من مكتبة مِداد الخطيب

شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ وَفَضَائِلُهُ العَظِيمَةُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَكَانَةِ شَهرِ الصِّيَامِ وَالقُرآنِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرَانِ وَكَيفَ نَغتَنِمُ أَيَّامَهُ وَلَيَالِيَهُ

مشاركة
شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَكُ وَفَضَائِلُهُ العَظِيمَةُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن مَكَانَةِ شَهرِ الصِّيَامِ وَالقُرآنِ وَالعِتقِ مِنَ النِّيرَانِ وَكَيفَ نَغتَنِمُ أَيَّامَهُ وَلَيَالِيَهُ الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الزَّمَانَ وَفَضَّلَ بَعضَهُ عَلَى بَعضٍ، وَاختَصَّ شَهرَ رَمَضَانَ المُبَارَكَ بِنُزُولِ الوَحيِ وَفَيضِ الرَّحمَةِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرض، وَفَرَضَ صِيَامَهُ عَلَى عِبَادِهِ المُؤمِنِينَ تَزكِيَةً لِلنُّفُوسِ وَتَطهيرًا لِلقُلُوبِ وَتَكمِيلًا لِلفَرض، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرِينَ الَّذِينَ بَلَّغَهُم مَوَاسِمَ الخَيرَاتِ وَالبَرَكَات، وَنَستَغفِرُهُ استِغفَارَ التَّائِبِينَ المُتَعَرِّضِينَ لِنَفَحَاتِ المَولَى فِي الجَهَرَاتِ وَالخَلَوَات، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ رَبُّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَات، القَائِلُ فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ تَعظِيمًا لِشَأنِ هَذَا الشَّهرِ الكَرِيم: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، الَّذِي كَانَ أَجوَدَ النَّاسِ بِالخَيرِ وَأَعظَمَهُم جَودًا وَعِبَادَةً وَإِقبَالًا فِي شَهرِ رَمَضَان، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الَّذِينَ عَمَرُوا أَيَّامَ رَمَضَانَ بِالصِّيَامِ وَالجِهَادِ وَلَيَالِيَهُ بِالقِيَامِ وَالتَّهَجُّدِ وَالِاستِغفَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار. أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ التَّقوَى هِيَ الغَايَةُ الكُبرَى وَالحِكمَةُ العُظمَى الَّتِي مِن أَجلِهَا شَرَعَ اللهُ الصِّيَامَ لِعِبَادِهِ؛ كَمَا قَالَ الحَقُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. أَيُّهَا المُسلِمُون: إِنَّ مِن سُنَّةِ اللهِ الحَكِيمِ العَلِيمِ فِي خَلقِهِ أَنَّهُ يَصطَفِي مِنَ الأَزمِنَةِ مَوَاسِمَ فَرِيدَةً، يَضَاعِفُ فِيهَا الحَسَنَاتِ، وَيَغسِلُ فِيهَا الحَوبَاتِ وَالزَّلَّاتِ، وَيَفتَحُ فِيهَا لِعِبَادِهِ أَبوَابَ الجِنَانِ؛ حَتَّى يَتَدَارَكَ المُقَصِّرُ مَا فَاتَهُ، وَيَزدَادَ المُحسِنُ قُربًا مِن رَبِّهِ وَمَولَاه! وَعَلَى رَأسِ هَذِهِ المَوَاسِمِ الرَّبَّانِيَّةِ وَسَيِّدِهَا بِلَا مُنَازِع: «شَهرُ رَمَضَانَ المُبَارَك»! إِنَّهُ الشَّهرُ الَّذِي تَتَغَيَّرُ بِحُلُولِهِ مَعَالِمُ الكَونِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرض؛ فَلَيسَ رَمَضَانُ مُجَرَّدَ ثَلَاثِينَ يَومًا تَمُرُّ فِي تَقوِيمِ الزَّمَانِ كَسَائِرِ الشُّهُورِ، بَل هُوَ عِيدٌ لِلأَروَاحِ المُشتَاقَةِ، وَمَشفًى لِلقُلُوبِ العَلِيلَةِ، وَسُوقٌ إِيمَانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ تُقامُ فِي العَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً، يَربَحُ فِيهَا الصَّادِقُونَ جَنَّةً عَرضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرض، وَيَخسَرُ فِيهَا الغَافِلُونَ المَحرُومُون! فَمَا هِيَ الفَضَائِلُ الكُبرَى وَالخصَائِصُ العُظمَى الَّتِي اختَصَّ اللهُ بِهَا شَهرَ رَمَضَان؟ وَكَيفَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابُهُ الكِرَامُ وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ يَستَقبِلُونَ هَذَا الشَّهرَ وَيَعيشُونَ أَيَّامَهُ وَلَيَالِيَه؟ وَمَا هُوَ السَّبِيلُ العَمَلِيُّ لِئَلَّا نَخرُجَ مِن رَمَضَانَ إِلَّا وَقَد كُتِبنَا فِي دِيوَانِ المَغفُورِ لَهُم وَالعُتَقَاءِ مِنَ النَّار؟ عِبَادَ اللهِ: لَقَد كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُ أَصحَابَهُ بِقُدُومِ شَهرِ رَمَضَانَ، وَيَكشِفُ لَهُم عَمَّا يَحدُثُ فِي المَلَإِ الأَعلَى مُنذُ أَوَّلِ لَيلَةٍ مِن لَيَالِيهِ؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ»! وَأَخرَجَ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ فَلَم يُفتَحْ مِنهَا بَابٌ، وَفُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ فَلَم يُغلَقْ مِنهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ»! تَأَمَّلُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - هَذَا الإِعلَانَ السَّمَاوِيَّ المَهِيبَ! أَبوَابُ الجِنَانِ الثَّمَانِيَةُ تُشرَعُ كُلُّهَا دُونَ إِغلَاقٍ طَوَالَ الشَّهرِ تَرحِيبًا بِالطَّائِعِينَ وَالتَّائِبِين، وَأَبوَابُ الجَحِيمِ تُوصَدُ كُلُّهَا رَحمَةً بِالمُؤمِنِين، وَمَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ يُوثَقُونَ بِالسَّلَاسِلِ وَالأَغلَالِ حَتَّى تضعُفَ وَسوَسَتُهُم وَتَنكَسِرَ شَوكَتُهُم، وَمُنَادِي الرَّحمَنِ يَهتِفُ بِالقُلُوبِ كُلَّ لَيلَةٍ: «يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِرْ»! فَأَيُّ قَلبٍ يَسمَعُ هَذَا النِّدَاءَ الرَّبَّانِيَّ ثُمَّ لَا يُقبِلُ عَلَى رَبِّهِ بِكُلِّيَّتِهِ؟ وَأَيُّ نَفسٍ تُفتَحُ لَهَا أَبوَابُ الفِردَوسِ عَلَى مِصرَاعَيهَا ثُمَّ تَتَقَاعَسُ عَنِ الدُّخُولِ وَالتَّشمِير؟! إِخوَةَ الإِيمَان: وَلَو تَتَبَّعنَا نُصُوصَ الوَحيَينِ فِي فَضَائِلِ شَهرِ رَمَضَانَ وَعِبَادَةِ الصِّيَامِ، لَوَجَدنَا سَبعَ فَضَائِلَ عُظمَى يَنفَرِدُ بِهَا هَذَا الشَّهرُ المُبَارَكُ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنهَا كَافِيَةٌ لِأَن تُوقِظَ الهِمَمَ الفَاتِرَةَ وَتَبعَثَ الشَّوقَ فِي النُّفُوس: فَالفَضِيلَةُ الأُولَى: أَنَّ الصِّيَامَ سِرٌّ خَالِصٌ بَينَ العَبدِ وَرَبِّهِ، اختَصَّ اللهُ نَفسَهُ بِجَزَائِهِ بِلَا عَدٍّ وَلَا حِسَاب! فَسَائِرُ الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ تَظهَرُ لِأَعيُنِ النَّاسِ، وَتُضَاعَفُ بِمِقدَارٍ مَعلُومٍ مِن عَشرِ أَمثَالِهَا إِلَى سَبعِمِائَةِ ضِعفٍ؛ أَمَّا الصِّيَامُ فَهُوَ عِبَادَةُ الإِخلَاصِ الخَفِيَّةُ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَى صِدقِهَا إِلَّا اللهُ؛ يَخلُو الصَّائِمُ بِالمَاءِ البَارِدِ فِي شِدَّةِ العَطَشِ فَلَا يَشرَبُ قَطرَةً وَاحِدَةً خَوفًا مِنَ اللهِ وَحُبًّا لَهُ! وَلِذَلِكَ تَوَلَّى الكَرِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ جَزَاءَ الصَّائِمِ بِنَفسِهِ؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجزِي بِهِ؛ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهوَتَهُ مِن أَجلِي»! وَإِذَا كَانَ المُعطِي هُوَ مَلِكُ المُلُوكِ الَّذِي لَا تَنفَدُ خَزَائِنُهُ، فَكَم يَكُونُ العَطَاءُ وَالجَزَاء؟! قَالَ الإِمَامُ سُفيَانُ بنُ عُيَينَةَ رَحِمَهُ اللهُ: «إِذَا كَانَ يَومُ القِيَامَةِ يُحَاسِبُ اللهُ عَبدَهُ وَيُؤَدِّي مَا عَلَيهِ مِنَ المَظَالِمِ مِن سَائِرِ عَمَلِهِ، حَتَّى إِذَا لَم يَبقَ إِلَّا الصَّومُ يَتَحَمَّلُ اللهُ عَنهُ مَا بَقِيَ عَلَيهِ مِنَ المَظَالِمِ وَيُدخِلُهُ بِالصَّومِ الجَنَّةَ»! وَالفَضِيلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ رَمَضَانَ مَحرَقَةُ الذُّنُوبِ وَمَغسَلَةُ الخَطَايَا لِمَن صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا: فَقَد جَعَلَ اللهُ فِي شَهرِ رَمَضَانَ ثَلَاثَةَ أَسبَابٍ عَظِيمَةٍ لِمَحوِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ السَّابِقَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»! قَالَ العلَمَاءُ: مَعنَى «إِيمَانًا»: أَي تَصدِيقًا بِفَرضِيَّتِهِ وَوَعدِ اللهِ فِيهِ، وَمَعنَى «احتِسَابًا»: أَي طَلَبًا لِلأَجرِ مِنَ اللهِ وَحدَهُ بِنَفسٍ طَيِّبَةٍ رَاضِيَةٍ غَيرِ كَارِهَةٍ وَلَا مُستَثقِلَةٍ لِصِيَامِهِ وَلَا لِقِيَامِه! وَالفَضِيلَةُ الثَّالِثَةُ: التَّكرِيمُ الخَاصُّ لِلصَّائِمِينَ بَبَابِ «الرَّيَّانِ» فِي الجَنَّةِ، وَفَرحَتَا الصَّائِمِ، وَطِيبُ خُلُوفِ فَمِهِ عِندَ اللهِ: فَإِنَّ الصَّائِمِينَ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ بَابٌ خَاصٌّ فِي الجَنَّةِ يُنَادَونَ مِنهُ تَشرِيفًا لَهُم وَإِكرَامًا؛ فَقَد أَخرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن سَهلِ بنِ سَعدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم؛ يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، فَإِذَا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَم يَدخُلْ مِنهُ أَحَدٌ»! وَحتَّى تَغَيُّرُ رَائِحَةِ فَمِ الصَّائِمِ بِسَبَبِ خُلُوِّ مَعِدَتِهِ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ عِندَ اللهِ أَزكَى وَأَطيَبُ مِن رِيحِ المِسكِ الأَذْفَر؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحَينِ: «وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ، لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ يَفرَحُهُمَا: إِذَا أَفطَرَ فَرِحَ بِفِطرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ»! وَالفَضِيلَةُ الرَّابِعَةُ: أَنَّهُ شَهرُ القُرآنِ الكَرِيمِ، وَشَفَاعَةُ الصِّيَامِ وَالقُرآنِ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ: فَبَينَ رَمَضَانَ وَالقُرآنِ رِبَاطٌ أَزَلِيٌّ لَا يَنفَكُّ؛ فَفِيهِ نَزَلَ القُرآنُ، وَفِيهِ كَانَ جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ يُدَارِسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ القُرآنَ كُلَّ لَيلَةٍ؛ وَيَومَ القِيَامَةِ يَأتِي الصِّيَامُ وَالقُرآنُ شَفِيعَينِ مُشَفَّعَينِ لِصَاحِبِهِمَا بَينَ يَدَيِ اللهِ؛ كَمَا رَوَى الإِمَامُ أَحمَدُ وَالحَاكِمُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ وَالقُرآنُ يَشفَعَانِ لِلعَبدِ يَومَ القِيَامَةِ؛ يَقُولُ الصِّيَامُ: أَي رَبِّ، مَنَعتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعنِي فِيهِ! وَيَقُولُ القُرآنُ: مَنَعتُهُ النَّومَ بِاللَّيلِ فَشَفِّعنِي فِيهِ! قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ»! وَالفَضِيلَةُ الخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ: لَيلَةُ القَدرِ، وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ، وَمُبَاعَدَةُ الوَجهِ عَنِ النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا: فَفِي رَمَضَانَ لَيلَةٌ وَاحِدَةٌ العَمَلُ فِيهَا خَيرٌ مِنَ العَمَلِ فِي أَلفِ شَهرٍ لَيسَ فِيهَا لَيلَةُ القَدرِ - أَي أَكثَرَ مِن ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً مِنَ العِبَادَةِ المتَّصِلَة -؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ القَدرِ: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾! وَفِي ثَنَايَا آيَاتِ الصِّيَامِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وَضَعَ اللهُ آيَةَ القُربِ الإِلَهِيِّ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ لِيُعلِمَ الصَّائِمَ أَنَّ دَعوَتَهُ لَا تُرَدُّ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾! وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِن عَبدٍ يَصُومُ يَومًا فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا بَاعَدَ اللهُ بِذَلِكَ اليَومِ وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبعِينَ خَرِيفًا»! عِبَادَ اللهِ: وَلِتَعلَمُوا عَظَمَةَ إِدرَاكِ شَهرِ رَمَضَانَ وَكَم يَرفَعُ اللهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ فِي الجَنَّةِ، استَمِعُوا إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ النَّبَوِيَّةِ العَجِيبَةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ وَابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهَا ابنُ حِبَّانَ وَغَيرُهُ عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: أَنَّ رَجُلَينِ مِن قَبِيلَةِ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ إِسلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشدَّ اجتِهَادًا مِنَ الآخَرِ، فَغَزَا المُجتَهِدُ مِنهُمَا فَاستُشهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ مَكَثَ الآخَرُ بَعدَهُ سَنَةً ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَى فِرَاشِهِ! قَالَ طَلحَةُ: فَرَأَيتُ فِي المَنَامِ كَأَنِّي عِندَ بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الآخِرَ أَن يَدخُلَ الجَنَّةَ أَوَّلًا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي استُشهِدَ! فَأَصبَحَ طَلحَةُ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَعَجِبُوا كَيفَ سَبَقَ هَذَا الشَّهِيدَ إِلَى الجَنَّةِ! فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مِن أَيِّ ذَلِكَ تَعجَبُونَ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كَانَ أَشدَّ الرَّجُلَينِ اجتِهَادًا ثُمَّ استُشهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الآخِرُ الجَنَّةَ قَبلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَلَيسَ قَد مَكَثَ هَذَا بَعدَهُ سَنَةً؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «وَأَدرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِن سَجدَةٍ فِي السَّنَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا بَينَهُمَا أَبعَدُ مِمَّا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ»! اللهُ أَكبَر! رَمَضَانُ وَاحِدٌ يُدرِكُهُ المُؤمِنُ فَيَصُومُهُ وَيَقُومُهُ يَرفَعُهُ عِندَ اللهِ دَرَجَاتٍ أَبعَدَ مَا بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرض! وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ تَضَاعَفَ جُودُهُ وَعِبَادَتُهُ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبرِيلُ، فَلَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَجوَدُ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ»! وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتَفَرَّغُونَ فِي رَمَضَانَ لِلقُرآنِ وَالإِطعَامِ؛ فَكَانَ الإِمَامُ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ يَطوِي كُتُبَ الفِقهِ وَالحَدِيثِ وَيُقبِلُ عَلَى المُصحَفِ وَيَقُولُ: «هَذَا شَهرُ القُرآنِ»! وَكَانَ الإِمَامُ الزُّهرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ: «إِنَّمَا هُوَ تِلَاوَةُ القُرآنِ وَإِطعَامُ الطَّعَامِ»! بارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيهِ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم. 🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الصِّيَامَ جُنَّةً مِنَ الآثَامِ وَالنِّيرَان، وَمِدرَسَةً لِتَربِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى التَّقوَى وَالمُرَاقَبَةِ وَالإِحسَان، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَجمَعِين. أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ مِن أَعظَمِ الغَفلَةِ وَالحِرمَانِ أَن يَظُنَّ الإِنسَانُ أَنَّ الصِّيَامَ هُوَ مُجَرَّدُ الإِمسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مِنَ الفَجرِ إِلَى المَغرِبِ، ثُمَّ يَطلِقُ لِلسَانِهِ العِنَانَ فِي الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَذِبِ وَالسِّبَابِ، وَيُطلِقُ لِبَصَرِهِ العِنَانَ فِي النَّظَرِ إِلَى المُحَرَّمَاتِ عَلَى الشَّاشَاتِ وَالقَنَوَاتِ وَالهَوَاتِفِ، وَيُضَيِّعُ أَنفَسَ سَاعَاتِ الشَّهرِ فِي النَّومِ بِالنَّهَارِ وَالسَّهَرِ الفَارِغِ بِاللَّيل! إِنَّ هَذَا لَم يَفقَهْ حَقِيقَةَ الصِّيَامِ؛ فَقَد أَخرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَن لَم يَدَعْ قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهلَ، فَلَيسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»! وَرَوَى ابنُ مَاجَه وَأَحمَدُ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن صِيَامِهِ إِلَّا الجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيسَ لَهُ مِن قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ»! وَقَالَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَلِمَتَهُ الذَّهَبِيَّةَ: «إِذَا صُمتَ فَلْيَصُمْ سَمعُكَ وَبَصَرُكَ وَلِسَانُكَ عَنِ الكَذِبِ وَالمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الخَادِمِ، وَليَكُن عَلَيكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ يَومَ صِيَامِكَ، وَلَا تَجعَلْ يَومَ فِطرِكَ وَيَومَ صِيَامِكَ سَوَاءً»! وَاحذَرُوا - عِبَادَ اللهِ - أَن تَكُونُوا مِمَّن يَمُرُّ عَلَيهِم شَهرُ الرَّحمَةِ وَالمَغفِرَةِ فَيَخرُجُونَ مِنهُ صِفرَ اليَدَينِ مَطرُودِينَ مِنَ الغُفرَان؛ فَقَد صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المِنبَرَ فَدَعَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ وَأَمَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ ابنِ حِبَّانَ وَجامِعِ التِّرمِذِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «رَغِمَ أَنفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انسَلَخَ قَبلَ أَن يُغفَرَ لَهُ»! فَهَذِهِ خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ لِاغتِنَامِ شَهرِ رَمَضَانَ وَالفَوزِ بِكُنُوزِهِ وَفَضَائِلِهِ: أَوَّلًا: استَقبِلُوا شَهرَ رَمَضَانَ وَعِيشُوا أَيَّامَهُ بِتَوبَةٍ صَادِقَةٍ نَصُوحٍ، وَرَدِّ المَظَالِمِ إِلَى أَهلِهَا، وَتَصفِيَةِ القُلُوبِ مِنَ الشَّحنَاءِ وَالقطِيعَةِ حَتَّى تُرفَعَ أَعمَالُكُم وَتُقبَل. ثَانِيًا: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمسِ فِي جَمَاعَةِ المَسجِدِ، وَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَالقِيَامِ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنصَرِفَ؛ فَإِنَّ «مَن قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيلَةٍ» كَمَا صَحَّ فِي السُّنَنِ عَن أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. ثَالِثًا: اجعَلُوا لَكُم وِردًا يَومِيًّا ثَابِتًا مِن تِلَاوَةِ القُرآنِ الكَرِيمِ بِتَدَبُّرٍ وَخُشُوعٍ، وَاحفَظُوا صِيَامَكُم مِنَ الغِيبَةِ وَالنَّظَرِ الحَرَامِ وَلُصُوصِ الأَوقَاتِ فِي القَنَوَاتِ وَالشَّاشَات. رَابِعًا: نَافِسُوا فِي الجُودِ وَالصَّدَقَةِ وَتَفطِيرِ الصَّائِمِينَ وَتَفَقُّدِ الفُقَرَاءِ وَالأَيتَامِ وَالمُحَاصَرِينَ؛ فَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَن زَيدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «مَن فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثلُ أَجرِهِ، غَيرَ أَنَّهُ لَا يَنقُصُ مِن أَجرِ الصَّائِمِ شَيئًا». خَامِسًا: أَلِحُّوا عَلَى اللهِ بِالدُّعَاءِ عِندَ فِطرِكُم وَفِي أَسحَارِكُم وَسُجُودِكُم؛ لَا سِيَّمَا فِي العَشرِ الأَوَاخِرِ، لِتَفُوزُوا بِلَيلَةِ القَدرِ وَبِالعِتقِ الأَبَدِيِّ مِنَ النِّيرَان. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ هَتَفَ فَرَحًا بِنَفَحَاتِ شَهرِ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ: أَتَى رَمَضَانُ مَزرَعَةُ العِبَادِ ... لِتَطهيرِ القُلُوبِ مِنَ الفَسَادِ فَأَدِّ حُقُوقَهُ قَولًا وَفِعلًا ... وَزَادَكَ فَاتَّخِذهُ لِلمَعَادِ فَمَن زَرَعَ الحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا ... تَأَوَّهَ نَادِمًا يَومَ الحَصَادِ هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا - رَحِمَكُمُ اللهُ - عَلَى نَبِيِّ الرَّحمَةِ وَالهُدَى، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الأَحزَاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَهرِ رَمَضَانَ، وَأَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَغَضِّ البَصَرِ وَحِفظِ اللِّسَانِ وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَوَفِّقنَا لِقيَامِ لَيلَةِ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكرَام. اللَّهُمَّ اجعَلنَا وَوَالِدِينَا وَأَهلِينَا وَذُرِّيَّاتِنَا مِن عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ، وَمِن أَهلِ بَابِ الرَّيَّانِ فِي دَارِ القَرَارِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ الأَعمَالِ، وَاختِمْ لَنَا بِالفَوزِ وَالقَبُولِ وَالرِّضوَانِ يَا غَفَّار. اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَفرِّجْ كَربَ المَكرُوبِينَ، وَانصُرِ المُستَضعَفِينَ مِنَ المُؤمِنِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاحفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ سُوءٍ وَمَكرُوهٍ يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِين. عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.