خُطُورَةُ التَّحلِيلِ وَالتَّحرِيمِ بِالهَوَى وَالظَّنِّ فِي المَجَالِسِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ القَولِ عَلَى اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَجَرِيمَةِ عِبَارَةِ حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي وَوَرَعِ الصَّحَابَةِ
الحَمدُ للهِ الحَكَمِ العَدلِ العَلِيمِ الحَكِيم، الَّذِي تَفَرَّدَ بِالخَلقِ وَالأَمرِ وَالتَّشرِيعِ وَالتَّحلِيلِ وَالتَّحرِيم، وَأَنزَلَ الكِتَابَ بِالحَقِّ وَالمِيزَانِ لِيَسِيرَ العِبَادُ عَلَى الصِّرَاطِ المُستَقِيم، وَحَرَّمَ القَولَ عَلَيهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَجَعَلَهُ فِي أَعظَمِ مَرَاتِبِ الإِثمِ وَالتَّجرِيم، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ مَن وَقَفَ عِندَ حُدُودِهِ خَاشِعًا مُعَظِّمًا، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ مَن خَشِيَ زَلَّةَ اللِّسَانِ وَجرأَةَ الجِنَانِ فَتَابَ إِلَى رَبِّهِ مُسلِمًا، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الحُكمُ وَإِلَيهِ تُرجَعُونَ، قَطَعَ طَمَعَ الأَهوَاءِ وَالظُّنُونِ فِي دِينِهِ فَقَالَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ وَقَولُهُ الحَقُّ الَّذِي لَا يَعتَرِيهِ رَيبٌ وَلَا ظُنُون: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَحَذَّرَ أُمَّتَهُ مِنَ الفُتيَا بِغَيرِ عِلمٍ وَاتِّبَاعِ الهَوَى وَإِضلَالِ النَّاسِ بِالظَّنِّ الكَاذِبِ وَالهَوَى المَتبُوع، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِين، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ الَّذِينَ كَانُوا أَعظَمَ النَّاسِ عِلمًا وَأَشدَّهُم هَيبَةً وَخَوفًا مِنَ الفُتيَا وَالتَّوقِيعِ عَن رَبِّ العَالَمِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَعظِيمِ شَرعِهِ وَحُرُمَاتِهِ، وَإِمسَاكِ اللِّسَانِ عَنِ الخَوضِ فِي أَحكَامِ اللهِ بِالهَوَى أَوِ التَّشَهِّي أَوِ الظَّنِّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ تَعلَمُ القَلبَ الوَرَعَ، وَتُلجِمُ اللِّسَانَ عَنِ الِافتِرَاءِ وَالبِدَع، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُون: لَو أَنَّ رَجُلًا مِن عَامَّةِ النَّاسِ لَم يَدرُسِ الطِّبَّ يَومًا وَلَم يَدخُلْ كُلِّيَّةً طِبِّيَّةً، جَلَسَ فِي مَجلِسٍ عَامٍّ فَأَمسَكَ بِوَرَقَةٍ وَقَلَمٍ، وَجَعَلَ يَصِفُ لِلمَرضَى العَقَاقِيرَ الخطِيرَةَ وَالجِرَاحَاتِ الدَّقِيقَةَ مِن عِندِ نَفسِهِ وَبِمجَرَّدِ ظَنِّهِ وَتَخمِينِهِ، مَاذَا كَانَ العُقَلَاءُ سَيَقُولُونَ عَنهُ؟ وَمَاذَا كَانَ القَانُونُ سَيَصنَعُ بِهِ؟
لَقَالُوا جَمِيعًا بِلِسَانٍ وَاحِدٍ: هَذَا مُنتَحِلٌ مُجرِمٌ يَعبَثُ بِأَروَاحِ النَّاسِ وَأَبدَانِهِم، وَيَسُوقُهُم إِلَى المَوتِ وَالهَلَاك!
وَلَو أَنَّ شَخصًا آخَرَ أَخرَجَ خَتمًا مُزَوَّرًا فَوقَّعَ بِهِ قَرَارَاتٍ وَنَسَبَهَا إِلَى سُلطَانِ الدَّولَةِ أَو قَاضِيهَا بِغَيرِ إِذنٍ وَلَا تَفوِيضٍ، لَعُدَّ ذَلِكَ مِن أَكبَرِ الجَرَائِمِ وَالخِيَانَات!
فَسَلُوا عُقُولَكُم وَضَمَائِرَكُم - يَا عِبَادَ اللهِ -: إِذَا كَانَ هَذَا حُكمَ العَقلِ فِي التَّجرُّؤِ عَلَى طِبِّ الأَبدَانِ الفَانِيَةِ، أَوِ التَّزويرِ عَلَى مَخلُوقٍ ضَعِيفٍ، فَكَم يَكُونُ حَجمُ الجَرِيمَةِ وَالفَاجِعَةِ حِينَ يَتَجَرَّأُ الإِنسَانُ فِي المَجَالِسِ وَالمنتَدَيَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ عَلَى دِينِ اللهِ رَبِّ العَالَمِين، فَيُحِلُّ هَذَا وَيُحَرِّمُ ذَاكَ بِهَوَاهُ وَظَنِّهِ وَاستِحسَانِهِ العَقليِّ القَاصِر، وَيُوَقِّعُ عَن مَلِكِ المُلُوكِ وَجَبَّارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا بُرهَان؟!
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِن أَخطَرِ الظَّوَاهِرِ الَّتِي فَشَت فِي كَثِيرٍ مِن مَجَالِسِ النَّاسِ اليَومَ، وَفِي أَسوَاقِهِم وَسَهَرَاتِهِم: تِلكَ الجُرأَةَ المُروِّعَةَ عَلَى الفُتيَا وَالتَّحلِيلِ وَالتَّحرِيم!
تَجلِسُ فِي المَجلِسِ فَتُطرَحُ مَسأَلَةٌ مِن مَسَائِلِ المَعَامَلَاتِ المَالِيَّةِ وَالرِّبَا، أَو مَسأَلَةٌ مِن أَحكَامِ الطَّلَاقِ وَالأُسرَةِ وَالمَوَارِيثِ، أَو شَأنٌ مِن شُؤُونِ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، فَلَا تَرَى تَوَقُّفًا وَلَا هَيبَةً وَلَا سُؤَالًا لِأَهلِ الذِّكرِ، بَل تَرَى كُلَّ جَالِسٍ يَنطِقُ بِفَتوَى مِن جَيبِهِ وَكَأَنَّهُ إِمَامُ المَذهَبِ وَفَقِيهُ العَصر!
هَذَا يَقُولُ بِكُلِّ بُرُودٍ: «يَا أَخِي الدِّينُ يُسرٌ، وَهَذَا الأَمرُ حَلَالٌ مَا فِيهِ شَيء، وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيم!» وَهُوَ يَسُوغُ بِذَلِكَ رِبًا صَرِيحًا أَو غِشًّا أَو مَعصِيَةً مُجمَعًا عَلَى تَحرِيمِهَا!
وَآخَرُ يَقُولُ بِمُجَرَّدِ عَادَتِهِ وَهَوَاهُ: «هَذَا حَرَامٌ لَا يَجُوزُ أَبَدًا!» فَيُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ بِلَا آيَةٍ وَلَا حَدِيث!
وَثَالِثٌ يَحتَجُّ بِشَهوَتِهِ وَمَصلَحَتِهِ فَيَقُولُ: «أَنَا قَلبِي يَقُولُ لِي إِنَّ هَذَا حَلَالٌ، وَأَنَا غَيرُ مُقتَنِعٍ بِأَنَّ هَذَا حَرَام!» وَكَأَنَّ قَلبَهُ المَملُوءَ بِالهَوَى وَالشُّبُهَاتِ قَد صَارَ مَصدَرًا لِلتَّشرِيعِ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ!
فَيَا أَيُّهَا العَاقِلُ اللَّبِيبُ: قِفْ مَعَ نَفسِكَ وَقفَةَ صِدقٍ وَاسأَلْهَا: مَنِ الَّذِي يَملِكُ حَقَّ التَّحلِيلِ وَالتَّحرِيمِ فِي هَذَا الكَون؟ أَهُوَ العَبدُ الضَّعِيفُ الجَاهِلُ، أَمِ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ العَلِيمُ الحَكِيم؟
لَقَد حَسَمَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ القَضِيَّةَ العَقدِيَّةَ الكُبرَى حَسمًا قَاطِعًا لَا يَقبَلُ الجَدَلَ؛ فَأَعلَنَ أَنَّ الحُكمَ الشَّرعِيَّ تَحلِيلًا وَتَحرِيمًا هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ للهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ؛ قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَنعَامِ وَسُورَةِ يُوسُف: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾! فَمَن زَعَمَ أَنَّ لِهَوَاهُ أَو لِعَادَاتِ مَجلِسِهِ أَو لِظَنِّهِ حَقَّ تَحلِيلِ الحَرَامِ أَو تَحرِيمِ الحَلَالِ، فَقَد نَازَعَ اللهَ فِي أَخَصِّ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ!
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا التَّقريعِ الإِلَهِيِّ الشَّدِيدِ الَّذِي يَخلَعُ القُلُوبَ فِي سُورَةِ يُونُسَ، حِينَ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُوَجِّهَ هَذَا السُّؤَالَ القَاصِمَ لِكُلِّ مَن يُحِلُّ وَيُحَرِّمُ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾!
تَأَمَّلُوا هَذَا الِاستِفهَامَ الإِنكَارِيَّ الرَّهِيبَ الَّذِي يُحَاصِرُ العَقلَ وَالوِجدَان: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾؟!
فَالأَمرُ لَا يَخرُجُ عَن حَالَتَينِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: إِمَّا أَن يَكُونَ مَعَكَ إِذنٌ وَبرهَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا حَلَالٌ أَو حَرَام، وَإِمَّا أَن تَكُونَ مُفتَرِيًا عَلَى اللهِ الكَذِبَ!
وَلِذَلِكَ أَتبَعَهُ سُبحَانَهُ بِقَولِهِ: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؟ أَي: مَاذَا يَظُنُّ هَؤُلَاءِ المُتَجَرِّئُونَ عَلَى تَحرِيفِ أَحكَامِ اللهِ فِي المَجَالِسِ أَنَّ اللهَ فَاعِلٌ بِهِم يَومَ يَقِفُونَ بَينَ يَدَيهِ حُفَاةً عُرَاةً غُلاًّ؟!
وَأَكَّدَ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ هَذَا التَّحذِيرَ فِي سُورَةِ النَّحلِ بِأَصرحِ عِبَارَةٍ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
إِخوَةَ الإِيمَان: وَلَو تَأَمَّلنَا سُلَّمَ المُحَرَّمَاتِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ، لَرَأَينَا عَجَبًا يَقشَعِرُّ مِنهُ جِلدُ المُؤمِنِ الخَاشِع؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَعرَافِ رَتَّبَ المُحَرَّمَاتِ تَرتِيبًا تَصَاعُدِيًّا مِنَ الأَدنَى إِلَى الأَعلَى والأَشدِّ؛ فَبَدَأَ بِالفَوَاحِشِ، ثُمَّ الإِثمِ وَالبَغيِ، ثُمَّ الشِّركِ بِاللهِ، ثُمَّ جَعَلَ فِي قِمَّةِ الهَرَمِ وَأَعظَمِ الجَرَائِمِ: «القَولَ عَلَى اللهِ بِلَا عِلمٍ»! فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾!
قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي بَيَانِ سِرِّ هَذِهِ الآيَةِ: «وَإِنَّمَا كَانَ القَولُ عَلَى اللهِ بِلَا عِلمٍ أَعظَمَ المُحَرَّمَاتِ عِندَ اللهِ وَأَشَدَّهَا إِثمًا؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الكَذِبَ عَلَى اللهِ، وَنِسبَةَ مَا لَم يَقُلهُ إِلَى دِينِهِ وَشَرعِهِ، وَتَغيِيرَ دِينِهِ، فَيُصَيِّرُ الحَلَالَ حَرَامًا وَالحَرَامَ حَلَالًا، وَهُوَ أَصلُ كُلِّ شِركٍ وَبِدعَةٍ وَضَلَالَةٍ فِي الأَرضِ»!
وَمِن أَعظَمِ الطَّوَامِّ وَأَخطَرِ الكَلِمَاتِ الَّتِي تَتَرَدَّدُ عَلَى أَلسِنَةِ الجُهَلَاءِ وَالمُتَجَرِّئِينَ فِي المَجَالِسِ عِندَمَا يُزَيِّنُ أَحَدُهُم لِأَخِيهِ مَعصِيَةً أَو مُعَامَلَةً مُحَرَّمَةً أَو قَطِيعَةَ رَحِمٍ أَو أَكلَ مَالٍ بِالبَاطِلِ، فَيَتَرَدَّدُ السَّائِلُ وَيَقُولُ: «أَخَافُ أَن يَكُونَ هَذَا حَرَامًا!»، فَيَنتَفِضُ ذَلِكَ الجَرِيءُ المَغرُورُ وَيَضرِبُ بِيَدِهِ عَلَى عُنُقِهِ وَيَقُولُ: «اِفعَلْ وَمَا عَلَيكَ، حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي! أَنَا أَتحَمَّلُ ذَنبَهَا عَنكَ يَومَ القِيَامَةِ!»!
يَا الله! مَا أَجرَأَ هَذَا الإِنسَانَ الضَّعِيفَ عَلَى عَذَابِ اللهِ وَنَارِهِ!
«حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي»؟! أَيُّ رَقَبَةٍ هَذِهِ يَا مِسكِينُ الَّتِي تَزعُمُ أَنَّهَا تَقوَى عَلَى حَملِ أَوزَارِ العِبَادِ بَينَ يَدَيِ الجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُه؟!
وَاللهِ لَو وَقَعَت شَرَارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الدُّنيَا عَلَى طَرَفِ إِصبَعِكَ لَصَرَختَ وَاستَغَثتَ وَمَا أَطَقتَ الصَّبرَ عَلَيهَا ثَانِيَةً وَاحِدَة، فَبِأَيِّ عَقلٍ تَستَجلِبُ لِعُنُقِكَ أَغلَالَ الجَحِيمِ وَأَوزَارَ الخَلَائِقِ؟!
أَلَا يَعلَمُ قَائِلُ «حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي» وَالمُغتَرُّ بِقَولِهِ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ بِعَينِهَا هِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي قَالَهَا كُفَّارُ قُرَيشٍ وَكُبَرَاءُ الضَّلَالِ لِلضُّعَفَاءِ فِي مَكَّةَ لِيَصُدُّوهُم عَنِ الحَقِّ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ وَكَذَّبَهُم فِي القُرآنِ الكَرِيمِ؟!
اِسمَعُوا إِلَى مَا قَالَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ العَنكَبُوتِ لِتَرَوا تَطَابُقَ الكَلِمَتَينِ حَرفًا بِحَرفٍ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾!
تَأَمَّلُوا يَا أُولِي الأَلبَابِ هَذَا الحُكمَ الإِلَهِيَّ العَجِيبَ الَّذِي لَا يُحَابِي أَحَدًا:
أَوَّلًا: أَنَّ القَائِلَ «حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي» كَاذِبٌ فِي وَعدِهِ؛ فَإِنَّهُ يَومَ القِيَامَةِ سَيَفِرُّ مِن أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، وَلَن يَحمِلَ عَنكَ ذَرَّةً وَاحِدَةً مِن عَذَابِكَ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ فَاطِر: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾!
وَثَانِيًا: أَنَّ السَّامِعَ الَّذِي أَطَاعَهُ فِي الحَرَامِ مُعتَمِدًا عَلَى قَولِهِ «حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي» لَن يُعفَى مِنَ العِقَابِ أَبَدًا، بَل سَيَحمِلُ وِزرَ مَعصِيَتِهِ كَامِلًا غَيرَ مَنقُوص!
وَثَالِثًا: أَنَّ ذَلِكَ المُفتِيَ بِالضَّلَالِ وَالجَرِيءَ فِي المَجَالِسِ سَيَحمِلُ يَومَ القِيَامَةِ وِزرَينِ ثَقِيلَينِ: وِزرَ إِفتَائِهِ بِغَيرِ عِلمٍ، وَمِثلَ أَوزَارِ كُلِّ مَنِ اغتَرَّ بِكَلَامِهِ وَعَمِلَ بِفَتوَاهُ البَاطِلَةِ! فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ مُسلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيهِ مِنَ الإِثمِ مِثلُ آثَامِ مَن تَبِعَهُ، لَا يَنقُصُ ذَلِكَ مِن آثَامِهِم شَيئًا»! وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن أُفتِيَ بِغَيرِ عِلمٍ كَانَ إِثمُهُ عَلَى مَن أَفتَاهُ»!
وَانظُرُوا كَيفَ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَشدَّ الغَضَبِ، وَدَعَا عَلَى قَومٍ تَجَرَّؤُوا عَلَى الفُتيَا فِي مَجلِسِ سَفَرِهِم بِغَيرِ عِلمٍ وَلَا فِقهٍ فَأَهلَكُوا صَاحِبَهُم؛ فَقَد أَخرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ أَحمَدُ بِإِسنَادٍ حَسَنٍ عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: خَرَجنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأسِهِ، ثُمَّ احتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصحَابَهُ فَقَالَ: هَل تَجِدُونَ لِي رُخصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخصَةً وَأَنتَ تَقدِرُ عَلَى المَاءِ! فَاغتَسَلَ فَمَاتَ! فَلَمَّا قَدِمنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أُخبِرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ! أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَم يَعلَمُوا؟ فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤَالُ»!
تَدَبَّرُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ النَّبَوِيَّةَ المَهُولَةَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللهُ»! فَإِذَا كَانَ مَن أَفتَى بِغَيرِ عِلمٍ فَأَهلَكَ جَسَدًا وَاحِدًا قَدِ استَحَقَّ هَذَا الوَعِيدَ النَّبَوِيَّ، فَكَم قَتَلَ المُتَسَوِّرُونَ فِي المَجَالِسِ مِن قُلُوبٍ وَأَروَاحٍ وَأُسَرٍ بِفَتَاوَاهُمُ البَاطِلَةِ وَأَهوَائِهِمُ المَسمُومَة؟!
عِبَادَ اللهِ: قَارِنُوا هَذِهِ الجُرأَةَ العَميَاءَ الَّتِي نَرَاهَا فِي مَجَالِسِنَا اليَومَ، بِحَالِ سَادَةِ الأُمَّةِ وَأَعلَمِ الخَلقِ بَعدَ الأَنبِيَاءِ: أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَان!
لَقَد كَانُوا بُحُورًا فِي العِلمِ، شَهِدُوا التَّنزِيلَ، وَعَاشُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَفَقِهُوا مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَت فَرَائِصُهُم تَرتَعِدُ، وَأَلوَانُهُم تَتَغَيَّرُ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُم عَن حَلَالٍ أَو حَرَامٍ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُم يَتَمَنَّى أَن يَكفِيَهُ صَاحِبُهُ الجَوَابَ خَوفًا مِنَ اللهِ!
فَهَذَا صِدِّيقُ الأُمَّةِ وَأَعلَمُهَا أَبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُسأَلُ عَن آيَةٍ فِي كِتَابِ اللهِ لَم يَكُن عِندَهُ فِيهَا نَصٌّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ فِي خَشيَةٍ تَهُزُّ الجِبَالَ كَمَا رَوَى أَبُو عُبَيدٍ وَالبَيهَقِيُّ بِإِسنَادٍ صَحِيح: «أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، وَأَيُّ أَرضٍ تُقِلُّنِي، إِذَا قُلتُ فِي كِتَابِ اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ؟!».
وَهَذَا الفَارُوقُ المُلهَمُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ إِذَا نَزَلَت بِهِ المَسأَلَةُ لَم يَتَسَرَّعْ بِرَأيِهِ، بَل يَجمَعُ لَهَا أَهلَ بَدرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ فَيَستَشِيرُهُم، وَيَقُولُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَة: «إِيَّاكُم وَأَصحَابَ الرَّأيِ؛ فَإِنَّهُم أَعدَاءُ السُّنَنِ، أَعيَتهُمُ الأَحَادِيثُ أَن يَحفَظُوهَا فَقَالُوا بِالرَّأيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»!
وَهَذَا فَقِيهُ الأُمَّةِ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَقُولُ كَمَا فِي سُنَنِ الدَّارِمِيِّ وَغَيرِهِ: «مَن أَفتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَستَفتُونَهُ فَهُوَ مَجنُونٌ»! وَكَانَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَن عَلِمَ شَيئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَن لَم يَعلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعلَمُ؛ فَإِنَّ مِنَ العِلمِ أَن يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَا لَا يَعلَمُ: اللهُ أَعلَمُ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُورَةِ ص: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾».
وَاستَمِعُوا إِلَى مَوقِفِ الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا حِينَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَن مَسأَلَةٍ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: «لَا عِلمَ لِي بِهَا»! فَلَمَّا أَدبَرَ الرَّجُلُ، قَبَّلَ ابنُ عُمَرَ يَدَيهِ فَرَحًا وَقَالَ: «نِعِمَّا قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، سُئِلَ عَمَّا لَا يَعلَمُ فَقَالَ: لَا عِلمَ لِي بِهِ»! وَقَالَ لِبَعضِ مَن أَلَحَّ عَلَيهِ فِي الفُتيَا: «أَتُرِيدُونَ أَن تَجعَلُوا ظُهُورَنَا جِسرًا لَكُم إِلَى جَهَنَّمَ تَعبُرُونَ عَلَيهِ؟!»!
وَيَصِفُ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ أَبِي لَيلَى رَحِمَهُ اللهُ حَالَ مِئَةٍ وَعِشرِينَ صَحَابِيًّا أَدرَكَهُم بِالمَدِينَةِ فَيَقُولُ: «أَدرَكتُ عِشرِينَ وَمِئَةً مِنَ الأَنصَارِ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، يُسأَلُ أَحَدُهُم عَنِ المَسأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا، حَتَّى تَرجِعَ إِلَى الأَوَّلِ؛ وَمَا مِنهُم مِن أَحَدٍ يُسأَلُ عَن مَسأَلَةٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الفُتيَا»!
وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ الشَّعبِيُّ رَحِمَهُ اللهُ حِينَ سُئِلَ عَن مَسأَلَةٍ فَقَالَ «لَا أَدرِي»، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَستَحِي مِن قَولِ لَا أَدرِي وَأَنتَ فَقِيهُ أَهلِ العِرَاق؟ فَقَالَ: «لَكِنَّ المَلَائِكَةَ لَم تَستَحِ حِينَ قَالَت كَمَا فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾»!
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ المَغرِبِ قَطَعَ المَفَاوِزَ سِتَّةَ أَشهُرٍ إِلَى إِمَامِ دَارِ الهِجرَةِ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ يَسأَلُهُ عَن أَربَعِينَ مَسأَلَةً، فَأَجَابَهُ مَالِكٌ عَن أَربَعِ مَسَائِلَ وَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مَسأَلَةً: «لَا أَدرِي»! فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا أَبَا عَبدِ اللهِ، مَاذَا أَقُولُ لِأَهلِ بَلَدِي إِذَا رَجَعتُ إِلَيهِم وَقَد بَعَثُونِي إِلَيكَ؟ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ بِعِزَّةِ العَالِمِ الخَائِفِ مِن رَبِّهِ: «قُلْ لَهُم: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَدرِي، لَا أَدرِي، لَا أَدرِي»!
بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ الَّذِي أَكمَلَ لَنَا الدِّينَ وَأَتَمَّ عَلَينَا النِّعمَةَ، وَحَفِظَ شَرِيعَتَهُ الغَرَّاءَ بِالعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ أَهلِ البَصِيرَةِ وَالحِكمَة، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: لَقَد أَخبَرَنَا نَبِيُّنَا الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِن أَخطَرِ عَلَامَاتِ ضَيَاعِ الدِّينِ وَفَسَادِ الزَّمَانِ: تَصدُّرَ الجُهَّالِ وَالروَيبِضَةِ لِلإِفتَاءِ بِغَيرِ عِلمٍ؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقبِضُ العِلمَ انتِزَاعًا يَنتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِن يَقبِضُ العِلمَ بِقَبضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَم يُبقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»!
تَأَمَّلُوا: «فَسُئِلُوا فَأَفتَوا بِغَيرِ عِلمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»! فَالجَاهِلُ الَّذِي يَستَنكِفُ عَن قَولِ «لَا أَدرِي» وَيُحِلُّ وَيُحَرِّمُ فِي المَجَالِسِ وَعَلَى شَاشَاتِ التَّوَاصُلِ يَجمَعُ عَلَى نَفسِهِ مُصِيبَتَينِ: ضَلَالَ نَفسِهِ، وَإِضلَالَ غَيرِهِ مِنَ المُسلِمِين!
وَمِن هُنَا عِبَادَ اللهِ، فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٌ حَاسِمَةٌ نَضَعُهَا مِيثَاقًا فِي مَجَالِسِنَا وَبُيُوتِنَا وَحَيَاتِنَا:
أَوَّلًا: اِحفَظْ لِسَانَكَ عَن كَلِمَتَي «حَلَال» وَ«حَرَام» مَا لَم يَكُن عِندَكَ عِلمٌ يَقِينِيٌّ مُؤَصَّلٌ مِن كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَفَهمِ العُلَمَاءِ الرَّاسِخِين؛ وَتَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ «لَا أَدرِي» نِصفُ العِلمِ، وَأَنَّ مَن تَرَكَ لا أَدرِي أُصِيبَت مَقَاتِلُه.
ثَانِيًا: إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَن تَنطِقَ بِعِبَارَةِ «حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي» أَو «ذَنبُكَ عَلَى جَنبِي» وَلَو عَلَى سَبِيلِ المِزَاحِ وَالمُجَامَلَةِ؛ وَإِذَا قَالَهَا لَكَ أَحَدٌ لِيُجَرِّئَكَ عَلَى شُبهَةٍ أَو مَعصِيَةٍ فَقُلْ لَهُ بِحَزمٍ: «إِنَّ رَقَبَتَكَ لَا تُغنِي عَنِّي مِنَ اللهِ شَيئًا، وَإِنِّي أَخَافُ إِن عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَومٍ عَظِيم»!
ثَالِثًا: اِرجِعُوا فِي مَسَائِلِ دِينِكُم وَمُعَامَلَاتِكُم وَأَحوَالِ أُسَرِكُم إِلَى أَهلِ العِلمِ وَالفِقهِ وَالوَرَعِ المَوثُوقِينَ، كَمَا أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحلِ فَقَالَ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وَلَا تَأخُذُوا دِينَكُم مِن هَذرِ المَجَالِسِ وَلَا مِن مَجهُولِي المَوَاقِعِ وَالشَّاشَات.
رَابِعًا: طَهِّرُوا مَجَالِسَكُم مِنَ الجِدَالِ العقِيمِ فِي آيَاتِ اللهِ وَأَحكَامِ الشَّرعِ بِلَا عِلمٍ، وَذَكِّرُوا مَن يَخُوضُ فِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ بِهَوَاهُ بِوَقفتهِ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ الحِسَاب.
خَامِسًا: رَبُّوا أَبنَاءَكُم وَأَهلِيكُم عَلَى تَعظِيمِ النَّصِّ الشَّرعِيِّ، وَالاِنقِيَادِ التَّامِّ لِحُكمِ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى يَكُونَ شِعَارُهُم دَائِمًا: «سَمِعنَا وَأَطَعنَا غُفرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيكَ المَصِير».
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ حَذَّرَ مِن جُرأَةِ اللِّسَانِ عَلَى الفُتيَا بِلَا عِلمٍ:
لَا تَنطِقَنَّ بِمَا لَم تَدرِ مَأخَذَهُ ... فَالحُكمُ للهِ لَا لِلظَّنِّ وَالرِّيَبِ
مَن قَالَ فِي دِينِ رَبِّ العَرشِ مُفتَرِيًا ... بِلَا دَلِيلٍ هَوَى فِي أَعظَمِ العَطَبِ
فَاسأَلْ أُولِي العِلمِ وَاحذَرْ قَولَ ذِي سَفَهٍ ... يَقُولُ: ذَنبُكَ يَومَ الحَشرِ فِي رَقَبِي
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى الهَادِي البَشِيرِ وَالسِّرَاجِ المُنِيرِ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الحَقَّ حَقًّا وَارزُقنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا البَاطِلَ بَاطِلًا وَارزُقنَا اجتِنَابَهُ، وَلَا تَجعَلْهُ مُلتَبِسًا عَلَينَا فَنَضِلَّ، وَاجعَلنَا لِلمُتَّقِينَ إِمَامًا.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِن أَن نَقُولَ عَلَيكَ مَا لَا نَعلَمُ، أَو أَن نُحِلَّ حَرَامًا أَو نُحَرِّمَ حَلَالًا بِالهَوَى وَالظَّنِّ، اللَّهُمَّ ارزُقنَا عِلمًا نَافِعًا، وَقَلبًا خَاشِعًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا صَادِقًا، وَوَرَعًا يَحجِزُنَا عَن مَعَاصِيكَ وَالتَّعَدِّي عَلَى حُدُودِكَ يَا رَبَّ العَالَمِين.
اللَّهُمَّ احفَظْ لِأُمَّتِنَا دِينَهَا وَعَقِيدَتَهَا وَعُلَمَاءَهَا الصَّادِقِينَ، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَفِتنَةٍ، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ، وَاغفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ الأَحيَاءِ مِنهُم وَالمَيِّتِين.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
خُطُورَةُ التَّحلِيلِ وَالتَّحرِيمِ بِالهَوَى وَالظَّنِّ فِي المَجَالِسِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ القَولِ عَلَى اللهِ بِغَيرِ عِلمٍ وَجَرِيمَةِ عِبَارَةِ حُطَّهَا فِي رَقَبَتِي وَوَرَعِ الصَّحَابَةِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.