من مكتبة مِداد الخطيب

خُطُورَةُ المَسؤُولِيَّةِ وَغِشِّ الرَّعِيَّةِ وَسَرِقَةِ المَالِ العَامِّ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ عَن أَمَانَةِ الوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي انتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ

مشاركة
خُطُورَةُ المَسؤُولِيَّةِ وَغِشِّ الرَّعِيَّةِ وَسَرِقَةِ المَالِ العَامِّ: خطبةُ جُمُعَةٍ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ عَن أَمَانَةِ الوِلَايَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي انتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ الحَمدُ للهِ الَّذِي افْتَرَضَ أَدَاءَ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهلِهَا، وَحَكَمَ بِالعَدلِ وَالقِسطِ بَينَ عِبَادِهِ فِي دِقِّ الأُمُورِ وَجِلِّهَا، وَحَذَّرَ مِنَ الخِيَانَةِ وَالغِشِّ وَأَكلِ أَموَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ فِي دِقَائِقِ الشَّرِيعَةِ وَأُصُولِهَا، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَنِ استَشعَرَ هَولَ المَوقِفِ بَينَ يَدَيهِ، وَعَلِمَ أَنَّ كُلَّ مَسؤُولٍ مَوقُوفٌ يَومَ القِيَامَةِ وَمَسؤُولٌ عَمَّا استُرعِيَ عَلَيهِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّقِيبُ العَلِيمُ، وَالحَسِيبُ العَظِيمُ، الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، أَنصَحُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، وَأَوفَاهُم بِالعَهدِ وَالأَمَانَةِ، وَأَشَدُّهُم تَحذِيرًا مِن غِشِّ الرَّعِيَّةِ وَالتَّخَوُّضِ فِي المَالِ العَامِّ بِغَيرِ حَقٍّ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الأَطهَارِ، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ، الَّذِينَ كَانُوا يَهرُبُونَ مِنَ الوِلَايَةِ خَوفَ الحِسَابِ، فَإِذَا ابتُلُوا بِهَا أَقَامُوا العَدلَ وَصَانُوا الدِّرهَمَ وَالدِّينَارَ، وَعَلَى مَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم - أَيُّهَا النَّاسُ - وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الحَارِسُ الأَمِينُ إِذَا غَابَتِ الأَعيُنُ، وَهِيَ المِيزَانُ العَادِلُ إِذَا طَغَتِ المَطَامِعُ وَالأَهوَاءُ، وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفسٍ مَا كَسَبَت وَهُم لَا يُظلَمُون، يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ مِن سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ۝ ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّ المُجتَمَعَاتِ الحَيَّةَ تَمُرُّ بِمَحَطَّاتٍ تَظهَرُ فِيهَا مَعَادِنُ النَّاسِ، وَتُمتَحَنُ فِيهَا ضَمَائِرُهُم وَدِيَانَتُهُم؛ وَإِنَّ مِمَّا يَشغَلُ النَّاسَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَا يَتَعَلَّقُ بِانتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ وَاخْتِيَارِ مَن يَتَوَلَّى إِدَارَةَ المَرَافِقِ العَامَّةِ وَخِدمَةَ البِلَادِ وَالعِبَادِ. وَإِنَّ مِنَ الخَطَإِ الفَادِحِ أَن يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ هَذَا الشَّأنَ شَأنٌ دُنيَوِيٌّ مَحضٌ لَا عِلَاقَةَ لَهُ بِالدِّينِ وَلَا بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ وَلَا بِالحِسَابِ يَومَ القِيَامَةِ! كَلَّا وَاللهِ؛ بَل إِنَّ كُلَّ مَنصِبٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ النَّاسِ وَأَموَالِهِم وَمَرَافِقِ حَيَاتِهِم هُوَ فِي مِيزَانِ الإِسلَامِ «وِلَايَةٌ وَأَمَانَةٌ»، وَكُلُّ صَوتٍ يَضَعُهُ النَّاخِبُ فِي الصُّندُوقِ هُوَ فِي مِيزَانِ الشَّرعِ «شَهَادَةٌ وَتَزكِيَةٌ» سَيُسأَلُ عَنهَا العَبدُ يَومَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ! وَلِذَلِكَ كَانَ لِزَامًا عَلَى مَنَابِرِ الجُمُعَةِ أَن تَصدَعَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، وَأَن تُذَكِّرَ المُرَشَّحَ وَالنَّاخِبَ وَالمَسؤُولَ وَالمُوَاطِنَ بِأَربَعِ قَضَايَا كُبرَى تَهتَزُّ لَهَا القُلُوبُ الحَيَّةُ: خُطُورَةِ المَسؤُولِيَّةِ وَالوِلَايَةِ، وَجَرِيمَةِ غِشِّ الرَّعِيَّةِ وَعَدَمِ النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ، وَهَولِ سَرِقَةِ المَالِ العَامِّ وَالمُحَابَاةِ فِيهِ، وَأَمَانَةِ الِاختِيَارِ وَالشَّهَادَةِ فِي انتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ. عِبَادَ اللهِ: أَمَّا القَضِيَّةُ الأُولَى، فَهِيَ «خُطُورَةُ المَسؤُولِيَّةِ وَالوِلَايَةِ عَلَى شُؤُونِ النَّاسِ»: لَقَد صَوَّرَ لَنَا القُرآنُ الكَرِيمُ عِظَمَ شَأنِ الأَمَانَةِ وَثِقَلَ حَملِهَا فِي مَشهَدٍ كَونِيٍّ مَهِيبٍ تَخشَعُ لَهُ القُلُوبُ؛ حِينَ عَرَضَ اللهُ الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ السَّبعِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ، فَأَشفَقنَ مِنهَا وَأَبَينَ أَن يَحمِلنَهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ ۝ ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾. إِنَّ المَسؤُولِيَّةَ العَامَّةَ - أَيُّهَا الإِخوَةُ - لَيسَت تَشرِيفًا وَلَا وَجَاهَةً اجتِمَاعِيَّةً وَلَا مَغنَمًا يُتَسَابَقُ عَلَيهِ لِتَحقِيقِ المَآرِبِ الشَّخصِيَّةِ أَوِ المَفَاخِرِ العَائِلِيَّةِ؛ بَل هِيَ تَكلِيفٌ ثَقِيلٌ، وَغُرمٌ عَظِيمٌ، وَسُؤَالٌ عَسِيرٌ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ! تَأَمَّلُوا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ - وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ مِن أَزهَدِ النَّاسِ وَأَصدَقِهِم لَهجَةً - أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَال: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا تَستَعمِلُنِي؟ أَي: أَلَا تُوَلِّينِي إِمَارَةً أَو مَسؤُولِيَّةً أَخدُمُ فِيهَا المُسلِمِينَ؟ فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ عَلَى مَنكِبِ أَبِي ذَرٍّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ بِشَفَقَةِ النَّاصِحِ الرَّحِيم: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَن أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيهِ فِيهَا»! اللهُ أَكبَرُ! إِذَا كَانَ أَبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُقَالُ لَهُ: «إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَومَ القِيَامَةِ خِزيٌ وَنَدَامَةٌ»؛ فَمَاذَا يُقَالُ لِمَن يَتَهَافَتُ اليَومَ عَلَى المَجَالِسِ البَلَدِيَّةِ وَالمَنَاصِبِ العَامَّةِ وَهُوَ لَا يَملِكُ كَفَاءَةً وَلَا خِبرَةً وَلَا أَمَانَةً، بَل يَبذُلُ الوُعُودَ الكَاذِبَةَ وَالأَموَالَ المَشبُوهَةَ لِيَصِلَ إِلَى الكُرسِيِّ؟! وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِنَّكُم سَتَحرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَومَ القِيَامَةِ، فَنِعمَ المُرضِعَةُ وَبِئسَتِ الفَاطِمَةُ»! سَمَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «نِعمَ المُرضِعَةُ» فِي الدُّنيَا لِمَا يَظُنُّهُ الجَاهِلُ فِيهَا مِن جَاهٍ وَمَالٍ وَمَنفَعَةٍ، وَسَمَّاهَا «بِئسَتِ الفَاطِمَةُ» عِندَ المَوتِ وَيَومَ القِيَامَةِ حِينَ يَنقَطِعُ الجَاهُ وَيبقَى الحِسَابُ العَسِيرُ عَلَى كُلِّ حَقٍّ ضُيِّعَ، وَكُلِّ مَظلُومٍ أُهمِلَ، وَكُلِّ دِرهَمٍ صُرِفَ فِي غَيرِ وَجهِهِ! وَلِهَذَا كَانَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَرتَعِدُ خَوفًا مِن ثِقَلِ المَسؤُولِيَّةِ الخَدَمِيَّةِ عَنِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالطُّرُقَاتِ؛ فَقَد رَوَى ابنُ سَعدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَأَبُو نُعَيمٍ فِي الحِليَةِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن دَاوُدَ بنِ عَلِيٍّ، أَنَّ الفَارُوقَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَال: «لَو مَاتَت شَاةٌ عَلَى شَاطِئِ الفُرَاتِ ضَائِعَةً، لَظَنَنتُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَائِلِي عَنهَا يَومَ القِيَامَةِ»! وَفِي رِوَايَةٍ: «لَو عَثَرَت بَغلَةٌ فِي العِرَاقِ لَخَشِيتُ أَن يَسأَلَنِي اللهُ عَنهَا: لِمَ لَمْ تُمهِّدْ لَهَا الطَّرِيقَ يَا عُمَرُ؟!». فَيَا مَن تُرشِّحُ نَفسَكَ لِلبَلَدِيَّةِ وَخِدمَةِ النَّاسِ: هَلِ استَحضَرتَ سُؤَالَ اللهِ لَكَ عَن كُلِّ طَرِيقٍ أُهمِلَ إِصلَاحُهُ فَتَضَرَّرَ بِهِ النَّاسُ؟ وَعَن كُلِّ حَيٍّ فَقِيرٍ حُرِمَ مِنَ الخَدَمَاتِ وَالمِيَاهِ وَالنَّظَافَةِ لِأَنَّهُ لَيسَ فِيهِ أَقَارِبُكَ أَو نَاخِبُوكَ؟ وَعَن كُلِّ مُعَامَلَةٍ عُطِّلَت لِمُسلِمٍ ضَعِيفٍ لَا وَاسِطَةَ لَهُ؟! وَأَمَّا القَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ - أَيُّهَا المُؤمِنُونَ - فَهِيَ «خُطُورَةُ عَدَمِ النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ وَجَرِيمَةُ غِشِّ الرَّعِيَّةِ»: إِنَّ مَن تَوَلَّى مَسؤُولِيَّةً فِي البَلَدِيَّةِ أَو غَيرِهَا مِن مَصَالِحِ المُسلِمِينَ، فَقَد دَخَلَ فِي عَقدٍ شَرعِيٍّ أَمَامَ اللهِ قِوَامُهُ «النُّصحُ التَّامُّ لِعَامَّةِ النَّاسِ»؛ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قُلنَا: لِمَن؟ قَال: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ، وَعَامَّتِهِم». فَمَا مَعنَى النَّصِيحَةِ لِعَامَّةِ المُسلِمِينَ يَا عِبَادَ اللهِ؟ مَعنَاهَا أَن يَجتَهِدَ المَسؤُولُ فِي جَلبِ أَقصَى المَنفَعَةِ لِلنَّاسِ فِي مَعَاشِهِم وَمَرَافِقِهِم وَبِيئَتِهِم، وَأَن يَدفَعَ عَنهُم كُلَّ ضَرَرٍ وَأَذًى، وَأَن يَعدِلَ بَينَهُم فِي تَوزِيعِ الخَدَمَاتِ وَالمَشَارِيعِ دُونَ مُحَابَاةٍ لِقَرِيبٍ أَو ظُلمٍ لِبَعِيدٍ، وَأَن يَختَارَ لِلعَمَلِ أَكفَأَ النَّاسِ وَأَقدَرَهُم وَأَصدَقَهُم! فَإِذَا تَوَلَّى المَسؤُولُ مَنصِبَهُ، ثُمَّ قَدَّمَ مَصلَحَتَهُ الشَّخصِيَّةَ أَو مَصلَحَةَ عَشِيرَتِهِ وَحِزبِهِ عَلَى مَصلَحَةِ عَامَّةِ النَّاسِ، أَو تَرَكَ النَّصِيحَةَ لَهُم، أَو غَشَّهُم فِي جَودَةِ المَشَارِيعِ وَالطُّرُقَاتِ وَالأَبنِيَةِ وَالخَدَمَاتِ؛ فَلْيَسمَعْ هَذَا الوَعِيدَ النَّبَوِيَّ المُرعِبَ الَّذِي تَتَزَلزَلُ لَهُ الجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ! فَقَد رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ المَوتِ لِأَمِيرِ البَصرَةِ عُبَيدِ اللهِ بنِ زِيَادٍ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعتُهُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، لَو عَلِمتُ أَنَّ لِي حَيَاةً مَا حَدَّثتُكَ؛ إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَومَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ»! وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ: «مَا مِن وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُم، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ»، وَفِي لَفظٍ آخَرَ: «فَلَم يَحُطهَا بِنُصحِهِ، لَم يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ»! أَعُوذُ بِاللهِ مِن غَضَبِ اللهِ! تَأَمَّلُوا هَذَا النَّصَّ النَّبَوِيَّ يَا مَن تَتَنَافَسُونَ عَلَى المَسؤُولِيَّةِ: «مَا مِن عَبدٍ يَستَرعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً»؛ وَكَلِمَةُ «عَبدٍ» وَ«رَعِيَّةً» نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفيِ تَعُمُّ كُلَّ مَسؤُولٍ صَغُرَت دَائِرَةُ مَسؤُولِيَّتِهِ أَم كَبُرَت، فَتَشمَلُ رَئِيسَ البَلَدِيَّةِ وَعُضوَ المَجلِسِ البَلَدِيِّ وَالمُهَندِسَ وَالمُرَاقِبَ وَالمُوَظَّفَ! فَمَن استَرعَاهُ اللهُ عَلَى مَصَالِحِ أَهلِ بَلدَتِهِ «فَلَم يَحُطهَا بِنُصحِهِ»، بَل أَهمَلَ وَقَصَّرَ وَخَدَعَ النَّاسَ بِالشِّعَارَاتِ، وَتَوَاطَأَ مَعَ المُقَاوِلِينَ الفَاسِدِينَ عَلَى غِشِّ المَوَادِّ وَالمَشَارِيعِ؛ فَإِنَّهُ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، مُتَوَعَّدٌ بِحِرمَانِ الجَنَّةِ! وَلَيسَ هَذَا فَحَسبُ؛ بَل إِنَّ مَن وَلِيَ شَيئًا مِن أُمُورِ النَّاسِ فِي البَلَدِيَّاتِ وَالدَّوَائِرِ العَامَّةِ فَضَيَّقَ عَلَى المُوَاطِنِينَ، وَعَقَّدَ مُعَامَلَاتِهِم، وَأَغلَقَ بَابَهُ دُونَ حَاجَاتِهِم، فَقَد تَعَرَّضَ لِدَعوَةٍ نَبَوِيَّةٍ مُستَجَابَةٍ دَعَا بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَقَد رَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دَعَا فِي بَيتِهَا فَقَال: «اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم فَاشقُقْ عَلَيهِ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ أُمَّتِي شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم فَارفُقْ بِهِ»! وَأَمَّا القَضِيَّةُ الثَّالِثَةُ - يَا عِبَادَ اللهِ - فَهِيَ الجُرحُ النَّازِفُ وَالطَّامَّةُ الكُبرَى: «خُطُورَةُ سَرِقَةِ المَالِ العَامِّ وَالغُلُولِ مِنهُ»: إِنَّ مِن أَعظَمِ مَا ابتُلِيَت بِهِ الأُمَّةُ فِي عُصُورِ التَّرَاجُعِ الإِيمَانِيِّ: التَّسَاهُلَ فِي المَالِ العَامِّ! تَرَى الرَّجُلَ يَتَوَرَّعُ عَن أَن يَسرِقَ دِرهَمًا مِن جَيبِ جَارِهِ لِأَنَّهُ يَعرِفُ صَاحِبَهُ وَيَخشَى فَضِيحَتَهُ، لَكِنَّهُ إِذَا وُضِعَت يَدُهُ عَلَى مِيزَانِيَّةِ البَلَدِيَّةِ أَو أَموَالِ المَشَارِيعِ العَامَّةِ أَو أَرَاضِي الدَّولَةِ وَالأَوقَافِ، استَحلَّهَا وَتَخَوَّضَ فِيهَا بِغَيرِ حَقٍّ، وَظَنَّ أَنَّ «مَالَ الدَّولَةِ أَوِ البَلَدِيَّةِ مَالٌ سَائِبٌ لَا صَاحِبَ لَهُ»! أَلَا فَلْيَعلَمْ كُلُّ مَن تُسَوِّلُ لَهُ نَفسُهُ ذَلِكَ: أَنَّ سَرِقَةَ المَالِ العَامِّ أَعظَمُ إِثمًا وَأَشَدُّ جُرمًا وَأَعسَرُ تَوبَةً عِندَ اللهِ مِن سَرِقَةِ المَالِ الخَاصِّ بِآلَافِ المَرَّاتِ! لِمَاذَا؟ لِأَنَّكَ إِذَا سَرَقتَ مَالَ شَخصٍ وَاحِدٍ ثُمَّ أَرَدتَ التَّوبَةَ، أَمكَنَكَ أَن تَذهَبَ إِلَيهِ فَتَرُدَّ إِلَيهِ مَالَهُ وَتَطلُبَ مِنهُ السَّمَاحَ؛ أَمَّا المَالُ العَامُّ فِي البَلَدِيَّةِ وَالدَّولَةِ فَهُوَ مِلكٌ لِعُمُومِ الأَهَالِي وَالمُسلِمِينَ: فِيهِ حَقُّ الفَقِيرِ المَعدَمِ، وَالأَرمَلَةِ المِسكِينَةِ، وَاليَتِيمِ الضَّعِيفِ، وَالمَرِيضِ العَاجِزِ، وَالشَّيخِ الفَانِي، وَالطِّفلِ الرَّضِيعِ! فَمَن سَرَقَ مِن مَالِ البَلَدِيَّةِ دِرهَمًا وَاحِدًا، أَو أَخَذَ عُمُولَةً مُحَرَّمَةً وَرِشوَةً مِن مُقَاوِلٍ، أَو ضَخَّمَ الفَوَاتِيرَ وَالمُنَاقَصَاتِ، أَو استَعمَلَ سَيَّارَاتِ البَلَدِيَّةِ وَآلِيَّاتِهَا وَوَقُودَهَا وَعُمَّالَهَا فِي مَزرَعَتِهِ الخَاصَّةِ وَبَيتِهِ الخَاصِّ؛ فَقَد سَرَقَ مِن آلافِ النَّاسِ دَفعَةً وَاحِدَةً! فَمِن أَينَ سَيَأتِي بِكُلِّ هَؤُلَاءِ الخُصُومِ يَومَ القِيَامَةِ لِيَستَسمِحَهُم وَهُوَ وَاقِفٌ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ؟! اِسمَعُوا إِلَى قَولِ اللهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ وَهُوَ يُصَوِّرُ فَضِيحَةَ الغَالِّ الخَائِنِ الَّذِي يَأخُذُ مِنَ المَالِ العَامِّ خِفيَةً: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ۝ ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن خَولَةَ الأَنصَارِيَّةِ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، قَالَت: سَمِعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ»! تَأَمَّلُوا دِقَّةَ التَّعبِيرِ النَّبَوِيِّ: «يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهِ بِغَيرِ حَقٍّ»! أَي يَتَصَرَّفُونَ فِي المَالِ العَامِّ كَمَا يَخُوضُ الخَائِضُ فِي المَاءِ بِلَا حِسَابٍ وَلَا رَقِيبٍ، يُعطُونَ مَن يَشَاؤُونَ، وَيَحرِمُونَ مَن يَشَاؤُونَ، وَيُقَسِّمُونَ الغَنَائِمَ وَالمَشَارِيعَ وَالعُقُودَ عَلَى أَصهارِهِم وَأَعوَانِهِم؛ فَمَا جَزَاؤُهُم؟ «فَلَهُمُ النَّارُ يَومَ القِيَامَةِ»! وَمِن أَخطَرِ صُوَرِ سَرِقَةِ المَالِ العَامِّ الَّتِي يَتَحَايَلُ بِهَا بَعضُ الفَاسِدِينَ فِي البَلَدِيَّاتِ وَالمَصَالِحِ الحُكُومِيَّةِ: أَن يَأخُذَ المَسؤُولُ رِشوَةً أَو عُمُولَةً مِن أَصحَابِ المَشَارِيعِ وَالمُقَاوَلَاتِ وَالتَّرَاخِيصِ، ثُمَّ يُسَمِّيَهَا «هَدِيَّةً أَو إِكرَامِيَّةً أَو أَتعَابًا»! وَقَد حَسَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا البَابَ حَسمًا قَاطِعًا فِي القِصَّةِ المَشهُورَةِ الَّتِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حِينَ استَعمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا عَلَى جَمعِ الصَّدَقَاتِ يُقَالُ لَهُ ابنُ اللُّتبِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَال: «هَذَا لَكُم، وَهَذَا أُهدِيَ لِي»! فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَامَ عَلَى المِنبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثنَى عَلَيهِ ثُمَّ قَال: «مَا بَالُ العَامِلِ نَبعَثُهُ فَيَأتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي؟! فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنظُرَ أَيُهدَى لَهُ أَم لَا؟! وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يَأتِي بِشَيءٍ إِلَّا جَاءَ بِهِ يَومَ القِيَامَةِ يَحمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِن كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَو بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَو شَاةً تَيعَرُ»! ثُمَّ رَفَعَ يَدَيهِ حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبطَيهِ وَقَال: «أَلَا هَل بَلَّغتُ؟» ثَلَاثًا! وَاسْمَعُوا يَا عِبَادَ اللهِ إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَخدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَيُجَاهِدُ مَعَهُ، فَأَصَابَهُ سَهمٌ يَومَ خَيبَرَ فَقُتِلَ؛ فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَل وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّملَةَ الَّتِي أَصَابَهَا يَومَ خَيبَرَ مِنَ المَغَانِمِ لَم تُصِبهَا المَقَاسِمُ لَتَشتَعِلُ عَلَيهِ نَارًا فِي قَبرِهِ»! عَبَاءَةٌ وَاحِدَةٌ أَخَذَهَا مِنَ المَالِ العَامِّ قَبلَ القِسمَةِ، لَم تَشفَعْ لَهُ مَعَهَا صُحبَتُهُ وَلَا جِهَادُهُ، فَاشتَعَلَت عَلَيهِ نَارًا فِي قَبرِهِ؛ فَكَيَفَ بِمَن يَسرِقُ المَلَايِينَ مِن مِيزَانِيَّاتِ البَلَدِيَّاتِ وَمَشَارِيعِ الطُّرُقِ وَالكَهرَبَاءِ وَالمِيَاهِ وَإِغَاثَةِ الفُقَرَاءِ؟! تَذَكَّرُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - وَرَعَ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ، حِينَ كَانَ يَجلِسُ فِي اللَّيلِ لِيَنظُرَ فِي مَصَالِحِ المُسلِمِينَ وَبَينَ يَدَيهِ سِرَاجٌ يُوقَدُ مِن زَيتِ بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ (المَالِ العَامِّ)؛ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيهِ رَجُلٌ فَأَرَادَ أَن يَسأَلَهُ عَن حَالِهِ الخَاصَّةِ وَأَهلِ بَيتِهِ، أَطفَأَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ سِرَاجَ بَيتِ المَالِ، وَأَشعَلَ سِرَاجًا آخَرَ مِن مَالِهِ الخَاصِّ، وَقَال: «كُنَّا نَتَحَدَّثُ فِي شُؤُونِ المُسلِمِينَ عَلَى زَيتِ بَيتِ مَالِهِم، فَلَمَّا صِرنَا إِلَى شَأنِنَا الخَاصِّ أَطفَأنَا سِرَاجَ المُسلِمِينَ»! هَكَذَا كَانَ الرِّجَالُ الأُمَنَاءُ يَخَافُونَ اللهَ فِي قَطرَةِ زَيتٍ مِنَ المَالِ العَامِّ! باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَعلَمُ السِّرَّ وَأَخفَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَئِمَّةِ العَدلِ وَالتُّقَى. أَمَّا بَعدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، إِذَا عَلِمنَا خُطُورَةَ المَسؤُولِيَّةِ، وَشَنَاعَةَ غِشِّ الرَّعِيَّةِ، وَحُرمَةَ المَالِ العَامِّ؛ فَإِنَّنَا نَصِلُ إِلَى القَضِيَّةِ الرَّابِعَةِ وَالعَمَلِيَّةِ: «مَاذَا يَجِبُ عَلَينَا جَمِيعًا - مُرَشَّحِينَ وَنَاخِبِينَ - فِي انتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ؟». أَوَّلًا: رِسَالَةٌ صَادِقَةٌ إِلَى كُلِّ مَن يُقَدِّمُ نَفسَهُ مُرَشَّحًا لِرِئَاسَةِ أَو عُضوِيَّةِ البَلَدِيَّةِ: اِعلَمْ يَا أَخِي أَنَّكَ تُقبِلُ عَلَى امْتِحَانٍ عَسِيرٍ فِي دِينِكَ وَآخِرَتِكَ قَبلَ دُنيَاكَ! فَفَتِّشْ فِي قَلبِكَ وَنِيَّتِكَ قَبلَ أَن تَخطُوَ خُطوَةً وَاحِدَةً: إِن كُنتَ تَعلَمُ مِن نَفسِكَ ضَعفًا عَنِ القِيَامِ بِالأَمَانَةِ، أَو طَمَعًا فِي مَالٍ حَرَامٍ، أَو عَجزًا عَن مُوَاجَهَةِ الفَسَادِ، فَاتَّقِ اللهَ وَانجُ بِنَفسِكَ وَدِينِكَ، وَاسْمَعْ لِوَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثنَينِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»! وَأَمَّا إِن كُنتَ تَأْنَسُ فِي نَفسِكَ القُوَّةَ وَالكَفَاءَةَ وَالأَمَانَةَ، وَقَصَدتَ بِتَرَشُّحِكَ إِصلَاحَ بَلدَتِكَ، وَخِدمَةَ أَهلِكَ، وَقَطعَ الطَّرِيقِ عَلَى المَفسِدِينَ وَالسَّارِقِينَ؛ فَاتَّقِ اللهَ فِي حَملَتِكَ وَوُعُودِكَ! إِيَّاكَ وَالوُعُودَ الكَاذِبَةَ الَّتِي تَخدَعُ بِهَا البُسَطَاءَ لِتَحصُلَ عَلَى أَصوَاتِهِم ثُمَّ تُغلِقَ هَاتِفَكَ وَبَابَكَ بَعدَ الفَوزِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. وَإِيَّاكَ وَالتَّحَزُّبَ العَائِلِيَّ أَوِ القَبَلِيَّ أَوِ المَنَاطِقِيَّ؛ فَلَيسَتِ البَلَدِيَّةُ غَنِيمَةً لِعَائِلَةِ الفَائِزِ، بَل هِيَ أَمَانَةٌ لِخِدمَةِ كُلِّ سَاكِنٍ فِي البَلدَةِ بِالعَدلِ وَالقِسطِ! ثَانِيًا: رِسَالَةٌ حَاسِمَةٌ إِلَى كُلِّ نَاخِبٍ وَمُصَوِّتٍ يَذهَبُ لِوَضعِ صَوتِهِ فِي صُندُوقِ الِانتِخَابِ: إِيَّاكَ أَن تَظُنَّ أَنَّ صَوتَكَ وَرَقَةٌ عَادِيَّةٌ لَا حِسَابَ عَلَيهَا! بَل صَوتُكَ هُوَ «شَهَادَةٌ وَتَزكِيَةٌ وَتَوكِيلٌ» تَشهَدُ بِهَا أَمَامَ اللهِ أَنَّ هَذَا الشَّخصَ هُوَ الأَكفَأُ وَالأَصلَحُ وَالأَمِينُ عَلَى مَصَالِحِ البَلدَةِ وَأَموَالِهَا! وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الزُّخرُفِ عَن كُلِّ شَهَادَةٍ يَشهَدُهَا الإِنسَانُ فِي الدُّنيَا: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾! فَمَا هُوَ المِعيَارُ القُرآنِيُّ الَّذِي تَختَارُ عَلَى أَسَاسِهِ؟ لَقَد لَخَّصَهُ القُرآنُ الكَرِيمُ فِي كَلِمَتَينِ اثنَتَينِ عَلَى لِسَانِ ابنَةِ شُعَيبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ فِي سُورَةِ القَصَصِ: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. نَعَم يَا عِبَادَ اللهِ: «القَوِيُّ» أَي صَاحِبُ الكَفَاءَةِ وَالعِلمِ وَالخِبرَةِ وَالإِدَارَةِ النَّاجِحَةِ، وَ«الأَمِينُ» أَي صَاحِبُ الدِّينِ وَالتَّقوَى وَالنَّزَاهَةِ وَاليَدِ النَّظِيفَةِ الَّذِي يَخَافُ اللهَ فِي المَالِ العَامِّ وَحُقُوقِ العِبَادِ! فَمَن أَعطَى صَوتَهُ لِشَخصٍ يَعلَمُ أَنَّهُ فَاسِدٌ، أَو سَارِقٌ لِلمَالِ العَامِّ، أَو عَاجِزٌ ضَعِيفٌ لَا يَصلُحُ لِلإِدَارَةِ، وَتَرَكَ الكُفءَ الأَمِينَ الصَّالِحَ، مُجَامَلَةً لِلقَرَابَةِ وَالعَشِيرَةِ، أَو تَعَصُّبًا لِلعَائِلَةِ، أَو طَمَعًا فِي مَنفَعَةٍ خَاصَّةٍ أَو مَالٍ حَرَامٍ (شِرَاءِ الأَصوَاتِ وَالرِّشوَةِ الِانتِخَابِيَّةِ)؛ فَقَد خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَخَانَ أَهلَ بَلدَتِهِ، وَهُوَ شَرِيكٌ فِي وِزرِ كُلِّ فَسَادٍ وَتَقصِيرٍ وَسَرِقَةٍ يَرتَكِبُهَا ذَلِكَ المُرَشَّحُ طَوَالَ مُدَّةِ وِلَايَتِهِ! فَقَد رَوَى الحَاكِمُ فِي المُستَدرَكِ وَالبَيهَقِيُّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَنِ استَعمَلَ رَجُلًا مِن عِصَابَةٍ وَفِي تِلكَ العِصَابَةِ مَن هُوَ أَرضَى للهِ مِنهُ، فَقَد خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالمُؤمِنِينَ». وَقَد لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِيَ وَالمُرتَشِيَ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ؛ فَمَن بَاعَ صَوتَهُ وَذِمَّتَهُ بِدَرَاهِمَ مَعدُودَةٍ أَو وَعدٍ بِوَظِيفَةٍ بِغَيرِ حَقٍّ، فَقَد بَاعَ دِينَهُ وَأَمَانَتَهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ! وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ حِينَ قَالَ مُحَذِّرًا مِن تَضيِيعِ الأَمَانَةِ وَتَولِيَةِ غَيرِ الأُمَنَاءِ: إِذَا ضُيِّعَتْ فِينَا الأَمَانَةُ وَارتَقَى ... إِلَى سُدَّةِ الأَمرِ الخَؤُونُ المُخَادِعُ فَلَا تَسأَلَنْ عَن بَلدَةٍ كَيفَ أَجدَبَتْ ... وَقَد بِيضَتْ بِالغِشِّ فِيهَا المَطَامِعُ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: إِيَّاكُم - يَا عِبَادَ اللهِ - أَن تَجعَلُوا انتِخَابَاتِ البَلَدِيَّةِ سَبَبًا لِقَطِيعَةِ الأَرحَامِ، وَالشَّحنَاءِ بَينَ الجِيرَانِ، وَالتَّنَابُزِ بِالأَلقَابِ، وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالبُهتَانِ فِي المَجَالِسِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ! فَالِانتِخَابَاتُ أَيَّامٌ وَتَنقَضِي، وَتَبقَى الأُخُوَّةُ الإِيمَانِيَّةُ، وَتَبقَى الجِيرَةُ وَالرَّحِمُ، وَتَبقَى صَحَائِفُ الأَعمَالِ الَّتِي لَا تُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحصَاهَا! فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَمَانَاتِكُم، وَانصَحُوا لِأَهلِ بَلدَتِكُم، وَصُونُوا المَالَ العَامَّ صِيَانَتَكُم لِأَعنَاقِكُم مِنَ النَّارِ، وَاخْتَارُوا القَوِيَّ الأَمِينَ الَّذِي يَخَافُ اللهَ وَيَرعَى حُقُوقَ العِبَادِ. أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالأَمَانَةِ، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين. اللَّهُمَّ وَلِّ أُمُورَنَا خِيَارَنَا، وَلَا تُوَلِّ أُمُورَنَا شِرَارَنَا، اللَّهُمَّ مَن وَلِيَ مِن أَمرِ المُسلِمِينَ شَيئًا فَرَفَقَ بِهِم وَنَصَحَ لَهُم وَحَفِظَ أَمَانَتَهُم فَارفُقْ بِهِ وَأَعِنهُ وَسَدِّدهُ، وَمَن وَلِيَ مِن أَمرِ المُسلِمِينَ شَيئًا فَشَقَّ عَلَيهِم وَغَشَّهُم وَخَانَ أَمَانَتَهُم فَاشقُقْ عَلَيهِ وَاكفِ المُسلِمِينَ شَرَّهُ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ احفَظْ بِلَادَنَا وَبَلدَاتِنَا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِينَ مِنَ الفَسَادِ وَالمُفسِدِينَ، وَارزُقنَا الأَمنَ وَالإِيمَانَ وَالصِّدقَ وَالأَمَانَةَ، وَاجعَلنَا مَفَاتِيحَ لِلخَيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَأَلِّفْ بَينَ قُلُوبِنَا وَأَصلِحْ ذَاتَ بَينِنَا يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.