خُلُقُ الحَيَاءِ وَمَنزِلَتُهُ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَنِ الحَيَاءِ مِنَ اللهِ وَأَثَرِهِ فِي طَهَارَةِ القُلُوبِ وَصِيَانَةِ المُجتَمَعِ مِنَ الفَوَاحِشِ
الحَمدُ للهِ الحَيِيِّ الحَلِيمِ، السِّتِّيرِ الكَرِيمِ، الَّذِي يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّترَ، وَيَبغَضُ الفُحشَ وَالتَّهَتُّكَ وَالمَكرَ، جَعَلَ الحَيَاءَ شُعبَةً عَظِيمَةً مِن شُعَبِ الإِيمَانِ، وَتَاجًا يَزِينُ أَهلَ التَّقوَى وَالإِحسَانِ، وَسِيَاجًا مَنِيعًا يَحمِي النُّفُوسَ مِن مَزَالِقِ الشَّيطَانِ، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ عَلَى مَا أَسبَغَ عَلَينَا مِن جَمِيلِ سِترِهِ، وَعَظِيمِ عَفوِهِ وَبِرِّهِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيَرَى دَبِيبَ النَّملَةِ السَّودَاءِ عَلَى الصَّخرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيلَةِ الظَّلمَاءِ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الأَتقِيَاءِ، وَسَيِّدُ الأَصفِيَاءِ، الَّذِي كَانَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ النُّجَبَاءِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الأَوفِيَاءِ، الَّذِينَ استَحيَوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ فَحَفِظُوا الرَّأسَ وَمَا وَعَى وَالبَطنَ وَمَا حَوَى، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ اللِّقَاء.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ مَنبَعُ كُلِّ فَضِيلَةٍ، وَأَصلُ كُلِّ خَصلَةٍ جَمِيلَةٍ، وَمَنِ اتَّقَى اللهَ وَاستَحيَا مِن نَظَرِهِ إِلَيهِ، زَكَّى اللهُ قَلبَهُ، وَسَتَرَ عَيبَهُ، وَأَعلَى فِي الدَّارَينِ كَعبَهُ، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ مِن سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ العَلَقِ مُوقِظًا القُلُوبَ الغَافِلَةَ: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ: لَو سَأَلنَا أَنفُسَنَا اليَومَ سُؤَالًا صَرِيحًا: مَا الَّذِي يَمنَعُ الإِنسَانَ مِنَ الوُقُوعِ فِي الفَاحِشَةِ إِذَا غُلِّقَتِ الأَبوَابُ، وَأُرخِيَتِ السُّتُورُ، وَغَابَ الرُّقَبَاءُ مِنَ البَشَرِ؟ وَمَا الَّذِي يَحجِزُ اللِّسَانَ عَنِ البَذَاءَةِ وَالفُحشِ، وَيَكُفُّ العَينَ عَنِ النَّظَرِ الحَرَامِ، وَيَردَعُ اليَدَ عَنِ الخِيَانَةِ وَالظُّلمِ؟ إِنَّهُ خُلُقٌ وَاحِدٌ إِذَا سَكَنَ القَلبَ أَحيَاهُ وَنَوَّرَهُ، وَإِذَا نُزِعَ مِنَ القَلبِ أَمَاتَهُ وَدَمَّرَهُ؛ إِنَّهُ «خُلُقُ الحَيَاءِ»!
وَمَا أَحوَجَنَا - يَا عِبَادَ اللهِ - فِي هَذَا الزَّمَانِ الَّذِي تَلَاطَمَت فِيهِ أَموَاجُ الفِتَنِ، وَانكَشَفَت فِيهِ العَورَاتُ عَلَى الشَّاشَاتِ، وَتَجَرَّأَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَلَى المُجَاهَرَةِ بِالمَعَاصِي بِلَا خَجَلٍ وَلَا وَجَلٍ؛ مَا أَحوَجَنَا إِلَى أَن نَقِفَ وَقفَةَ تَأَمُّلٍ وَمُحَاسَبَةٍ مَعَ هَذَا الخُلُقِ العَظِيمِ، لِنَعرِفَ حَقِيقَتَهُ وَمَنزِلَتَهُ فِي الإِسلَامِ، وَكَيفَ نَستَحيِي مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، وَكَيفَ تَجَلَّى الحَيَاءُ فِي سِيرَةِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَكَيفَ نُنقِذُ بُيُوتَنَا وَمُجتَمَعَاتِنَا مِن طُوفَانِ الوَقَاحَةِ وَانْعِدَامِ الحَيَاءِ.
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الحَيَاءَ فِي لُغَةِ العَرَبِ وَفِي حَقِيقَةِ الشَّرعِ مُشتَقٌّ مِنَ «الحَيَاةِ»، وَمِنهُ سُمِّيَ المَطَرُ «حَيًا» لِأَنَّ الأَرضَ تَحيَا بِهِ بَعدَ مَوتِهَا؛ فَعَلَى قَدرِ حَيَاةِ القَلبِ يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ خُلُقِ الحَيَاءِ! فَالقَلبُ الحَيُّ النَّابِضُ بِالإِيمَانِ إِذَا عَرَضَت لَهُ المَعصِيَةُ أَوِ القَبِيحُ انقَبَضَ وَتَأَلَّمَ وَفَرَّ مِنهَا حَيَاءً مِنَ اللهِ وَصِيَانَةً لِكرَامَتِهِ؛ وَأَمَّا القَلبُ المَيِّتُ فَإِنَّهُ كَالجَسَدِ المَيِّتِ لَو قُطِّعَ بِالسَّكَاكِينِ أَو أُلقِيَ فِي الأَوحَالِ مَا شَعَرَ بِأَلَمٍ وَلَا قَذَارَةٍ! وَلِهَذَا قَالَ الإِمَامُ الجُنَيدُ وَابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ: «الحَيَاءُ حَيَاةُ القَلبِ، فَمَن لَا حَيَاءَ فِيهِ فَهُوَ مَيِّتُ القَلبِ وَإِن كَانَ حَيَّ البَدَنِ»!
وَلِعِظَمِ مَكَانَةِ الحَيَاءِ فِي دِينِ اللهِ، جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الهَوِيَّةَ المُمَيِّزَةَ وَالعُنوَانَ الأَعظَمَ لِلدِّينِ الإِسلَامِيِّ كُلِّهِ؛ فَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه وَمُوطَّإِ الإِمَامِ مَالِكٍ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسلَامِ الحَيَاءُ».
تَأَمَّلُوا هَذَا التَّشخِيصَ النَّبَوِيَّ البَلِيغَ: «وَخُلُقُ الإِسلَامِ الحَيَاءُ»! بَل جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الحَيَاءَ جُزءًا لَا يَتَجَزَّأُ مِن حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، فَفِي الصَّحِيحَينِ - صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَصَحِيحِ مُسلِمٍ - عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ - أَو بِضعٌ وَسِتُّونَ - شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا قَولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
لِمَاذَا خَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الحَيَاءَ بِالذِّكرِ مِن بَينِ سَائِرِ الأَخلَاقِ فِي هَذَا الحَدِيثِ؟ قَالَ العلَمَاءُ: لِأَنَّ الحَيَاءَ هُوَ الدَّافِعُ البَاطِنِيُّ وَالمُحَرِّكُ القَلبِيُّ الَّذِي يَبعَثُ المُؤمِنَ عَلَى القِيَامِ بِبَقِيَّةِ شُعَبِ الإِيمَانِ كُلِّهَا؛ فَالحَيَاءُ يَدعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ وَالصِّدقِ وَالبِرِّ وَالعَفَافِ، وَيَمنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ وَالفُجُورِ وَالخِيَانَةِ!
وَلِذَلِكَ قَرَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ الإِيمَانِ وَالحَيَاءِ قِرنًا لَا يَنفَكُّ أَبَدًا؛ فَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَالبَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ قُرِنَا جَمِيعًا، فَإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ»! وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «الحَيَاءُ وَالإِيمَانُ فِي قَرَنٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا نُزِعَ الحَيَاءُ تَبِعَهُ الإِيمَانُ».
فَيا مَن تَسأَلُ عَن مِقيَاسِ إِيمَانِكَ فِي قَلبِكَ: انظُرْ إِلَى مِقدَارِ حَيَائِكَ! فَكُلَّمَا زَادَ حَيَاؤُكَ زَادَ إِيمَانُكَ، وَكُلَّمَا نَقَصَ حَيَاؤُكَ نَقَصَ إِيمَانُكَ!
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: وَإِذَا كَانَ الحَيَاءُ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، فَأَيُّ الحَيَاءِ هُوَ أَعظَمُ الحَيَاءِ وَأَشرَفُهُ وَأَصلُهُ؟
إِنَّهُ «الحَيَاءُ مِنَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ»! وَكَيفَ لَا يَستَحيِي العَبدُ الضَّعِيفُ الفَقِيرُ مِن رَبِّهِ العَظِيمِ الجَلِيلِ، وَاللهُ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يَستَحيِي مِن عَبدِهِ؟!
نَعَم وَاللهِ؛ إِنَّ مِن أَسْمَاءِ رَبِّنَا الحُسنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى أَنَّهُ «حَيِيٌّ سِتِّيرٌ»، حَيَاءَ كَرَمٍ وَبِرٍّ وَجُودٍ وَجَلَالٍ لَا يُشبِهُ حَيَاءَ المَخلُوقِينَ؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحَيَاءَ وَالسَّترَ». وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ عَن سَلمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ رَبَّكُم تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَستَحيِي مِن عَبدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيهِ إِلَيهِ أَن يَرُدَّهُمَا صِفرًا».
فَيَا أَيُّهَا الإِنسَانُ العَاصِي: أَيَستَحيِي رَبُّكَ الجَلِيلُ الغَنِيُّ عَنكَ أَن يَرُدَّ يَدَيكَ خَالِيَتَينِ إِذَا دَعَوتَهُ، ثُمَّ لَا تَستَحيِي أَنتَ مِن نَظَرِ اللهِ إِلَيكَ وَأَنتَ تَبارِزُهُ بِالمَعصِيَةِ فِي ظُلمَةِ اللَّيلِ وَخَلوَةِ الغُرَفِ؟!
تَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - حَالَ مَن يَجعَلُ اللهَ أَهوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيهِ! إِنَّكَ لَو كُنتَ فِي غُرفَتِكَ وَحدَكَ وَأَرَدتَ أَن تَنظُرَ إِلَى مَشهَدٍ مُحَرَّمٍ أَو تَرتَكِبَ فِعلًا قَبِيحًا، فَدَخَلَ عَلَيكَ طِفلٌ صَغِيرٌ يَبلُغُ مِنَ العُمُرِ خَمسَ سَنَوَاتٍ؛ لَارتَبَكتَ وَاصفَرَّ وَجهُكَ وَأَغلَقتَ الشَّاشَةَ وَترَكتَ المَعصِيَةَ حَيَاءً مِن ذَلِكَ الطِّفلِ الصَّغِيرِ الَّذِي لَا يَملِكُ لَكَ ضَرًّا وَلَا نَفعًا! فَكَيَفَ استَحيَيتَ مِن بَصَرِ طِفلٍ ضَعِيفٍ، وَلَم تَستَحيِ مِن بَصَرِ مَلِكِ المُلُوكِ وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ الَّذِي يَقُولُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، وَيَقُولُ فِي سُورَةِ يُونُسَ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾؟!
وَلِهَذَا حَذَّرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مِن حَالِ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَستَخفُونَ مِنَ النَّاسِ حَيَاءً مِنهُم وَلَا يَستَخفُونَ مِنَ اللهِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
فَكَيفَ نُحَقِّقُ الحَيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ؟ لَقَد وَضَعَ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَنهَجَ العَمَلِيَّ الدَّقِيقَ لِذَلِكَ فِي الحَدِيثِ الجَلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَالإِمَامُ أَحمَدُ وَالحَاكِمُ عَن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصحَابِهِ يَومًا: «استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ! قَال: «لَيسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الِاستِحيَاءَ مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا وَعَى، وَالبَطنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذكُرِ المَوتَ وَالبِلَى، وَمَن أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنيَا، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ»!
أَرَأَيتُم يَا عِبَادَ اللهِ؟ إِنَّ الحَيَاءَ مِنَ اللهِ لَيسَ كَلِمَةً تُقَالُ بِاللِّسَانِ، بَل هُوَ أَربَعَةُ أَركَانٍ عَمَلِيَّةٍ:
أَوَّلُهَا: «أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا وَعَى»؛ فَتَحفَظَ عَقلَكَ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالكِبرِ، وَتَحفَظَ عَينَيكَ مِنَ النَّظَرِ الحَرَامِ، وَتَحفَظَ أُذُنَيكَ مِن سَمَاعِ الغِيبَةِ وَالحَرَامِ، وَتَحفَظَ لِسَانَكَ مِنَ الكَذِبِ وَالفُحشِ وَالبُهتَانِ!
وَثَانِيهَا: «أَن تَحفَظَ البَطنَ وَمَا حَوَى»؛ فَلَا تُدخِلَ جَوفَكَ لُقمَةً حَرَامًا مِن رِبًا أَو رِشوَةٍ أَو سَرِقَةٍ أَو غِشٍّ، وَتَحفَظَ فَرجَكَ وَجَوَارِحَكَ عَنِ الفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن!
وَثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا: «أَن تَذكُرَ المَوتَ وَالبِلَى، وَتَترُكَ التَّكَاثُرَ بِزِينَةِ الدُّنيَا الفَانِيَةِ إِيثَارًا لِلآخِرَةِ البَاقِيَةِ»!
عِبَادَ اللهِ: وَلَو نَظَرنَا فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَرَأَينَا صُوَرًا مُشرِقَةً مِن حَيَاءِ الأَنبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ تَأخُذُ بِمَجَامِعِ القُلُوبِ:
تَأَمَّلُوا تِلكَ اللُّوحَةَ القُرآنِيَّةَ البَدِيعَةَ فِي سُورَةِ القَصَصِ، حِينَ وَرَدَ نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ مَاءَ مَديَنَ، فَوَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسقُونَ، وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امرَأَتَينِ تَذُودَانِ غَنَمَهُمَا؛ لِمَاذَا كَانَتَا تَقِفَانِ بَعِيدًا عَنِ الرِّجَالِ؟ حَيَاءً وَعِفَّةً وَصِيَانَةً لِأَنفُسِهِمَا عَن مُزَاحَمَةِ الرِّجَالِ، فَقَالَتَا لِمُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. فَسَقَى لَهُمَا مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ بِنَخوَةِ المُرُوءَةِ وَالشَّهَامَةِ ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ؛ فَلَمَّا أَرسَلَ أَبُوهُمَا إِحدَاهُمَا لِتَدعُوَ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ، كَيفَ وَصَفَ اللهُ مِشيَتَهَا وَكَلَامَهَا لِيَجعَلَهَا قُدوَةً لِكُلِّ فَتَاةٍ وَامرَأَةٍ مُؤمِنَةٍ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ؟ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾!
قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَاهُ ابنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابنُ كَثِيرٍ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «جَاءَت تَمشِي عَلَى استِحيَاءٍ، لَيسَت بِسَلفَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، خَرَّاجَةٍ وَلَّاجَةٍ، قَائِلَةٍ بِثَوبِهَا عَلَى وَجهِهَا»! أَي لَيسَت جَرِيئَةً صَخَّابَةً مُتَبَرِّجَةً، بَل جَاءَت مُحتَشِمَةً عَفِيفَةً، وَتَكَلَّمَت بِكَلِمَاتٍ مُوجَزَةٍ وَاضِحَةٍ لَا خُضُوعَ فِيهَا بِالقَولِ وَلَا رِيبَة!
وَانظُرُوا إِلَى حَيَاءِ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ نَفسِهِ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِن جِلدِهِ شَيءٌ استِحيَاءً مِنهُ»!
وَأَمَّا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَقَد بَلَغَ مِنَ الحَيَاءِ الذِّروَةَ العُليَا؛ يَقُولُ أَبُو سَعِيدٍ الخُدرِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ فِي خِدرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيئًا يَكرَهُهُ عَرَفنَاهُ فِي وَجهِهِ»! حَتَّى إِنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ حَيَاءَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ الأَحزَابِ حِينَ طَعِمَ بَعضُ القَومِ فِي بَيتِهِ يَومَ وَلِيمَةِ زَينَبَ ثُمَّ جَلَسُوا مَستَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾.
وَعَلَى هَذَا الهَديِ النَّبَوِيِّ تَرَبَّى أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ وَفِي طَلِيعَتِهِم ذُو النُّورَينِ عُثمَانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، الَّذِي بَلَغَ مِن شِدَّةِ حَيَائِهِ أَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحمَنِ كَانَت تَستَحيِي مِنهُ! فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُضطَجِعًا فِي بَيتِهِ كَاشِفًا عَن فَخِذَيهِ أَو سَاقَيهِ، فَاستَأذَنَ أَبُو بَكرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلكَ الحَالِ، ثُمَّ استَأذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، ثُمَّ استَأذَنَ عُثمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسَوَّى ثِيَابَهُ! فَلَمَّا خَرَجَ قَالَت عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكرٍ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَم تَهتَشَّ لَهُ وَلَم تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثمَانُ فَجَلَستَ وَسَوَّيتَ ثِيَابَكَ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أَستَحيِي مِن رَجُلٍ تَستَحيِي مِنهُ المَلَائِكَةُ؟!»! وَقَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يُصَوِّرُ حَيَاءَ عُثمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِن كَانَ عُثمَانُ لَيَكونُ فِي البَيتِ وَالبَابُ عَلَيهِ مُغلَقٌ، فَمَا يَضَعُ عَنهُ الثَّوبَ لِيُفِيضَ عَلَيهِ المَاءَ، يَمنَعُهُ الحَيَاءُ أَن يُقِيمَ صُلبَهُ»!
وَهُنَا - أَيُّهَا العُقَلَاءُ - لَا بُدَّ مِن تَنبِيهٍ فِقهِيٍّ وَتَربَوِيٍّ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ: وَهُوَ التَّفرِيقُ الحَاسِمُ بَينَ «الحَيَاءِ الشَّرعِيِّ المَحمُودِ» وَبَينَ «الخَجَلِ المَذمُومِ وَالجُبنِ وَالضَّعفِ»!
فَإِنَّ بَعضَ النَّاسِ قَد يَترُكُ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ، أَو يَترُكُ السُّؤَالَ عَمَّا يَجهَلُهُ مِن أَمرِ دِينِهِ وَطَهَارَتِهِ وَصَلَاتِهِ، أَو يُجَامِلُ أَهلَ البَاطِلِ عَلَى حِسَابِ دِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: «أَنَا أَستَحيِي»!
وَنَقولُ لَهُ: هَذَا لَيسَ بِحَيَاءٍ أَبَدًا؛ بَل هَذَا عَجزٌ وَخَوَرٌ وَضَعفٌ وَمَهَانَةٌ! لِأَنَّ الحَيَاءَ الشَّرعِيَّ قَالَ فِيهِ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَّا بِخَيرٍ»، وَفِي رِوَايَةِ مُسلِمٍ: «الحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ»! فَمَا أَوقَعَكَ فِي تَركِ وَاجِبٍ أَو فِعلِ مُحَرَّمٍ أَو جَهلٍ بِالدِّينِ فَلَيسَ مِنَ الحَيَاءِ فِي شَيءٍ!
وَانظُرُوا إِلَى أُمِّ سُلَيمٍ الأَنصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ، حِينَ جَاءَت إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَت بِأَدَبٍ رَفِيعٍ يَجمَعُ بَينَ الحَيَاءِ وَطَلَبِ العِلمِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَستَحيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَل عَلَى المَرأَةِ مِن غُسلٍ إِذَا احتَلَمَت؟»، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «نَعَم، إِذَا رَأَتِ المَاءَ». وَلِهَذَا قَالَت أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «نِعمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنصَارِ، لَم يَمنَعهُنَّ الحَيَاءُ أَن يَتَفَقَّهنَ فِي الدِّينِ»!
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، جَاعِلِ الحَيَاءِ زِينَةً لِلمُؤمِنِينَ، وَحِصنًا لِلصَّالِحِينَ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلِيُّ المُتَّقِينَ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين.
أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِنَّ مِن أَخطَرِ مَا يُهدِّدُ مُجتَمَعَاتِنَا اليَومَ تِلكَ الحَربَ الشَّعوَاءَ المُنَظَّمَةَ الَّتِي تَستَهدِفُ «نَزعَ بُرقُعِ الحَيَاءِ» مِن قُلُوبِ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ وَالأُسَرِ!
لَقَد صَارَ النَّاسُ يَرَونَ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الِاجتِمَاعِيِّ وَالشَّاشَاتِ مَشَاهِدَ يَنَدى لَهَا جَبِينُ الفِطرَةِ السَّلِيمَةِ: تَبَرُّجٌ سَافِرٌ، وَكَلِمَاتٌ بَذِيئَةٌ، وَرَقصٌ وَمُجُونٌ، وَكَشفٌ لِأَسرَارِ البُيُوتِ وَالعَلَاقَاتِ الزَّوجِيَّةِ أَمَامَ المَلَايِينِ طَلَبًا لِلمُشَاهَدَاتِ وَالمَالِ الحَرَامِ، ثُمَّ يُسَمُّونَ هَذَا السُّفُورَ وَالتَّهَتُّكَ «حُرِّيَّةً شَخصِيَّةً وَجُرأَةً وَانفِتَاحًا»!
وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ لَخَّصَ مآلَ مَن فَقَدَ الحَيَاءَ فِي الكَلِمَةِ الخَالِدَةِ المَورُوثَةِ عَنِ الأَنبِيَاءِ جَمِيعًا؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي مَسعُودٍ العُقبِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّ مِمَّا أَدرَكَ النَّاسُ مِن كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَم تَستَحِ فَاصنَعْ مَا شِئتَ»!
أَي إِذَا نُزِعَ الحَيَاءُ مِن قَلبِ المَرءِ وَوَجهِهِ، فَلَم يَبقَ لَهُ رَادِعٌ يَردَعُهُ عَن أَيِّ رَذِيلَةٍ أَو فَاحِشَةٍ أَو خِسَّةٍ؛ فَلْيَصنَعْ مَا شَاءَ فَسَيَلقَى عَاقِبَةَ صُنعِهِ عِندَ اللهِ! وَقَد أَخبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: «الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ، وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ». وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ عَن أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَا كَانَ الفُحشُ فِي شَيءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الحَيَاءُ فِي شَيءٍ إِلَّا زَانَهُ».
وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ صَالِحِ بنِ عَبدِ القُدُّوسِ حِينَ قَالَ أَبيَاتَهُ السَّائِرَةَ مَسرَى الأَمثَالِ فِي قِيمَةِ الحَيَاءِ:
إِذَا قَلَّ مَاءُ الوَجهِ قَلَّ حَيَاؤُهُ ... وَلَا خَيرَ فِي وَجهٍ إِذَا قَلَّ مَاؤُهُ
حَيَاؤُكَ فَاحفَظْهُ عَلَيكَ وَإِنَّمَا ... يَدُلُّ عَلَى فِعلِ الكَرِيمِ حَيَاؤُهُ
إِذَا لَم تَصُنْ عِرضًا وَلَم تَخشَ خَالِقًا ... وَتَستَحِي مَخلُوقًا فَمَا شِئتَ فَاصنَعِ
فَيَا أَيُّهَا الآبَاءُ وَالأُمَّهَاتُ، وَيَا أَيُّهَا الشَّبَابُ وَالفَتَيَاتُ: كَيفَ نُحيِي خُلُقَ الحَيَاءِ فِي قُلُوبِنَا وَبُيُوتِنَا؟
أَوَّلًا: بِتَعظِيمِ مَقَامِ مُرَاقَبَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ؛ فَعَلِّمُوا أَبنَاءَكُم وَبَنَاتِكُم مُنذُ الصِّغَرِ أَنَّ اللهَ يَرَانَا وَيَسمَعُنَا، وَأَنَّ المَلَائِكَةَ الكِرَامَ الكَاتِبِينَ لَا يُفَارِقُونَنَا، فَنَستَحيِي مِنَ اللهِ وَمِن مَلَائِكَتِهِ فِي خَلَوَاتِنَا قَبلَ جَلَوَاتِنَا!
ثَانِيًا: بِغَرسِ الحِشمَةِ وَالسَّترِ وَالعِفَّةِ فِي اللِّبَاسِ وَالكَلَامِ وَالنَّظَرِ دَاخِلَ البُيُوتِ وَخَارِجَهَا، وَصِيَانَةِ الأَبصَارِ وَالأسْمَاعِ عَن قَنَوَاتِ الفُحشِ وَحِسَابَاتِ السُّفُوهِ وَالرَّذِيلَةِ الَّتِي تَقتُلُ الغَيرَةَ وَتُمِيتُ الحَيَاءَ فِي القُلُوبِ!
ثَالِثًا: بِمُصَاحَبَةِ الأَخيَارِ الأَتقِيَاءِ أَهلِ المُرُوءَةِ وَالحَيَاءِ؛ فَإِنَّ الصَّاحِبَ سَاحِبٌ، وَالطَّبعَ يَسرِقُ مِنَ الطَّبعِ، فَمَن جَالَسَ أَهلَ الحَيَاءِ كَسَاهُ اللهُ مِن نُورِ حَيَائِهِم، وَمَن جَالَسَ أَهلَ المَجَانَةِ وَالوَقَاحَةِ هَانَت عَلَيهِ القَبَائِحُ حَتَّى يَألَفَهَا!
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَجَمَّلُوا بِتَاجِ الحَيَاءِ، وَربُّوا عَلَيهِ أَولَادَكُم وَأَهلِيكُم، تَفُوزُوا بِسِترِ اللهِ فِي الدُّنيَا وَرِضوَانِهِ وَجَنَّتِهِ فِي الآخِرَةِ.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُتَّقِينَ وَقُدوَةِ المُستَحيِينَ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ وَعَلَا فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ يَا حَيِيُّ يَا سِتِّيرُ، استُرْ عَورَاتِنَا، وَآمِنْ رَوعَاتِنَا، وَزَيِّنْ بِالإِيمَانِ وَالحَيَاءِ قُلُوبَنَا، وَاحفَظنَا مِن بَينِ أَيدِينَا وَمِن خَلفِنَا وَعَن أَيمَانِنَا وَعَن شَمَائِلِنَا وَمِن فَوقِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَن نُغتَالَ مِن تَحتِنَا.
اللَّهُمَّ ارزُقنَا خَشيَتَكَ فِي الغَيبِ وَالشَّهَادَةِ، وَارزُقنَا الحَيَاءَ مِنكَ حَقَّ الحَيَاءِ، فَاحفَظْ أَلسِنَتَنَا وَأَبصَارَنَا وَأَسمَاعَنَا وَفُرُوجَنَا وَبُطُونَنَا مِن كُلِّ مَا لَا يُرضِيكَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ، اللَّهُمَّ احفَظْ شَبَابَ المُسلِمِينَ وَبَنَاتِهِم مِن فِتَنِ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَحَبِّبْ إِلَيهِمُ الإِيمَانَ وَالعَفَافَ وَالحَيَاءَ وَزَيِّنهُ فِي قُلُوبِهِم، وَكَرِّهْ إِلَيهِمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ، وَاجعَلنَا وَإِيَّاهُم مِنَ الرَّاشِدِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
خُلُقُ الحَيَاءِ وَمَنزِلَتُهُ فِي الإِسلَامِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُؤَثِّرَةٌ عَنِ الحَيَاءِ مِنَ اللهِ وَأَثَرِهِ فِي طَهَارَةِ القُلُوبِ وَصِيَانَةِ المُجتَمَعِ مِنَ الفَوَاحِشِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.