من مكتبة مِداد الخطيب

مَطَوِيَّاتُ السَّرَائِر... خَطَرُ الحُكْمِ المُسْبَقِ عَلَى النَّاس

مشاركة
🕌 مَطَوِيَّاتُ السَّرَائِر... خَطَرُ الحُكْمِ المُسْبَقِ عَلَى النَّاس #خطبة_جمعة #سوء_الظن #حسن_الظن #حفظ_اللسان #سلامة_الصدر #أخلاق #الظلم الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ السَّرائِرَ إِلَيْهِ، وَسَتَرَ العُيُوبَ بِحِلْمِهِ وَكَرَمِهِ، الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ مَرَدَّ القُلُوبِ لِخَالِقِهَا، وَنَهَى عِبَادَهُ عَنِ التَّدَخُّلِ فِيمَا لَا يَعْلَمُون. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، العَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ، الخَبِيرُ بِمَا تُخْفِي النُّفُوسُ وتُكِنُّ الضَّمَائِر، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، أَنْقَى النَّاسِ صَدْرًا، وَأَعْذَرُهُمْ لِلْخَلْقِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخَيَّلُوا مَعِي رَجُلًا يَقِفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. هَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَسْرِقْ، لَمْ يَزْنِ، لَمْ يَسْفِكْ دَمًا. لَكِنَّهُ يُفَاجَأُ بِأَنَّ جِبَالَ حَسَنَاتِهِ قَدْ مُحِيَتْ، وَأَنَّهُ يُقَادُ إِلَى النَّارِ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ نَظَرَ يَوْمًا إِلَى رَجُلٍ آخَرَ نَظْرَةَ احْتِقَارٍ، وَقَطَعَ فِي قَلْبِهِ بِأَنَّ اللهَ لَنْ يَغْفِرَ لِهَذَا العَاصِي، فَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْهَلَاكِ بِلَا عِلْمٍ. رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحُكْمٌ مُتَسَرِّعٌ وَاحِدٌ... ضَيَّعَتْ عُمُرًا مِنَ الْعَمَلِ. كَيْفَ نَقَعُ فِي هَذَا الْفَخِّ كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ نَشْعُرَ؟ وَمَا هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي قَدْ تَهْوِي بِنَا فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ وَنَحْنُ نَحْسَبُهَا هَيِّنَةً؟ هَذَا مَا سَنَقِفُ عَلَيْهِ فِي دَقَائِقِنَا هَذِه. أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَام... هَلْ سَأَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ يَوْمًا: لِمَاذَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا نَعْلَمُ؟ لِمَاذَا جَعَلَ أَعْرَاضَ النَّاسِ، وَنِيَّاتِهِمْ، وَبَوَاطِنَهُمْ مِنْطقةً مَحْظُورَةً لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا عِلْمُهُ سُبْحَانَهُ؟ إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ أَصْبَحَ فِيهِ إِصْدَارُ الأَحْكَامِ عَلَى النَّاسِ أَسْهَلَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ. بِمُجَرَّدِ أَنْ نَرَى صُورَةً، أَوْ نَسْمَعَ مَقْطَعًا، أَوْ نَقْرَأَ كَلِمَةً مَجْتَزَأَةً، نُسَارِعُ إِلَى تَنْصِيبِ أَنْفُسِنَا قُضَاةً. نُقَدِّرُ نِيَّةَ هَذَا، وَنُشَكِّكُ فِي إِخْلَاصِ ذَاكَ، وَنَحْكُمُ بِالنِّفَاقِ عَلَى الثَّالِثِ، وَبِالضَّلَالِ عَلَى الرَّابِعِ. لَقَدْ تَدَخَّلْنَا فِي خَصَائِصِ الأُلُوهِيَّةِ دُونَ أَنْ نَشْعُرَ، وَنَزَعْنَا رِدَاءَ الرَّحْمَةِ، وَلَبِسْنَا قِنَاعَ الْقُضَاةِ الْقُسَاةِ. وَاسْمَعُوا لِهَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ يَا عِبَادَ الله، الَّتِي إِذَا تَأَمَّلْتُمُوهَا لَنْ تَبْقَى قُلُوبُكُمْ كَمَا كَانَتْ. يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [سورة الحجرات: 12]. تَأَمَّلُوا... اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقُلْ اجْتَنِبُوا "كُلَّ" الظَّنِّ، بَلْ قَالَ "كَثِيرًا" مِنَ الظَّنِّ، ثُمَّ جَاءَ بِالتَّعْلِيلِ الْمُرْعِبِ: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. لِمَاذَا؟ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّ الظَّنِّ هُوَ الإِثْمُ الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ يُهْلِكُكَ. هَلْ هُوَ ظَنُّكَ فِي جَارِكَ؟ أَمْ ظَنُّكَ فِي رَفِيقِكَ فِي الْعَمَلِ؟ أَمْ حُكْمُكَ الْمُسْبَقُ عَلَى شَخْصٍ رَأَيْتَهُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فَاسْتَثْقَلْتَهُ وَاتَّهَمْتَهُ فِي نِيَّتِهِ؟ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ زَادَ الْأَمْرَ وُضُوحًا حِينَ حَذَّرَنَا تَحْذِيرًا قَاطِعًا. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» (متفق عليه). سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ "أَكْذَبَ الْحَدِيثِ" لِأَنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُسْتَنَدُ إِلَى دَلِيلٍ، بَلْ إِلَى خَيَالَاتِ النَّفْسِ الْمَرِيضَةِ، وَهَوَجِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَنْفُخُ فِي الصَّدْرِ حَتَّى يُصَوِّرَ لَكَ أَنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَمَا قَرَّرَهُ الْوَحْيُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثِ، صَدَّقَهُ الْوَاقِعُ فِي قِصَّةٍ عَجِيبَةٍ حَدَثَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ. دَعُونَا نَنْتَقِلْ الْآنَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا إِلَى الْوَرَاءِ، إِلَى سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ. الْغُبَارُ يَتَطَايَرُ، وَالسُّيُوفُ تَلْتَحِمُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ — حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَابْنُ حِبِّهِ — يَتَعَقَّبُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ قَتْلًا. حَاصَرَهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، رَفَعَ السَّيْفَ لِيَقْتُلَهُ، وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَةِ، صَرَخَ الْمُشْرِكُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ!".
مَاذَا تَعْنِي هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي هَذَا السِّيَاقِ؟ فِي مَنْطِقِ الْحِسَابَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الظَّاهِرِيَّةِ، هَذَا الرَّجُلُ قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ السَّيْفِ، قَالَهَا خَوْفًا مِنَ الْمَوْتِ. هَذَا هُوَ التَّحْلِيلُ الْمَنْطِقِيُّ الَّذِي قَامَ بِهِ أُسَامَةُ. فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ وَقَتَلَهُ. فَلَمَّا عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، هَلْ قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحُكْمَ الْمُسْبَقَ عَلَى نِيَّةِ الرَّجُلِ؟ اسْمَعُوا مَاذَا حَدَثَ. اسْتَدْعَى النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ. لَمْ يُهَنِّئْهُ بِالِانْتِصَارِ، بَلْ قَال لَهُ بِوَجْهٍ غَاضِبٍ نَذِيرٍ: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟». قَالَ أُسَامَةُ مُبَرِّرًا — وَهُوَ يُفَكِّرُ بِالْمَنْطِقِ الْبَشَرِيِّ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا (أَيْ قَالَهَا هَرَبًا مِنَ السَّيْفِ). فَرَمَاهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي زَلْزَلَتْ قَلْبَهُ وَأَسَّسَتْ لِقَاعِدَةٍ حَاكِمَةٍ فِي دِينِنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» (رواه مسلم). تَأَمَّلُوا هَذِهِ الْكَلِمَةَ! «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ!». وَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَرِّرُهَا عَلَى أُسَامَةَ، يُكَرِّرُهَا وَيُكَرِّرُهَا، حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ — وَهُوَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ — أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيَمْحُوَ هَذَا الذَّنْبَ الْعَظِيمَ. يَا عِبَادَ اللهِ، إِذَا كَانَ هَذَا الْعِتَابُ الرَّبَّانِيُّ الشَّدِيدُ لِرَجُلٍ حَكَمَ عَلَى نِيَّةِ مُشْرِكٍ فِي سَاحَةِ مَعْرَكَةٍ قَدْ رَفَعَ السَّيْفَ لِيَقْتُلَ، فَكَيْفَ بِحَالِنَا نَحْنُ، وَنَحْنُ نَحْكُمُ عَلَى نِيَّاتِ إِخْوَانِنَا فِي الْمَسَاجِدِ، وَفِي بِيئَاتِ الْعَمَلِ، وَفِي مَجَالِسِ الْعَائِلَةِ؟ نَرَى الرَّجُلَ يَتَصَدَّقُ، فَنَقُولُ: "هَذَا مُرَاءٍ يَبْحَثُ عَنِ السُّمْعَةِ". أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ نَرَى الْمَرْأَةَ تُقَصِّرُ فِي بَعْضِ سُنَنِ اللِّبَاسِ، فَنَقُولُ: "هَذِهِ فَاسِدَةٌ لَا تَعْرِفُ اللهَ". أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهَا؟ يَخْتَلِفُ الرَّجُلُ مَعَ جَارِهِ، فَيَقُولُ: "إِنَّهُ يَكْنِزُ الْحِقْدَ وَالْحَسَدَ لِي". أَشَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ يَقُولُ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مُحَذِّرًا مِنْ هَذَا التَّطَاوُلِ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: 36]. أَنْتَ مَسْؤُولٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ كُلِّ خَطْرَةٍ قَطَعْتَ بِهَا فِي فُؤَادِكَ حُكْمًا عَلَى أَخِيكَ، وَلَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا عِلْمٌ يَقِينِيٌّ. أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ الأَمْرَ يَقِفُ عِنْدَ مُجَرَّدِ سُوءِ الظَّنِّ الْخَفِيِّ؟ لَا وَاللهِ. إِنَّهُ يَتَجَاوَزُ ذَلِكَ لِيُصْبِحَ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنَ اللِّسَانِ، كَلِمَةً قَدْ تُدَمِّرُ حَيَاةَ إِنْسَانٍ بِأَكْمَلِهَا. انْظُرُوا إِلَى وَاقِعِنَا الْيَوْمَ فِي وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. يُنْشَرُ مَقْطَعُ فِيدْيُو مَجْتَزَأٌ ثَوَانِي مَعْدُودَاتٍ لِشَخْصٍ مَا يَبْدُو فِيهِ مُخْطِئًا، أَوْ يَقُولُ كَلِمَةً تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. فَمَاذَا يَحْدُثُ؟ تَنْطَلِقُ مَحَاكِمُ التَّفْتِيشِ الإِلِكْتُرُونِيَّةِ. الآلَافُ بَلِ الْمَلَايِينُ يَقْذِفُونَهُ بِالشَّتَائِمِ، وَيَطْعَنُونَ فِي عِرْضِهِ، وَيُشَكِّكُونَ فِي دِينِهِ وَتَرْبِيَتِهِ وَأُصُولِهِ. حُكْمٌ مُسْبَقٌ سَرِيعٌ جِدًّا بِنَاءً عَلَى جُزْءٍ مِنَ الصُّورَةِ لَا نَعْرِفُ خَلْفِيَّتَهُ وَلَا سِيَاقَهُ. وَبَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، تَتَّضِحُ الْحَقِيقَةُ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مَظْلُومًا، أَوْ أَنَّ الْمَقْطَعَ مَقْطُوعٌ مِنْ سِيَاقِهِ لِتَشْوِيهِهِ. وَالسُّؤَالُ الْمُفْزِعُ: مَنْ سَيُعِيدُ لِهَذَا الرَّجُلِ عِرْضَهُ الَّذِي تَمَزَّقَ؟ مَنْ سَيَمْسَحُ دُمُوعَ عَائِلَتِهِ؟ وَالأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ: كَيْفَ سَيَتَحَلَّلُ كُلُّ هَؤُلَاءِ الآلَافِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ يَوْمَ يَقِفُونَ أَمَامَ اللهِ؟ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: 15]. تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا كِتَابَةُ تَعْلِيقٍ، تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا نَشْرُ رِسَالَةٍ فِي الْوَاتْسَابِ تُشَوِّهُ سُمْعَةَ إِنْسَانٍ، تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا إِطْلَاقُ الأَحْكَامِ الْمُعَلَّبَةِ عَلَى النَّاسِ... وَهُوَ عِنْدَ اللهِ أَمْرٌ تَسْقُطُ لَهُ الْجِبَالُ مِنْ عِظَمِهِ!
وَقَدْ حَذَّرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ حِينَ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا، يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» (رواه الترمذي). وَأَيُّ كَلِمَةٍ أَعْظَمُ مِنْ كَلِمَةٍ ظَلَمْتَ بِهَا بَرِيئًا لِأَنَّكَ تَعَجَّلْتَ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ؟ ... تَأَمَّلُوا هَذَا الْمَعْنَى جَيِّدًا. عِبَادَ اللهِ، دَعُونِي أَذْكُرْ لَكُمْ قِصَّةً أُخْرَى، قِصَّةً ثَانِيَةً مِنْ عَهْدِ النُّبُوَّةِ تَكْشِفُ لَنَا كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى بَوَاطِنِ النَّاسِ رَغْمَ ظَاهِرِهِمُ الَّذِي قَدْ يَبْدُو سَيِّئًا. كَانَ فِي الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ "عَبْدُ اللهِ"، وَيُلَقَّبُ بِحِمَارٍ (وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ). هَذَا الرَّجُلُ كَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِدُعَابَتِهِ وَطُبَاعِهِ. لَكِنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُبْتَلًى بِمَعْصِيَةٍ عَظِيمَةٍ: كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ! مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، يُؤْتَى بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَكْرَانَ، فَيَأْمُرُ النَّبِيُّ ﷺ بِجَلْدِهِ حَدًّا. تَكَرَّرَ الأَمْرُ. وَفِي مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ، أُتِيَ بِهِ، فَلَمَّا رَآهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْبِسَ حُكْمَهُ السَّرِيعَ الْقَاسِيَ، فَقَالَ عَنْ عَبْدِ اللهِ: "اللَّهُمَّ الْعَنْهُ! مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ!". نَظْرَةٌ بَشَرِيَّةٌ سَطْحِيَّةٌ: رَجُلٌ يَشْرَبُ الْخَمْرَ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ، إِذَنْ هُوَ رَجُلٌ فَاسِدٌ، مَلْعُونٌ، مُنَافِقٌ! لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ — الْمُرَبِّيَ الأَعْظَمَ الَّذِي يَنْظُرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ — انْتَفَضَ غَاضِبًا. هَلْ دَافَعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ؟ لَا، فَالْمَعْصِيَةُ خَطَأٌ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. لَكِنَّهُ دَافَعَ عَنْ قَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَلِمَةً خَالِدَةً: «لَا تَلْعَنْهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ» (رواه البخاري). يَا لَعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ! وَيَا لَرَحْمَةِ هَذَا الرَّبِّ الْكَرِيمِ! وَيَا لَإِنْصَافِ هَذَا النَّبِيِّ الْعَظِيمِ ﷺ! رَجُلٌ قَدْ غَلَبَتْهُ شَهْوَتُهُ فَشَرِبَ الْخَمْرَ، لَكِنَّهُ فِي أَعْمَاقِ قَلْبِهِ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ حُبًّا صَادِقًا. فَلَمْ يَسْمَحِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمْحَى ذَلِكَ الْحُبُّ الصَّادِقُ فِي بَاطِنِهِ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ فِي ظَاهِرِهِ. هَلْ نَحْنُ نَفْعَلُ هَذَا؟ هَلْ نَلْتَمِسُ الْأَعْذَارَ؟ هَلْ نَنْظُرُ إِلَى جَوَانِبِ الْخَيْرِ الْمَخْفِيَّةِ فِي النَّاسِ حِينَ نَرَى مِنْهُمْ زَلَّةً أَوْ خَطَأً؟ أَمْ أَنَّنَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: "نَنْسَى تِسْعًا وَتِسْعِينَ حَسَنَةً لِأَخِينَا، وَنُحَاكِمُهُ عَلَى خَطِيئَةٍ وَاحِدَةٍ؟". قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَوْلَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: "لَا تَظُنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ شَرًّا، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلًا". وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ مُؤَسِّسًا لِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِ الْمُنْصِفِ: "إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرًا، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَقُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا أَعْرِفُهُ". يَا سُبْحَانَ اللهِ! هَذَا هُوَ الْمُجْتَمَعُ الَّذِي أَرَادَهُ الْإِسْلَامُ. مُجْتَمَعٌ يَقُومُ عَلَى "التَّغَافُلِ" لَا عَلَى "التَّرَصُّدِ". مُجْتَمَعٌ يَبْحَثُ فِيهِ الأَخُ عَنْ عُذْرٍ لِأَخِيهِ لِيُنْقِذَهُ، لَا عَنْ ثَغْرَةٍ لِيُدَمِّرَهُ. إِخْوَتِي فِي اللهِ، لَعَلَّكُمْ تَسْأَلُونَ: مَا هُوَ السَّبَبُ الْخَفِيُّ الَّذِي يَدْفَعُ الإِنْسَانَ دَائِمًا إِلَى سُوءِ الظَّنِّ وَالْحُكْمِ الْمُسْبَقِ عَلَى الآخَرِينَ؟ السَّبَبُ فِي الْغَالِبِ هُوَ الْكِبْرُ وَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ. نَعَمْ! الْعَبْدُ حِينَ يُعْجَبُ بِعَمَلِهِ، وَيَرَى نَفْسَهُ صَالِحًا مُسْتَقِيمًا، يَبْدَأُ فِي النَّظَرِ إِلَى الآخَرِينَ مِنْ عُلُوٍّ، فَيَحْتَقِرُ هَذَا الْمُقَصِّرَ، وَيَزْدَرِي هَذَا الْعَاصِي، وَيُسْقِطُ أَحْكَامَهُ عَلَيْهِمْ. وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ بِهَذَا الْكِبْرِ قَدْ أَفْسَدَ عَمَلَهُ كُلَّهُ. اسْمَعُوا إِلَى مَا قَرَّرَهُ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كَلَامٍ نَفِيسٍ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ النُّفُوسِ. يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: "فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَرْتَكِبُ الذَّنْبَ فَيَكُونُ سَبَبًا لِرَحْمَةِ اللهِ لَهُ وَانْكِسَارِ قَلْبِهِ وَخُضُوعِهِ لِرَبِّهِ... وَقَدْ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ فَيُعْجَبُ بِهَا وَيَتَكَبَّرُ عَلَى عِبَادِ اللهِ، فَيَتَسَبَّبُ فِي هَلَاكِهِ".
أَيُّ عَقْلٍ بَعْدَ هَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَغْتَرَّ بِمَظْهَرِهِ وَيَحْكُمَ عَلَى سَرَائِرِ الآخَرِينَ؟ رُبَّ عَاصٍ دَمْعَتُهُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ انْكِسَارًا، أَقْرَبُ إِلَى اللهِ مِنْ صَائِمٍ قَائِمٍ يَنْظُرُ لِلنَّاسِ بِعَيْنِ الِاحْتِقَارِ. يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ قَاطِعًا الطَّرِيقَ عَلَى الْمُغْتَرِّينَ: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [سورة النجم: 32]. اللهُ وَحْدَهُ هُوَ الأَعْلَمُ. هُوَ الَّذِي يَزِنُ الْقُلُوبَ لَا الأَشْكَالَ. هُوَ الَّذِي يَرَى الْمَقَاصِدَ لَا الْمَظَاهِرَ. ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [سورة الطارق: 9]، يَوْمَئِذٍ لَنْ يَنْفَعَكَ حُكْمُ النَّاسِ عَلَيْكَ بِالْخَيْرِ إِنْ كَانَ قَلْبُكَ خَرَابًا، وَلَنْ يَضُرَّكَ ظُلْمُ النَّاسِ لَكَ إِنْ كَانَ قَلْبُكَ سَلِيمًا. وَالسُّؤَالُ الَّذِي يُطْرَحُ نَفْسَهُ الآنَ: مَا هُوَ الْعِلَاجُ؟ كَيْفَ نُلْجِمُ هَذِهِ النُّفُوسَ الَّتِي تَتَعَطَّشُ لِلْحُكْمِ عَلَى الآخَرِينَ؟ الْعِلَاجُ أَنْ نُعِيدَ تَوْجِيهَ الْبَوْصَلَةِ دَاخِلًا. أَنْ نَنْشَغِلَ بِعُيُوبِنَا نَحْنُ قَبْلَ أَنْ نُفَتِّشَ فِي نَوَايَا الْخَلْقِ. يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [سورة القيامة: 14]. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَعْلَمُ مِنْ خَفَايَا نَفْسِهِ، وَخَبَايَا قَلْبِهِ، وَسَقَطَاتِ حَيَاتِهِ مَا لَوْ كُشِفَ لِلنَّاسِ لَفَرُّوا مِنْهُ. فَلِمَاذَا نَنْسَى كُلَّ هَذِهِ السَّوْءَاتِ الَّتِي نَحْمِلُهَا، وَنَذْهَبُ بِمِنْظَارٍ دَقِيقٍ نَبْحَثُ عَنْ خَطَأٍ حَدَثَ مِنْ أَخِينَا لِنُحَاكِمَهُ عَلَيْهِ؟ وَاسْمَعُوا لِهَذَا التَّوْجِيهِ الْقُرْآنِيِّ الْبَلِيغِ الَّذِي يُحَذِّرُ حَتَّى مِنْ الِاسْتِعْجَالِ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْعَدُوِّ فِي سَاحَةِ الْحَرْبِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [سورة النساء: 94]. التَّثَبُّتُ حَتَّى مَعَ مَنْ قَدْ تَشُكُّ أَنَّهُ كَافِرٌ يُرِيدُ قَتْلَكَ، فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِ الَّذِي يُصَلِّي مَعَكَ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ؟ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنَّ مِنِ اسْتِكْمَالِ الْإِيمَانِ وَرَاحَةِ الْبَالِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَرْءُ التَّدَخُّلَ فِي نَوَايَا النَّاسِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (رواه الترمذي). وَهَلْ هُنَاكَ شَيْءٌ لَا يَعْنِيكَ أَكْثَرُ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَنَوَايَاهُمْ الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهَا؟ ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران: 29]. هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ، فَدَعُوا الْخَلْقَ لِلْخَالِقِ. فَكُلُّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ وَأَنْتَ غَافِلٌ تُطْلِقُ الأَحْكَامَ عَلَى هَذَا وَتُدِينُ هَذَا، هِيَ لَحْظَةٌ تَزِيدُ فِي صَحِيفَةِ ظُلْمِكَ يَوَمَ الْقِيَامَةِ، وَلَحْظَةٌ تَسْرِقُ مِنْ رَاحَةِ قَلْبِكَ فِي الدُّنْيَا. فَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الظَّنِّ مُسْتَرِيحُ الْقَلْبِ، مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ، مُعَافًى مِنَ الْهَمِّ. وَأَمَّا السَّيِّئُ الظَّنِّ، فَقَلْبُهُ دَائِمًا يَأْكُلُ بَعْضُهُ بَعْضًا، يَرَى النِّيرَانَ تَمْكُرُ بِهِ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ، لِأَنَّهُ أَسَاءَ الظَّنَّ فَعَذَّبَهُ اللهُ بِنَارِ سُوءِ ظَنِّهِ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الْحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ، تَحَدَّثْنَا فِي خُطْبَتِنَا الأُولَى عَنْ جَرِيمَةِ الْحُكْمِ الْمُسْبَقِ عَلَى النَّاسِ، وَكَيْفَ أَنَّ التَّدَخُّلَ فِي السَّرَائِرِ هُوَ تَعَدٍّ عَلَى خَصَائِصِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَوَقَفْنَا مَعَ غَضَبِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ شُقَّ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ، وَتَدَبَّرْنَا خَطَرَ الْكَلِمَةِ الَّتِي تُقَالُ بِلَا عِلْمٍ. وَالآنَ، يَبْقَى السُّؤَالُ الْعَمَلِيُّ الأَهَمُّ الَّذِي سَيُحَدِّدُ مَسَارَ حَيَاتِنَا بَعْدَ خُرُوجِنَا مِنْ هَذَا الْمَسْجِدِ: كَيْفَ نُطَهِّرُ قُلُوبَنَا مِنْ آَفَةِ الأَحْكَامِ الْمُسْبَقَةِ فِي وَاقِعِنَا الْيَوْمِيِّ؟ أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ أَنْزِلَ مِنْ مِنْبَرِي: الأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): إِذَا طَافَ بِقَلْبِكَ شَيْطَانُ سُوءِ الظَّنِّ تُجَاهَ أَخِيكَ، فَرُدَّهُ بِسُؤَالٍ حَاسِمٍ: هَلْ عِنْدِي دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ؟ إِذَا كَانَتِ الإِجَابَةُ لَا — وَهِيَ فِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ — فَاطْرُدِ الْفِكْرَةَ مِنْ قَلْبِكَ وَاسْتَغْفِرْ، فَإِنَّ سَلَامَةَ صَدْرِكَ هِيَ رَأْسُ مَالِكَ فِي يَوْمٍ لَا يَنْفَعُ فِيهِ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. وَهَذَا سَيُعِيدُ إِلَيْكَ رَاحَتَكَ وَطُمَأْنِينَتَكَ الْيَوْمَ. الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): إِذَا نَقَلَ إِلَيْكَ أَحَدٌ خَبَرًا سَيِّئًا عَنْ شَخْصٍ مَا، أَوْ حُكْمًا عَلَى نِيَّتِهِ، فَلَا تُشَارِكْهُ الْحَدِيثَ. بَلْ قُلْ بِلِسَانِكَ مَقُولَةَ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ عَمَلِيًّا: لَعَلَّ لَهُ عُذْرًا لَا نَعْرِفُهُ. هَذَا الرَّدُّ الْبَسِيطُ سَيُخْرِسُ نَارَ الْغِيبَةِ، وَيَمْنَعُ انْتِشَارَ الظُّلْمِ فِي الْمَجَالِسِ الْمُخْتَلِفَةِ. الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ): احْذَرُوا مِنَ الْمُشَارَكَةِ فِي مَحَاكِمِ التَّفْتِيشِ عَلَى وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. الْيَوْمَ — نَعَمْ الْيَوْمَ — قَرِّرْ أَلَّا تُعَلِّقَ، وَلَا تَنْشُرَ، وَلَا تُعِيدَ تَوْجِيهَ رِسَالَةٍ تُسِيءُ إِلَى شَخْصٍ أَوْ تَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمَا لَا تَعْلَمُ خَلْفِيَّتَهُ. فَإِنَّ ضَغْطَةَ زِرٍّ قَدْ تَجْعَلُكَ فِي صَحِيفَةِ الظَّالِمِينَ وَأَنْتَ جَالِسٌ فِي بَيْتِكَ. الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): إِنْ كُنْتَ قَدْ قَطَعْتَ عِلَاقَتَكَ بِأَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِكَ أَوْ أَصْدِقَائِكَ بِسَبَبِ حُكْمٍ مُسْبَقٍ، أَوِ اسْتِنْتَاجٍ لِكَلِمَةٍ قَالَهَا بِنِيَّةٍ قَدْ تَكُونُ حَسَنَةً، فَبَادِرْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِتَصْفِيَةِ الأَجْوَاءِ مَعَهُ. الِاعْتِذَارُ عَنِ التَّسَرُّعِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ هُوَ شَجَاعَةُ الأَقْوِيَاءِ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ بِمَغْفِرَةِ اللهِ. الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): عَوِّدْ نَفْسَكَ عَلَى الإِنْصَافِ. إِذَا رَأَيْتَ مُبْتَلًى بِمَعْصِيَةٍ، فَادْعُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ بَدَلًا مِنْ أَنْ تَشْمَتَ بِهِ وَتَحْكُمَ عَلَيْهِ بِالْخَاتِمَةِ السَّيِّئَةِ. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ [سورة عبس: 3]. فَقَدْ يَتُوبُ غَدًا فَيَسْبِقُكَ عِنْدَ اللهِ أَشْوَاطًا، بَيْنَمَا تَبْقَى أَنْتَ فِي غُرُورِكَ بِطَاعَتِكَ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ الَّتِي تَحْمِلُكُمْ عَلَى حِفْظِ الأَلْسِنَةِ وَتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ، وَتَذْكِيرِ النَّفْسِ بِمُقَابَلَةِ اللهِ يَوْمَ تَنْكَشِفُ السَّرَائِرُ. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ طَهُرَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَسُوءِ الظَّنِّ. اللَّهُمَّ نَقِّ سَرَائِرَنَا، وَاحْفَظْ أَلْسِنَتَنَا مِنَ الْخَوْضِ فِيمَا لَا نَعْلَمُ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَكُونَ مِنَ الْقُسَاةِ الَّذِينَ يُحَاكِمُونَ النَّاسَ بِلَا رَحْمَةٍ، بَيْنَمَا نَحْنُ نَطْمَعُ فِي رَحْمَتِكَ حِينَ نَقِفُ بَيْنَ يَدَيْكَ مُسِيئِينَ مُقَصِّرِينَ. اللَّهُمَّ كَمَا سَتَرْتَ عُيُوبَنَا عَنِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا، فَاسْتُرْنَا بَرَحْمَتِكَ يَوْمَ نَلْقَاكَ، وَلَا تَفْضَحْنَا بَيْنَ الأَشْهَادِ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا سَلَامَةَ الصَّدْرِ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْلِمِينَ، وَأَعِنَّا عَلَى التَمَاسِ الْأَعْذَارِ لَهُمْ، وَامْلَأْ قُلُوبَنَا بِحُسْنِ الظَّنِّ بِكَ وَبِعِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اصْلِحْ أَحْوَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاحْقِنْ دِمَاءَهُمْ، وَارْحَمْ مُسْتَضْعَفِيهِمْ، وَانْصُرْهُمْ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ. عِبَادَ اللهِ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ. ✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.