من مكتبة مِداد الخطيب

كَيفَ كَانَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن صِفَاتِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَسِرِّ عَظَمَةِ الجِيلِ الفَرِيدِ وَطَرِيقِ الاِقتِدَاءِ بِهِم

مشاركة
كَيفَ كَانَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ؟ خطبةُ جُمُعَةٍ عَن صِفَاتِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَسِرِّ عَظَمَةِ الجِيلِ الفَرِيدِ وَطَرِيقِ الاِقتِدَاءِ بِهِم الحَمدُ للهِ الَّذِي اصطَفَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَفوَةَ الخَلقِ مِن بَعدِ الأَنبِيَاءِ وَالمُرسَلِين، وَطَهَّرَ قُلُوبَهُم بِنُورِ الوَحيِ فَجَعَلَهُم سَادَةَ الأَولِيَاءِ وَالمُتَّقِين، وَأَثنَى عَلَيهِم فِي مُحكَمِ الكِتَابِ المُبِينِ ثَنَاءً يَتلوهُ المُؤمِنُونَ إِلَى يَومِ الدِّين، القَائِلِ سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الحَكِيمُ العَلِيمُ فِي اصطِفَائِه، الجَوَادُ الكَرِيمُ فِي عَطَائِه، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، الَّذِي رَبَّى بِالقُرآنِ جِيلًا فَرِيدًا لَم تَشهَدِ البَشَرِيَّةُ لَهُ نَظِيرًا فِي صِدقِ الإِيمَانِ وَطَهَارَةِ الجَنَانِ وَعُمرَانِ الأَكوَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَبِالتَّقوَى سَادَ الأَوَّلُون، وَبِهَا يَنجُو وَيَفلَحُ الآخِرُون، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: حِينَ تَتَلَفَّتُ الأُمَّةُ فِي أَزمِنَةِ الفُتُورِ وَالضَّعفِ تَبحَثُ عَن بَوصَلَةِ النَّجَاة، وَحِينَ يَتَسَاءَلُ الغَيُورُونَ عَن سِرِّ النُّهُوضِ وَالعِزَّةِ وَالثَّبَات، يَبرُزُ أَمَامَ الأَبصَارِ وَالبَصَائِرِ سُؤَالٌ عَظِيمٌ يَبعَثُ الهِمَمَ مِن مَرَاقِدِهَا: «كَيفَ كَانَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ؟»؛ ذَلِكَ الجِيلُ القُرآنِيُّ الفَرِيدُ الَّذِي صَنَعَهُ الوَحيُ عَلَى عَينِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَحَوَّلَ اللهُ بِهِم رُعَاةَ الشَّاءِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ وَيَثرِبَ إِلَى قَادَةِ الأُمَمِ، وَهُدَاةِ البَشَرِيَّةِ، وَفَاتِحِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ فِي بِضعِ سِنِين! عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الرَّعِيلَ الأَوَّلَ لَم يَكُونُوا مَلَائِكَةً يَمشُونَ عَلَى الأَرض، بَل كَانُوا بَشَرًا يَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمشُونَ فِي الأَسوَاق، وَلَكِنَّهُم مَلَكُوا قُلُوبًا اختَارَهَا اللهُ تَعَالَى مِن بَينِ قُلُوبِ العَالَمِين! اسْمَعُوا إِلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ بِإِسنَادٍ حَسَن، حَيثُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ، فَوَجَدَ قَلبَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَاصطَفَاهُ لِنَفسِهِ، فَابتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ العِبَادِ بَعدَ قَلبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصحَابِهِ خَيرَ قُلُوبِ العِبَادِ، فَجَعَلَهُم وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ!». وَقَالَ عَنهُم رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي وَصفٍ يَكتُبُ بِنُورِ الذَّهَب: «مَن كَانَ مِنكُم مُستَنًّا فَلْيَستَنَّ بِمَن قَد مَاتَ، فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤمَنُ عَلَيهِ الفِتنَةُ؛ أُولَئِكَ أَصحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا أَفضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعمَقَهَا عِلمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَومٌ اختَارَهُمُ اللهُ لِصُحبَةِ نَبِيِّهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعرِفُوا لَهُم فَضلَهُم، وَاتَّبِعُوهُم فِي آثَارِهِم؛ فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الهُدَى المُستَقِيمِ». فَكَيفَ كَانَ ذَلِكَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ يَا عِبَادَ الله؟ وَمَا هِيَ المَعَالِمُ الكُبرَى الَّتِي صَنَعَت مِنهُم خَيرَ قَرنٍ طَلَعَت عَلَيهِ الشَّمسُ، كَمَا شَهِدَ لَهُمُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ بِقَولِه: «خَيرُ النَّاسِ قَرنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم»؟ أَوَّلًا: كَانُوا أَسرَعَ النَّاسِ استِجَابَةً وَتَسلِيمًا لِأَمرِ اللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! هَذَا هُوَ السِّرُّ الأَعظَمُ فِي حَيَاةِ الرَّعِيلِ الأَوَّل؛ لَم يَكُونُوا يَتَلَقَّونَ آيَاتِ القُرآنِ لِمُجَرَّدِ التَّغَنِّي أَوِ التَّرَفِ الفِكرِيِّ أَوِ الجَدَلِ اللِّسَانِيّ، بَل كَانُوا يَتَلَقَّونَ الآيَةَ تَلَقِّيَ الجُندِيِّ فِي المَعرَكَةِ لِلأَمرِ اليَومِيِّ الصَّادِرِ مِن قَائِدِهِ؛ يَسمَعُونَ فَيُنفِّذُونَ فِي التَّوِّ وَاللَّحظَةِ دُونَ تَلَكُّؤٍ أَوِ التفَات! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي وَصفِهِم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]. انظُرُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ إِلَى مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كُنتُ سَاقِيَ القَومِ فِي مَنزِلِ أَبِي طَلحَةَ، فَنَزَلَ تَحرِيمُ الخَمرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أَبُو طَلحَةَ: اخرُجْ فَانظُرْ مَا هَذَا الصَّوتُ؟ قَالَ: فَخَرَجتُ فَقُلتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمرَ قَد حُرِّمَت! فَقَالَ لِي: اذهَبْ فَأَهرِقْهَا! قَالَ: فَجَرَت فِي سِكَكِ المَدِينَةِ!». لَم يَسأَلُوا عَن مُستَقبَلِ تِجَارَتِهِم، وَلَم يَقُولُوا: «نَشرَبُ هَذِهِ الكَأسَ الأَخِيرَةَ ثُمَّ نَتُوبُ غَدًا»، بَل مَن كَانَت فِي فَمِهِ شَربَةٌ مَجَّهَا، وَكَسَرُوا الدِّنَانَ حَتَّى سَالَت فِي طُرُقَاتِ المَدِينَة! وَانظُرُوا إِلَى نِسَاءِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: «يَرحَمُ اللهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنزَلَ اللهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] شَقَّقنَ مُرُوطَهُنَّ فاختَمَرنَ بِهَا!». وَفِي الصَّحِيحَينِ لَمَّا نَزَلَ قَولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قَامَ أَبُو طَلحَةَ الأَنصَارِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مِن فَورِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ أَموَالِي إِلَيَّ بَيرُحَاءَ -وَكَانَت حَدِيقَةً غَنَّاءَ مُستَقبِلَةَ المَسجِدِ النَّبَوِيِّ- وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرجُو بِرَّهَا وَذُخرَهَا عِندَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيثُ أَرَاكَ اللهُ!»، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ!». ثَانِيًا: كَانَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ رُهبَانًا بِاللَّيلِ فُرسَانًا بِالنَّهَار، يَجمَعُونَ بَينَ الإِحسَانِ وَالخَشيَة! لَقَد صَوَّرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَالَهُمُ العِبَادِيَّ وَالجِهَادِيَّ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ الفَتحِ بِأَبلَغِ بَيَانٍ حِينَ قَالَ سُبحَانَهُ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. كَانُوا إِذَا جَنَّ اللَّيلُ صَفُّوا أَقدَامَهُم بَينَ يَدَي رَبِّهِم، تَتَجَافَى جُنُوبُهُم عَنِ المَضَاجِعِ، يَتلُونَ آيَاتِ اللهِ وَدُمُوعُهُم تَجرِي عَلَى لِحَاهُم خَشيَةً وَإِخبَاتًا؛ حَتَّى إِذَا أَسفَرَ الصُّبحُ وَنَادَى مُنَادِي الجِهَادِ أَوِ العَمَلِ وَالبِنَاءِ، رَأَيتَهُم أُسُودًا فِي المَيَادِينِ لَا يَهابُونَ المَوتَ فِي سَبِيلِ الله! وَمَعَ هَذِهِ العِبَادَةِ العَظِيمَةِ وَالجِهَادِ المُتَوَاصِلِ، لَم يَكُنْ أَحَدُهُم يَغتَرُّ بِعَمَلِهِ أَو يَمُنُّ بِطَاعَتِهِ، بَل كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ خَوفًا مِن رَدِّ الأَعمَال! تَأَمَّلُوا مَا رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أُمِّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، أَهُمُ الَّذِينَ يَشرَبُونَ الخَمرَ وَيَسرِقُونَ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَا بِنتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُم يَخَافُونَ أَن لَا يُقبَلَ مِنهُم، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيرَاتِ وَهُم لَهَا سَابِقُونَ!». وَقَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ ابنُ أَبِي مُلَيكَةَ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا عَلَّقَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِه: «أَدرَكتُ ثَلَاثِينَ مِن أَصحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، كُلُّهُم يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفسِهِ!». اللهُ أَكبَر! أُولَئِكَ الَّذِينَ شَهِدُوا بَدرًا وَأُحُدًا وَبَيعَةَ الرِّضوَانِ يَخَافُونَ النِّفَاقَ عَلَى أَنفُسِهِم، بَينَمَا يَأمَنُ المُفَرِّطُونَ اليَومَ مَكرَ الله! ثَالِثًا: كَانَتِ الدُّنيَا فِي أَيدِيهِم وَلَم تَدخُلْ إِلَى قُلُوبِهِم! لَقَد عَلِمَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ حَقِيقَةَ الدُّنيَا وَزَوَالَهَا، وَأَبصَرُوا نَعِيمَ الآخِرَةِ وَخُلُودَهَا، فَبَاعُوا الفَانِيَ بِالبَاقِي؛ هَذَا مُصعَبُ بنُ عُمَيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ أَعطَرَ فِتيَانِ مَكَّةَ وَأَنعَمَهُم عَيشًا، فَلَمَّا أَسلَمَ تَرَكَ الدُّنيَا كُلَّهَا للهِ، حَتَّى استُشهِدَ يَومَ أُحُدٍ وَهُوَ يَحمِلُ لِوَاءَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَلَم يَجِدُوا لَهُ كَفَنًا إِلَّا بُردَةً إِذَا غَطَّوا بِهَا رَأسَهُ بَدَت رِجلَاهُ، وَإِذَا غَطَّوا رِجلَيهِ بَدَا رَأسُه، كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِن حَدِيثِ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ رَضِيَ اللهُ عَنه! وَهَذَا صُهَيبٌ الرُّومِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَترُكُ مَالَهُ كُلَّهُ لِقُرَيشٍ لِيَفدِيَ دِينَهُ وَهِجرَتَهُ، فَيَستَقبِلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مُبَشِّرًا: «رَبِحَ البَيعُ أَبَا يَحيَى، رَبِحَ البَيعُ!». وَهَذَا حَنظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يُنَادِي مُنَادِي الجِهَادِ إِلَى أُحُدٍ وَهُوَ فِي صَبِيحَةِ عُرسِهِ، فَيَنتَزِعُ نَفسَهُ مِن فِرَاشِ العُرسِ قَبلَ أَن يَغتَسِلَ لِيَلحَقَ بِصَفِّ الجِهَادِ، فَيُقتَلَ شَهِيدًا فَتُغَسِّلَهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاء! رَابِعًا: كَانُوا جَسَدًا وَاحِدًا فِي تَرَاحُمِهِم وَأُخُوَّتِهِم وَإِيثَارِهِم! لَقَد صَهَرَ الإِيمَانُ عَصَبِيَّاتِ الجَاهِلِيَّةِ فِي قُلُوبِهِم، فَأَصبَحَ المَكِّيُّ وَالمَدَنِيُّ، وَالعَرَبِيُّ وَالفَارِسِيُّ وَالحَبَشِيُّ وَالرُّومِيُّ إِخوَةً مُتَحَابِّينَ فِي اللهِ، يُؤثِرُ أَحَدُهُم أَخَاهُ عَلَى نَفسِهِ وَلَو كَانَ فِي شِدَّةِ الجُوعِ وَالفَاقَة؛ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ حِينَ آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَينَ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ وَسَعدِ بنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، عَرَضَ سَعدٌ عَلَى أَخِيهِ شَطرَ مَالِهِ كُلِّهِ بِنَفسٍ طَيِّبَةٍ، فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بِعِفَّةِ المُؤمِنِ الشَّامِخ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ!». أَيُّ سُمُوٍّ فِي البَذلِ، وَأَيُّ عِزَّةٍ فِي التَّعَفُّفِ يَا عِبَادَ الله! بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنِ اهتَدَى. أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ تَذَكُّرَ سِيرَةِ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ لَيسَ لِلتَّغَنِّي بِالأَمجَادِ الغَابِرَةِ فَحَسب، بَل هُوَ مِنهَاجُ حَيَاةٍ وَمِيزَانُ هِدَايَة؛ فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ إِيمَانَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ مِعيَارًا لِصِحَّةِ الإِيمَانِ وَالهِدَايَةِ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ البَقَرَة: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]. وَرَحِمَ اللهُ إِمَامَ دَارِ الهِجرَةِ مَالِكَ بنَ أَنَسٍ حِينَ نَطَقَ بِقَاعِدَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ الخَالِدَة: «لَن يَصلُحَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا بِمَا صَلَحَ بِهِ أَوَّلُهَا!». وَمِن هُنَا يَا عِبَادَ اللهِ، يَتَحَتَّمُ عَلَينَا تُجَاهَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ ثَلَاثَةُ وَاجِبَاتٍ عَظِيمَة: الوَاجِبُ الأَوَّلُ: مَحَبَّتُهُم وَتَوقِيرُهُم وَالتَّرَضِّي عَنهُم وَسَلَامَةُ القُلُوبِ وَالأَلسِنَةِ لَهُم جَمِيعًا! فَإِنَّ مَحَبَّةَ أَصحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحسَان، وَبُغضَهُم أَوِ الطَّعنَ فِيهِم كُفرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغيَان. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنه: «لَا تَسُبُّوا أَصحَابِي، فَوَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ أَحَدَكُم أَنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدرَكَ مُدَّ أَحَدِهِم وَلَا نَصِيفَهُ!». وَجَعَلَ اللهُ تَعَالَى مِن أَخصِّ صِفَاتِ المُؤمِنِينَ الصَّادِقِينَ الَّذِينَ يَأتُونَ مِن بَعدِهِم مَا ذَكَرَهُ سُبحَانَهُ بِقَولِه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. وَالوَاجِبُ الثَّانِي: أَن نَتَلَقَّى القُرآنَ وَالسُّنَّةَ تَلَقِّيَ التَّنفِيذِ وَالعَمَلِ كَمَا تَلَقَّاهُمَا الرَّعِيلُ الأَوَّل! فَلْنَعرِضْ أَحوَالَنَا وَأَخلَاقَنَا وَبُيُوتَنَا وَمُعَامَلَاتِنَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيهِ أَصحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَكَيفَ كَانَت صَلَاتُهُم؟ وَكَيفَ كَانَ صِدقُهُم وَأَمَانَتُهُم فِي البَيعِ وَالشِّرَاء؟ وَكَيفَ كَانَت غَيرَتُهُم عَلَى أَعرَاضِهِم وَحُرُمَاتِ الله؟ وَالوَاجِبُ الثَّالِثُ: أَن نَغرِسَ سِيَرَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ فِي قُلُوبِ أَبنَائِنَا وَبَنَاتِنَا! فِي زَمَنٍ تَكَالَبَت فِيهِ الشَّاشَاتُ لِتَصنَعَ لِأَجيَالِنَا قُدُوَاتٍ زَائِفَةً مِن أَهلِ المَجُونِ وَالتَّفَاهَةِ وَالفُسُوق، مَا أَحوَجَ بُيُوتَنَا إِلَى أَن تَحيَا بِقِصَصِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الفَارُوقِ وَعُثمَانَ ذِي النُّورَينِ وَعَلِيٍّ أَسَدِ اللهِ الغَالِب، وَسِيَرِ خَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ وَفَاطِمَةَ وَأَسمَاءَ رَضِيَ اللهُ عَنهُم أَجمَعِين؛ لِيَنشَأَ الجِيلُ عَزِيزًا بِدِينِهِ، مُقتَدِيًا بِسَادَتِهِ وَهُدَاتِه. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ تَغَنَّى بِمَجدِ أُولَئِكَ الأَبرَار: أُولَئِكَ أَصحَابُ النَّبِيِّ وَحِزبُهُ ... هُمُ الأَنجُمُ الزُّهرُ الهُدَاةُ الأَكَارِمُ بِهِم أَشرَقَ الإِسلَامُ فِي كُلِّ بُقعَةٍ ... وَدُكَّت بِأَيدِيهِم عُرُوشٌ غَوَاشِمُ تَلَقَّوا كِتَابَ اللهِ صِدقًا وَطَاعَةً ... فَقَامَت عَلَى نُورِ الرَّشَادِ المَعَالِمُ فَيَا سَائِرًا تَبغِي النَّجَاةَ قِفِ الخُطَا ... عَلَى إِثرِهِم فَالِمُقتَدِي بِهِمُ سَالِمُ فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاستَمسِكُوا بِهَديِ نَبِيِّكُم صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَسُنَّةِ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ وَطَرِيقَةِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِين، تَفُوزُوا بِعِزِّ الدُّنيَا وَنَعِيمِ الآخِرَة. هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَنِ السِّتَّةِ البَاقِينَ مِنَ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلِإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَان، وَلَا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيم. اللَّهُمَّ ارزُقنَا حُبَّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَحُبَّ أَصحَابِهِ الكِرَام، وَوَفِّقنَا لِلسَّيرِ عَلَى مِنهَاجِهِم وَالاِقتِدَاءِ بِآثَارِهِم، وَاحشُرنَا فِي زُمرَتِهِم تَحتَ لِوَاءِ سَيِّدِ المُرسَلِين. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِين، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِين، وَانصُر عِبَادَكَ المُوَحِّدِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.