خَفِّفُوا عَنِ النَّاسِ أَوجَاعَهُم
الحَمدُ للهِ الرَّحِيمِ الرَّحمَنِ، اللَّطِيفِ المَنَّانِ، كَاشِفِ الضُّرِّ وَالبَلوَى، وَسَامِعِ الشَّكوَى وَالنَّجوَى، وَجَابِرِ القُلُوبِ المُنكَسِرَةِ فِي السِّرِّ وَالنَّجوَى، الَّذِي جَعَلَ المُؤمِنِينَ إِخوَةً يَتَرَاحَمُونَ فِي الشَّدَائِدِ وَالمِحَنِ، وَيَتَكَافَلُونَ فِي النَّوَائِبِ وَالإِحَنِ، وَوَعَدَ السَّاعِينَ فِي تَفرِيجِ كُرُوبِ عِبَادِهِ بِالأَمنِ وَالرِّضوَانِ وَالفَوزِ بِالجِنَانِ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى نِعَمِهِ السَّابِغَةِ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الكَرِيمُ الجَوَادُ الَّذِي يَرحَمُ مِن عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَرحَمُ الخَلقِ بِالخَلقِ، كَانَ أَبا لِليَتَامَى، وَمَلجَأً لِلأَرَامِلِ وَالمَسَاكِينِ، وَمُوَاسِيًا لِلمَكرُوبِينَ وَالمُعسِرِينَ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: أُوصِيكُم وَنَفسِيَ المُقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَتَقوَى اللهِ وَالإِحسَانُ إِلَى خَلقِهِ هُمَا سَبِيلُ المَعِيَّةِ الإِلَهِيَّةِ وَالفَرَجِ القَرِيبِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خِتَامِ سُورَةِ النَّحلِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وَأَمرَنَا سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى فَقَالَ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
يَا أَهلَ اليَمَنِ الكِرَامِ، يَا أَهلَ الإِيمَانِ وَالحِكمَةِ، يَا مَن شَهِدَ لَكُمُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِن فَوقِ مِنبَرِهِ الشَّرِيفِ بِرِقَّةِ الأَفئِدَةِ وَلِينِ القُلُوبِ فَقَالَ فِيمَا أَخرَجَهُ الشَّيخَانِ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإِيمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ»! إِنَّ هَذَا الوِسَامَ النَّبَوِيَّ الخَالِدَ لَيسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ نَفتَخِرُ بِهَا فِي المَجَالِسِ، بَل هُوَ عَهدٌ وَمَسؤُولِيَّةٌ وَأَمَانَةٌ تَظهَرُ حَقِيقَتُهَا عِندَ اشتِدَادِ الأَزَمَاتِ وَتَطَاوُلِ المِحَنِ؛ فَرِقَّةُ الفُؤَادِ وَلِينُ القَلبِ يَظهَرَانِ حِينَ تَشعُرُ بِوَجَعِ جَارِكَ، وَتَمُدُّ يَدَكَ لِإِغَاثَةِ أَخِيكَ، وَتَمسَحُ دَمعَةَ اليَتِيمِ، وَتُؤوِي النَّازِحَ الغَرِيبَ، وَتُقَاسِمُ الفَقِيرَ المُتعَفِّفَ لُقمَةَ العَيشِ!
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّنَا نَعِيشُ فِي ظُرُوفٍ مَعِيشِيَّةٍ صَعبَةٍ يَعرِفُهَا القَاصِي وَالدَّانِي؛ ضَاقَت فِيهَا سُبُلُ الكَسبِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الأُسَرِ، وَتَقَطَّعَت بِبَعضِ النَّاسِ الأَسبَابُ، وَغَدَا بَينَ أَحيَائِنَا وَقُرَانَا وَمُدُنِنَا مَن يَكتَوِي بِنَارِ الفَاقَةِ وَهُوَ صَابِرٌ مُحتَسِبٌ لَا يَسأَلُ النَّاسَ إِلحَافًا؛ كَمَا وَصَفَهُم رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَولِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾.
فَكَم مِن رَبِّ أُسرَةٍ كَرِيمِ النَّفسِ يَخرُجُ مِن بَيتِهِ صَبَاحًا ثُمَّ يَعُودُ مَسَاءً خَالِيَ الوِفَاضِ، يَتَوَارَى مِن أَطفَالِهِ خَجَلًا لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُم أَو يَدفَعُ بِهِ إِيجَارَ مَسكَنِهِم! وَكَم مِن أُسَرٍ نَازِحَةٍ فَارَقَت دِيَارَهَا وَمَزَارِعَهَا وَبُيُوتَهَا طَلَبًا لِلأَمَانِ، فَأَمسَت فِي خِيَامٍ أَو مَسَاكِنَ ضَيِّقَةٍ تَفْتَرِشُ الأَرضَ، وَتُعَانِي قَسوَةَ البَردِ فِي الشِّتَاءِ وَشِدَّةَ الحَرِّ فِي الصَّيفِ، وَغُربَةَ المَكَانِ وَقِلَّةَ الحِيلَةِ! وَكَم مِن أَيتَامٍ فَقَدُوا الآبَاءَ وَالعَائِلِينَ، وَأَرَامِلَ يَتَجَرَّعنَ غُصَصَ الحَاجَةِ فِي صَمتٍ وَعَفَافٍ! وَكَم مِن مَرِيضٍ يَئِنُّ عَلَى فِرَاشِ الوَجَعِ، يَحمِلُ وَصفَةَ الدَّوَاءِ أَو تَقرِيرَ العَمَلِيَّةِ الجِرَاحِيَّةِ، فَلَا يَجِدُ ثَمَنَ العِلَاجِ فَيَحبِسُ أَنِينَهُ فِي صَدرِهِ!
أَمَامَ هَذِهِ الأَوجَاعِ الوَاقِعِيَّةِ الَّتِي نَرَاهَا بِأَعيُنِنَا يَا عِبَادَ اللهِ، يُنَادِينَا دِينُنَا الحَنِيفُ نِدَاءً صَادِقًا: «خَفِّفُوا عَنِ النَّاسِ أَوجَاعَهُم»! إِنَّ التَّخفِيفَ عَنِ المَكرُوبِينَ وَالتَّكَافُلَ مَعَ الفُقَرَاءِ وَالنَّازِحِينَ وَالأَيتَامِ لَيسَ نَافِلَةً نَفعَلُهَا إِن شِئنَا وَنَترُكُهَا إِن شِئنَا، بَل هُوَ وَاجِبٌ شَرعِيٌّ وَفَرِيضَةٌ أَخلَاقِيَّةٌ وَإِنسَانِيَّةٌ، وَبُرهَانٌ عَلَى صِدقِ الأُخُوَّةِ الإِيمَانِيَّةِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَنِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى». وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي سَفَرٍ أَصَابَت فِيهِ النَّاسَ حَاجَةٌ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَذَكَرَ مِن أَصنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَينَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضلٍ!
وَلَقَد ضَرَبَ أَجدَادُكُمُ الأَشعَرِيُّونَ مِن أَهلِ اليَمَنِ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَروَعَ مَثَلٍ فِي تَارِيخِ الإِسلَامِ لِلتَّكَافُلِ عِندَ الأَزَمَاتِ وَنَقصِ الأَقوَاتِ، حَتَّى خَلَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَنِيعَهُم وَجَعَلَهُم مِنهُ وَجَعَلَ نَفسَهُ الشَّرِيفَةَ مِنهُم؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي مُوسَى الأَشعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ -أَيْ فَنِيَ زَادُهُمْ- أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ»!
وَإِنَّ أَعظَمَ مَا يُوجِبُهُ الإِسلَامُ فِي بَابِ الإِغَاثَةِ وَالتَّكَافُلِ وَالرَّحمَةِ: أَن تَكُونَ الرَّحمَةُ عَامَّةً شَامِلَةً لِكُلِّ مُحتَاجٍ وَمَلهُوفٍ دُونَ أَيِّ تَميِيزٍ مَنَاطِقِيٍّ أَو قَبَلِيٍّ أَو فِئَوِيٍّ؛ فَالجُوعُ لَا يَعرِفُ قَبِيلَةً، وَالمَرَضُ لَا يَسأَلُ عَن مِنطَقَةٍ، وَاليُتمُ وَالنُّزُوحُ وَجَعٌ إِنسَانِيٌّ وَاحِدٌ، وَالمُسلِمُ أَخُو المُسلِمِ أَينَمَا كَانَ مَسكَنُهُ وَأَيًّا كَانَ لَقَبُهُ! فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». وَفِي المُعجَمِ الأَوسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ وَحَسَّنَهُ الأَلبَانِيُّ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا المَسْجِدِ -يَعْنِي مَسْجِدَ المَدِينَةِ- شَهْرًا».
عِبَادَ اللهِ: وَإِذَا كَانَ إِطعَامُ الجَائِعِ وَمُوَاسَاةُ الفَقِيرِ وَإِعَانَةُ النَّازِحِ وَكَفَالَةُ اليَتِيمِ مِن أَجَلِّ القُرُبَاتِ عِندَ اللهِ، فَإِنَّ لِهَذِهِ القُربَةِ شَرطًا عَظِيمًا وَسِيَاجًا مَتِينًا لَا تُقبَلُ عِندَ اللهِ إِلَّا بِهِ، أَلَا وَهُوَ: صِيَانَةُ كَرَامَةِ المُحتَاجِ، وَحِفظُ مَاءِ وَجهِهِ، وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ مِن أَن تَتَحَوَّلَ خِدمَةُ الفَقِيرِ أَوِ المَكرُوبِ إِلَى وَسِيلَةٍ لِإِذلَالِهِ أَوِ المَنِّ عَلَيهِ أَوِ استِغلَالِ حَاجَتِهِ وَضَعفِهِ!
فَإِنَّ الفَقِيرَ يَا عِبَادَ اللهِ قَد كَسَرَتهُ الحَاجَةُ وَأَرهَقَتهُ الظُّرُوفُ، فَلَا يَجُوزُ أَن نَكسِرَ قَلبَهُ مَرَّةً أُخرَى بِنَظرَةِ استِعلَاءٍ، أَو كَلِمَةِ مَنٍّ وَأَذًى، أَوِ استِغلَالٍ لِضَرُورَتِهِ؛ فَقَد حَذَّرَنَا اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَشَدَّ التَّحذِيرِ مِن إِبطَالِ الصَّدَقَاتِ وَالمَعرُوفِ بِالمَنِّ وَالأَذَى فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾! أَي أَنَّ الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ اللطِيفَةَ الَّتِي تَجبُرُ بِهَا خَاطِرَ الفَقِيرِ وَتَدعُو لَهُ فِيهَا خَيرٌ عِندَ اللهِ مِن صَدَقَةٍ وَإِغَاثَةٍ يَتبَعُهَا مَنٌّ وَتَعيِيرٌ وَإِذلَالٌ! وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَن هُم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ». وَالمَنَّانُ هُوَ الَّذِي لَا يُعطِي شَيئًا إِلَّا مَنَّهُ وَعَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ!
وَمِن صُوَرِ الأَذَى وَالإِذلَالِ الَّتِي يَجِبُ التَّنَزُّهُ عَنهَا فِي العَمَلِ الخَيرِيِّ وَالإِغَاثِيِّ وَالفَردِيِّ: تَصوِيرُ وُجُوهِ الفُقَرَاءِ وَالأَرَامِلِ وَالأَيتَامِ وَالنَّازِحِينَ وَهُم يَستَلِمُونَ سَلَّةً غِذَائِيَّةً أَو مَبلَغًا يَسِيرًا، وَنَشرُ تِلكَ الصُّوَرِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ لِلمُبَاهَاةِ وَالدِّعَايَةِ عَلَى حِسَابِ كَرَامَةِ المُسلِمِ وَانكِسَارِ نَفسِهِ وَأَطفَالِهِ أَمَامَ النَّاسِ! وَكَذَلِكَ تَكلِيفُ المُحتَاجِينَ وَالشُّيُوخِ وَالنِّسَاءِ بِالوُقُوفِ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي طَوَابِيرَ مُهِينَةٍ، أَو مُسَاوَمَةُ المُحتَاجِ عَلَى كَرَامَتِهِ أَو رَأْيِهِ أَوِ انتِمَائِهِ مُقَابِلَ لُقمَةِ عَيشٍ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ رِزقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيهِ!
وَمِن أَقبَحِ صُوَرِ استِغلَالِ الحَاجَةِ أَيضًا: أَن يَستَغِلَّ بَعضُ أَصحَابِ العَقَارَاتِ اضطِرَارَ النَّازِحِ لِلسَّكَنِ فَيُضَاعِفَ عَلَيهِ الإِيجَارَ فَوقَ طَاقَتِهِ، أَو يَستَغِلَّ بَعضُ التُّجَّارِ حَاجَةَ النَّاسِ لِلدَّوَاءِ وَالغِذَاءِ فَيَحتَكِرَ السِّلَعَ وَيُغَالِيَ فِي الأَسعَارِ، أَو يَستَغِلَّ بَعضُ أَربَابِ العَمَلِ فَاقَةَ العَامِلِ الفَقِيرِ فَيَبخَسَهُ أَجرَهُ وَيُرهِقَهُ فِي العَمَلِ! أَلَا فَلْيَتَّقِ اللهَ كُلُّ مَن وَلِيَ شَيئًا مِن مَصَالِحِ النَّاسِ؛ فَقَد دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فَقَالَ: «اللهمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ»!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخطبة الثانية
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ العَلِيُّ الأَعلَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَنِ اهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ الرَّحمَةَ الصَّادِقَةَ لَا تَكتَفِي بِالتَّأَلُّـمِ وَالحَسْرَةِ، بَل تَتَرْجَمُ إِلَى عَمَلٍ مَيدَانِيٍّ مُنَظَّمٍ وَمُبَادَرَاتٍ وَاقِعِيَّةٍ مَلمُوسَةٍ تُخَفِّفُ عَنِ النَّاسِ أَوجَاعَهُم، وَتُحِيي فِي مُجتَمَعِنَا اليَمَنِيِّ الأَصِيلِ سُنَّةَ التَّكَافُلِ وَالمَرْحَمَةِ! وَإِنَّ مِن أَبرَزِ المُبَادَرَاتِ العَمَلِيَّةِ القَابِلَةِ لِلتَّنفِيذِ فِي كُلِّ حَيٍّ وَقَريَةٍ وَمَدِينَةٍ مَا يَلِي:
المُبَادَرَةُ الأُولَى: «كَفَالَةُ الأُسرَةِ المُتَعَفِّفَةِ وَاليَتِيمِ وَالنَّازِحِ فِي الحَيِّ»؛ فَلَو أَنَّ كُلَّ خَمسٍ أَو عَشرِ أُسَرٍ مَيسُورَةٍ أَو مُتَوَسِّطَةِ الحَالِ فِي الحَارَةِ أَوِ القَريَةِ تَعَاوَنَت فِيمَا بَينَهَا بِمَبَالِغَ يَسِيرَةٍ شَهرِيًّا لِكَفَالَةِ أُسرَةٍ يَتِيمَةٍ أَو نَازِحَةٍ أَو فَقِيرَةٍ فِي جِوَارِهَا، وَتَأمِينِ طَعَامِهَا الأَسَاسِيِّ، لَمَا بَاتَ بَينَنَا جَائِعٌ وَلَا ضَائِعٌ! وَتَذَكَّرُوا قَولَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالوُسطَى وَفَرَّجَ بَينَهُمَا شَيئًا!
وَالمُبَادَرَةُ الثَّانِيَةُ: «إِغَاثَةُ المَرِيضِ وَتَفرِيجُ كَربِ المُعسِرِ»؛ وَذَلِكَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الصَّيدَلِيَّاتِ وَالمُستَشفَيَاتِ فِي أَحيَائِكُم لِسَدَادِ فَوَاتِيرِ الدَّوَاءِ أَوِ الفُحُوصَاتِ عَنِ المَرضَى الفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا يَملِكُونَ ثَمَنَ العِلَاجِ، وَكَذَلِكَ المُرُورُ عَلَى بَقَّالَاتِ الأَحيَاءِ لِسَدَادِ دُيُونِ الأُسَرِ الفَقِيرَةِ وَالأَرَامِلِ دُونَ أَن يَعلَمُوا مَنِ الَّذِي قَضَى دَينَهُم، وَتَخفِيضُ إِيجَارَاتِ المَسَاكِنِ أَو إِنظَارُ المُعسِرِينَ وَالنَّازِحِينَ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي اليَسَرِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ».
وَالمُبَادَرَةُ الثَّالِثَةُ: «مِيثَاقُ حِفظِ كَرَامَةِ المُستَفِيدِ وَإِغْنَائِهِ بِالعَمَلِ»؛ وَيَقُومُ عَلَى إِيصَالِ الصَّدَقَاتِ وَالمُسَاعَدَاتِ إِلَى بُيُوتِ المُحتَاجِينَ فِي سِترٍ تَامٍّ وَلُطفٍ وَأَدَبٍ، بَعِيدًا عَنِ الكَامِيرَاتِ وَالتَّشهِيرِ وَالإِذلَالِ، كَمَا يَشمَلُ إِعَانَةَ الشَّابِّ أَو رَبِّ الأُسرَةِ القَادِرِ عَلَى الكَسبِ بِأَدَاةِ عَمَلٍ أَو حِرفَةٍ يَستَغنِي بِهَا عَن سُؤَالِ النَّاسِ وَيُطعِمُ بِهَا عِيَالَهُ بِعِزَّةٍ وَكَرَامَةٍ. وَمَا أَجمَلَ قَولَ الشَّاعِرِ:
أَحسِنْ إِلَى النَّاسِ تَستَعبِدْ قُلُوبَهُمُ ... فَطَالَمَا استَعبَدَ الإِنسَانَ إِحسَانُ
مَن جَادَ بِالمَالِ مَالَ النَّاسُ قَاطِبَةً ... إِلَيهِ وَالمَالُ لِلإِنسَانِ فَتَّانُ
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالمَرحَمَةِ، كَمَا أَمَرَكُم بِذَلِكَ رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللهمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللهمَّ يَا فَرَّاجَ الهَمِّ، وَيَا كَاشِفَ الغَمِّ، وَيَا مُجِيبَ دَعوَةِ المُضطَرِّينَ، رَحمَنَ الدُّنيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا: الطُف بِأَهلِ اليَمَنِ وَسَائِرِ بِلَادِ المُسلِمِينَ لُطفًا جَمِيلًا، وَارفَع عَنهُمُ البَلَاءَ وَالغَلَاءَ وَالوَبَاءَ وَالشَّقَاءَ وَالفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ. اللهمَّ كُن لِلفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالأَيتَامِ وَالأَرَامِلِ وَالنَّازِحِينَ وَالمَرضَى عَونًا وَنَصِيرًا، وَمُغِيثًا وَمُجِيرًا؛ اللهمَّ أَطعِم جَائِعَهُم، وَاكسُ عَارِيَهُم، وَآوِ شَرِيدَهُم، وَاشفِ مَرِيضَهُم، وَاقضِ دُيُونَهُم، وَأَلِّف بَينَ قُلُوبِنَا عَلَى الرَّحمَةِ وَالتَّكَافُلِ وَالإِحسَانِ، وَاستَعمِلنَا فِي جَبرِ الخَوَاطِرِ وَتَفرِيجِ الكُرُبَاتِ مَعَ الإِخلَاصِ وَالقَبُولِ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
خَفِّفُوا عَنِ النَّاسِ أَوجَاعَهُم
1,753 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضلِهِ وَآثَارِهِ الخَالِدَةِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضل…
العقيدة والإيمانالشباب والهويةالعلم والدعوة
2,457 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ…
العقيدة والإيمانقضايا الأمة
2,273 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُب…
العقيدة والإيمانتزكية النفسالقرآن والتفسير
2,528 كلمةاقرأ النص كاملًا