من مكتبة مِداد الخطيب

ليلةُ النِّيرانِ والمَواقِد... بَينَ وَمضِ الشَّرارِ ويَقَظَةِ الأبصار

مشاركة
🕌 ليلةُ النِّيرانِ والمَواقِد... بَينَ وَمضِ الشَّرارِ ويَقَظَةِ الأبصار #خطبة_جمعة #الاعتبار_بالنار #حفظ_المال #حرمة_الإسراف #التشبه_بغير_المسلمين #حق_الجار #الهوية_الإسلامية #أخلاق الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ الضِّياءَ والنُّورَ آيتَينِ من آياتِ قُدرتِه، وجَعَلَ النَّارَ التي يُورِيها العِبادُ تَذكرةً لِدارِ الآخرةِ ومَتاعًا للمُقوِين، وحَرَّمَ الإفسادَ في الأرضِ وإضاعةَ الأموالِ وتَرويعَ الآمِنين. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، يَعلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تُخفي الصُّدور، ويُحاسِبُ العَبدَ على القَليلِ والكَثيرِ والفَتيلِ والقِطمير. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، الذي بَعَثَهُ اللهُ رَحمةً للعالمين، فحَذَّرَ أُمَّتَهُ من عَبَثِ النِّيرانِ والتَّشَبُّهِ بالغافِلين، وأمَرَهم بحِفظِ الجِوارِ واللُّطفِ بالإنسانِ والحَيوان، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: أيُّها المُسلِمون، في مِثلِ هذه الأيَّامِ الباردةِ من كُلِّ عام، يَخرُجُ آلافُ النَّاسِ في جُنحِ الظَّلامِ لِيُحَدِّقوا في سَماءٍ تَشتَعِلُ بالشَّرارِ المُلَوَّن، ويَتَحَلَّقوا حَولَ مَواقِدَ ضَخمةٍ تَأكُلُ الحَطَبَ أكلًا. ثَوانٍ مَعدودةٌ يَرتَفِعُ فيها الوَميضُ ثُمَّ يَنطَفِئ، ولَحَظاتٌ يَعلو فيها الدَّوِيُّ ثُمَّ يَعقُبُهُ دُخانٌ أَسوَدُ يَخنُقُ الأنفاس. وبَينَ صَخَبِ المَفرقعاتِ ورَمادِ المَواقِد، تُحرَقُ مِئاتُ المَلايينِ منَ الأموالِ في الهَواء، وتَذوبُ هُوِيَّةُ كَثيرٍ منَ المُسلِمينَ في تَقليدٍ أعمى لِطقوسٍ لا تَمُتُّ إلى دينِهم بصِلة، فمَا الذي يَراهُ المُؤمِنُ البَصيرُ حينَ يَنظُرُ النَّاسُ إلى شَرارِ السَّماء؟ عبادَ الله، عجيبٌ أمرُ الإِنسانِ حينَ تَخطَفُ بَصَرَهُ الأضواءُ الصِّناعيَّةُ العابِرة، فيَذهَلُ بها عنِ النُّورِ الباقي الذي لا يَنطَفِئ. وعجيبٌ حالُ القُلوبِ حينَ تَفرَحُ باشتِعالِ النِّيرانِ في مَواسمِ اللَّهوِ المسَمَّاةِ بـ«ليلةِ الألعابِ النَّاريَّةِ والمَواقِد»، فلا تَتَذَكَّرُ بتلكَ الشُّعلةِ ما أَرادَ اللهُ لها أن تَتَذَكَّرَه، ولا تَسمَعُ في أَزيزِها المَوعِظةَ التي أودَعَها الخالِقُ فيها. هَل سَأَلتَ نَفسَكَ يومًا وأنتَ تَرى النَّارَ تَلتَهِمُ الحَطَبَ في لَيالي الشِّتاءِ والخَريف: لِماذا خَلَقَ اللهُ هذهِ النَّارَ أصلًا؟ وهَلِ استَوقَفَكَ يومًا أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ حينَ ذَكَرَ النَّارَ الدُّنيويَّةَ في القُرآن، قَدَّمَ وَظيفَتَها الوَعظيَّةَ الإيمانيَّةَ على وَظيفَتِها المادِّيَّةِ الحَياتيَّة؟ اسمَعوا بآذانِ قُلوبِكم إلى هذا السُّؤالِ الإلهيِّ المَهيبِ في سورةِ الواقِعة، حيثُ يُخاطِبُنا رَبُّنا تباركَ وتعالى فيَقول: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ۝ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ ۝ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ [سورة الواقعة: 71-73]. تأمَّلوا يا عِبادَ اللهِ دِقَّةَ التَّرتيبِ القُرآني! لم يَقُلْ رَبُّنا جَلَّ جَلالُه: «جَعَلناها مَتاعًا وتَذكرة»، بل بَدَأَ بقولِه: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ قبلَ أن يَذكُرَ أنَّها مَتاعٌ للمُسافِرينَ والمُستَدفِئين. فالنَّارُ في عَينِ المُؤمِنِ قَبلَ أن تَكونَ دِفئًا للجَسَد، أو زينةً تَلمَعُ في الأُفُق، هي «تَذكرة» تُوقِظُ القَلبَ الغافِل. قالَ الإمامُ قَتادةُ رَحِمَهُ اللهُ في تَفسيرِ هذهِ الآية: «أي جَعَلَها اللهُ تَذكرةً للنَّارِ الكُبرى؛ فإذا رأيتَ نارَ الدُّنيا فاذكُرْ نارَ الآخرة». فكَيفَ انقَلَبَتِ الآيةُ في زَمانِنا هذا يا أُمَّةَ الإِسلام؟ كَيفَ تَحَوَّلَتِ «التَّذكرةُ» التي وُضِعَت لِتَرقَّ بها القُلوبُ وتَدمَعَ بها العُيون، إلى مَهرجاناتٍ للصَّخَبِ والغَفلة، يَتَسابقُ فيها النَّاسُ إلى إضرامِ المَواقِدِ وإطلاقِ القَذائفِ المُلَوَّنةِ دونَ أن يَخطُرَ ببالِ أَحَدِهم مَوقِفُ العَرضِ على الجَبَّار؟ ولَقد نَبَّهَنا الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ إلى النِّسبةِ الحَقيقيَّةِ بَينَ كُلِّ ما نَراهُ من نِيرانِ الدُّنيا وبَينَ نارِ الآخرة، فقالَ في الحَديثِ الصَّحيح: «نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً! قَالَ: «فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا، كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا» (متفق عليه). اللهُ أَكبَر! إنَّ كُلَّ مَوقِدٍ تَرَونَهُ يَشتَعِلُ في تِلكَ اللَّيالي، وكُلَّ شَرارةٍ تَنفَجِرُ في كَبِدِ السَّماء، ما هيَ إلا جُزءٌ واحِدٌ خُفِّفَ وسُخِّرَ لِلبَشَر، فكَيفَ بالتي فُضِّلَت عليها بتِسعةٍ وسِتِّينَ ضِعفًا؟ لقد كانَ السَّلَفُ الصَّالحُ رَحِمَهُمُ اللهُ إذا رَأَوا شُعلةَ نارٍ في طَريقِهم تَغَيَّرَت ألوانُهم، وارتَعَدَت فرائصُهم. هذا الأحنَفُ بنُ قَيسٍ رَحِمَهُ اللهُ — سيِّدُ أهلِ البَصرةِ وحَكيمُها — كانَ يَجلسُ في جَوفِ اللَّيلِ إلى المِصباحِ الصَّغير، فيُدني إصبَعَهُ من لَهَبِ الفتيلةِ حتَّى يَشعُرَ بحَرِّها، ثُمَّ يُخاطِبُ نَفسَهُ باكيًا ويَقول: «حِسِّ يا حُنَيف! ما حَمَلَكَ على ما صَنَعتَ يومَ كذا؟ ما حَمَلَكَ على ما صَنَعتَ يومَ كذا؟ أيَحتَمِلُ جَسَدُكَ الضَّعيفُ نارَ الجَبَّارِ يومَ القِيامةِ وأنتَ لا تَصبِرُ على ذُبالةِ مِصباح؟!». شتَّانَ يا عِبادَ اللهِ بَينَ قَومٍ كانوا يَنظُرونَ إلى فتيلةِ المِصباحِ فتَقودُهم إلى التَّوبةِ والمُحاسَبة، وبَينَ مَن يَنظُرُ إلى أطنانِ النِّيرانِ تَشتَعِلُ أمامَ عَينَيهِ فلا تَزيدُهُ إلا لَهوًا وغَفلة! أيُّها المُؤمِنون، إنَّ البَشَريَّةَ حينَ تَفقِدُ نورَ الوَحيِ الإلهيِّ تَحسَبُ أنَّ الوَميضَ الصَّاخِبَ يُبدِّدُ وَحشَتَها، وتَظُنُّ أنَّ الشَّرارَ المُلَوَّنَ الذي يَلمَعُ ثانيةً في السَّماءِ كافٍ لإضاءةِ ظُلُماتِ الرُّوح. ولِهذا فَرَّقَ القُرآنُ الكَريمُ تَفريقًا بَديعًا بَينَ «النُّور» وبَينَ «النَّار». فالنُّورُ يَبعَثُ الطُّمأنينةَ والإبصارَ والسَّلام، وأمَّا النَّارُ ففيها الإحراقُ والدُّخانُ والانطِفاءُ السَّريع. وتأمَّلوا قولَهُ سبحانه وتعالى في مَطالعِ سورةِ البَقَرةِ وهوَ يَضرِبُ المَثَلَ لِمَنِ استَعاضَ بوهَجِ النَّارِ المؤَقَّتِ عن نورِ الإيمانِ الدَّائم: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة البقرة: 17]. إنَّها صُورةٌ مُطابِقةٌ تمامًا لِحالِ مَن يَطلُبُ السَّعادةَ في فُرقعاتِ اللَّيلِ العابِرة! يَستَوقِدُ النَّار، فتُضيءُ ما حَولَهُ لَحظةً خاطِفة، فإذا انتَهى العَرضُ وانقَشَعَ الوَميض، عادَ إلى ظُلُماتِ القَلَقِ والوَحدةِ والفَراغِ الرُّوحيِّ أَشَدَّ مِمَّا كان. أَمَّا المُؤمِنُ فإنَّهُ يَستَمِدُّ ضِياءَهُ من مَصدَرٍ لا يَنقَطِعُ ولا يَخبو، منَ اللهِ جَلَّ في عُلاه، القائلِ في كِتابِه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور: 35]. وقَد قَرَّرَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ نورَ الإيمانِ إذا استَقَرَّ في القَلبِ أضاءَ لِصاحِبِهِ الطَّريقَ في ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ والشَّهَوات، فمَن لم يَجعَلِ اللهُ لهُ نورًا منَ الوَحيِ فمَا لهُ من نور، ولو أَوقَدَ حَولَهُ مَواقِدَ الأرضِ كُلَّها. ولِنَنتَقِلْ معًا يا عِبادَ اللهِ إلى زاويةٍ أُخرى أَشدَّ خَطَرًا وأعظَمَ وِزرًا في مِثلِ هذهِ اللَّيالي. تَخَيَّلوا معي رجلًا أَخرَجَ من جَيبِهِ مِئةَ دينارٍ أو مِئةَ جُنَيهٍ مِمَّا كَدَّ فيهِ وتَعِبَ طَوالَ أُسبوعِه، ثُمَّ أَخرَجَ عودَ ثِقابٍ فأَحرَقَ تِلكَ الأوراقَ النَّقديَّةَ أمامَ أعيُنِ النَّاسِ حتَّى صارَت رَمادًا تَذروهُ الرِّياح! ماذا سَيَقولُ النَّاسُ عنه؟ أَلَن يَعُدُّوهُ سَفيهًا مُضَيِّعًا لِمالِه، مُستَحِقًّا لِلحَجرِ والملامة؟ فمَا الفَرقُ باللهِ علَيكُم بَينَ مَن يُحرِقُ الوَرَقةَ النَّقديَّةَ بنَفسِها، وبَينَ مَن يَشتَري بها فَتيلًا وبارودًا، ثُمَّ يُشعِلُ فيها النَّارَ لِتَنفَجِرَ في الهَواءِ بعدَ ثَوانٍ مَعدودات، فلا يَبقى منها إلا دُخانٌ خَبيثٌ ورَمادٌ مُتَناثِر؟! إنَّها المَأسَاةُ الاقتصاديةُ والأخلاقيَّةُ التي تَكشِفُها الإحصائيَّاتُ والأرقامُ الصَّادِمةُ في كُلِّ عام! أَتَدرونَ كَم يُحرَقُ في السَّماءِ في هَذِهِ المَواسِمِ المَعدودة؟ تُشيرُ التَّقديراتُ والإحصائيَّاتُ الاقتصاديَّةُ إلى أنَّ ما يُنفَقُ سَنويًّا على الألعابِ النَّاريَّةِ والمَفرقعاتِ في بَلَدٍ واحِدٍ كَبريطانيا يَتَجاوَزُ مِئَتي مِليونٍ إلى ثَلاثِمِئةِ مِليونِ جُنَيهٍ إستَرلينيٍّ، بَينَما يَتَجاوَزُ الإنفاقُ في الوِلاياتِ المُتَّحِدةِ مِليارَي دُولارٍ سَنويًّا، وتُحرَقُ مِلياراتُ الدُّولاراتِ حَولَ العالَمِ في سَاعاتٍ قَليلةٍ لِتَتَحَوَّلَ إلى دُخانٍ يَذهَبُ في الهَواء! مِئاتُ المَلايينِ تُبدَّدُ في لَيلةٍ واحِدة، بَينَما الملايينُ منَ البَشَرِ في مَشارِقِ الأرضِ ومَغارِبِها يَرتَجِفونَ منَ البَردِ تحتَ الخِيامِ المُمَزَّقة، ولا يَجِدونَ كِسرةَ خُبزٍ يَسُدُّونَ بها جوعَةَ أطفالِهم، ولا شربةَ دَواءٍ يُداوونَ بها مَرضاهم! أَيُعقَلُ أن يَشتَريَ المُسلِمُ بمالِهِ دُخانًا يَطيرُ في السَّماء، ثُمَّ إذا دُعِيَ إلى إطعامِ جائعٍ أو كِسوةِ عارٍ أو إغاثةِ مَلهوفٍ شَحَّت نَفسُهُ وتَعَلَّلَ بضِيقِ الحَال؟ اسمَعوا إلى قَارِعةِ القُرآنِ وهيَ تَصِفُ هَؤلاءِ المُبَذِّرينَ بِوَصفٍ يَخلَعُ القُلوبَ الحَيَّة، حيثُ يَقولُ المَولى تباركَ وتعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ۝ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [سورة الإسراء: 26-27]. قِفوا طَويلًا عندَ هذهِ الكَلِمة: ﴿إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾! لِماذا جَعَلَ اللهُ المُبَذِّرَ أخًا للشَّيطانِ وقَرينًا له؟ لأنَّ الشَّيطانَ لا يَأكُلُ ولا يَنتَفِع، وإنَّما غايَتُهُ إتلافُ النِّعَمِ وإفسادُها على بَني آدَمَ كُفرانًا بنِعمةِ الله، فمَن أَحرَقَ مالَهُ في الهَواءِ لِغَيرِ مَنفَعةٍ مشروعةٍ فقد شابَهَ الشَّيطانَ في الإتلافِ وكُفرانِ النِّعمة. وقد سُئِلَ الصَّحابيُّ الجَليلُ عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ عنِ التَّبذيرِ فقال: «التَّبذيرُ: الإنفاقُ في غيرِ حَقٍّ». وقالَ الإمامُ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ الله: «لو أنفَقَ إنسانٌ مالَهُ كُلَّهُ في الحَقِّ لم يَكُن مُبَذِّرًا، ولو أنفَقَ مُدًّا في باطِلٍ كانَ تَبذيرًا». مُدٌّ واحِدٌ — أي مِلءُ الكَفَّينِ — إذا أُنفِقَ في باطلٍ وعَبَثٍ كُتِبَ عندَ اللهِ تَبذيرًا، فكَيفَ بمَن يُنفِقُ المِئاتِ والأُلوفَ في مَفرقعاتٍ تُؤذي الخَلقَ وتُبدِّدُ الرِّزق؟ ويُؤَكِّدُ رَبُّنا جَلَّ وعلا هذا الأصلَ الجامِعَ في حِفظِ النِّعَمِ بقولِه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [سورة الأعراف: 31]. فالإسرافُ والتَّبذيرُ يَسلُبانِ العَبدَ مَحبَّةَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويُوقِفانِهِ يومَ القِيامةِ مَوقِفًا عَسيرًا لا يَملِكُ فيهِ جَوابًا. وتأملوا هذا الحديثَ العظيمَ الذي يُصَوِّرُ لنا دِقَّةَ السُّؤالِ الإلهيِّ عن كُلِّ دِرهَمٍ ودينار، حيثُ يَقولُ النَّبيُّ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح). أعِدَّ الجَوابَ يا عبدَ اللهِ منَ الآن! حينَ تَقِفُ حافيًا عاريًا بينَ يَدَيِ الله، فتُسأَلُ عنِ المالِ سُؤالَينِ لا سُؤالًا واحِدًا: من أينَ اكتَسَبتَه؟ وفيمَ أنفَقتَه؟ فبِأيِّ وَجهٍ يَقولُ العَبدُ لِرَبِّه: يا رَبِّ، آتَيتَني المالَ فاشترَيتُ بهِ نِيرانًا أَحرَقتُها في الهَواءِ لأَسمَعَ دَوِيَّها وأرى دُخانَها؟! ولِذَلكَ جَمَعَ المصطفى ﷺ أُصولَ المَنهيَّاتِ التي يَمقُتُها الرَّحمنُ في كَلِماتٍ مَعدودات، فقالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ» (متفق عليه). وأيُّ إضاعةٍ للمالِ أَشدُّ وأَقبَحُ من تَحويلِهِ بأَيدينا إلى شَرارٍ يَطيرُ ورَمادٍ يَسقُط؟ واسمَعوا يا عِبادَ اللهِ إلى قِصَّةٍ قُرآنيَّةٍ تَهتَزُّ لها الضَّمائر، قِصَّةِ قَومٍ آتاهُمُ اللهُ مالًا وبَساتينَ يانِعة، فلمَّا جَحَدوا حَقَّ الفُقَراءِ والمَساكينِ فيها، سَلَّطَ اللهُ عليها نارًا منَ السَّماءِ فجَعَلَتها رَمادًا أَسوَدَ في لَيلةٍ واحِدة! عاشَ أصحابُ تِلكَ الجَنَّةِ في رَغَدٍ منَ العَيش، حتَّى ماتَ أبوهُمُ الصَّالحُ الذي كانَ يُعطِي المَساكينَ حَقَّهم يومَ الحَصاد. فاجتَمَعَ الأبناءُ في لَيلةٍ مُظلِمة، وتَآمَروا فيما بَينَهم، وقالوا: لَقَد كانَ أبونا أحمَقَ يُضَيِّعُ ثَمَرَنا على الفُقَراء، واللَّيلةَ نُبيِّتُ النِّيَّةَ أن نَخرُجَ معَ الفَجرِ فنَحصُدَ البُستانَ كُلَّهُ في الظَّلامِ قبلَ أن يَستَيقِظَ مِسكينٌ واحِد! ناموا على تِلكَ النِّيَّةِ السَّوداء، وظَنُّوا أنَّهم قَادِرونَ على مَنعِ حَقِّ الله، فمَاذا حَدَثَ في جَوفِ اللَّيل؟ يَقصُّ علَينا رَبُّنا جَلَّ وعلا خَبَرَهم فيَقول: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ۝ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ۝ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ۝ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [سورة القلم: 17-20]. فَلَمَّا استَيقَظوا وتَسلَّلوا يَتَخافَتونَ بالهَمسِ حتَّى لا يَسمَعَهم فَقير، وَقَفوا أمامَ جَنَّتِهم فإذا هيَ كالصَّريم — أي كاللَّيلِ المُظلِمِ من شِدَّةِ السَّوادِ والاحتِراق! صاحوا مَذهولين: ﴿إِنَّا لَضَالُّونَ﴾! لَعَلَّنا أخطَأنا الطَّريقَ ولَيسَت هذهِ جَنَّتَنا! فلمَّا تَيَقَّنوا أنَّها هيَ، وأنَّ كُلَّ ما بَخِلوا بهِ عنِ المَساكينِ قد أَكَلَتهُ النَّار، نَدِموا حينَ لا يَنفَعُ النَّدَم، وقالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾! فيا لَلعَجَبِ يا عِبادَ الله! أولئكَ عُوقِبوا بأن تَحَوَّلَ مالُهم إلى رَمادٍ أَسوَدَ لأنَّهم مَنَعوا المِسكين، فمَا بالُ أقوامٍ في زَمانِنا يُحَوِّلونَ أموالَهم بأَيديهمُ اختِيارًا إلى رَمادٍ ودُخانٍ في «لَيالي المَواقِدِ والألعابِ النَّاريَّة»، والمَساكينُ والمَلهوفونَ من حَولِهم يَنتَظِرونَ لُقمةً تُطِعِمُهم أو دِفئًا يَستُرُهم؟! معاشِرَ المُصلِّين، وهُنا نَصِلُ إلى الأمرِ الأخطَرِ الذي لا يَجوزُ لمُسلِمٍ أن يَغفُلَ عنه: إنَّه حَقُّ الجِوارِ وحُرمةُ إيذاءِ الخَلقِ وتَرويعِ الآمِنين. إنَّ اللَّيلَ خَلَقَهُ اللهُ سَكَنًا ولباسًا، يَأوي فيهِ المَريضُ إلى فِراشِه، ويَنامُ فيهِ الطِّفلُ الرَّضيعُ في مَهدِه، ويَستَريحُ فيهِ الشَّيخُ الكَبيرُ والعامِلُ الكادِحُ من عَناءِ نَهارِه، وتَسْكُنُ فيهِ الطُّيورُ والدَّوابُّ في أوكارِها. فإذا بـ«ليلةِ الألعابِ النَّاريَّةِ» تَنقَلِبُ في الأحياءِ السَّكَنيَّةِ إلى ساحةِ انفِجاراتٍ تَهُزُّ النَّوافِذَ وتُفزِعُ القُلوب! كَم من مَريضٍ بالقلبِ أوِ الأَعصابِ باتَ لَيلَتَهُ يَرتَجِفُ من دَوِيِّ المَفرقعاتِ تحتَ نافِذَتِه؟ وكَم من طِفلٍ رَضيعٍ أو مُصابٍ بالتَّوَحُّدِ أوِ الصَّدَماتِ النَّفسيَّةِ استَيقَظَ يَصرُخُ مَفزوعًا لا يَدري ما الذي دَهَمَهُ في ظَلامِ اللَّيل؟ وكَم من شَيخٍ كَبيرٍ أوِ امرأةٍ ضَعيفةٍ حُرِموا نِعمةَ النَّومِ والأَمانِ بسَبَبِ طَيشِ عابِثٍ يَحسَبُ أنَّ حُرِّيَّتَهُ في اللَّهوِ تَعلو على حُقوقِ العِباد؟ لَقَد حَسَمَ القُرآنُ الكَريمُ حُرمةَ الأذى بكُلِّ صُوَرِه، فقالَ المَولى جَلَّ في عُلاه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [سورة الأحزاب: 58]. وقَرَنَ اللهُ سبحانهُ الإحسانَ إلى الجارِ — مُسلِمًا كانَ أو غيرَ مُسلِم، قَريبًا كانَ أو بَعيدًا — بتَوحيدِهِ وعِبادَتِه، فقالَ عزَّ من قائل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾ [سورة النساء: 36]. بلِ اسمَعوا إلى هذا القَسَمِ النَّبويِّ المُتَكَرِّرِ ثلاثَ مَرَّاتٍ من فَوقِ المِنبَر، الذي يَنفي كَمالَ الإيمانِ عَمَّن يُقلِقُ جِيرانَهُ ويُؤذيهِم، حيثُ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ»، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (رواه البخاري). والبَوائقُ هيَ الغَوائِلُ والشُّرورُ والأذى بكُلِّ ألوانِه؛ منَ الصَّوتِ المُزعِج، والدُّخانِ الخانِق، والشَّرارِ المُتَطايِرِ الذي يَسقُطُ على بُيوتِ النَّاسِ ومَركَباتِهم. وكَيفَ يَرضى مُسلِمٌ أن يَكونَ سَبَبًا في فَزَعِ الآمِنين، وقد وَضَعَ الحَبيبُ المصطفى ﷺ قاعدةً صارِمةً في حِمايةِ الأَمنِ النَّفسيِّ لِلبَشَرِ فقال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح)؟ ولَيسَ الأمرُ مَقصورًا على البَشَرِ فَحَسب! فإنَّ رَحمةَ الإِسلامِ تَتَّسِعُ لِتَشمَلَ الطَّيرَ في عُشِّه، والحَيوانَ الأَعجَمَ في مَأواه، والحَشَراتِ في جُحورِها. أَتَدرونَ ماذا تَفعَلُ الألعابُ النَّاريَّةُ والمَواقِدُ الضَّخمةُ في تِلكَ اللَّيلةِ بالكائناتِ الضَّعيفة؟ تُشيرُ إحصائيَّاتُ جَمعيَّاتِ الرِّفقِ بالحَيوانِ إلى أنَّ عَشَراتِ الآلافِ منَ الحَيواناتِ الأَليفةِ والطُّيورِ البرِّيَّةِ تُصابُ بالذُّعرِ الشَّديدِ أو تَنفُقُ سَنويًّا في هَذِهِ اللَّيالي؛ إذ تَنفِرُ الطُّيورُ من أَعشاشِها في الظَّلامِ الدَّامِسِ مَرعوبةً من دَوِيِّ الانفِجارات، فتَصطَدِمُ بالجُدرانِ والأشجارِ وتَموت، وتَأوي القَنافِذُ والحَيواناتُ الصَّغيرةُ إلى أكوامِ الحَطَبِ المَجموعِ طلبًا للدِّفء، فإذا بالنَّاسِ يُضرِمونَ فيها النَّارَ فتَحتَرِقُ حَيَّةً دونَ أن يَشعُرَ بها أَحَد! عُودوا معي يا عِبادَ اللهِ إلى مَشهَدٍ نَبويٍّ خالِد، يَرويهِ لنا عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، لِتَرَوا كَيفَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَتعامَلُ معَ النَّارِ ومعَ أضعَفِ المَخلوقات. كانَ الصَّحابةُ رَضِيَ اللهُ عنهم في سَفَرٍ معَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فانطَلَقَ النَّبيُّ ﷺ لِحاجَتِه، فرَأى الصَّحابةُ حُمَّرةً — وهيَ طائرٌ صَغيرٌ — معها فَرخانِ لها، فأَخَذوا فَرخَيها. فجاءَتِ الأُمُّ المَفجوعةُ تَفرِشُ جَناحَيها وتُرفرِفُ في الهَواءِ فَوقَ رُؤوسِهم، تَصيحُ وتَستَغيثُ على صِغارِها! فجاءَ الرَّحمةُ المُهداةُ ﷺ فرَأى ذلكَ المَشهَد، فقالَ غاضِبًا ومُستَنكِرًا: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا!». ثُمَّ سارَ ﷺ خُطُواتٍ فرَأى قَريةَ نَملٍ قد حَرَّقَها بَعضُهم بالنَّار، فَوَقَفَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقال: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟» قالوا: نَحنُ يا رَسولَ الله. فقالَ ﷺ كَلِمَتَهُ التي هَزَّتِ التَّاريخ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» (رواه أبو داود بإسناد صحيح). تأملوا هذا الأدبَ النبويَّ الرفيع! طائرٌ صَغيرٌ يُفجَعُ فلا يَرضى النَّبيُّ ﷺ بِرَوعَتِه، وقَريةُ نَملٍ تُحرَقُ فيَغضَبُ ﷺ ويُقَرِّرُ أنَّ النَّارَ لا يُعَذِّبُ بها إلا خالِقُها جَلَّ وعلا. فأينَ هذا المَنهَجُ الرَّحيمُ مِمَّن يُطلِقُ القَذائفَ النَّاريَّةَ في جَوفِ اللَّيلِ فيُفزِعُ الشُّيوخَ والأطفالَ والطُّيورَ والدَّوابَّ، ويُسمِّي ذلكَ تَرفيهًا وابتِهاجًا؟! يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ ﷺ، إنَّ النَّارَ لم تُخلَقْ لِتَكونَ لُعبةً في أيدي الصِّبيانِ والسُّفَهاء، وإنَّ لُغةَ الأرقامِ الرَّسميَّةِ تَكشِفُ لنا حَجمَ الكارِثةِ الصِّحِّيَّةِ والبيئيَّةِ التي تُخَلِّفُها هَذِهِ اللَّيالي في كُلِّ عام! ففي هَذَا المَوسِمِ وَحدَهُ، تَتَلَقَّى فِرَقُ الإطفاءِ والطَّوارئِ آلافَ البَلاغاتِ عن حَرائقَ وحَوادِثَ في لَيلةٍ واحِدة — بَلَغَت في بَعضِ الإحصائيَّاتِ أَكثَرَ من أَربَعةِ آلافِ حادِثِ حَريقٍ في مَوسِمٍ واحِد! ويُنقَلُ إلى أقسامِ الطَّوارئِ والمُستَشفَياتِ سَنويًّا آلافُ المُصابينَ بحُروقٍ بَليغةٍ وجُروحٍ غائرةٍ في الأيدي والوُجوهِ والعُيون، وتُشيرُ التَّقاريرُ الطِّبِّيَّةُ إلى أنَّ نِصفَ هَؤلاءِ الضَّحايا تَقريبًا هُم منَ الأطفالِ واليافِعينَ دُونَ سِنِّ الثَّامِنةَ عَشْرة! كَم من طِفلٍ فَقَدَ عَينَهُ التي يُبصِرُ بها بسَبَبِ شَرارةٍ طائشة! وكَم من شابٍّ بُتِرَت أصابِعُهُ أو تَشَوَّهَ وَجهُهُ بانفِجارِ لُعبةٍ ناريَّةٍ في يَدِه! أَضِفْ إلى ذلكَ آلافَ الأطنانِ منَ الغازاتِ السَّامَّةِ والمعادِنِ الثَّقيلةِ والجُزَيئاتِ الدَّقيقةِ التي تَنفُثُها المَواقِدُ والبارودُ في الهَواء، فتُضاعِفُ نِسَبَ التَّلَوُّثِ الجَوِّيِّ في تِلكَ اللَّيلةِ أضعافًا مُضاعَفة، وتَخنُقُ صُدورَ المَرضى والمُصابينَ بالرَّبوِ وضِيقِ التَّنَفُّس! لَقَد احترَقَ بَيتٌ في المَدينةِ على أهلِهِ منَ اللَّيلِ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ، فلمَّا أُخبِرَ بشَأنِهم لم يَمُرَّ على الحادِثةِ مُرورَ العابِرين، بل وَضَعَ للأُمَّةِ قانونًا وقائيًّا صَريحًا، فقالَ صَلَواتُ رَبِّي وسَلامُهُ عليه: «إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ» (متفق عليه). انظُروا إلى دِقَّةِ الوَصفِ النَّبويّ: «إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ»! والعاقِلُ لا يَلعَبُ معَ عَدُوِّه، ولا يَضَعُ العَدُوَّ في أيدي أطفالِهِ لِيَلهوا بهِ في الشَّوارعِ والحَدائق! فاللهُ تباركَ وتعالى استَأمنَنا على أَجسادِنا وأَرواحِنا وأَموالِنا وبيئَتِنا، وحَرَّمَ علَينا أن نُعرِّضَها للهَلاكِ أوِ الفَساد، فقالَ جَلَّ شَأنُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة البقرة: 195]. وقالَ سبحانهُ محذِّرًا من إفسادِ العُمرانِ وتَلويثِ الهَواءِ والأرضِ وإضرارِ الخَلق: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [سورة الأعراف: 56]. معاشِرَ المُوحِّدين، وثَمَّةَ قَضيَّةٌ عَقَديَّةٌ كُبرى هيَ أَصلُ هذا البَلاءِ كُلِّه، ولا يَسَعُ المُؤمِنَ أن يَغفُلَ عنها أو يُجامِلَ فيها: إنَّها قَضيَّةُ الهُوِيَّةِ الإِسلاميَّة، وخَطَرُ التَّشَبُّهِ بغَيرِ المُسلِمينَ في أعيادِهم ومَواسِمِهم وطُقوسِهم! هَل سَأَلَ المُسلِمُ الذي يُشارِكُ في «لَيلةِ المَواقِدِ والألعابِ النَّاريَّةِ» نَفسَهُ يومًا: ما أَصلُ هَذِهِ اللَّيلة؟ ومن أينَ نَبَتَت في التَّاريخ؟ إنَّها لَيلةٌ تَعودُ جُذورُها التَّاريخيَّةُ إلى صِراعاتٍ دينيَّةٍ وطائفيَّةٍ قديمةٍ بينَ طَوائفِ النَّصارى في أُوروبَّا قبلَ أَربَعَةِ قُرون، حينَ أُشعِلَتِ النِّيرانُ احتِفالًا بنَجاةِ مَلِكِهم من مُؤامَرةِ تَفجيرِ البَرلَمان، وامتَزَجَت تِلكَ العادةُ بطُقوسٍ وَثَنيَّةٍ قديمةٍ كانتْ تُوقِدُ النِّيرانَ العَظيمةَ في مَواسِمِ الخَريفِ والشِّتاءِ لِطَردِ الأرواحِ الشِّرِّيرةِ وإحراقِ الدُّمى في زَعمِهم! فمَا شَأنُ المُؤمِنِ المُوحِّدِ — الذي يَسجُدُ للهِ وَحدَهُ ويَتَبَرَّأُ من كُلِّ شِركٍ ووَثَنيَّة — بمَواسِمَ صُنِعَت لِطُقوسِ غَيرِ المُسلِمينَ وصِراعاتِهمُ التَّاريخيَّةِ والعَقَديَّة؟! لَقَد حَطَّمَ القُرآنُ الكَريمُ كُلَّ تَبَعيَّةٍ عَمياء، وأَمَرَ المُؤمِنَ بالاستِعلاءِ بدِينِهِ والاعتِزازِ بشَريعَتِه، فقالَ اللهُ جلَّ في عُلاه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الجاثية: 18]. وحَذَّرَنا رَبُّنا سُبحانهُ منَ الانسِياقِ خَلفَ أَهلِ الكِتابِ والمُشرِكينَ طَمعًا في رِضاهم أو ذَوَبانًا في مُجتَمَعاتِهم، فقالَ عزَّ من قائل: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة: 120]. ولَقَد أَخبَرَنا الصَّادقُ المَصدوقُ ﷺ بخَطَرِ هذا المُنحَدَرِ الذي يَبدأُ بخُطوةٍ صَغيرةٍ منَ التَّقليدِ في الظَّاهِر، حتَّى يَنتَهيَ بالانسِلاخِ الكامِلِ والتَّبَعيَّةِ المُطلَقة، فقالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ؟!» (متفق عليه). تأمَّلوا يا عِبادَ اللهِ تَصويرَ النَّبيِّ ﷺ: «شِبرًا بشِبر، وذِراعًا بذِراع»! يَبدأُ الأمرُ بمُجامَلةٍ في شَمعةٍ أو لُعبةٍ ناريَّةٍ يَشتَريها الأبُ لأولادِهِ بحُجَّةِ إدخالِ السُّرور، ثُمَّ يَتَّسِعُ الخَرقُ حتَّى يُشارِكَهم في أعيادِهم ومَواسِمِهم، ثُمَّ يَألَفُ القَلبُ عاداتِهم حتَّى يَدخُلَ مَعَهم جُحرَ الضَّبِّ على ضِيقِهِ وظُلمَتِهِ وهَلاكِه! ولِذَلكَ وَضَعَ النَّبيُّ ﷺ القاعِدةَ الشَّرعيَّةَ الفاصِلةَ التي تَحمي هُوِيَّةَ الأُمَّةِ وتَقطَعُ دابِرَ التَّمييعِ والتَّقليد، فقالَ صَلَواتُ رَبِّي وسَلامُهُ عليه: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (رواه أبو داود وأحمد بإسناد حسن). يا لها من كَلِمةٍ تَرتَعِدُ لها فرائصُ المُؤمِن! قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ اللهُ في كِتابِهِ العَظيمِ «اقتِضاءُ الصِّراطِ المُستَقيم»: «وهذا الحَديثُ أَقَلُّ أحوالِهِ أنَّهُ يَقتَضي تَحريمَ التَّشَبُّهِ بهم، وإن كانَ ظاهِرُهُ يَقتَضي كُفرَ المُتَشَبِّهِ بهم... والمُشابَهةُ في الأُمورِ الظَّاهِرةِ تُورِثُ تَناسُبًا وتَشابُهًا في الأخلاقِ والأعمال، والمُشارَكةُ في الهَديِ الظَّاهِرِ تُورِثُ مَوَدَّةً ومَحَبَّةً ومُوالاةً في الباطِن». وعندَما قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ المَدينةَ النَّبويَّة، وَجَدَ لأهلِها يَومَينِ من أيَّامِ الجاهِليَّةِ يَلعَبونَ ويَحتَفِلونَ فيهِما، فلم يَترُكْهُم عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ على عاداتِهمُ القَديمةِ بحُجَّةِ أنَّها مُجَرَّدُ تَرفيهٍ ولَعِب، بل حَسَمَ الأمرَ وبَنَى للأُمَّةِ هُوِيَّتَها المُستَقِلَّةَ في أفراحِها وأعيادِها، فقالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ» (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح). فالأعيادُ والمَواسِمُ الاحتِفاليَّةُ في الإِسلامِ عِبادةٌ وشَعيرة، ولَيسَت عاداتٍ يُستَدرَكُ عليها أو يُستَورَدُ فيها من طُقوسِ الآخَرين! ولَقد حَذَّرَ الصَّحابيُّ الجَليلُ عبدُ اللهِ بنُ عَمرو بنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما من مُشارَكةِ غَيرِ المُسلِمينَ في مَواسِمِهم، فقالَ كلمتَهُ المأثورة: «مَنْ بَنَى بِبِلَادِ الْأَعَاجِمِ فَصَنَعَ نَيْرُوزَهُمْ وَمِهْرَجَانَهُمْ، وَتَشَبَّهَ بِهِمْ حَتَّى يَمُوتَ وَهُوَ كَذَلِكَ، حُشِرَ مَعَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه البيهقي وصحح إسناده ابن تيمية). إنَّ المُسلِمَ يا عِبادَ اللهِ صاحِبُ هُوِيَّةٍ راسِخةٍ وعَقلٍ رَشيد، لا يَنساقُ كَالأَمعَةِ وراءَ كُلِّ صَيحةٍ وعادةٍ دونَ أن يَعرضَها على ميزانِ الشَّرعِ والعَقل. فبَدَلَ أن يَنخَرِطَ في ذُلِّ التَّشَبُّهِ أو سَفَهِ التَّبذيرِ أو فَوضى الإيذاء، يَحفَظُ دِينَهُ وأهلَهُ وبَيتَه، ويَربِطُ قُلوبَ أبنائهِ بعِزَّةِ الإِسلامِ وأعيادِهِ الرَّبَّانيَّة، ويُعَلِّمُهم أنَّ المُسلِمَ مَصدَرُ أَمانٍ وسَلامٍ لِجيرانِه، وأنَّ المالَ نِعمةٌ تُوضَعُ في إغاثةِ المَلهوف، لا في إحراقِها في الهَواءِ تَقليدًا للغافِلين. قالَ الحَسَنُ البَصريُّ رَحِمَهُ اللهُ يَصِفُ ثَباتَ المُؤمِنِ ويَقَظَتَهُ حينَ يَغفُلُ النَّاس: «المُؤمِنُ في الدُّنيا كالغَريب، لا يَجزَعُ من ذُلِّها، ولا يُنافِسُ في عِزِّها، لهُ شَأنٌ وللنَّاسِ شَأن». أيُّها الأحِبَّةُ في الله، تَذَكَّروا وأنتُم تَرَونَ السَّماءَ تَبرُقُ بالنِّيرانِ الصِّناعيَّةِ الزَّائفة، يَومًا حَقيقيًّا تَنشَقُّ فيهِ السَّماءُ فتَكونُ وَردةً كالدِّهان! تَذَكَّروا يَومًا تُسجَرُ فيهِ البِحار، وتُبرَزُ فيهِ الجَحيمُ لِمَن يَرى، فلا يَنفَعُ العَبدَ حينَئِذٍ إلا ما قَدَّمَ من صالِحِ العَمَل، وما وَقَى بهِ نَفسَهُ وأهلَهُ من نارِ اللهِ الموقَدة، امتِثالًا لِأمرِ رَبِّنا جَلَّ جَلالُه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [سورة التحريم: 6]. فكُلُّ شَرارةٍ تَطيرُ في لَيلِ الدُّنيا ثُمَّ تَنطَفِئ، هيَ نِداءٌ صامِتٌ لِقَلبِكَ يَقولُ لَك: أَوقِدْ في صَدرِكَ نورَ الطَّاعةِ قبلَ أن تَنطَفِئَ أنفاسُ العُمُر! يا مَن تَسمَعُني الآن، إنَّ الفُرصةَ بَينَ يَدَيك، والمالَ في يَمينِك، والعافيةَ في بَدَنِك، فلا تَجعَلْ حَظَّكَ من نِعَمِ اللهِ دُخانًا يَذهَبُ هَباءً، وتَقليدًا يَعقُبُهُ نَدَمٌ وعَناء. اجعَلْ هَذِهِ اللَّيلةَ وهَذا الأُسبوعَ مَوعِدًا لِتَحويلِ المَسار: فما كُنتَ ستُنفِقُهُ في فُضولِ اللَّهوِ أو تَقليدِ الغافِلين، ضَعهُ اليومَ — لا غَدًا — في يَدِ فَقيرٍ يَرتَجِفُ منَ البَرد، أو مِسكينٍ يَنتَظِرُ العَون، واجعَلْ بَيتَكَ مَنارةَ هُدوءٍ وسَكينةٍ واعتِزازٍ بالدِّين. وتَذَكَّروا ما بَدَأنا بهِ خُطبَتَنا: حينَ يَنظُرُ الغافِلونَ إلى وميضِ الشَّرارِ في السَّماء، يَنظُرُ المُؤمِنُ البَصيرُ إلى مَوعودِ اللهِ في الآخرة، فيَشتَري بمالِهِ جَنَّةً عَرضُها السَّماواتُ والأرض، لا دُخانًا تَذروهُ الرِّياح. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولَكُم ولِسائرِ المُسلمينَ من كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هوَ الغَفورُ الرَّحيم. 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرضى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ في الآخرةِ والأُولى، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُهُ المُصطَفى، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أَئِمَّةِ الهُدى ومَصابيحِ الدُّجى. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، وَقَفنا في خُطبَتِنا الأُولى معَ آيةِ النَّارِ في كِتابِ الله، وكَيفَ جَعَلَها اللهُ تَذكرةً بالنَّارِ الكُبرى لا مَيدانًا لِلَّهوِ والغَفلة. ورَأَينا بالأرقامِ والإحصائيَّاتِ حَجمَ الكارِثةِ في إضاعةِ مِئاتِ المَلايينِ منَ الأموالِ وحَرقِها في الهَواءِ في زَمَنٍ يَئنُّ فيهِ الجِياعُ والمُحتاجون، وتَدَبَّرنا عِظَمَ جُرمِ تَرويعِ الآمِنينَ وإيذاءِ الجِيرانِ والدَّوابِّ وتَعريضِ الآلافِ لِلحُروقِ والمَهالِك، وخَتَمنا ببيانِ خَطَرِ التَّشَبُّهِ بغَيرِ المُسلِمينَ في مَواسِمِهم وطُقوسِهم. والآنَ يا كِرام، يَبقى السُّؤالُ العَمَليُّ الذي نَخرُجُ بهِ من مَسجِدِنا هذا: كَيفَ نُتَرجِمُ هذهِ المَعانيَ الإيمانيَّةَ إلى سُلوكٍ واقعيٍّ يَحفَظُ هُوِيَّتَنا في بُيوتِنا وأحيائِنا؟ إنَّ عِبادَ الرَّحمنِ لَهُم سَمتٌ يَعرِفُهم بهِ كُلُّ مَن عاشَرَهم أو جاوَرَهم؛ سَمتُ الوَقارِ والسَّكينةِ والاعتِدالِ والترَفُّعِ عن مَجالِسِ الزُّورِ واللَّغو، كما وَصَفَهم رَبُّنا تباركَ وتعالى بقولِه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: 63]. ووَصَفَ مَنهَجَهم في الإنفاقِ الماليِّ بقولِهِ سُبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [سورة الفرقان: 67]. ووَصَفَ اعتِزازَهم بدينِهم وبُعدَهم عن مَواسِمِ الباطِلِ وأعيادِ الجاهِليَّةِ بقولِهِ جَلَّ ذِكرُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [سورة الفرقان: 72]؛ قالَ ابنُ عبَّاسٍ ومُجاهِدٌ والضَّحَّاكُ رَحِمَهُمُ اللهُ في تَفسيرِ «الزُّور»: «هيَ أعيادُ المُشرِكين». وجَعَلَ المصطفى ﷺ عَلامةَ الإِسلامِ الظَّاهِرةَ في كَفِّ الأذى وسَلامةِ النَّاسِ من يَدِ المُسلِمِ ولِسانِه، فقالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» (متفق عليه). بل قَرَّرَ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رَحِمَهُ اللهُ هذا المَعنى العَظيمَ بكَلِمةٍ تُكتَبُ بماءِ العُيونِ حينَ قال: «واللهِ ما يَحِلُّ لكَ أن تُؤذِيَ كَلبًا ولا خِنزيرًا بغَيرِ حَقٍّ، فكَيفَ تُؤذي مُسلِمًا أو جارًا آمِنًا؟!». ولِذَلكَ أُوصيكُم عِبادَ اللهِ بخَمسٍ قَبلَ أن تُغادِروا مُصَلَّاكُم هذا: الأولى: أَحيُوا في قُلوبِكم وقُلوبِ أولادِكم عِزَّةَ الإيمانِ وعِبادةَ التَّفَكُّرِ والاعتِبار؛ فكُلَّما رَأَيتُم نارًا تَشتَعِلُ أو شَرارًا يَتَطايَر، استَحضِروا عَظَمةَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُه، وتَذَكَّروا نارَ الآخرةِ فاستَعيذوا باللهِ منها، واجعَلوا منَ المَشاهِدِ العابِرةِ جِسرًا يَربِطُ القَلبَ باليومِ الآخِرِ بَدَلَ أن يَكونَ حِجابًا يَقطَعُهُ عنهُ. الثانية: عَظِّموا ذِكرَ اللهِ في بُيوتِكم عندَ هُدوءِ اللَّيل، وعَلِّموا أبناءَكُم أذكارَ المَساءِ والنَّوم، واشرحوا لَهُم بالكَلِمةِ الهادِئةِ النَّاصِحةِ والحِوارِ الأبويِّ الرَّحيمِ لِماذا يَعتَزُّ المُسلِمُ بهُوِيَّتِهِ وأعيادِهِ الشَّرعيَّة، ويَتَرَفَّعُ عن تَقليدِ غَيرِ المُسلِمينَ في مَواسِمِ الصَّخَبِ وإيذاءِ الآخَرين. الثالثة: صُونوا أموالَكُم التي استَخلَفَكُمُ اللهُ فيها عن أن تَحرِقوها في شِراءِ المَفرقعاتِ والألعابِ النَّاريَّة، وحَوِّلوا ثَمَنَها هذهِ اللَّيلةَ إلى صَدَقةٍ تَدفَعونَ بها البَردَ والجوعَ عن أُسرةٍ مُعسِرة، فقد قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (رواه مسلم)، فبَدِّلوا شَرارَ الدُّنيا الفاني بنورٍ تَجِدونَهُ أمامَكُم يومَ القِيامة. الرابعة: احفَظوا حُرمَةَ جِيرانِكم في أحيائِكم، وتَفَقَّدوا كِبارَ السِّنِّ والمَرضى ومَن لَدَيهم أطفالٌ صِغارٌ في مِثلِ هذهِ اللَّيالي الصَّاخِبة، وكُونوا مَفاتيحَ للخَيرِ ومَغالِيقَ للشَّرِّ والضَّرَر، عَمَلًا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [سورة المائدة: 2]، وبقولِ النَّبيِّ ﷺ الجامِع: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (رواه ابن ماجه وأحمد). الخامسة: اجتَنِبوا حُضورَ مَجالِسِ اللَّهوِ والمَواقِدِ التي تُقامُ في هَذِهِ اللَّيلةِ أوِ المُشارَكةَ في طُقوسِها، وامنعوا أطفالَكُم وشَبابَكُم منَ العَبَثِ بالنِّيران، وعَوِّضوا أَهليكُم بأوقاتٍ دافِئةٍ آمِنةٍ وعَطايا مُباحةٍ في ظِلِّ الأُنسِ الأُسَريِّ وفي مَواسِمِ الإِسلامِ وأعيادِهِ المَشروعةِ البَعيدةِ عنِ التَّشَبُّهِ والمَخاطِر. فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، فإنَّ تَقوى اللهِ هيَ الحِصنُ الحَصينُ الذي يَحفَظُ للعَبدِ دينَهُ وهُوِيَّتَهُ وعَقلَهُ ومالَهُ وأهلَه، وتَدَبَّروا قولَ رَبِّكُم جَلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الحشر: 18]. ثُمَّ اعلَموا — رَحِمَكُمُ الله — أنَّ اللهَ أَمَرَكُم بأمرٍ بَدَأَ فيهِ بنَفسِه، وثَنَّى بمَلائكَتِهِ المُسَبِّحةِ بقُدسِه، وأَيَّهَ بكُم أيُّها المُؤمِنونَ من جِنِّهِ وإنسِه، فقالَ جَلَّ من قائلٍ عَليمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد، وبارِكْ على مُحمَّدٍ وعلى آلِ مُحمَّد، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيد. اللَّهُمَّ يا نورَ السَّماواتِ والأرض، اجعَلْ في قُلوبِنا نورًا، وفي أبصارِنا نورًا، وفي أسماعِنا نورًا، وعن أَيمانِنا نورًا، وعن شَمائِلِنا نورًا، ومن فَوقِنا نورًا، ومن تَحتِنا نورًا، وأَعظِمْ لنا نورًا يا أرحَمَ الرَّاحِمين. اللَّهُمَّ أَعِزَّنا بالإِسلام، وثَبِّتنا على الإيمان، واحفَظْ علَينا وعلى ذُرِّيَّاتِنا هُوِيَّتَنا ودينَنا، واعصِمنا من تَقليدِ الغافِلينَ والتَّشَبُّهِ بالضَّالِّين، واجعَلنا هُداةً مُهتَدينَ غَيرَ ضالِّينَ ولا مُضِلِّين. اللَّهُمَّ أَيقِظْ قُلوبَنا من رَقدَةِ الغافِلين، واجعَلنا مِمَّن يَنظُرُ في آياتِكَ بعَينِ الاعتِبارِ واليَقين، ولا تَجعَلنا منَ الذينَ تَخطَفُ أبصارَهمُ الدُّنيا فيَنسَونَ لِقاءَكَ يومَ الدِّين. اللَّهُمَّ قِنا وأَهلينا وذُرِّيَّاتِنا عَذابَ النَّار، وأَجِرنا من خِزيِ النَّار، وحَرِّمْ أَجسادَنا على النَّار، برَحمَتِكَ يا عَزيزُ يا غَفَّار. اللَّهُمَّ بارِكْ لنا في أموالِنا وأَرزاقِنا، واعصِمنا منَ الإسرافِ والتَّبذير، واجعَلْ ما آتَيتَنا قُوَّةً لنا على طاعَتِك، وبَلاغًا إلى مَرضاتِك، وعَونًا للفُقَراءِ والمَساكينِ والمُستَضعَفين. اللَّهُمَّ احفَظْ بُيوتَنا وأَبناءَنا وجِيرانَنا من كُلِّ سوءٍ ومَكروه، واكفِنا شَرَّ الحَوادِثِ والفِتَنِ ما ظَهَرَ منها وما بَطَن، واجعَلْ أَحيَاءَنا ودِيارَنا عامِرةً بالأَمنِ والسَّكينةِ والإيمان. اللَّهُمَّ ارحَمِ الضُّعَفاءَ والمَرضى والمُبتَلَين، وأَطعِمِ الجائعين، واكسُ العارين، وآوِ المُشَرَّدين، وفَرِّجْ كَربَ المَكروبينَ منَ المُسلِمينَ في كُلِّ مَكان. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. عِبادَ الله، إنَّ اللهَ يَأمُرُ بالعَدلِ والإحسانِ وإيتاءِ ذي القُربى، ويَنهى عنِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ والبَغي، يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرون. فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أَكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون، وأَقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.