🕌 دِمَاءٌ مَعْصُومَةٌ... وَبُنْيَانٌ يَتَهَدَّمُ
#خطبة_جمعة #حرمة_الدم #القتل #الظلم #المجتمع #الأيتام #أخلاق
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ بُنْيَانًا رَبَّانِيًّا، وَحَرَّمَ الِاعْتِدَاءَ عَلَيْهَا وَتَوَعَّدَ الْقَاتِلَ بِعَذَابٍ مُهِينٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهٌ عَظِيمٌ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ مُحَرَّمًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَقُدْوَةً لِلْمُتَّقِينَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، تَخَيَّلُوا مَعِي مَشْهَدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَيْثُ يَقِفُ رَجُلٌ أَمَامَ اللَّهِ، وَمَعَهُ جِبَالٌ مِنَ الْحَسَنَاتِ... صَلَاةٌ، وَصِيَامٌ، وَصَدَقَاتٌ تَمْلَأُ الْأُفُقَ. يَظُنُّ أَنَّ مَقْعَدَهُ فِي الْجَنَّةِ مَحْجُوزٌ! ثُمَّ يَتَقَدَّمُ رَجُلٌ آخَرُ، يَحْمِلُ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخَبُ دَمًا، فَيَتَعَلَّقُ بِتَلَابِيبِ هَذَا الْمُصَلِّي وَيَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟! فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَتَهَاوَى جِبَالُ الْحَسَنَاتِ، وَيَسْقُطُ الْعَبْدُ فِي هَاوِيَةٍ لَا قَرَارَ لَهَا. لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُ تَسَاهَلَ فِي قَطْرَةِ دَمٍ حَرَامٍ! قَطْرَةٌ وَاحِدَةٌ قَدْ تُحْبِطُ عَمَلَ عُمُرٍ بِأَكْمَلِهِ. فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْتَبِيحُ دِمَاءَ الدُّعَاةِ وَالْمُصْلِحِينَ؟ وَمَاذَا لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْجَرِيمَةُ قَدْ حَطَّمَتْ أُسْرَةً بِأَكْمَلِهَا، فَرَخَّصَتْ دُمُوعَ الْأَيْتَامِ، وَكَسَرَتْ قُلُوبَ الْأَرَامِلِ؟ هَذَا هُوَ سِرُّ هَلَاكِ الْأُمَمِ، وَجَوَابُهُ الْيَوْمَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي زَمَانٍ قَلَّ فِيهِ تَعْظِيمُ الْحُرُمَاتِ، وَتَسَاهَلَ فِيهِ النَّاسُ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَكَأَنَّ الرُّوحَ الَّتِي نَفَخَهَا اللَّهُ فِي عِبَادِهِ لَا قِيمَةَ لَهَا! اسْمَعُوا إِلَى هَذَا الْوَعِيدِ الْقُرْآنِيِّ الزَّلْزَالِ، الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَعِيدٌ مِثْلُهُ فِي ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، يَقُولُ مَوْلَانَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [سورة النساء: 93].
تَأَمَّلُوا! خَمْسُ عُقُوبَاتٍ مَرْعِبَةٍ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ! جَهَنَّمُ... وَالْخُلُودُ فِيهَا... وَغَضَبُ الْجَبَّارِ... وَاللَّعْنَةُ، وَهِيَ الطَّرْدُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ... وَالْعَذَابُ الْعَظِيمُ! كُلُّ هَذَا لِأَجْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ زُهِقَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ! وَمَا هَذَا إِلَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ مَكَانَةً لَا يُدَانِيهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، بَلْ إِنَّ هَذَا الْبُنْيَانَ الْبَشَرِيَّ هُوَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُقَدَّسَاتِ. يَقُولُ سَيِّدُنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ". وَمِنْ هُنَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ سُئِلَ عَنْ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَا تَوْبَةَ لَهُ تَغْفِرُ حَقَّ الْمَقْتُولِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْحِسَابِ، لِعِظَمِ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ لَا يَسْقُطُ بِالِاسْتِغْفَارِ وَحْدَهُ!
وَاسْمَعُوا إِلَى كَلِمَاتِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُعَظِّمُ شَأْنَ الدَّمِ قَائِلًا: «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ»! الدُّنْيَا كُلُّهَا، بِسَمَاوَاتِهَا وَأَرْضِهَا، بِجِبَالِهَا وَبِحَارِهَا، زَوَالُهَا وَفَنَاؤُهَا أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُسْفَكَ دَمُ مُسْلِمٍ ظُلْمًا!
فَهَلْ تَفَكَّرَ الْقَاتِلُ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ؟ هَلْ تَأَمَّلَ مَنْ يَسْحَبُ سِلَاحَهُ فِي لَحْظَةِ طَيْشٍ وَغَضَبٍ مِنْ أَجْلِ خِلَافٍ عَلَى مَالٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ حَتَّى كَلِمَةٍ، أَنَّهُ يَهْدِمُ بُنْيَانَ اللَّهِ؟! يَقُولُ رَبُّنَا جَلَّ جَلَالُهُ مُحَذِّرًا كَافَّةَ الْبَشَرِ، مُنْذُ الْجَرِيمَةِ الْأُولَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [سورة المائدة: 32]. فَمَنْ تَجَرَّأَ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ، فَقَدْ كَسَرَ الْحَاجِزَ النَّفْسِيَّ، وَبَاتَ مُسْتَعِدًّا لِقَتْلِ الْبَشَرِيَّةِ بِأَسْرِهَا لِأَنَّهُ نَزَعَ حُرْمَةَ الْحَيَاةِ مِنْ قَلْبِهِ!
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ حُرْمَةَ دَمِ الْمُسْلِمِ الْعَادِيِّ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ إِذَا كَانَ هَذَا الدَّمُ الْمَسْفُوكُ هُوَ دَمُ مَنْ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ كَيْفَ إِذَا كَانَتِ الرَّصَاصَةُ أَوِ الطَّعْنَةُ مُوَجَّهَةً لِصَدْرِ مُصْلِحٍ، غَايَتُهُ أَنْ يَدُلَّ النَّاسَ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَقِفَ فِي وَجْهِ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ؟
إِنَّ اسْتِهْدَافَ الْمُصْلِحِينَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَتْلٍ لِنَفْسٍ بَشَرِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَحَاوَلَةٌ خَبِيثَةٌ لِاغْتِيَالِ صَوْتِ الْحَقِّ، وَطَمْسِ نُورِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ. الْمُصْلِحُ يَقِفُ شَوْكَةً فِي حَلْقِ أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ قَتْلَهُمْ قَرِينًا لِقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ! نَعَمْ، قَرِينًا لِقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ عَيَانًا بَيَانًا! يَقُولُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي وَصْفِ هَذِهِ الْجَرِيمَةِ الْبَشِعَةِ الَّتِي تُغْضِبُ سُكَّانَ السَّمَاءِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [سورة آل عمران: 21]. كَلِمَةُ الْمُصْلِحِ صَادِقَةٌ قَوِيَّةٌ، وَحِينَ يَعْجِزُ الْبَاطِلُ عَنْ رَدِّ الْكَلِمَةِ بِالْكَلِمَةِ، يَلْجَأُ إِلَى الدَّمِ!
لَقَدْ صَوَّرَ لَنَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مَشْهَدًا عَظِيمًا لِمُصْلِحٍ شُجَاعٍ سَعَى لِإِنْقَاذِ قَوْمِهِ مِنَ الْهَلَاكِ، فَكَانَ جَزَاؤُهُ أَنْ سُفِكَ دَمُهُ! ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى، لَمْ يَبْغِ سُلْطَةً وَلَا مَالًا، بَلْ نَصَحَ قَوْمَهُ بِاتِّبَاعِ الْمُرْسَلِينَ، وَذَكَّرَهُمْ بِفَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة يس: 20]. فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟ هَجَمَ عَلَيْهِ الظَّالِمُونَ لِيُسْكِتُوا هَذَا النُّورَ الَّذِي يُهَدِّدُ ظَلَامَهُمْ، فَقَتَلُوهُ! لَكِنَّ اللَّهَ خَلَّدَ ذِكْرَهُ، وَجَعَلَ كَلِمَاتِهِ آيَاتٍ تُتْلَى فِي الْمَحَارِيبِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [سورة يس: 26-27].
فَالْمُصْلِحُ قَدْ يَمُوتُ جَسَدُهُ، لَكِنَّ رِسَالَتَهُ تَحْيَا وَتَبْقَى تَخْفِقُ فِي قُلُوبِ الْأَحْرَارِ، وَأَمَّا قَاتِلُهُ فَإِلَى لَعْنَةِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ بَاقٍ! هَلْ يَظُنُّ الظَّالِمُ أَنَّهُ بِقَتْلِهِ لِلْمُصْلِحِ قَدْ أَسْكَتَ الْحَقَّ؟ كَلَّا وَاللَّهِ، إِنَّ دَمَ الْمُصْلِحِ هُوَ الْوَقُودُ الَّذِي يُشْعِلُ قُلُوبَ الْأَجْيَالِ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ!
...
تَأَمَّلُوا هَذَا الْمَعْنَى جَيِّدًا.
إِخْوَتِي فِي اللَّهِ، دَعُونَا نَنْتَقِلْ الْآنَ إِلَى زَاوِيَةٍ أُخْرَى تَهْتَزُّ لَهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ لَهَا الْأَبْدَانُ. إِنَّ جَرِيمَةَ الْقَتْلِ لَا تَقِفُ حُدُودُهَا عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِ الْمَقْتُولِ. الْقَاتِلُ حِينَ يُسَدِّدُ سِلَاحَهُ نَحْوَ ضَحِيَّتِهِ، فَهُوَ لَا يَقْتُلُ رَجُلًا وَاحِدًا، بَلْ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يَذْبَحُ أُسْرَةً بِكَامِلِهَا!
تَخَيَّلُوا مَعِي ذَلِكَ الْمَشْهَدَ الدَّامِيَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا: بَيْتٌ دَافِئٌ آمِنٌ، أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ وَيَنْتَظِرُونَ عَوْدَةَ أَبِيهِمْ مِنَ الْعَمَلِ. الزَّوْجَةُ تُعِدُّ الطَّعَامَ بِيَدَيْنِ حَانِيَتَيْنِ، وَالِابْنَةُ تَرْسُمُ صُورَةً لِتُهْدِيَهَا لِأَبِيهَا حِينَ يُقْبِلُ. الْجَمِيعُ يَنْتَظِرُ طَرْقَةَ الْبَابِ الْمَأْلُوفَةَ، وَالِابْتِسَامَةَ الْمَعْهُودَةَ، وَصَوْتَ الْمُعِيلِ الَّذِي يَمْلَأُ الْبَيْتَ سَكِينَةً وَأَمَانًا. ثُمَّ فَجْأَةً... طَرْقَةٌ عَلَى الْبَابِ! لَكِنَّهَا لَيْسَتْ طَرْقَةَ الْأَبِ. إِنَّهُ خَبَرٌ يَصْعَقُ الْقُلُوبَ صَعْقًا! خَبَرٌ عَنْ مُشَاجَرَةٍ دَامِيَةٍ، أَوْ غَضَبَةِ شَيْطَانٍ أَزْهَقَتْ رُوحَ الْأَبِ، وَأَحَالَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ الدَّافِئَ إِلَى مَأْتَمٍ مُظْلِمٍ تَعْصِفُ بِهِ رِيَاحُ الْحُزْنِ!
مَنْ يَمْسَحُ دَمْعَةَ ذَلِكَ الْيَتِيمِ الْمَقْهُورِ بَعْدَ أَبِيهِ؟ أَيْنَ يَذْهَبُ الْقَاتِلُ مِنْ صَرْخَةِ طِفْلَةٍ حُرِمَتْ مِنْ حِضْنِ وَالِدِهَا إِلَى الْأَبَدِ، وَتُرِكَتْ لِتُوَاجِهَ قَسْوَةَ الدُّنْيَا يَتِيمَةً مُنْكَسِرَةً؟ كَيْفَ يَنَامُ اللَّيْلَ مَنْ حَوَّلَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الْمُصَانَةَ الْآمِنَةَ فِي سَرْبِهَا، إِلَى أَرْمَلَةٍ مَكْسُورَةِ الْجَنَاحِ، تُصَارِعُ أَمْوَاجَ الْحَيَاةِ الْقَاسِيَةِ وَحْدَهَا لِتُطْعِمَ صِغَارًا لَا يَمْلِكُونَ مَنْ يُدَافِعُ عَنْهُمْ؟
وَاسْمَعُوا إِلَى رَحْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَصِفُ حَالَ كَافِلِ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الْمَكْلُومَةِ وَمُعِيلِهَا بَعْدَ فَقْدِهَا، فَيَقُولُ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ الْأَجْرُ الْعَظِيمُ لِمَنْ يُضَمِّدُ جِرَاحَهُمْ وَيُعِينُهُمْ؛ فَمَا هُوَ وِزْرُ وَإِثْمُ وَلَعْنَةُ مَنْ كَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي تَرَمُّلِ الْمَرْأَةِ، وَتَيَتُّمِ الْأَطْفَالِ، وَانْقِطَاعِ رِزْقِ الْأُسْرَةِ؟! هَلْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ يَغْفَلُ عَنْ دُمُوعِهِمْ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؟ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء: 227]. إِنَّ قَطْرَةَ الدَّمِ حِينَ تَسْقُطُ فِي الْأَرْضِ لَا تَسْقُطُ وَحْدَهَا، بَلْ تَسْحَبُ مَعَهَا أَعْمَارًا وَأَحْلَامًا وَآمَالًا طُعِنَتْ فِي الصَّمِيمِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، إِنَّ قَضِيَّةَ الدِّمَاءِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الَّتِي يُفْتَحُ مِلَفُّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ! يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ فِي الصِّيَامِ—تِلْكَ حُقُوقُ اللَّهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَالْعَفْوِ—وَلَكِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ، وَعَلَى رَأْسِهَا الدِّمَاءُ، مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْقِصَاصِ الْعَادِلِ دُونَ نُقْصَانٍ ذَرَّةٍ.
يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ يَنْبَغِي أَنْ نَنْقُشَهُ حَفْرًا عَلَى جُدْرَانِ قُلُوبِنَا: «لَا يَزَالُ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَإِذَا أَصَابَ الدَّمَ؛ ضَاقَتْ عَلَيْهِ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، وَتَبَدَّدَتْ هَذِهِ الْفُسْحَةُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَأَوْبَقَ نَفْسَهُ فِي هَلَاكٍ مُحَقَّقٍ! وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنعام: 151].
وَلْنَتَأَمَّلْ مَعًا هَذِهِ الْقِصَّةَ الْمُزَلْزِلَةَ مِنْ سِيرَةِ الصَّحَابَةِ، لِنُدْرِكَ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْعَى هَذِهِ الْحُرْمَةَ بِشِدَّةٍ بَالِغَةٍ! حَدَثَ أَنْ كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا—وَهُوَ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنُ حِبِّهِ—فِي مَعْرَكَةٍ دَامِيَةٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. فَلَمَّا تَمَكَّنَ أُسَامَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَحَدِ الْمُشْرِكِينَ الْمُعْتَدِينَ وَرَفَعَ سَيْفَهُ لِيَقْتُلَهُ، صَرَخَ الْمُشْرِكُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"! ظَنَّ أُسَامَةُ أَنَّ الرَّجُلَ يَتَعَوَّذُ مِنَ السَّيْفِ لِيُنْقِذَ نَفْسَهُ، فَهَوَى عَلَيْهِ بِسَيْفِهِ وَقَتَلَهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ الْخَبَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَغَيَّرَ وَجْهُهُ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ جِدًّا، وَاسْتَدْعَى أُسَامَةَ وَقَالَ لَهُ مُوَبِّخًا بِنَبْرَةٍ لَمْ يَعْهَدْهَا مِنْ قَبْلُ: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟» فَقَالَ أُسَامَةُ مُبَرِّرًا فِعْلَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا تَعَوُّذًا مِنَ السَّيْفِ! فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَاضِبًا حَازِمًا: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لِكَيْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنْ أَمْرِهِ!
سُبْحَانَ اللَّهِ! مُشْرِكٌ كَانَ يُقَاتِلُهُمْ لِحَظَاتٍ قَبْلَهَا فِي الْمَعْرَكَةِ، نَطَقَ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَاحْتِمَالُ أَنَّهَا قِيلَتْ خَوْفًا أَكْبَرُ مِنْ كَوْنِهَا عَقِيدَةً رَاسِخَةً فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْغَضَبَ الشَّدِيدَ لِأَنَّ الدَّمَ بَاتَ مَعْصُومًا بِهَا! فَكَيْفَ بِدَمِ مُسْلِمٍ مُسَالِمٍ؟ كَيْفَ بِدَمِ صَائِمٍ مُصَلٍّ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ كَيْفَ بِمُصْلِحٍ سَاعٍ بِالْخَيْرِ بَيْنَ النَّاسِ، يُقْتَلُ بِدَمٍ بَارِدٍ لِمُجَرَّدِ خِلَافٍ فِي الدُّنْيَا، أَوْ نِزَاعٍ عَلَى حُطَامٍ، أَوْ تَعَصُّبٍ لِقَبِيلَةٍ أَوْ فِكْرَةٍ؟
يَقُولُ سُبْحَانَهُ مُبَيِّنًا عِظَمَ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [سورة الفرقان: 68].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، لَقَدْ حَذَّرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الْفِتَنِ، فَقَالَ: «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ مُشْرِكًا، أَوْ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ). إِنَّ دِمَاءَ الْأَبْرِيَاءِ وَالْمُصْلِحِينَ، وَدُمُوعَ أَيْتَامِ الْقَتْلَى، وَآهَاتِ أَرَامِلِ الضَّحَايَا، هِيَ صَرْخَاتٌ مُعَلَّقَةٌ بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ، لَا تُسْقِطُهَا الْأَيَّامُ، وَلَا تَمْحُوهَا السِّنُونَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
---
🔷 الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَالنَّجْوَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِالْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللَّهِ، عَرَفْنَا فِي خُطْبَتِنَا الْأُولَى كَيْفَ أَنَّ حُرْمَةَ دَمِ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ زَوَالِ الدُّنْيَا، وَوَقَفْنَا مَعَ خُطُورَةِ اسْتِهْدَافِ الْمُصْلِحِينَ وَدُعَاةِ الْخَيْرِ، وَكَيْفَ أَنَّ الْجَرِيمَةَ تَتَعَدَّى الْقَتِيلَ لِتُدَمِّرَ أُسْرَةً بِأَكْمَلِهَا يَتْمًا وَضَيَاعًا وَقَهْرًا. وَالْآنَ، وَنَحْنُ نَرَى هَذِهِ الْفِتَنَ تَطْرُقُ أَبْوَابَ مُجْتَمَعَاتِنَا، كَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الْخَوْفَ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ إِلَى وَاقِعٍ يَعْصِمُ بُيُوتَنَا؟
أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ قَبْلَ أَنْ تُغَادِرُوا مُصَلَّاكُمْ هَذَا:
الْأُولَى (قَلْبِيَّةٌ): طَهِّرْ قَلْبَكَ مِنْ كُلِّ غِلِّ وَحِقْدٍ وَانْتِقَامٍ؛ فَإِنَّ جَرِيمَةَ الْقَتْلِ لَا تَبْدَأُ بِحَمْلِ السِّلَاحِ، بَلْ تَبْدَأُ بِفِكْرَةٍ سَوْدَاءَ تَتَخَمَّرُ فِي الْقَلْبِ. عُدْ إِلَى رَبِّكَ، وَرَوِّضْ نَفْسَكَ عَلَى الْكَظْمِ فِي سَاعَةِ الْغَضَبِ؛ فَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي تُحْرِقُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ.
الثَّانِيَةُ (لِسَانِيَّةٌ): إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تُشَارِكَ فِي سَفْكِ دَمٍ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوِ اتِّهَامٍ بَاطِلٍ! لَا تُحَرِّضْ عَلَى عُنْفٍ، وَلَا تَنْشُرْ شَائِعَةً تُؤَجِّجُ النِّزَاعَ، فَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُكْتَبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
الثَّالِثَةُ (عَمَلِيَّةٌ): رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ. عَلِّمُوهُمْ أَنَّ الرُّجُولَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ فِي حَمْلِ السِّلَاحِ وَالتَّفَاخُرِ بِالْعُنْفِ وَاسْتِبَاحَةِ الضُّعَفَاءِ، بَلْ فِي ضَبْطِ النَّفْسِ. ذَكِّرُوهُمْ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».
الرَّابِعَةُ (اجْتِمَاعِيَّةٌ): اِسْعَوْا فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ فِي عَائِلَاتِكُمْ وَجِيرَانِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَطَوَّرَ الْخِلَافُ الصَّغِيرُ إِلَى صِرَاعٍ دَامٍ لَا يُمْكِنُ إِيقَافُهُ. كُونُوا مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، فَإِنَّ إِصْلَاحَ ذَاتِ الْبَيْنِ مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الَّتِي تَحْقِنُ الدِّمَاءَ.
الْخَامِسَةُ (مَوْضُوعِيَّةٌ): كُونُوا كَافِلِينَ لِلْأَيْتَامِ وَالْأَرَامِلِ ضَحَايَا هَذِهِ الْجَرَائِمِ، لَا تَتْرُكُوهُمْ يُوَاجِهُونَ قَسْوَةَ الْفَقْدِ وَالْفَقْرِ وَحْدَهُمْ. إِنْ كَانَ ظَالِمٌ قَدْ حَرَمَهُمْ عَائِلَهُمْ، فَلْيَكُنِ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ كُلُّهُ سَنَدًا لَهُمْ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ هِيَ الدِّرْعُ الَّذِي يَحْمِيكُمْ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِبَاكِ الظُّلْمِ.
ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا وَقُدْوَتِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
🤲 الدعاء
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْأَعْظَمِ، أَنْ تَحْقِنَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ بِقَاعِ الْأَرْضِ. اللَّهُمَّ اعْصِمْ دِمَاءَنَا، وَاحْفَظْ أَعْرَاضَنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، وَاسْتُرْ عَوْرَاتِنَا. اللَّهُمَّ ارْحَمْ أَرَامِلَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَامَاهُمْ، اللَّهُمَّ اجْبُرْ كَسْرَهُمْ، وَتَوَلَّ أَمْرَهُمْ، وَسَخِّرْ لَهُمْ مِنْ عِبَادِكَ مَنْ يَرْحَمُ ضَعْفَهُمْ. اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يُرْضِيكَ، وَجَنِّبْهُمْ طُرُقَ الْفَسَادِ وَالْعُنْفِ وَالظُّلْمِ. اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَمُصْلِحِيهِمْ بِسُوءٍ فَأَشْغِلْهُ فِي نَفْسِهِ، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَأَرِنَا فِيهِ عَجَائِبَ قُدْرَتِكَ يَارَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الْمُصْلِحِينَ غَيْرَ الْمُفْسِدِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا زَلَّاتِنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا.
عِبَادَ اللَّهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
✍️ إِلَى هُنَا تَنْتَهِي الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا الْخَطِيبُ الْكَرِيمُ — فَهَذِهِ مَادَّةٌ صَاغَهَا نَمُوذَجٌ يُعِينُكَ لَا يُغْنِيكَ، وَالْخَطَأُ وَارِدٌ فِي كُلِّ نِتَاجٍ آلِيٍّ. فَاقْرَأْهَا قَبْلَ أَنْ تَصْعَدَ، وَحَقِّقْ آيَاتِهَا وَأَحَادِيثَهَا مِنْ مَصَادِرِهَا، وَأَلْبِسْهَا ثَوْبَ تَجْرِبَتِكَ وَبَصْمَةَ قَلْبِكَ وَعَيْشَ لُغَتِكَ. الْمِنْبَرُ أَمَانَةٌ يَسْأَلُكَ اللَّهُ عَنْهَا، وَمَا يُلْقَى عَلَيْهِ يَحْمِلُهُ صَاحِبُهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ أَرَدْتَ تَطْوِيرَهَا فَاكْتُبْ طَلَبَكَ وَاضِحًا مُفَصَّلًا — فَإِنَّ الْإِجَابَةَ بِقَدْرِ السُّؤَالِ.