🕌 حِجارةٌ في الصُّدور: قَسوةُ القَلبِ ومَخاطِرُها وسَبيلُ إِحيائِها
#خطبة_جمعة #قسوة_القلب #رقائق #إيمانيات #تزكية_النفس #الخشوع #القلوب
الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ القلوبَ أوعيةً للإيمان، ومَحطّاً لأنوارِ التَّنزيلِ والفرقان، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، رَحيمٌ بعبادِهِ، رَؤوفٌ بخَلقِهِ، تَخِرُّ لعَظَمَتِهِ صُمُّ الجِبالِ وتَلينُ بذِكرِهِ الصُّخورُ الصِّلاد، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّداً عبدُهُ ورسولُه، أرقُّ الناسِ قلباً، وأنداهُم كفّاً، وأصدَقُهُم دَمعاً وخَشية، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ الأطهَار، وصَحابتِهِ الأبرار، والتَّابعينَ ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ القرار.
أمَّا بعد:
عبادَ الله، إنَّ في أجسادِنا مُضغَةً عَجيبة؛ هي مَملكةُ المشاعرِ والنيَّات، وقِبلةُ الرَّغباتِ والغايات، إن صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وإن فَسَدَت فَسَدَ الجسدُ كلُّه. كثيرٌ منَّا يَفزَعُ إذا اضطَرَبَ نَبضُ قلبهِ الحِسِّيُّ سَاعة، ويَهرَعُ إلى الأطباءِ يَبذُلُ الغاليَ والنَّفيس؛ لكنَّ القليلَ منَّا مَن يَتفقَّدُ نبضَ قلبهِ المَعنويِّ وروحهِ بين يَدَي الله. هل تَساءَلتَ يوماً: لماذا نَسمَعُ الآياتِ تَتنزَّلُ زَواجِرُها فلا نَضطَرِب؟ ولماذا نَمشي خَلفَ الجنائزِ فلا نَرتَدِع؟ ولماذا تَمُرُّ بنا المَواسمُ والمَواعِظُ كأنَّما يُخاطَبُ بها قَومٌ غيرُنا؟ وراءَ هذا البُرودِ داءٌ صامتٌ يَفتِكُ بالأرواحِ فَتْكاً، داءٌ حَذَّرَ منهُ ربُّ العِزَّةِ في مُحكَمِ التنزيل، وبَيَّنَ عواقِبَهُ الصَّادِقُ المصدوقُ ﷺ. في دقائقِ خطبتِنا هذه، سنَقِفُ مَعاً وقفةَ حَياءٍ ومُكاشَفَةٍ مَعَ قلوبِنا؛ لنَكشِفَ حقيقةَ هذا الدَّاءِ العُضال، ونَتلمَّسَ علاماتِهِ الخفيَّة، ونَفتَحَ أبوابَ النَّجاةِ لنَعلَمَ كيفَ نُحيي ما مَاتَ في صُدورِنا قَبلَ أن يُسدَلَ السِّتار.
أيُّها المسلمون، عِبادَ الله:
ألا وإنَّ القَلبَ القاسيَ لَهوَ أبعَدُ القلوبِ عن رَبِّ العالَمين! تأمَّلوا مَعي هذا النِّداءَ الرَّبانيَّ الجَليلَ الذي يَخلَعُ القُلوبَ الحَيَّة؛ يُعاتِبُ اللهُ فيهِ قَوماً رأوا الآياتِ تَتلو الآيات، وشَاهَدوا مَعجزاتِ الأنبياءِ عِياناً، ثمَّ كانَ مآلُ قلوبِهم إلى جُمودٍ وتَحَجُّر، فيقولُ ربُّنا تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74].
سُبحانَ اللهِ العَظيم! الحِجارةُ الصَّمَّاء، الجَبَلُ الجَلْمُود، تَتفَجَّرُ منهُ الأنهارُ، ويَتصدَّعُ من خَشيةِ الله؛ وقَلبُ ابنِ آدَمَ اللَّحميُّ الرَّقيق، الذي خُلِقَ ليَعرِفَ اللهَ ويَعبُدَه، يَصِلُ في بَعضِ مَراحِلِ غَفلَتِهِ إلى دَرَجةٍ يَكونُ فيها أشدَّ صَلابَةً من الحَجَر! أينَ مَوضِعُ الخَوفِ في صَدْرِك؟ وأينَ الدَّمعةُ التي كانت تَتحَدَّرُ من عَينِكَ إذا سَمِعتَ آياتِ الوَعيد؟
إنَّ القضيَّةَ ليست قضيَّةَ ذَنبٍ عارِضٍ يُذنِبُهُ العَبدُ ثمَّ يَستغفِر، فالخطأُ طَبيعةُ البَشَر؛ لكنَّ القضيَّةَ المُرعِبَةَ هي أن يَتَحوَّلَ القلبُ إلى قَلعَةٍ مُغلَقَة، ومَوضِعٍ مُتَصَلِّبٍ لا تَنفُذُ إليهِ رَحمة، ولا تَهزُّهُ مَوعظة، ولا يُحرِّكُهُ وداعُ حَبيبٍ إلى القَبر. إنَّهُ داءُ "قَسوةِ القَلب".
معاشرَ المصلين:
ما هي قَسوةُ القَلبِ التي حَذَّرَنا اللهُ منها؟ القَسوةُ في لُغَةِ الشَّرعِ والعَرَب: هي الغِلَظُ واليُبْسُ والشِّدَّة، وجَفافُ الرَّحمة، وعَدَمُ الانفِعالِ بدَواعي الخَير. قَلبٌ قَاسٍ: أي صَارَ كالأرضِ الميِّتةِ المَجدوبَة؛ يَنزِلُ عليها المَطَرُ فلا تَنتَفِعُ به، ولا تُخرِجُ زَرعاً، بل يَسيلُ الماءُ على ظَهرِها هَدَراً. كذلك القَلبُ القاسي؛ يَنزِلُ عليهِ الوَحي، ويَسمَعُ خُطَبَ الجُمعات، ويَرى الجنائزَ تُحمَلُ على الأكتاف، ويَسمَعُ قَوارِعَ القُرآن، فيَبقى كما هو: صَلداً، بارداً، لا يَخشَع، ولا يَخضَع، ولا يَدْمَع!
واسمَعوا إلى خُطورَةِ هذا الداء؛ لَقَد تَوعَّدَ اللهُ تباركَ وتَعالى أهلَ القُلوبِ القاسيةِ بأعظَمِ وَعيدٍ وأشَدِّ حَسرة، فقالَ جلَّ جلالُه في سورة الزمر: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: 22].
"وَيلٌ"! كَلمةُ عذابٍ وهَلاك، وادٍ في جَهنَّمَ لَو سُيِّرَت فيهِ جِبالُ الدنيا لذابَت من حَرِّه. لِمَن هذا الوَيلُ يا رَبَّنا؟ للقاسيةِ قلوبُهم من ذِكرِ الله! بل اسمعوا لِمَا قَرَّرَهُ الصَّادقُ المصدوقُ ﷺ فيما رَواهُ الإمامُ التِّرمِذيُّ في سُنَنِهِ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهما أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا تُكثِروا الكلامَ بغيرِ ذِكرِ الله؛ فإنَّ كَثرَةَ الكلامِ بغيرِ ذِكرِ اللهِ قَسوةٌ للقَلب، وإنَّ أبعَدَ الناسِ من اللهِ القَلبُ القَاسي».
أبعَدُ النَّاسِ من الله! تَأمَّلوا هذه الكلمات: قد يَكونُ الرَّجُلُ قريباً بجَسَدِهِ من الصَّفِّ الأوَّل، قريباً بمَظهَرِهِ من أهلِ الدِّين، لكنَّ قلبَهُ في سَبْسَبٍ بَعيد، في وادٍ سَحيقٍ من القَسوة، وبذلكَ يَكونُ أبعَدَ خَلقِ اللهِ عن رَحمَةِ الله! قال الإمامُ مالكُ بنُ دِينارٍ رحمهُ الله تعالى، وهو من كِبارِ سَلَفِ هذه الأمَّة: "ما ضُرِبَ عَبدٌ بعُقوبةٍ أعظَمَ من قَسوةِ قَلب، وما غَضِبَ اللهُ على قَومٍ إلَّا نَزَعَ الرَّحمةَ من قُلوبِهم".
ولقد كانَ أصحابُ النبيِّ ﷺ ومَن تَبِعَهُم يَفزَعونَ من هذا الداء؛ لأنَّ قَسوةَ القلبِ هي الحِجابُ الكثيفُ الذي يَحولُ بينَ العبدِ وبينَ مَغفرَةِ الرَّحمن، وهي المِزلاجُ الذي يُقفِلُ بابَ الإجابة. فإذا قَسَا القَلب، ضَاعَتِ الصَّلاة، وصَارَت العِبادةُ حَرَكاتٍ آليَّةً لا رُوحَ فيها، ولا صِلَةَ لها بسَماء!
يا عبادَ الله:
لعلَّ أحَدَنا يَسألُ نَفسَهُ الآن: كَيفَ أعرِفُ أنَّ في قلبي قَسوة؟ ما هي الأعراضُ والعَلاماتُ التي إذا رَآها العبدُ في نَفسِهِ عَلِمَ أنَّ قَلبَهُ قد أُصيبَ بمَوتٍ جزئيٍّ أو قَسوةٍ شَديدة؟
اسمعوا لهذه العلاماتِ وتَفَقَّدوا صُدورَكم، عِياذاً باللهِ من الخِذلان:
العلامةُ الأولى: جُمودُ العَينِ وقَحطُ الدَّمع.
أن يَمُرَّ على الإنسانِ الشَّهرُ والشَّهران، والعامُ والعامان، لا تَدْمَعُ عَينُهُ دَمعةً واحدةً من خَشيةِ الله! يَبكي إذا خَسِرَ مَالاً، ويَبكي إذا ماتَ لهُ قَريب، ويَبكي إذا شَاهَدَ مَشهداً مُؤثِّراً في شَاشةٍ أو قِصَّة، لكن إذا سَمِعَ كَلامَ اللهِ الجَليل، وإذا خَلا برَبِّهِ في جَوفِ الليل، جَفَّت مَآقيه، وتَصَلَّبَت عَينُه! قالَ الحَسَنُ البصريُّ رحمهُ الله: "إنَّ قَحطَ العَينِ من قَسوَةِ القَلب، وإنَّ قَسوَةَ القَلبِ من كَثرَةِ الذُّنوب".
العلامةُ الثانية: عَدَمُ التَّأثُّرِ بالقُرآنِ العَظيم.
أن تَقرَأَ القُرآنَ أو تَسمَعَهُ كأنَّهُ صَحيفةُ أخبار، تَمُرُّ بآياتِ العَذابِ فلا تَرتَجِف، وتَمُرُّ بآياتِ النَّعيمِ فلا تَشتاق، وتَمُرُّ بمَصارِعِ الأُمَمِ الغابِرَةِ فلا تَتَّعِظ! يقولُ اللهُ تبارك وتعالى مُوَبِّخاً هذه الحال في سورة الحشر: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: 21]. الجَبَلُ الحَجَريُّ يَتصدَّع، وقَلبُكَ أنتَ لا يَتَحرَّك؟!
العلامةُ الثالثة: التَّكاسُلُ عن الطَّاعاتِ واستِثقالُ العِبادة.
يَقومُ إلى الصَّلاةِ كأنَّهُ يَحمِلُ صَخرةً على كاهِلِه، يَنقُرُها نَقْرَ الغُراب، ويَخرُجُ منها كأنَّهُ خَرَجَ من سِجن! لا يَجِدُ للصَّلاةِ لَذَّة، ولا للقِيامِ حَلاوة، ولا لذِكرِ اللهِ أُنساً. وإذا قيلَ لهُ: "اتَّقِ الله"، أو دُعِيَ إلى طَاعة، تَثاقَلَ وضَاقَ ذَرعاً، كما وَصَفَ اللهُ المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ﴾ [النساء: 142].
العلامةُ الرابعة: ذَهابُ الوَجَلِ عندَ حُضورِ الجَنائزِ وزِيارَةِ المَقابِر.
تَراهُ يَمشي في الجَنازَة، ويَقِفُ على حافَّةِ القَبرِ المَفتوح، والمَيِّتُ يُنزَلُ في لَحدِهِ في كَفَنِهِ الأبيض، وهو يَتحدَّثُ في شُؤونِ الدُّنيا، أو يَضحَكُ مع صَاحِبِه، أو يَعبَثُ بهاتِفِهِ النَّقَّال! كأنَّ هذا المَوتَ كُتِبَ على غيرِنا، وكأنَّ هذا القَبرَ لن يَكونَ مَنزِلَهُ غَداً! هذه واللهِ هي القَسوةُ في أعظَمِ صُوَرِها.
العلامةُ الخامسة: الاستِهانَةُ بالصَّغائِرِ وعَدَمُ تَبكيتِ النَّفْس.
يَقَعُ في الغِيبَةِ فلا يَندَم، يُطلِقُ بَصَرَهُ في الحَرامِ فلا يَضطَرِب، يَسمَعُ الكَلِمَةَ الباطِلَةَ فلا يَتَحرَّكُ قلبُهُ لإنكارِها. وقد صَوَّرَ الصَّحابيُّ الجَليلُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنه هذا الحَالَ تَصويراً بَليغاً، فقالَ فيما أخرجَهُ الإمامُ البُخاريُّ في صَحيحِه: «إنَّ المُؤمِنَ يَرى ذُنوبَهُ كأنَّهُ قاعِدٌ تَحتَ جَبَلٍ يَخافُ أن يَقَعَ عليه، وإنَّ الفاجِرَ يَرى ذُنوبَهُ كذُبابٍ مَرَّ على أنفِهِ فقالَ بهِ هَكذا».
أيها المسلمون:
إذا كَانَت هذه هي الأعراض، فما هي الأسبابُ التي أودَت بقُلوبِنا إلى هذا المُنحدَر؟ القَلبُ لم يُخلَق قَاسياً؛ بل خَلَقَهُ اللهُ مَفطوراً على النَّقاءِ والرِّقَّة، فما الذي حَوَّلَ ذلكَ المَعينَ العَذبَ إلى صَخرٍ جَلْمُود؟
إنَّ لها أسباباً دَقيقةً، تَسلَّلَت إلى حَياتِنا فنَخَرَت في جِدارِ الإيمان:
السَّببُ الأوَّل: كَثرَةُ الذُّنوبِ وتَراكُمُ الخَطايا.
الذَّنبُ يَتلو الذَّنب، والنَّظرَةُ تَتلو النَّظرَة، والغَفلَةُ تَتبَعُها غَفلَة، حتى يَعلُوَ القلبَ الصَّدأُ الأسوَدُ الذي سَمَّاهُ اللهُ في كتابِهِ "الرَّان"، فقالَ جلَّ وعلا في سورة المطففين: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
وقد شَرَحَ هذا المَعنى طَبيبُ القُلوبِ ﷺ شَرحاً مُفصَّلاً، ففي الحديثِ الصَّحيحِ الذي رَواهُ الإمامُ التِّرمذيُّ وأحمدُ عن أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ العَبدَ إذا أخطَأَ خَطيئةً نُكِتَت في قَلبِهِ نُكتَةٌ سَوداء، فإذا هو نَزَعَ واستَغفَرَ وتَابَ سُقِلَ قَلبُه، وإن عَادَ زِيدَ فيها حتَّى تَعلوَ قَلبَهُ، وهو الرَّانُ الذي ذَكَرَ الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾». نُكتةٌ وَراءَ نُكتَة، ونُقطةٌ سَوداءُ فَوقَ أُخرى، حتى يُصبِحَ القَلبُ كالكُوزِ مُجَخِّياً — أي كالإناءِ المَقلوب — لا يَعرِفُ مَعروفاً، ولا يُنكِرُ مُنكَراً!
السَّببُ الثاني: طُولُ الأمَلِ والغَفلَةُ عن المَوت.
يَظُنُّ الواحِدُ منَّا أنَّهُ سيَعيشُ عُقوداً، فيُؤجِّلُ التَّوبة، ويُسوِّفُ الأَوبَة، ويَقول: "غَداً أصوم، وغَداً أُصَلِّي، وغَداً أترُكُ الحَرام". قالَ اللهُ تعالى مُحذِّراً من هذا المَسلَك في سورة الحديد: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16]. "فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ"! كلَّما طَالَ أمَلُك، قَسَا قَلبُك.
السَّببُ الثالث: فُضولُ الخُلطَةِ وفُضولُ المَطْعَمِ وفُضولُ الكَلام.
قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمهُ اللهُ تعالى في كتابِهِ الفَذِّ "مَدارِج السَّالكين" أنَّ مُفسِداتِ القَلبِ خَمسة، وعلى رأسِها: فُضولُ الخُلطة، وفُضولُ الكَلام، وفُضولُ الطَّعامِ والشَّراب. كَثرَةُ الضَّحِكِ في غيرِ مَوضِعِه، وكَثرَةُ القِيلِ والقال، والانغِماسُ في مُتابَعَةِ التَّوافِهِ في وَسائلِ التَّواصُل، ومَلءُ البُطونِ بالمُشتَهَياتِ والشُّبُهات؛ كُلُّ ذلكَ يُورِثُ في الصَّدرِ كَثافَةً وظُلمَةً تَمنَعُ إشراقَ نُورِ اللهِ فيه. قال سفيانُ الثَّوريُّ رحمهُ الله: "حَلالُ البَطنِ رِقَّةُ القَلب، وحَرامُهُ قَسوَةُ القَلب".
السَّببُ الرابع: مُجالَسَةُ الغافِلينَ وأهلِ الدُّنيا.
إنَّ القَلبَ يَسرِقُ من القَلب؛ تُجالِسُ صاحِبَ دُنيا لا هَمَّ لهُ إلا الدِّينارُ والدِّرهَم، فإذا بقَلبِكَ يَمتَلِئُ بحُبِّ المَالِ والقصور. تُجالِسُ لاهِياً عابِثاً، فإذا برُوحِكَ تَميلُ إلى اللَّهوِ والعَبَث. وقد أشارَ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رحمهُ اللهُ إلى ذلكَ فقال: "مَن جَالَسَ أهلَ الغَفلةِ ورِثَ قَسوَةَ القَلب، ومَن جَالَسَ أهلَ الذِّكرِ رَقَّ قَلبُه".
تأمَّلوا يا عبادَ الله في قِصَّتَينِ جَليلَتَينِ من سِيَرِ الأوَّلين، لِتَعلَموا الفَارِقَ بينَ حَالِ القَلبِ إذا انتَبَه، وحَالِهِ إذا تَمادَى:
أمَّا القصَّةُ الأولى: فرَواها الإمامانِ البُخاريُّ ومُسلِمٌ في صَحيحَيهما عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضيَ اللهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ في خَبَرِ الرَّجُلِ الذي قَتَلَ تِسعَةً وتِسعينَ نَفساً! تَأمَّلوا: رَجُلٌ أراقَ دِماءَ مِئَةِ إنسانٍ ظُلماً وعُدواناً، كم يَبدو هذا القَلبُ في أعيُنِنا مُظلِماً قَاسياً مُستَعصِياً على الهِداية؟ لكنَّ في هذا القَلبِ بَقيَّةَ رَمَق، وشَرارَةَ حَياة! لمَّا سَألَ عَالِماً صَادِقاً: "هل لي من تَوبَة؟" لم يُؤيِّسْه، بل قالَ لهُ كلمةَ الحَقِّ التي تُشَخِّصُ عِلَّةَ القَسوةِ وعِلاجَها: «ومَن يَحولُ بَينَكَ وبَينَ التَّوبة؟ انطَلِقْ إلى أرضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناساً يَعبُدونَ اللهَ فاعبُدِ اللهَ مَعَهُم، ولا تَرجِعْ إلى أرضِكَ فإنَّها أرضُ سُوء».
نَعَم! أرضُ السُّوء، وبيئةُ الغَفلة، هي التي صَنَعَت قَسوَةَ قَتلِ المِئة؛ فلمَّا غَادَرَها صَادِقاً ومَاتَ في الطَّريق، اختَصَمَت فيهِ مَلائكةُ الرَّحمَةِ ومَلائكةُ العَذاب، فقَاسُوا المَسافَة، فوَجَدوهُ أقرَبَ إلى أرضِ الصَّالحينَ بشِبرٍ واحد، فغَفَرَ اللهُ له، وتَلَقَّتْهُ مَلائكةُ الرَّحمة! شِبرٌ واحدٌ من حَرَكَةِ القَلبِ الصَّادِقِ قَلَبَ مَوازينَ الشَّقاءِ إلى سَعادة!
وأمَّا القصَّةُ الثانية: فمَوقفٌ زَلزَلَ وِجدانَ الإمامِ الزَّاهِدِ الفُضَيلِ بنِ عِياضٍ رحمهُ الله. كانَ الفُضَيلُ في صَدرِ شَبابهِ قاطِعَ طَريق! كانَ يَقطَعُ السَّبيل، ويَخافُهُ النَّاسُ في اللَّيل، قَلبٌ صَلْدٌ يَحمِلُ السَّيفَ ويُروِّعُ الآمِنين. وفي لَيلةٍ من اللَّيالي، وهو يَرتقي جِداراً لِمَعصيَة، سَمِعَ صَوتاً يَنبَعِثُ من بَيتٍ صَغير، سَمِعَ قارِئاً يَتلو في جَوفِ الظَّلامِ قَولَ الحَقِّ سُبحانَه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: 16].
فوَقَفَت الآيَةُ في مَسامِعِهِ كالصَّاعِقة، وتَغلغَلَت في شَغافِ قَلبِهِ القَاسي، فاهتَزَّت جَوانِحُه، وسَالَت عَبَراتُه، وخَرَّ على الأرضِ باكيًا وهو يَصرُخ: "بَلى يا رَبِّ! قد آن! بَلى يا رَبِّ! قد آن!". فمَا طَلَعَ عليهِ الفَجرُ إلا وهو في حَمَى التَّائبين، وتَحَوَّلَ قاطِعُ الطَّريقِ إلى عابِدِ الحَرَمَين، وإمامِ الزَّاهدين، الذي كَانَ النَّاسُ يَبكونَ بمُجرَّدِ النَّظَرِ إلى وَجهِهِ الخَاشِع!
فيا مَن مَرَّت عليهِ السِّنونُ وهو في غَفلتِه: ألم يَأنِ لقَلبِكَ أن يَلين؟ ألم يَأنِ لعَينِكَ أن تَدمَع؟ ألم يَأنِ لروحِكَ أن تَؤوبَ إلى بارِئِها؟
إنَّ البابَ مَفتوح، ورَحمةَ اللهِ تَغدو وتَروح، وخَيرُ اللهِ إلينا نازِل، وشَرُّنا إليهِ صاعِد. فبَادِروا يا عبادَ اللهِ إلى قُلوبِكم فتَفَقَّدوها، واعرِضوها على كِتابِ ربِّكم، فمَن وَجَدَ في قَلبِهِ رِقَّةً ولِيناً فلْيَحمَدِ اللهَ ولْيَسألْهُ الثَّبات، ومَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلْيَفزَعْ إلى التَّوبةِ والاستِغفارِ قَبلَ أن يُحالَ بينَ المَرءِ وقَلبِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: 24].
أقولُ قَولي هذا، وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ الجَليلَ لي ولكم ولِسائِرِ المُسلمينَ من كلِّ ذَنبٍ وخَطيئة، فاستَغفِروهُ وتُوبوا إليه، إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكَفَى، وصَلاةً وسَلاماً على عبادِهِ الذينَ اصطَفَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، العَليُّ الأعلى، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، النَّبيُّ المُجتَبَى، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أهلِ البِرِّ والتُّقَى.
أمَّا بعدُ:
عبادَ الله، تَحدَّثنا في خطبتِنا الأولى عن داءِ قَسوةِ القَلبِ وخَطَرِه؛ عَرفنا مَفهومَهُ الذي يَجعَلُ الرَّجُلَ كالصَّخرِ الجَلْمُود، وتَدبَّرنا عَلاماتِهِ من جُمودِ العَينِ واستِثقالِ الطَّاعات، وكَشَفنا أسبابَهُ التي تَبكِتُ الرُّوحَ بالرَّانِ والغَفلة. والآنَ نَقِفُ أمامَ السُّؤالِ المَصيريِّ الذي يَنتَظِرُهُ كلُّ مُؤمِنٍ صادِق: إذا كَانَ القَلبُ يَمرَضُ ويَقسو، فكَيفَ نُداويه؟ كَيفَ نُعيدُ إليهِ النَّبضَ والحَياة؟ كَيفَ نَخرُجُ من هذا المَسجِدِ بقُلوبٍ جَديدة؟
اسمعوا يا رعاكُمُ الله؛ إنَّ اللهَ الذي يُحيي الأرضَ بعدَ مَوتِها بقَطَراتِ الغَيث، قادِرٌ على أن يُحييَ أعتَى القُلوبِ قَسوةً بنَفَحَاتِ رَحمتِه. قال سبحانهُ وتعالى بَعدَ ذِكرِ قَسوةِ القلوبِ في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: 17].
ومن هُنا، أُوصيكُم بخَمسِ وَصَايا عَمَليَّةٍ جَامِعَة، تَجمَعُ التَّوجيهَ بالتَّحفيز، وتَربِطُ القَولَ بالفِعل، فاحفَظوها واعمَلوا بها:
الوصيَّةُ الأولى (قلبيَّةٌ إيمانيَّة): انطِراحٌ في السُّجودِ وتَضرُّعٌ بدُعاءِ إحياءِ القَلب.
فاصدُقوا مَعَ اللهِ هذه اللَّيلَة؛ فإذا سَجَدتَ في خَلوَتِك، فأَلْصِقْ جَبينَكَ بالتُّراب، وقُل بلسانِ الافتِقار: "يا حيُّ يا قيُّوم، يا مُقلِّبَ القُلوب، قَلبي بينَ أُصبُعَينِ من أصابِعِك، قد قَسَا فأَلِنْه، ومَاتَ فأَحْيِه!". قالَ النبيُّ ﷺ فيما رَواهُ الإمامُ مُسلِم: «ما مِن قَلبٍ إلا بينَ أُصبُعَينِ من أصابِعِ الرَّحمن، إن شَاءَ أقامَهُ وإن شَاءَ أزاغَه». لا تَقُلْ "قَلبي صَعبٌ ولا أقدِر"، بل انطَرِحْ بينَ يَدَي خَالِقِ القَلب، فإنَّ الدُّعاءَ سِلاحُ العاجِزينَ ومِفتاحُ الفَرَج.
الوصيَّةُ الثانية (لِسانيَّةٌ ذِكريَّة): تَرطيبُ اللِّسانِ بالقُرآنِ العَظيمِ بتَدبُّر، ومُلازَمَةُ الاستِغفار.
لا تَمُرَّنَّ عليكَ لَيلَةٌ إلَّا ولكَ وِردٌ مَعلُومٌ من كِتابِ الله؛ اقرَأ ولَو صَفحَةً واحِدة، لكن لا تَقْرَأْها هَذّاً كَهَذِّ الشِّعر، قِفْ عندَ كُلِّ آيَة، رَدِّدْها، واستَشعِرْ أنَّ اللهَ يُخاطِبُكَ أنت! قال تعالى في سورة الرعد: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وأتبِعْ ذلكَ بمِئَةِ استِغفارٍ في كُلِّ صَباحٍ ومَساء؛ فإنَّ الاستِغفارَ هو المِصْقَلَةُ التي تَجلُو صَدَأَ القُلوب.
الوصيَّةُ الثالثة (عَمَليَّةٌ سُلوكيَّة): زِيارَةُ المَقابِرِ ومُعايَنَةُ رَحلَةِ الرَّاحِلين.
اذهَبْ إلى المَقبرَةِ وَحدَك، لا لتُشَيِّعَ جَنازَةً وتَنشَغِلَ بالنَّاس، بل قِفْ أمامَ قَبرٍ مَجهُول، وتَأمَّلْ في ساكِنِه؛ كَانَ يَومًا يَمشي كما تَمشي، ويَأمُلُ كما تَأمُل، ثمَّ صَارَ إلى رَهْنِ التُّرابِ وعَمَلِه. اسمعوا لِمَا رَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ الألبانيُّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كُنتُ نَهَيتُكُم عن زِيارَةِ القُبورِ فزُوروها؛ فإنَّها تُرِقُّ القَلب، وتُدْمِعُ العَين، وتُذَكِّرُ الآخِرة». فمَن استَشعَرَ قُربَ أَجَلِهِ هَانَت عليهِ دُنياهُ ولَانَ جَنَانُه.
الوصيَّةُ الرابعة (اجتماعيَّةٌ إنسانيَّة): الإحسانُ إلى اليَتامَى والمَساكينِ ومَسحُ رُؤوسِهم.
وهذا دَواءٌ نَبويٌّ بَديع، غَفَلَ عنهُ كثيرٌ من النَّاس؛ جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ يَشكو قَسوَةَ قَلبِه — كمَا في المُسنَدِ للإمامِ أحمدَ وحَسَّنَهُ العِراقي — فقالَ لهُ الرَّحمةُ المُهداةُ ﷺ: «أَتُحِبُّ أن يَلينَ قَلبُك، وتُدرِكَ حَاجَتَك؟ ارحَمِ اليَتيم، وامسَحْ رَأسَه، وأَطعِمْهُ من طَعامِك؛ يَلِنْ قَلبُكَ وتُدرِكْ حَاجَتَك». انزِلْ اليومَ إلى فَقير، تَلمَّسْ حَاجَةَ يَتيم، أَدخِلِ السُّرورَ على قَلبِ مَكروب، ستَجِدُ أنَّ الرَّحمَةَ التي بَذَلتَها قد ارتدَّتْ نُوراً يَغسِلُ قَسوةَ صَدرِك.
الوصيَّةُ الخامسة (مَوضوعيَّةٌ خاصَّة): هَجرُ مُستَنقَعاتِ الغَفلَةِ ومُحاسَبَةُ النَّفْس.
أغلِقْ بَابَ الفُضول؛ خَفِّفْ من مُتابَعَةِ التَّوافِهِ التي تَحرِقُ ساعَاتِ عُمُرِك، وحاسِبْ نَفسَكَ كُلَّ مَساءٍ قَبلَ أن تَنام: ماذا صَنَعتُ اليومَ لقَبري؟ قالَ الحَسَنُ البصريُّ رحمهُ الله: "داوِ قَلبَك، فإنَّ حَاجَةَ اللهِ إلى العِبادِ صَلاحُ قُلوبِهم، ولن يَصلُحَ قَلبُكَ حتى تَهجُرَ ما يُفسِدُه".
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، وتَعاهَدوا هذهِ القُلوبَ بالصِّيانَة، واعلَموا أنَّ يَومَ القيامَةِ ليسَ يَومَ الأموالِ ولا البَنين، بل هو يَومُ السَّلامَةِ والنَّجاة: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكُمُ اللهُ بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ جلَّ في عُلاه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنَّكَ حَميدٌ مَجيد.
اللَّهمَّ يا مُقلِّبَ القُلوب، ثَبِّت قُلوبَنا على دِينك. اللَّهمَّ يا مُصرِّفَ القُلوب، صَرِّف قُلوبَنا إلى طَاعَتك.
اللَّهمَّ إنَّا نَعوذُ بكَ من قَلبٍ لا يَخشَع، ومِن عَينٍ لا تَدمَع، ومِن نَفْسٍ لا تَشبَع، ومِن دَعوَةٍ لا يُستَجابُ لها.
اللَّهمَّ داوِ قُلوبَنا بدَوائِك، واشفِها بشِفائِك، وأَنزِل عليها سَكينَةً من عندِك تَمحُو بها قَسوَتَها، وتَجلو بها غَفلتَها.
اللَّهمَّ اجعَل القُرآنَ العَظيمَ رَبيعَ قُلوبِنا، ونُورَ صُدورِنا، وجَلاءَ أحزانِنا، وذَهابَ هُمومِنا وغُمومِنا.
اللَّهمَّ ارزُقنا قُلوباً أَوَّاهَةً مُخْبِتَةً مُنيبَةً تَلينُ لذِكرِك، وتَخشَعُ لوَعيدِك، وتَفرَحُ بوَعدِك.
اللَّهمَّ اغفِر للمُسلمينَ والمُسلِمات، والمُؤمِنينَ والمُؤمِنات، الأحيَاءِ مِنهُم والأموات.
اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ أُمَّةِ نبيِّكَ محمَّدٍ ﷺ في كُلِّ مَكان، ووَحِّد صُفوفَهُم على الحَقِّ والهُدَى، وانشُر الأمنَ والسَّلامَ في دِيارِهم.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عِبادَ الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأَقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
🕌 حِجارةٌ في الصُّدور: قَسوةُ القَلبِ ومَخاطِرُها وسَبيلُ إِحيائِها
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.