَهَمّ: كَيفَ نُتَرجِمُ هذا الشُّكرَ في أيَّامِنا المُقبِلَة؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري: الأولى (قَلبيَّة): طَهِّر قَلبَكَ مِنَ المُقارَنات. توَقَّف عَن تَتَبُّعِ صُوَرِ حَياةِ النَّاسِ عَلى شاشَةِ هاتِفِك. كُلَّما رَأيتَ مَن فُضِّلَ عليكَ في الدُّنيا، التَفِت فَورًا إلى مَن فُضِّلتَ أنتَ عَليه، وقُل في نَفسِك: "الحَمدُ للهِ الَّذي عافاني مِمَّا ابتَلاهُ بِه، وفَضَّلَني عَلى كَثيرٍ مِمَّن خَلَقَ تَفضيلًا". هذه الخُطوَةُ اليَوم، ستُعيدُ السَّكينَةَ لِقَلبِك. الثانية (لِسانيَّة): اجعَل كَلِمَةَ "الحَمدُ لله" كَلِمَةً حَيَّةً لا كَلِمَةً مَيِّتَة. حينَ تَستَيقِظُ غَدًا صَباحًا، وتَرى أنَّ اللهَ رَدَّ إلَيكَ رُوحَك، قُلها بِاستِشعار. وحينَ تَشكو لِأحَد، ابدَأها بالحَمد. لا تَجعَل اللِّسانَ يَسبِقُ القَلب، بَل اجعَل قَلبَكَ هو الَّذي يَنطِقُها. الثالثة (عَمَليَّة): الشُّكرُ الفِعليُّ هُوَ أن لا تَعصيَ اللهَ بِنِعَمِه. هَل أكرَمَكَ اللهُ بِصحَّة؟ لا تَمشِ بِها إلى حَرام. هَل أعطاكَ مالًا؟ أخرِج مِنهُ صَدَقَةً ولَو قَليلَةً اليَوم. استخدامُ النِّعمَةِ في رِضا الله هوَ أعظَمُ أسبابِ حِفظِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: 145]. الرابعة (اجتماعيَّة): اشكُر النَّاسَ مِن حَولِك. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَن لا يَشكُرُ النَّاسَ لا يَشكُرُ الله» (رواه أبو داود). عُد إلَى بَيتِكَ اليَوم، واشكُر زَوجَتَكَ عَلى جُهدِها المَنسيّ. اشكُر والِدَيكَ بِقُبلَةٍ عَلى جَبينِهِما. اشكُر العامِلَ البَسيطَ في الشَّارِعِ بِكَلِمَةٍ طَيِّبة. الشُّكرُ يَصنَعُ وِدًّا لا تَصنَعُه الأموال. الخامسة (موضوعيَّة): أحيوا سُنَّةَ "سُجودِ الشُّكر". كان النَّبيُّ ﷺ إذا أتاهُ أمرٌ يَسُرُّه، خَرَّ ساجِدًا شُكرًا للهِ. إذا جاءَتكَ بِشارَة، إذا نَجَحَ وَلَدُك، إذا شُفيتَ مِن مَرَض... حَتَّى ولَو كُنتَ في مَكانِ عَمَلِك، اختَلِ بِنَفسِكَ واسجُد سَجدَةً واحِدةً، قُل فيها: يارَبِّ لكَ الحَمد. هذه السَّجدَةُ كَفيلَةٌ بأن تُثَبِّتَ النِّعمَةَ وتَزيدَها. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ الشُّكرَ قَيدُ النِّعَمِ المَوجودَة، وصَيَّادُ النِّعَمِ المَفقودَة، وأنَّ مَن عَرَفَ نِعمَةَ اللهِ ثُمَّ أنكَرَها ولَم يَشكُرها، فَقَد عَرَّضَها لِلزَّوال. ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا عَلى مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، فَقَد قالَ القائِلُ جَلَّ جَلالُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك عَلى نَبيِّنا مُحمَّد، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ الطَّيِّبينَ الطَّاهِرين. اللَّهُمَّ اجعَلنا مِن عِبادِكَ الشَّاكِرين. اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلى ذِكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عِبادَتِك. اللَّهُمَّ مَنَّ عَلَينا بِشُكرِ نِعَمِكَ الَّتي لا تُحصى، ولا تَجعَلنا مِنَ الجاحِدينَ الغافِلين. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن زَوالِ نِعمَتِك، وتَحَوُّلِ عافيَتِك، وفُجاءَةِ نِقمَتِك، وجَميعِ سَخَطِك. اللَّهُمَّ طَهِّر قُلوبَنا مِنَ التَّسَخُّط، واملَأها بِالرِّضا واليَقين، واجعَلنا نَرى آلاءَكَ في كُلِّ حال. اللَّهُمَّ مَن كانَ مِنَّا في هَمٍّ أو ضيقٍ فَارزُقهُ رِضًا في القَلبِ وصَبرًا يُورِثُ الفَرَج، ومَن كانَ مِنَّا في نِعمَةٍ وعافيَةٍ فَارزُقهُ شُكرًا يُورِثُ الزِّيادَة. اللَّهُمَّ احفَظ المُسلِمينَ المُستَضعَفينَ في كُلِّ مَكان، وأنزِل عَلَيهِمُ السَّكينَةَ والثَّبات، واجعَل لَهُم مِن كُلِّ ضيقٍ مَخرَجًا. عِبادَ الله، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ عَلى نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وأَقِمِ الصَّلَاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.