من مكتبة مِداد الخطيب

خَطَرُ النِّفَاقِ وَصِفَاتُ المُنَافِقِينَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُزَلزِلَةٌ عَنِ النِّفَاقِ الِاعتِقَادِيِّ وَالعَمَلِيِّ وَسَبعَ عَشرَةَ خَصلَةً مِن خِصَالِ المُنَافِقِينَ

مشاركة
خَطَرُ النِّفَاقِ وَصِفَاتُ المُنَافِقِينَ فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ مُزَلزِلَةٌ عَنِ النِّفَاقِ الِاعتِقَادِيِّ وَالعَمَلِيِّ وَسَبعَ عَشرَةَ خَصلَةً مِن خِصَالِ المُنَافِقِينَ الحَمدُ للهِ عَلَّامِ الغُيُوب، وَكَاشِفِ السَّرَائِرِ وَمُقَلِّبِ القُلُوب، المَلِكِ الحَقِّ العَلِيمِ الخَبِيرِ الَّذِي لَا تَخفَى عَلَيهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ، وَيُمَيِّزُ الصَّادِقَ المُخلِصَ مِنَ المُنَافِقِ المَغرُور، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الخَائِفِينَ مِن دَسَائِسِ النُّفُوسِ وَآفَاتِ القُلُوب، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ التَّائِبِينَ الفَارِّينَ إِلَيهِ مِن أَوضَارِ المعَاصِي وَالذُّنُوب، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَضَحَ المُنَافِقِينَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ، وَهَتَكَ أَستَارَهُم وَكَشَفَ عَوَارَهُم، وَتَوَعَّدَهُم بِأَشدِّ العَذَابِ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ السَّعِيرِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ وَقَولُهُ الحَقُّ المُبِين: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي جَاهَدَ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ بِالحُجَّةِ وَالبَيَانِ وَالسِّنان، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِن خِصَالِ النِّفَاقِ الأَكبَرِ وَالأَصغَرِ أَشدَّ الحَذَرِ لِيَسلَمَ لَهَا الإِيمَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ كَانُوا أَنقَى النَّاسِ قُلُوبًا وَأَشدَّهُم خَوفًا مِنَ النِّفَاقِ عَلَى أَنفُسِهِم بِاللَّيلِ وَالنَّهَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ القَرَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي السِّرِّ وَالعَلَن، وَإِصلَاحِ السَّرَائِرِ قَبلَ الظَّوَاهِر؛ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَنظُرُ إِلَى صُوَرِكُم وَأَموَالِكُم، وَلَكِن يَنظُرُ إِلَى قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم، وَإِنَّهُ لَا يَنجُو يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ إِلَّا مَن أَتَى اللهَ بِقَلبٍ سَلِيمٍ طَاهِرٍ مِنَ الشِّركِ وَالنِّفَاقِ وَالرِّيَاءِ وَالغِلِّ وَالخِدَاع؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إِبرَاهِيمَ عَلَيهِ السَّلَامُ: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ۝ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ أَخطَرَ دَاءٍ عَرَفَتهُ البَشَرِيَّةُ مُنذُ أَن بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى أَن تَقُومَ السَّاعَةُ، وَأَفتَكَ سُمٍّ يَنخَرُ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ مِن دَاخِلِهَا، وَيَهدِمُ بُنيَانَ الإِيمَانِ فِي القُلُوبِ دُونَ أَن يَشعُرَ صَاحِبُهُ: هُوَ «دَاءُ النِّفَاقِ»! هَل سَأَلتُم أَنفُسَكُم يَومًا - يَا عِبَادَ اللهِ -: لِمَاذَا افتَتَحَ اللهُ سُورَةَ البَقَرَةِ بِأَربَعِ آيَاتٍ فَقَط فِي وَصفِ المُؤمِنِينَ، وَآيَتَينِ اثنَتَينِ فِي وَصفِ الكَافِرِينَ الصُّرَحَاءِ، ثُمَّ أَفرَدَ ثَلَاثَ عَشرَةَ آيَةً كَامِلَةً مُتَتَالِيَةً فِي تَشرِيحِ نَفسيَّاتِ المُنَافِقِينَ وَفَضحِ أَحوَالِهِم؟! وَلِمَاذَا سُمِّيَت سُورَةُ التَّوبَةِ فِي عَهدِ الصَّحَابَةِ «الفَاضِحَةَ» وَ«المُبعثِرَةَ» وَ«المُقَشقِشَةَ»؛ حَتَّى قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «مَا زَالَت تَنزِلُ: وَمِنهُم وَمِنهُم، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَن تُبقِيَ أَحَدًا مِنهُم إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا»؟! إِنَّ الجَوَابَ يَا عِبَادَ اللهِ هُوَ أَنَّ الكَافِرَ الصَّرِيحَ عَدُوٌّ ظَاهِرٌ مَعرُوفٌ يَحذَرُهُ المُسلِمُونَ؛ أَمَّا المُنَافِقُ فَهُوَ خِنجَرٌ مَسمُومٌ فِي الظَّهرِ، يَلبَسُ ثَوبَ الصَّدِيقِ وَفِي صَدرِهِ قَلبُ العَدُوِّ، وَأَمَّا خِصَالُ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ فَهِيَ حَبَائِلُ شَيطَانِيَّةٌ دَقِيقَةٌ قَد تَتَسَلَّلُ إِلَى قَلبِ المُسلِمِ وَهُوَ يُصَلِّي وَيَصُومُ فَتَستَدرِجُهُ شَيئًا فَشَيئًا إِلَى الهَلَاكِ! وَلِهَذَا فَقَد جَمَعَ الوَحيَانِ الشَّرِيفَانِ - الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ - صِفَاتِ النِّفَاقِ بِقِسمَيهِ الِاعتِقَادِيِّ وَالعَمَلِيِّ فِي مَعَالِمَ بَيِّنَةٍ وَاضِحَةٍ؛ فَتَعَالَوا نَعرِضْ قُلُوبَنَا وَأَعمَالَنَا اليَومَ عَلَى «سَبعَ عَشرَةَ صِفَةً وَخَصلَةً مِن خِصَالِ النِّفَاقِ» حَذَّرَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ مِنهَا، لِنَطهُرَ مِنهَا وَنَفِرَّ إِلَى اللهِ فِرَارَ الخَائِفِ المُشفِقِ عَلَى دِينِهِ وَإِيمَانِه! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أَصلَ النِّفَاقِ وَأَخبَثَ صُوَرِهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثِ رَكَائِزَ مُظلِمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِأَصلِ البَاطِنِ وَالسَّرِيرَةِ: فَالخصْلَةُ الأُولَى وَالرَّأسُ الأَكبَرُ: «إِبطَانُ الكُفرِ وَإِظهَارُ الإِيمَانِ»: وَهُوَ النِّفَاقُ الِاعتِقَادِيُّ الأَكبَرُ الَّذِي يَجعَلُ صَاحِبَهُ أَشدَّ جُرمًا مِنَ الكَافِرِ المُعلِنِ؛ فَهُوَ يَنطِقُ بِلِسَانِهِ بِكَلِمَةِ الإِيمَانِ تَقِيَّةً وَطَمَعًا فِي الدُّنيَا أَو كَيدًا لِلمُسلِمِينَ، وَقَلبُهُ مُنطَوٍ عَلَى التَّكذِيبِ وَالكُفرِ وَالبُغضِ لِمَا أَنزَلَ اللهُ؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مَطلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وَشَهِدَ اللهُ عَلَى كَذِبِهِم فِي مَطلَعِ سُورَةِ المُنَافِقُونَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾! وَحَكَمَ عَلَيهِم بِأَحَطِّ مَنَازِلِ الجَحِيمِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾؛ قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «فِي تَوَابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُبهَمَةٍ عَلَيهِم فِي أَسفَلِ قَعرِ جَهَنَّمَ، لَا يَدخُلُ عَلَيهِم رَوحٌ أَبَدًا»! وَالخَصلَةُ الثَّانِيَةُ: «إِظهَارُ خِلَافِ البَاطِنِ»: فَالمُنَافِقُ إِنسَانٌ مَسخٌ مُنشَطِرُ الشَّخصِيَّةِ؛ ظَاهِرُهُ غَيرُ بَاطِنِهِ، وَعَلَانِيَتُهُ نَقِيضُ سَرِيرَتِهِ، وَلِسَانُهُ عَسَلٌ مَعسُولٌ وَقَلبُهُ سُمٌّ مَقتُول! يُعطِيكَ مِن طَرَفِ اللِّسَانِ حَلَاوَةً وَيَروغُ مِنكَ كَمَا يَروغُ الثَّعلَبُ؛ وَقَد صَوَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذَا التَّنَاقُضَ المُخِيفَ بَينَ زُخرُفِ الظَّاهِرِ وَخَرَابِ البَاطِنِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾! وَوَصَفَهُم فِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ بِأَنَّهُم أَجسَادٌ فَخمَةٌ وَأَلسِنَةٌ فَصِيحَةٌ لَكِن بِلَا رُوحٍ وَلَا إِيمَانٍ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾! وَقَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَحِمَهُمُ اللهُ: «النِّفَاقُ هُوَ اختلافُ السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وَالظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَالمَدخَلِ وَالمَخرَج»! وَالخَصلَةُ الثَّالِثَةُ: «الخِدَاعُ وَالمَكرُ»: فَالمُنَافِقُ يَظُنُّ بِسَفَهِ عَقلِهِ وَعَمَى بَصِيرَتِهِ أَنَّهُ بِحِيَلِهِ وَأَقنِعَتِهِ يَخدَعُ اللهَ وَيَخدَعُ عِبَادَهُ المُؤمِنِينَ؛ وَمَا عَلِمَ المِسكِينُ أَنَّ مَكرَهُ يَرتَدُّ إِلَى نَحرِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَخدَعُ نَفسَهُ وَيَسُوقُهَا إِلَى حَتفِهَا؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ۝ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾! وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾! أَتَدرُونَ كَيفَ يَخدَعُهُمُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ جَزَاءً وِفَاقًا لِخِدَاعِهِم فِي الدُّنيَا؟ فِي الدُّنيَا عَامَلَهُم بِظَوَاهِرِهِم فَحُقِنَت دِمَاؤُهُم وَأَموَالُهُم، حَتَّى إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ أُعطُوا نُورًا ظَاهِرًا يَمشُونَ بِهِ مَعَ المُؤمِنِينَ عَلَى الصِّرَاطِ، فَبَينَمَا هُم كَذَلِكَ إِذْ أُطفِئَ نُورُهُم فَجأَةً فَبَقُوا فِي ظُلمَةٍ دَامِسَةٍ، وَضُرِبَ بَينَهُم وَبَينَ المُؤمِنِينَ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذَابُ، يُنَادُونَ المُؤمِنِينَ كَمَا فِي سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾! ثُمَّ تَأَمَّلُوا - يَا عِبَادَ اللهِ - أَربَعَ خِصَالٍ أُخرَى مِن خِصَالِ النِّفَاقِ تَتَعَلَّقُ بِالمَوقِفِ مِنَ الحَقِّ وَالدِّينِ وَالمُجتَمَع: فَالخَصلَةُ الرَّابِعَةُ: «التَّذَبذُبُ وَالتَّلَوُّنُ»: فَالمُنَافِقُ لَا مَبدَأَ لَهُ وَلَا ثَبَاتَ؛ يَدُورُ مَعَ مَصلَحَتِهِ وَطَمَعِهِ حَيثُ دَارَت؛ إِن رَأَى الغَلَبَةَ وَالعِزَّةَ لِأَهلِ الإِيمَانِ قَالَ: أَنَا مَعَكُم! وَإِن رَأَى الدَّولَةَ وَالصَّولَةَ لِأَعدَاءِ الدِّينِ هَرولَ إِلَيهِم وَقَالَ: إِنَّمَا كُنَّا مَعَكُم نَسخَرُ مِنَ المُؤمِنِين! وَإِن أُعطِيَ مِنَ المَالِ وَالمَنَاصِبِ رَضِيَ، وَإِن لَم يُعطَ سَخِطَ وَطعَنَ! قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي وَصفِ تَذَبذُبِهِم فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾! وَشَبَّهَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَشبِيهًا بَلِيغًا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرَةِ بَينَ الغَنَمَينِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً؛ لَا تَدرِي أَيَّتَهُمَا تَتبَعُ»! وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الوَجهَينِ، الَّذِي يَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ، وَيَأتِي هَؤُلَاءِ بِوَجهٍ»! وَالخَصلَةُ الخَامِسَةُ: «الِاستِهزَاءُ بِالدِّينِ وَالسُّخرِيَةُ بِشَعَائِرِهِ وَحَمَلَتِهِ»: فَمِن أَظهَرِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا: الغَمزُ وَاللَّمزُ وَالسُّخرِيَةُ بِآيَاتِ اللهِ، أَو بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، أَو بِأَحكَامِ الشَّرِيعَةِ وَالحِجَابِ وَالعَفَافِ، أَو بِالعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، ثُمَّ الِاعتِذَارُ الكَاذِبُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِزَاحٌ وَفُكَاهَةٌ وَتَرفِيه! تَذَكَّرُوا مَا نَزَلَ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ استَهزَؤُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابِهِ القُرَّاءِ فِي غَزوَةِ تَبُوكَ، فَأَنزَلَ اللهُ فِيهِم حُكمًا قَاطِعًا فِي سُورَةِ التَّوبَةِ يُتلَى إِلَى يَومِ القِيَامَةِ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ۝ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾! فَوَيلٌ لِكُلِّ لِسَانٍ أَو قَلَمٍ يَطلُبُ إِضحَاكَ النَّاسِ بِالسُّخرِيَةِ مِن شَيءٍ مِن دِينِ اللهِ رَبِّ العَالَمِين! وَالخَصلَةُ السَّادِسَةُ: «الإِفسَادُ فِي الأَرضِ تَحتَ شِعَارِ الإِصلَاحِ»: فَالمُنَافِقُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ يُفسِدُونَ العَقَائِدَ بِالشُّبُهَاتِ، وَيُفسِدُونَ الأَخلَاقَ وَالأُسَرَ بِالشَّهَوَاتِ، وَيُمَزِّقُونَ وَحدَةَ المُؤمِنِينَ بِالفِتَنِ وَالإِرجَافِ، فإذا قِيلَ لَهُم: اتَّقُوا اللهَ وَلَا تُفسِدُوا فِي الأَرضِ! ادَّعَوا أَنَّهُم دُعَاةُ الإِصلَاحِ وَالتَّنويرِ وَالتَّقَدُّم؛ فَرَدَّ اللهُ دَعوَاهُم فِي سُورَةِ البَقَرَةِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ۝ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾! وَالخَصلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالتَّاسِعَةُ: «الأَمرُ بِالمُنكَرِ»، وَ«النَّهيُ عَنِ المَعرُوفِ»، وَ«البُخلُ وَقَبضُ اليَدِ عَنِ الخَيرِ»: وَقَد جَمَعَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الخِصَالَ الثَّلَاثَ القَبِيحَةَ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ مِن سُورَةِ التَّوبَةِ تَصِفُ مَنهَجَ المُنَافِقِينَ فِي قَلبِ المَوَازِينِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾! فَهُم «يَأمُرُونَ بِالمُنكَرِ»: يُشِيعُونَ الفَوَاحِشَ، وَيُزَيِّنُونَ البَاطِلَ وَالتَّبَرُّجَ وَالرِّبَا وَالحَرَام! وَهُم «يَنهَونَ عَنِ المَعرُوفِ»: يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَى أَهلِ الطَّاعَةِ وَالعَفَافِ وَالِاستِقَامَة! وَهُم مَعَ ذَلِكَ أَهلُ «البُخلِ الشَّدِيدِ»: يَقبِضُونَ أَيدِيَهُم عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَإِغَاثَةِ المَلهُوفِينَ وَنُصرَةِ الدِّينِ، وَإِذَا أَنفَقُوا لَم يُنفِقُوا إِلَّا وَهُم كَارِهُونَ، وَيَلمِزُونَ المُتَصَدِّقِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ؛ وَقَد رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَجتَمِعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلبِ عَبدٍ أَبَدًا»! إِخوَةَ الإِيمَان: وَأَمَّا حَالُ المُنَافِقِ فِي مِحرَابِ العِبَادَةِ وَبَينَ يَدَيِ اللهِ، فَقَد لَخَّصَهُ اللهُ تَعَالَى فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ قَاصِمَةٍ جَمَعَتهَا آيَةٌ وَاحِدَةٌ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾! فَالخَصلَةُ العَاشِرَةُ: «الرِّيَاءُ وَطَلَبُ مَحمَدَةِ النَّاسِ»: فَالمُنَافِقُ لَا يَعمَلُ للهِ وَلَا يَبتَغِي الدَّارَ الآخِرَةَ، بَل عَينُهُ دَائِمًا عَلَى أَعيُنِ الخَلقِ؛ إِن كَانَ بَينَ النَّاسِ تَخَشَّعَ وَتَصَدَّقَ وَتَزَيَّنَ لِيُقَالَ: مَا أَتقَاهُ وَمَا أَكرَمَه! وَإِن خَلَا بِنَفسِهِ حَيثُ لَا يَرَاهُ إِلَّا اللهُ طَوَى صَحِيفَةَ الطَّاعَةِ وَانتَهَكَ الحُرُمَاتِ؛ وَلِذَلِكَ خَافَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الرِّيَاءَ عَلَى أُمَّتِهِ أَشدَّ الخَوفِ، فَقَالَ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن مَحمُودِ بنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّركُ الأَصغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ! يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعمَالِهِم: اِذهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنتُم تُرَاءُونَ فِي الدُّنيَا، فَانظُرُوا هَل تَجِدُونَ عِندَهُم جَزَاءً»! وَالخَصلَةُ الحَادِيَةَ عَشرَةَ: «الكَسَلُ عَنِ الصَّلَاةِ وَالتَّثَاقُلُ عَنِ الجَمَاعَاتِ»: لِأَنَّهُ لَا يَرجُو ثَوَابًا عِندَ اللهِ وَلَا يَخشَى عِقَابًا، تَرَاهُ إِذَا سَمِعَ نِدَاءَ الصَّلَاةِ كَأَنَّ الجِبَالَ قَد أُلقِيَت عَلَى كَاهِلِهِ؛ يَتَثَاقَلُ عَنِ الجَمَاعَةِ، وَيَنَامُ عَنِ الفَجرِ وَالعِشَاءِ، وَيُؤَخِّرُ العَصرَ حَتَّى تَصفَرَّ الشَّمسُ؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَثقَلَ صَلَاةٍ عَلَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ وَصَلَاةُ الفَجرِ»، وَرَوَى الإِمَامُ مُسلِمٌ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «تِلكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ: يَجلِسُ يَرقُبُ الشَّمسَ حَتَّى إِذَا كَانَت بَينَ قَرنَيِ الشَّيطَانِ قَامَ فَنَقَرَهَا أَربَعًا، لَا يَذكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»! وَالخَصلَةُ الثَّانِيَةَ عَشرَةَ: «قِلَّةُ ذِكرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»: فَقَلبُ المُنَافِقِ قَفرٌ يَبَابٌ مَقطُوعٌ عَنِ اللهِ؛ يَتَكَلَّمُ فِي أُمُورِ الدُّنيَا السَّاعَاتِ الطِّوَالَ بِلَا كَلَلٍ، فَإِذَا ذُكِرَ اللهُ أَو دُعِيَ إِلَى تَسبِيحٍ أَوِ استِغفَارٍ أَو تِلَاوَةِ قُرآنٍ يَبِسَ لِسَانُهُ وَضَاقَ صَدرُهُ؛ وَمِن هُنَا كَانَ الإِكثَارُ مِن ذِكرِ اللهِ هُوَ بَرَاءَةُ الأَمَانِ مِنَ النِّفَاقِ؛ قَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَالتَّابِعِيُّ كَعبُ الأَحبَارِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «مَن أَكثَرَ ذِكرَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بَرِئَ مِنَ النِّفَاقِ»؛ لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِي المُنَافِقِينَ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وَقَالَ فِي المُؤمِنِينَ الصَّادِقِينَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾! بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّدقَ وَالوَفَاءَ وَالأَمَانَةَ عُنوَانَ الإِيمَان، وَجَعَلَ الكَذِبَ وَالخِيَانَةَ وَالغَدرَ وَالفُجُورَ شِعَارَ أَهلِ النِّفَاقِ وَالخُسرَان، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِذَا كَانَ النِّفَاقُ الأَكبَرُ يُخرِجُ صَاحِبَهُ مِنَ المِلَّةِ بِإِبطَانِ الكُفرِ، فَإِنَّ هُنَاكَ نِفَاقًا عَمَلِيًّا سُلُوكِيًّا خَطِيرًا جِدًّا حَذَّرَ مِنهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ، وَحَصَرَ أَركَانَهُ فِي خَمسِ خِصَالٍ قَبِيحَةٍ (وَهِيَ الخِصَالُ مِنَ الثَّالِثَةَ عَشرَةَ إِلَى السَّابِعَةَ عَشرَةَ مِن خِصَالِ النِّفَاقِ)؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَربَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَن كَانَت فِيهِ خَصلَةٌ مِنهُنَّ كَانَت فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». وَأَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»، وَزَادَ مُسلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ جُملَةً تَهُزُّ القُلُوبَ وَتَنسِفُ الاغتِرَارَ: «وَإِن صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسلِمٌ»! فَتَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - هَذِهِ الخِصَالَ الخَمسَ الَّتِي يَستَهِينُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَعَامَلَاتِهِم اليَومِيَّةِ: فَالخَصلَةُ الثَّالِثَةَ عَشرَةَ: «الكَذِبُ فِي الحَدِيثِ» («إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ»): وَالكَذِبُ هُوَ أَسَاسُ النِّفَاقِ وَمَادَّتُهُ الأُولَى؛ قَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «بُنِيَ النِّفَاقُ عَلَى الكَذِبِ»! فَالَّذِي يَكذِبُ فِي بَيعِهِ وَشِرَائِهِ، وَيَكذِبُ فِي أَخبَارِهِ وَمَجَالِسِهِ، يَكتُبُهُ اللهُ كَذَّابًا وَيَهدِيهِ الكَذِبُ إِلَى الفُجُورِ وَالنَّار! وَالخَصلَةُ الرَّابِعَةَ عَشرَةَ: «إِخلَافُ الوَعدِ» («وَإِذَا وَعَدَ أَخلَفَ»): يَعِدُكَ بِالمَوعِدِ أَو بِقَضَاءِ الدَّينِ أَو بِإِنجَازِ العَمَلِ وَفِي نِيَّتِهِ أَلَّا يَفِيَ لَكَ، فَيُضَيِّعُ أَوقَاتَ النَّاسِ وَحُقُوقَهُم دُونَ عُذرٍ قَاهِرٍ وَلَا حَيَاءٍ مِنَ اللهِ! وَالخَصلَةُ الخَامِسَةَ عَشرَةَ: «خِيَانَةُ الأَمَانَةِ» («وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ»): يَخُونُ أَمَانَةَ المَالِ فَيَأكُلُهُ بِالبَاطِلِ، أَو يَخُونُ أَمَانَةَ الوَظِيفَةِ وَالعَمَلِ بِالغِشِّ وَالتَّقصِيرِ، أَو يَخُونُ أَمَانَةَ السِّرِّ وَالمَجَالِسِ وَالعِرضِ، وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنفَال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾! وَالخَصلَةُ السَّادِسَةَ عَشرَةَ: «الغَدرُ فِي العُهُودِ وَالمَوَاثِيقِ» («وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»): يُعَاهِدُ اللهَ أَو يُعَاهِدُ النَّاسَ فِي عُقُودِهِ وَزَوَاجِهِ وَشَرِكَاتِهِ، ثُمَّ يَنقُضُ العَهدَ وَيَغدِرُ مَتَى لَاحَت لَهُ مَطمَعَةٌ دُنيَوِيَّةٌ؛ وَقَد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يُنصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَومَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدرَةُ فُلَانٍ» فَضِيحَةً لَهُ عَلَى رُؤُوسِ الأَشهَاد! وَالخَصلَةُ السَّابِعَةَ عَشرَةَ: «الفُجُورُ فِي الخُصُومَةِ» («وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»): فَالمُؤمِنُ الكَرِيمُ إِذَا اختَلَفَ مَعَ زَوجَتِهِ أَو شَرِيكِهِ أَو جَارِهِ أَو صَدِيقِهِ، وَقَفَ عِندَ حُدُودِ اللهِ وَالعَدلِ وَحَفِظَ الوُدَّ القَدِيمَ؛ أَمَّا مَن فِي قَلبِهِ شُعبَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، فَإِنَّهُ عِندَ أَوَّلِ خِلَافٍ يَنفَجِرُ بِالبُهتَانِ وَالكَذِبِ، وَيَجحَدُ كُلَّ مَعرُوفٍ سَابِقٍ، وَيَفضَحُ الأَسرَارَ، وَيَحلِفُ الأَيمَانَ الفَاجِرَةَ لِيَأخُذَ مَا لَيسَ لَهُ بِحَقٍّ! عِبَادَ اللهِ: لَقَد كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ مَعَ عُلُوِّ مَنزِلَتِهِم وَسَابِقَتِهِم يَرتَعِدُونَ خَوفًا مِنَ النِّفَاقِ؛ قَالَ الإِمَامُ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: «أَدرَكتُ ثَلَاثِينَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفسِهِ، مَا مِنهُم أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبرِيلَ وَمِيكَائِيلَ»! وَكَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ - الَّذِي فَرَّ الشَّيطَانُ مِن طَرِيقِهِ وَبُشِّرَ بِالجَنَّةِ - يَأتِي إِلَى حُذَيفَةَ بنِ اليَمَانِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ صَاحِبِ سِرِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المُنَافِقِينَ فَيَقُولُ لَهُ بِانكِسَارٍ وَخَشيَةٍ: «أَنشُدُكَ اللهَ يَا حُذَيفَةُ، هَل سَمَّانِي لَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِنَ المُنَافِقِينَ؟» فَيَقُولُ حُذَيفَةُ: «لَا، وَلَا أُزَكِّي بَعدَكَ أَحَدًا»! وَقَالَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ كَلِمَتَهُ الفَاصِلَةَ: «وَاللهِ مَا خَافَهُ - أَيِ النِّفَاقَ - إِلَّا مُؤمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ»! فَفَتِّشُوا فِي قُلُوبِكُم وَأَعمَالِكُم عِبَادَ اللهِ، وَطَهِّرُوا سَرَائِرَكُم بِالتَّوبَةِ الصَّادِقَةِ وَالإِخلَاصِ للهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بَعدَ ذِكرِ المُنَافِقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ حَذَّرَ مِن دَاءِ النِّفَاقِ وَخَفَايَا الرِّيَاءِ: طَهِّرْ فُؤَادَكَ مِن غِشٍّ وَمِن دَخَنٍ ... فَاللَّهُ يَعلَمُ مَا فِي القَلبِ يَستَتِرُ مَا يَنفَعُ المَرءَ قَولٌ زَانَ ظَاهِرَهُ ... إِن كَانَ بَاطِنُهُ بِالإِفكِ يَعتَمِرُ فَاصدُقْ إِلَهَكَ فِي سِرٍّ وَفِي عَلَنٍ ... يَنجُو السَّلِيمُ إِذَا مَا حُصِّلَ الخَبَرُ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ طَهِّرْ قُلُوبَنَا مِنَ النِّفَاقِ، وَأَعمَالَنَا مِنَ الرِّيَاءِ، وَأَلسِنَتَنَا مِنَ الكَذِبِ، وَأَعيُنَنَا مِنَ الخِيَانَةِ؛ فَإِنَّكَ تَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُور. اللَّهُمَّ اجعَلْ سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَلْ عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الأَخلَاقِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الكَذِبِ وَالخِيَانَةِ وَالغَدرِ وَالفُجُورِ وَالبُخلِ وَالكَسَلِ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَاكفِ المُسلِمِينَ شَرَّ المُنَافِقِينَ وَالمُفسِدِينَ، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالمَيِّتِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.