مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم: كَلِمَةٌ وَمُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ عَن فِتنَةِ الدُّنيَا مِن مَنصِبٍ وَمَالٍ وَنِسَاءٍ وَشَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَوَسَائِلِ الثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الدَّارَ الدُّنيَا مَيدَانَ ابتِلَاءٍ وَاختِبَارْ، وَجَعَلَ الدَّارَ الآخِرَةَ هِيَ دَارَ القَرَارِ وَالنَّعِيمِ لِأَهلِ التَّقوَى وَالِاعتِبَارْ، أَحمَدُهُ سُبحَانَهُ وَأَشكُرُهُ عَلَى سَوَابِغِ النِّعَمِ وَغَوَامِضِ الأَسرَارْ، بَسَطَ الأَرزَاقَ بِحِكمَتِهِ وَقَدَّرَ الأَقدَارْ، وَحَذَّرَ عِبَادَهُ مِنِ اغتِرَارِ القُلُوبِ بِزُخرُفِ الفَانِيَةِ وَبَرِيقِ الدِّينَارْ، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الوَاحِدُ القَهَّارْ، يَعلَمُ خَائِنَةَ الأَعيُنِ وَمَا تُخفِي الصُّدُورُ مِنَ الأَسرَارْ، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى المُختَارْ، أَزهَدُ الخَلقِ فِي الدُّنيَا وَأَرغَبُهُم فِي جِوَارِ رَبِّهِ الكَرِيمِ الغَفَّارْ، عُرِضَت عَلَيهِ بَطحَاءُ مَكَّةَ ذَهَبًا فَأَبَى إِلَّا أَن يَكُونَ عَبدًا يَجُوعُ يَومًا فَيَصبِرُ وَيَشبَعُ يَومًا فَيَشكُرُ لِرَبِّ الأَبرَارْ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الأَطهَارْ، وَعَلَى أَصحَابِهِ الغُرِّ المَيَامِينِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارْ، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَارْ.
أَمَّا بَعدُ؛ فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ وَالأَخَوَاتُ المُؤمِنَاتُ، وَيَا طُلَّابَ الحَقِّ وَالنَّجَاةِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالشَّهَوَاتْ:
أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقصِّرَةَ أَوَّلًا بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ العُروَةُ الوُثقَى الَّتِي لَا انفِصَامَ لَهَا، وَهِيَ السَّفِينَةُ النَّاجِيَةُ إِذَا تَلَاطَمَت أَموَاجُ الفِتَنِ وَادلَهَمَّت ظُلُمَاتُ المِحَنِ، كَمَا قَالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي مُحكَمِ التَّنزِيلِ مُوصِيًا عِبَادَهُ وَكَاشِفًا لَهُم حَقِيقَةَ الطَّرِيقِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ الكِرَامُ: إِنَّنَا نَجلِسُ اليَومَ فِي رِحَابِ كَلِمَةٍ نَبَوِيَّةٍ خَالِدَةٍ، وَوَصِيَّةٍ مُحَمَّدِيَّةٍ بَاهِرَةٍ، لَو كُتِبَت بِمَاءِ العُيُونِ عَلَى صَفَحَاتِ القُلُوبِ لَكَانَ قَلِيلًا فِي حَقِّهَا؛ لِأَنَّهَا تَضعُ أَيدِيَنَا عَلَى أَخطَرِ دَاءٍ يَفتِكُ بِالأُمَمِ وَالحَضَارَاتِ، وَأَعظَمِ مِعوَلٍ يَهدِمُ الإِيمَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بَعدَ رُسُوخِهِ!
تَعَالَوا بِنَا نَعُودُ بِالذَّاكِرَةِ وَالخَيَالِ إِلَى مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، فِي فَجرِ يَومٍ مِن أَيَّامِ النُّبُوَّةِ؛ فَقَد كَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم قَد عَانَوا طَوِيلًا مِن شَظَفِ العَيشِ، وَشِدَّةِ الفَاقَةِ، وَرَبطِ الحِجَارَةِ عَلَى البُطُونِ مِن أَلَمِ الجُوعِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ الفُتُوحَ، وَأَرسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبَا عُبَيدَةَ بنَ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ إِلَى البَحرَينِ لِيَأتِيَ بِجِزيَتِهَا وَمَالِهَا، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيدَةَ بِمَالٍ كَثِيرٍ مِنَ البَحرَينِ، وَسَمِعَتِ الأَنصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيدَةَ لَيلًا، فَوَافَوا صَلَاةَ الفَجرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَهُم يَرجُونَ أَن يُصِيبُوا مِن ذَلِكَ المَالِ مَا يُغنِيهِم بَعدَ طُولِ فَقرٍ!
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الفَجرَ انصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَنَظَرَ إِلَيهِم نَظرَةَ المُشفِقِ الرَّحِيمِ، وَالمُرَبِّي الحَكِيمِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُم، ثُمَّ أَطلَقَ تِلكَ القَاعِدَةَ النَّبَوِيَّةَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامَانِ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا مِن حَدِيثِ عَمرِو بنِ عَوفٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، حَيثُ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَظُنُّكُم قَد سَمِعتُم أَنَّ أَبَا عُبَيدَةَ قَد جَاءَ بِشَيءٍ مِنَ البَحرَينِ؟»، فَقَالُوا: أَجَل يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَأَبشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُم، فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم، وَلَكِن أَخشَى عَلَيكُم أَن تُبسَطَ عَلَيكُمُ الدُّنيَا كَمَا بُسِطَت عَلَى مَن كَانَ قَبلَكُم، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم»!
اللهُ أَكبَرُ يَا عِبَادَ اللهِ! تَأَمَّلُوا هَذَا القَسَمَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ: «فَوَاللهِ مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم»! لِمَاذَا لَم يَخشَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّتِهِ الفَقرَ وَالحَاجَةَ وَالضِّيقَ المَادِّيَّ، مَعَ أَنَّ النَّاسَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ يَفزَعُونَ مِنَ الفَقرِ، وَيَسهَرُونَ اللَّيَالِيَ خَوفًا مِنَ الإِملَاقِ وَقِلَّةِ ذَاتِ اليَدِ؟ وَكُلَّمَا نَزَلَت بِالنَّاسِ أَزمَةٌ اقتِصَادِيَّةٌ أَو غَلَاءٌ فِي الأَسعَارِ ظَنُّوا أَنَّ هَذِهِ هِيَ القَاصِمَةُ العُظمَى؟
إِنَّ الجَوَابَ يَتَجَلَّى لَنَا حِينَ نُدرِكُ الفَرقَ الجَوهَرِيَّ بَينَ «ابتِلَاءِ الضَّرَّاءِ» وَ«ابتِلَاءِ السَّرَّاءِ»! فَإِنَّ الفَقرَ وَالشِّدَّةَ وَالضِّيقَ مَعَ مَرَارَتِهَا عَلَى النَّفسِ البَشَرِيَّةِ غَالِبًا مَا تَكسِرُ كِبرِيَاءَ النَّفسِ، وَتُوقِظُ القَلبَ مِن غَفلَتِهِ، وَتَدفَعُ العَبدَ إِلَى الانكِسَارِ بَينَ يَدَيِ اللهِ، وَرَفعِ الأَكُفِّ بِالدُّعَاءِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، وَالتَّوَاضُعِ لِلخَلقِ، وَالزُّهدِ فِي الفَانِيَةِ، وَالتَّكَاتُفِ بَينَ المُؤمِنِينَ؛ أَمَّا بَسطُ الدُّنيَا وَتَدَفُّقُ الأَموَالِ وَانفِتَاحُ الشَّهَوَاتِ وَتَزَاحُمُ المَنَاصِبِ، فَإِنَّهُ يُورِثُ فِي النُّفُوسِ الأَشَرَ وَالبَطَرَ وَالطُّغيَانَ وَالغَفلَةَ عَنِ الآخِرَةِ، وَيُشعِلُ نِيرَانَ التَّحَاسُدِ وَالتَّبَاغُضِ وَالتَّقَاطُعِ بَينَ الإِخوَةِ وَالأَقرَانِ! وَلِذَلِكَ قَرَّرَ القُرآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ الحَقِيقَةَ النَّفسِيَّةَ فِي سُورَةِ العَلَقِ بِقَولِهِ جَلَّ شَأنُهُ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾! وَصَدَقَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ أَحَدُ العَشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بِالجَنَّةِ حِينَ قَالَ تِلكَ الكَلِمَةَ العَظِيمَةَ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: «ابتُلِينَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِالضَّرَّاءِ فَصَبَرنَا، ثُمَّ ابتُلِينَا بِالسَّرَّاءِ بَعدَهُ فَلَم نَصبِرْ»!
أَيُّهَا الحَاضِرُونَ الكِرَامُ: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ يَفتَحُ أَمَامَ بَصَائِرِنَا أَربَعَةَ مَبَاحِثَ كُبرَى لَا غِنَى لِكُلِّ مُسلِمٍ وَمُسلِمَةٍ عَن فِقهِهَا وَالوُقُوفِ عِندَهَا:
المَبحَثُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الدُّنيَا فِي مِيزَانِ الوَحيِ وَكَيفيَّةُ افتِتَانِ القُلُوبِ بِهَا.
وَالمَبحَثُ الثَّانِي: المُثَلَّثُ الأَخطَرُ فِي فِتَنِ الدُّنيَا: فِتنَةُ المَنصِبِ وَالجَاهِ، وَفِتنَةُ المَالِ، وَفِتنَةُ النِّسَاءِ.
وَالمَبحَثُ الثَّالِثُ: شَوَاهِدُ خَالِدَةٌ مِن تَارِيخِنَا الإِسلَامِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ فِتنَةِ الدُّنيَا بَينَ مَن ثَبَتَ فَنَجَا وَمَن تَنَافَسَ فَهَلَكَ.
وَالمَبحَثُ الرَّابِعُ: وَسَائِلُ الثَّبَاتِ الإِيمَانِيِّ وَالعَمَلِيِّ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالمُغرِيَاتِ.
فَلْنَشرَعْ فِي المَبحَثِ الأَوَّلِ: مَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الدُّنيَا الَّتِي خَشِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَينَا أَن تُبسَطَ لَنَا فَنَتَنَافَسَهَا فَتُهلِكَنَا؟
لَقَد وَصَفَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الدُّنيَا فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ بِأَوصَافٍ دَقِيقَةٍ تَكشِفُ زَيفَ بَرِيقِهَا وَقِصَرَ أَمَدِهَا؛ فَهِيَ مَتَاعُ الغُرُورِ الَّذِي يَخدَعُ النَّاظِرَ بِلَمعَانِهِ الظَّاهِرِ وَهُوَ سَرَابٌ زَائِلٌ، كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي سُورَةِ الحَدِيدِ: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾، ثُمَّ ضَرَبَ اللهُ لَهَا مَثَلًا بِالنَّبَاتِ الَّذِي يَخضَرُّ وَيَزدَهِرُ ثُمَّ مَا يَلبَثُ أَن يَصفَرَّ وَيَصيرَ حُطَامًا تَذرُوهُ الرِّيَاحُ، وَختَمَ الآيَةَ بِالتَّحذِيرِ الحَاسِمِ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. وَنَادَى رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ جَمِيعًا فِي سُورَةِ لُقمَانَ وَسُورَةِ فَاطِرٍ نِدَاءَ تَحذِيرٍ وَإِيقَاظٍ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾.
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ: «إِنَّ الدُّنيَا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُستَخلِفُكُم فِيهَا فَيَنظُرُ كَيفَ تَعمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتنَةِ بَنِي إِسرَائِيلَ كَانَت فِي النِّسَاءِ». تَأَمَّلُوا يَا رَعَاكُمُ اللهُ دِقَّةَ التَّعبِيرِ النَّبَوِيِّ: «إِنَّ الدُّنيَا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ»! فَهِيَ «حُلوَةٌ» فِي المَذَاقِ تَشتَهِيهَا النُّفُوسُ، وَ«خَضِرَةٌ» فِي المَنظَرِ تَبهَرُ العُيُونَ وَالأَبصَارَ، وَاجتِمَاعُ الحَلَاوَةِ فِي الطَّعمِ وَالخُضرَةِ فِي اللَّونِ يَجعَلُ الفَاكِهَةَ شَدِيدَةَ الجَاذِبِيَّةِ لِمَن يَنظُرُ إِلَيهَا؛ لَكِنَّ الكَيسَ العَاقِلَ يَعلَمُ أَنَّ هَذِهِ الحَلَاوَةَ وَالخُضرَةَ لَيسَت لِلتَّملُّكِ الأَبَدِيِّ وَلَا لِلخُلُودِ، بَل «إِنَّ اللهَ مُستَخلِفُكُم فِيهَا فَيَنظُرُ كَيفَ تَعمَلُونَ»! فَنَحنُ فِيهَا وُكَلَاءُ وَمُستَخلَفُونَ فِي دَارِ امْتِحَانٍ، وَسَاعَاتُ الامتِحَانِ مَعدُودَةٌ، وَسَرِيعًا مَا يُسحَبُ البِسَاطُ، وَتُطوَى الصُّحُفُ، وَيُنادَى عَلَى العَبدِ لِيَقِفَ بَينَ يَدَيِ المَلِكِ الدَّيَّانِ!
وَلَيسَ ذَمُّ الدُّنيَا فِي القُرآنِ وَالسُّنَّةِ ذَمًّا لِلأَرضِ وَالجِبَالِ وَالأَنهَارِ، وَلَا تَحرِيمًا لِلطَّيِّبَاتِ وَالمَكَاسِبِ الحَلَالِ الَّتِي يُقِيمُ بِهَا المُسلِمُ دِينَهُ وَيَعِفُّ بِهَا نَفسَهُ وَأَهلَهُ وَيَنصُرُ بِهَا أُمَّتَهُ، كَلَّا وَاللهِ؛ وَإِنَّمَا المَذمُومُ هُوَ أَن تَتَحَوَّلَ الدُّنيَا مِن «وَسِيلَةٍ فِي اليَدِ» إِلَى «غَايَةٍ فِي القَلبِ»، فَيُصبِحَ التَّنَافُسُ عَلَيهَا هُوَ مِحوَارَ الحَيَاةِ، وَمِقيَاسَ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ، وَمِيزَانَ الحُبِّ وَالبُغضِ! تَأَمَّلُوا قَولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِنَا الأَصلِ: «فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم»؛ لَم يَقُل صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: فَتَملِكُوهَا فَتُهلِكَكُم، بَل قَالَ: «فَتَنَافَسُوهَا»! لِأَنَّ الهَلَاكَ إِنَّمَا يَقَعُ حِينَ يَدخُلُ النَّاسُ فِي سِبَاقٍ مَحمُومٍ، وَتَكَالُبٍ مَسعُورٍ عَلَى حُطَامِهَا، فَلَا يُبَالِي المتَنَافِسُ أَيَّ مَبدَأٍ دَاسَ عَلَيهِ، وَلَا أَيَّ رَحِمٍ قَطَعَهَا، وَلَا أَيَّ ذِمَّةٍ خَانَهَا، وَلَا أَيَّ حَرَامٍ اقتَحَمَهُ فِي سَبِيلِ أَن يَسبِقَ غَيرَهُ إِلَى دِرهَمٍ أَو كُرسِيٍّ أَو شَهوَةٍ!
وَهَذَا يَقُودُنَا إِلَى المَبحَثِ الثَّانِي مِن مَبَاحِثِ هَذِهِ المُحَاضَرَةِ: وَهُوَ المُثَلَّثُ الأَخطَرُ فِي فِتَنِ الدُّنيَا (فِتنَةُ المَنصِبِ وَالجَاهِ، وَفِتنَةُ المَالِ، وَفِتنَةُ النِّسَاءِ).
لَقَدِ استَقرَأَ عُلَمَاءُ القُلُوبِ وَأَئِمَّةُ التَّربِيَةِ الإِسلَامِيَّةِ نُصُوصَ الوَحيَينِ الشَّرِيفَينِ، فَوَجَدُوا أَنَّ فِتَنَ الدُّنيَا وَشَهَوَاتِهَا تَتَلَخَّصُ فِي ثَلَاثِ فِتَنٍ كُبرَى، قَلَّمَا يَسلَمُ مِنهَا إِلَّا مَن عَصَمَهُ اللهُ وَثَبَّتَ فُؤَادَهُ بِنُورِ الإِيمَانِ:
الفِتنَةُ الأُولَى: فِتنَةُ المَنصِبِ وَالجَاهِ وَالرِّيَاسَةِ وَحُبِّ التَّصَدُّرِ وَالشَّرَفِ:
وَهِيَ أَدَقُّ الفِتَنِ مَسلكًا، وَأَعظَمُهَا خَفَاءً، وَأَشَدُّهَا فَتْكًا بِدِينِ العَبدِ؛ حَتَّى قَالَ سُفيَانُ الثَّورِيُّ وَغَيرُهُ مِنَ السَّلَفِ رَحِمَهُمُ اللهُ: «مَا زَهِدَ العُلَمَاءُ وَالعُبَّادُ فِي شَيءٍ كَمَا عَجَزُوا عَنِ الزُّهدِ فِي الرِّيَاسَةِ؛ تَرَى الرَّجُلَ يَزهَدُ فِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالمَالِ وَالثِّيَابِ، فَإِذَا نُوزِعَ فِي الرِّيَاسَةِ وَالمَكَانَةِ حَامَى عَنهَا وَعَادَى عَلَيهَا»!
وَاستَمِعُوا إِلَى هَذَا التَّمثِيلِ النَّبَوِيِّ المُزَلزِلِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن كَعبِ بنِ مَالِكٍ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا ذِئبَانِ جَائِعَانِ أُرسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفسَدَ لَهَا مِن حِرصِ المَرءِ عَلَى المَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ»!
تَصَوَّرُوا هَذَا المَشهَدَ يَا عِبَادَ اللهِ: حَظِيرَةُ غَنَمٍ وَادِعَةٍ ضَعِيفَةٍ لَا رَاعِيَ لَهَا، هَجَمَ عَلَيهَا ذِئبَانِ ضَارِيَانِ مُتَوَحِّشَانِ قَد أَنهَكَهُمَا الجُوعُ؛ مَاذَا يَبقَى مِن تِلكَ الغَنَمِ بَعدَ سَاعَةٍ؟ لَا يَبقَى مِنهَا إِلَّا أَشلَاءٌ مُمَزَّقَةٌ وَدِمَاءٌ مَسفُوحَةٌ! يَقُولُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذِئبَيِ الحِرصِ عَلَى «المَالِ» وَالحِرصِ عَلَى «الشَّرَفِ» أَيِ المَنصِبِ وَالجَاهِ وَالزَّعَامَةِ وَالعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ أَشَدُّ إِفسَادًا وَتَمزِيقًا لِدِينِ الإِنسَانِ مِن ذَينِكَ الذِّئبَينِ الجَائِعَينِ فِي زَرِيبَةِ الغَنَمِ!
لِمَاذَا كَانَت فِتنَةُ المَنصِبِ وَالجَاهِ بِهَذِهِ الخُطُورَةِ؟ لِأَنَّ حبَّ المَنصِبِ وَالكُرسِيِّ وَالأَضوَاءِ يَدخُلُ بِصَاحِبِهِ فِي مُنَازَعَةِ اللهِ فِي رِدَاءِ الكِبرِيَاءِ وَالعُلُوِّ، وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي خِتَامِ سُورَةِ القَصَصِ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. إِنَّ المَفتُونَ بِالمَنصِبِ وَالجَاهِ يَستَعذِبُ النِّفَاقَ وَالمُدَاهَنَةَ لِيَحفَظَ كُرسِيَّهُ، وَيَكتُمُ كَلِمَةَ الحَقِّ خَوفًا عَلَى مَكَانَتِهِ، وَيَظلِمُ مَن تَحتَ يَدِهِ لِيُرضِيَ مَن فَوقَهُ، وَيَرفُضُ النَّصِيحَةَ وَيَستَنكِفُ عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى الحَقِّ إِذَا أَخطَأَ؛ لِئَلَّا تَهتَزَّ صُورَتُهُ أَمَامَ الأَتبَاعِ وَالجَمَاهِيرِ! وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعَبدِ الرَّحمَنِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: «يَا عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لَا تَسأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِن أُعطِيتَهَا عَن مَسأَلَةٍ وُكِلتَ إِلَيهَا، وَإِن أُعطِيتَهَا عَن غَيرِ مَسأَلَةٍ أُعِنتَ عَلَيهَا»، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّكُم سَتَحرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَومَ القِيَامَةِ، فَنِعمَ المُرضِعَةُ وَبِئسَتِ الفَاطِمَةُ»! نِعمَ المُرضِعَةُ فِي الدُّنيَا بِمَا تَدُرُّهُ مِن جَاهٍ وَأَموَالٍ وَخَدَمٍ وَمَوَاكِبَ، وَبِئسَتِ الفَاطِمَةُ عِندَ المَوتِ وَيَومَ الحِسَابِ حِينَ يَنقَطِعُ النَّعِيمُ وَتَبقَى التَّبِعَاتُ وَالمَظَالِمُ فِي الأَعنَاقِ!
الفِتنَةُ الثَّانِيَةُ مِن مُثَلَّثِ الفِتَنِ: فِتنَةُ المَالِ وَالتَّكَاثُرِ:
إِنَّ المَالَ فِي ذَاتِهِ عَصبُ الحَيَاةِ وَقِوَامُ المَعَاشِ، وَنِعمَ المَالُ الصَّالِحُ لِلعَبدِ الصَّالِحِ الَّذِي يَأخُذُهُ مِن حِلِّهِ وَيَضَعُهُ فِي حَقِّهِ؛ وَلَكِنَّهُ يَنقَلِبُ إِلَى فِتنَةٍ مَاحِقَةٍ حِينَ يَملِكُ القَلبَ، وَيَصِيرُ هُوَ المَعبُودَ الخَفِيَّ الَّذِي يَرضَى المَرءُ لِأَجلِهِ وَيَسخَطُ لِأَجلِهِ! وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَن كَعبِ بنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتنَةً، وَفِتنَةُ أُمَّتِي المَالُ»!
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «تَعِسَ عَبدُ الدِّينَارِ، وَعَبدُ الدِّرهَمِ، وَعَبدُ الخَمِيصَةِ، إِن أُعطِيَ رَضِيَ، وَإِن لَم يُعطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انتَقَشَ»!
سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «عَبدَ الدِّينَارِ وَعَبدَ الدِّرهَمِ»! لِأَنَّ العُبُودِيَّةَ لَيسَت فَقَط سُجُودَ الجَبهَةِ لِصَنَمٍ مِن حَجَرٍ، بَل هِيَ أَيضًا سُجُودُ القَلبِ وَالهَمِّ وَالإِرَادَةِ لِصَنَمِ المَالِ! فَكَم مِن إِنسَانٍ فِي زَمَانِنَا هَذَا فُتِنَ بِالمَالِ فَأَكلَ الرِّبَا وَهُوَ يَعلَمُ أَنَّهُ حَربٌ مَعَ اللهِ وَرَسُولِهِ؟ وَكَم مِن إِنسَانٍ أَكَلَ مِيرَاثَ أَخَوَاتِهِ الضَّعِيفَاتِ وَأَيتَامِ إِخوَتِهِ ظُلمًا وَعُدوَانًا لِيَزِيدَ أَرقَامَ حِسَابِهِ البَنكِيِّ؟ وَكَم مِن مُوَظَّفٍ أَو مَسؤُولٍ مَدَّ يَدَهُ إِلَى الرِّشوَةِ وَالمَالِ العَامِّ وَالغُلُولِ وَهُوَ يَحسَبُ ذَلِكَ شَطَارَةً وَذَكَاءً؟ وَكَم مِن تَاجِرٍ غَشَّ المُسلِمِينَ وَاحتَكَرَ أَقوَاتَهُم وَحَلَفَ الأَيمَانَ الكَاذِبَةَ لِيُروِّجَ سِلعَتَهُ؟ بَل كَم مِن مُسلِمٍ أَلهَاهُ جَمعُ المَالِ وَمُتَابَعَةُ الصَّفَقَاتِ وَالأَسهُمِ عَنِ الصَّلَوَاتِ الخَمسِ، وَعَن بِرِّ وَالِدَيهِ، وَعَن تَربِيَةِ أَولَادِهِ، وَعَن إِخرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ، حَتَّى فَجَأَهُ مَلَكُ المَوتِ فَتَرَكَ المَالَ كُلَّهُ لِلوَرَثَةِ يَتَنَعَّمُونَ بِهِ، وَخَرَجَ هُوَ فِي كَفَنٍ أَبيَضَ بِلَا جُيُوبٍ لِيُحَاسَبَ عَن كُلِّ دِرهَمٍ مِن أَينَ اكتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنفَقَهُ! وَصَدَقَ اللهُ العَظِيمُ إِذ يَقُولُ فِي سُورَةِ التَّكَاثُرِ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، وَيَقُولُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُنافِقُونَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
الفِتنَةُ الثَّالِثَةُ مِن مُثَلَّثِ الفِتَنِ: فِتنَةُ النِّسَاءِ وَالشَّهَوَاتِ المُحَرَّمَةِ:
وَقَد بَدَأَ بِهَا القُرآنُ الكَرِيمُ حِينَ عَدَّدَ مَحبُوبَاتِ النُّفُوسِ وَمُشتَهَيَاتِ الدُّنيَا فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾! فَقَدَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ «النِّسَاءَ» عَلَى البَنِينَ وَعَلَى القَنَاطِيرِ المُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ؛ لِشِدَّةِ مَيلِ الطِّبَاعِ البَشَرِيَّةِ إِلَيهَا، وَعِظَمِ افتِتَانِ القُلُوبِ بِهَا إِذَا خَرَجَت عَن ضَوَابِطِ الشَّرعِ الحَنِيفِ وَسِيَاجِ العِفَّةِ وَالحَلَالِ.
وَفِي الصَّحِيحَينِ البُخَارِيِّ وَمُسلِمٍ عَن أُسَامَةَ بنِ زَيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا تَرَكتُ بَعدِي فِتنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»!
وَلَيسَ مَعنَى هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ انتِقَاصَ المَرأَةِ؛ فَحَاشَا وَكَلَّا! فَالمَرأَةُ الصَّالِحَةُ العَفِيفَةُ فِي الإِسلَامِ هِيَ الأُمُّ الكَرِيمَةُ الَّتِي الجَنَّةُ تَحتَ أَقدَامِهَا، وَهِيَ الزَّوجَةُ السَّكَنُ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «الدُّنيَا مَتَاعٌ، وَخَيرُ مَتَاعِ الدُّنيَا المَرأَةُ الصَّالِحَةُ»، وَهِيَ الأُختُ وَالبِنتُ الَّتِي مَنِ ابتُلِيَ بِشَيءٍ مِنهُنَّ فَأَحسَنَ إِلَيهِنَّ كُنَّ لَهُ سِترًا مِنَ النَّارِ؛ وَلَكِنَّ الفِتنَةَ المَحذُورَ مِنهَا هِيَ حِينَ يُطلَقُ العِنَانُ لِلنَّظَرِ الحَرَامِ، وَالاختِلَاطِ الآثِمِ، وَالتَّبَرُّجِ السَّافِرِ، وَالعَلَاقَاتِ المُحَرَّمَةِ خَارِجَ إِطَارِ الزَّوَاجِ الشَّرعِيِّ الطَّاهِرِ، أَو حِينَ يَنصَاعُ الرَّجُلُ لِأَهوَاءِ مَن يَفتِنُهُ مِنَ النِّسَاءِ فَيَعُقُّ وَالِدَيهِ، أَو يَقطَعُ أَرحَامَهُ، أَو يَأكُلُ الحَرَامَ وَيَسرِقُ لِيُلَبِّيَ مَطَالِبَ التَّرَفِ وَالمُبَاهَاةِ!
وَإِذَا كَانَت فِتنَةُ النِّسَاءِ وَالشَّهَوَاتِ فِي الأَزمِنَةِ الغَابِرَةِ مَحصُورَةً فِي الأَسوَاقِ أَوِ الطُّرُقَاتِ، فَقَد أَصبَحَت فِي زَمَانِنَا هَذَا بِفِعلِ الهَوَاتِفِ الذَّكِيَّةِ وَالشَّاشَاتِ وَمَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ الاجتِمَاعِيِّ تَقتَحِمُ عَلَى النَّاسِ بُيُوتَهُم وَمَخَادِعَهُم وَخَلَوَاتِهِم، فَتَعرِضُ الصُّوَرَ الفَاتِنَةَ، وَالمَقَاطِعَ المُحرِّكَةَ لِلغَرَائِزِ، وَالدَّردَشَاتِ الخَفِيَّةَ الَّتِي هَدَمَت آلافَ البُيُوتِ العامِرَةِ، وَأَطفَأَت نُورَ الإِيمَانِ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ، وَأَورَثَتهُمُ القَلَقَ وَالاكتِئَابَ وَوَحشَةَ المَعصِيَةِ!
أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: لِنَنتَقِلْ الآنَ إِلَى المَبحَثِ الثَّالِثِ مِن مَبَاحِثِ مُحَاضَرَتِنَا: شَوَاهِدُ خَالِدَةٌ مِن تَارِيخِنَا الإِسلَامِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ فِتنَةِ الدُّنيَا!
كَيفَ تَعَامَلَ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ بَسطِ الدُّنيَا حِينَ فُتِحَت عَلَيهِم كُنُوزُ كِسرَى وَقَيصَرَ؟ لَقَد تَحَقَّقَت نُبُوءَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحَذَافِيرِهَا بَعدَ وَفَاتِهِ بِسَنَوَاتٍ قَلِيلَةٍ؛ فَفُتِحَتِ الشَّامُ وَالعِرَاقُ وَفَارِسُ وَمِصرُ، وَتَدَفَّقَتِ الأَموَالُ وَالغَنَائِمُ إِلَى المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ كَالسُّيُولِ الهَادِرَةِ، فَكَيَّفَ كَانَ مَوقِفُ أُولَئِكَ العَمَالِقَةِ الَّذِينَ رَبَّاهُم مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؟
الشَّاهِدُ التَّارِيخِيُّ الأَوَّلُ: دُمُوعُ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَمَامَ كُنُوزِ كِسرَى!
فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ عَشرَةَ لِلهِجرَةِ، فَتَحَ المُسلِمُونَ بَقِيَادَةِ البَطَلِ سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ «المَدَائِنَ» عَاصِمَةَ إِمبرَاطُورِيَّةِ الفُرسِ، وَدخلَ سَعدٌ إِيوَانَ كِسرَى الأَبيَضَ وَهُوَ يَتلُو قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الدُّخَانِ بَاكِيًا خَاشِعًا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، ثُمَّ جَمَعَ الغَنَائِمَ الهَائِلَةَ الَّتِي لَم تَرَ العَرَبُ مِثلَهَا قَطُّ: تَاجَ كِسرَى المُرَصَّعَ بِالجَوَاهِرِ، وَسِوَارَيهِ، وَوشَاحَهُ، وَبِسَاطَهُ العَجِيبَ المَنسُوجَ بِالذَّهَبِ وَاللُّؤلُؤِ وَالزُّمُرُّدِ، وَأَرسَلَ الخُمُسَ مَعَ كُلِّ تِلكَ الكُنُوزِ إِلَى أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي المَدِينَةِ!
فَلَمَّا وُضِعَت كُنُوزُ كِسرَى فِي مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حَتَّى مَلَأَت رَحبَةَ المَسجِدِ، خَرَجَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي ثَوبِهِ المُرَقَّعِ فَنَظَرَ إِلَى ذَلِكَ الذَّهَبِ وَالياقُوتِ؛ فَهَل رَقَصَ طَرَبًا؟ هَلِ انتَفَخَ كِبرًا؟ هَلِ اصطَفَى لِنَفسِهِ وَأَولَادِهِ قِطعَةً وَاحِدَةً؟ كَلَّا وَاللهِ! بَلِ التَفَتَ إِلَى الصَّحَابَةِ فَقَالَ كلمتَهُ الخَالِدَةَ: «إِنَّ قَومًا أَدَّوا هَذَا لَأُمَنَاءُ!»، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، إِنَّكَ عَفَفتَ فَعَفَّت رَعِيَّتُكَ، وَلَو رَتَعتَ لَرَتَعُوا!».
ثُمَّ بَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ بُكَاءً شَدِيدًا حَتَّى اخضَلَّت لِحيَتُهُ بِالدُّمُوعِ! فَقَالَ لَهُ عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ، أَمَكَانَ البُكَاءِ هَذَا؟ فَوَاللهِ إِنَّ هَذَا لَيَومُ شُكرٍ وَسُرُورٍ، فَقَد أَذَلَّ اللهُ بِكَ الكَفرَةَ وَفَتَحَ عَلَى يدَيكَ الكُنُوزَ!»، فَمَاذَا أَجَابَ الفَارُوقُ البَصِيرُ الَّذِي وَعَى حَدِيثَ «مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم»؟ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «إِنَّهُ وَاللهِ مَا فُتِحَ هَذَا عَلَى قَومٍ قَطُّ إِلَّا أَلقَى اللهُ بَينَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ إِلَى يَومِ القِيَامَةِ! وَإِنِّي لَأَخشَى أَن تَكُونَ طَيِّبَاتُنَا قَد عُجِّلَت لَنَا فِي حَيَاتِنَا الدُّنيَا»!
الشَّاهِدُ التَّارِيخِيُّ الثَّانِي: أَمِينُ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيدَةَ وَسَيفُهَا وَزُهَّادُ الصَّحَابَةِ فِي الشَّامِ وَالكُوفَةِ:
هَذَا أَبُو عُبَيدَةَ بنُ الجَرَّاحِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ الَّذِي جَاءَ بِأَموَالِ البَحرَينِ فِي أَوَّلِ الحَدِيثِ، صَارَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ القَائِدَ الأَعلَى لِجُيُوشِ الشَّامِ، وَالأَمِيرَ عَلَى دِمَشقَ وَحِمصَ وَبَيتِ المَقدِسِ وَأَنطَاكِيَةَ، وَتَحتَ يَدِهِ خَزَائِنُ الرُّومِ؛ فَلَمَّا زَارَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ الشَّامَ قَالَ لِأَبِي عُبَيدَةَ: «اذهَب بِنَا إِلَى مَنزِلِكَ»، قَالَ: «وَمَا تَصنَعُ عِندِي يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ مَا تُرِيدُ إِلَّا أَن تَعصِرَ عَينَيكَ عَلَيَّ!»، فَدَخَلَ عُمَرُ بَيتَ أَمِيرِ الشَّامِ، فَلَم يَرَ فِيهِ أَثَاثًا وَلَا رِيَاشًا وَلَا فُرُشًا، إِلَّا لِبدًا لِفَرَسِهِ، وَسَيفَهُ وَتُرسَهُ مُعَلَّقَينِ عَلَى الجِدَارِ، وَشَنَّةَ مَاءٍ، وَكِسرَاتِ خُبزٍ يَابِسَةٍ! فَبَكَى عُمَرُ وَضَمَّهُ إِلَى صَدرِهِ وَقَالَ: «أَنتَ أَخِي يَا أَبَا عُبَيدَةَ! غَيَّرَتنَا الدُّنيَا كُلَّنَا غَيرَكَ يَا أَبَا عُبَيدَةَ»!
وَهُنَاكَ فِي الكُوفَةِ يَقِفُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ فِي بَيتِ المَالِ، وَقَدِ اجتَمَعَت بَينَ يَدَيهِ أَكدَاسُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَيَقسِمُهَا كُلَّهَا بَينَ المُسلِمِينَ فِي يَومٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكنُسَ بَيتَ المَالِ وَيُصَلِّيَ فِيهِ رَكعَتَينِ، ثُمَّ يَنظُرُ إِلَى الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ وَيَقُولُ: «يَا صَفرَاءُ ويَا بَيضَاءُ، غُرِّي غَيرِي! يَا دُنيَا، غُرِّي غَيرِي! أَإِلَيَّ تَعرَّضتِ أَم إِلَيَّ تَشَوَّقتِ؟ هَيهَاتَ هَيهَاتَ، قَد طَلَّقتُكِ ثَلَاثًا لَا رَجعَةَ لِي فِيكِ؛ عُمرُكِ قَصِيرٌ، وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ، وَعيشُكِ حَقِيرٌ، آهٍ مِن قِلَّةِ الزَّادِ، وَبُعدِ السَّفَرِ، وَوَحشَةِ الطَّرِيقِ»!
الشَّاهِدُ التَّارِيخِيُّ الثَّالِثُ: الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ بَينَ المَنصِبِ وَالآخِرَةِ:
تَأَمَّلُوا مَوقِفَ عُمَرَ بنِ عَبدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللهُ، الَّذِي نَشَأَ فِي قُصُورِ بَنِي أُمَيَّةَ فِي أَعلَى دَرَجَاتِ النَّعِيمِ وَالتَّرَفِ، حَتَّى كَانَ النَّاسُ يَعرِفُونَ المَكَانَ الَّذِي مَرَّ مِنهُ مِن طِيبِ مِسكِهِ، وَكَانَ لَا يَلبَسُ الحُلَّةَ مَرَّتَينِ؛ فَلَمَّا أَفضَت إِلَيهِ الخِلَافَةُ وَهُوَ أَعظَمُ مَنصِبٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ يَومَئِذٍ، تَمتَدُّ دَولَتُهُ مِن حُدُودِ الصِّينِ شَرقًا إِلَى جِبَالِ البِرَانِسِ فِي فَرَنسَا غَربًا، أُتِيَ بِمَرَاكِبِ الخِلَافَةِ المُذهَّبَةِ لِيَركَبَهَا، فَنَحَّاهَا عَنهُ وَقَالَ: «قَرِّبُوا إِلَيَّ بَغلَتِي، وَضُمُّوا هَذِهِ المَرَاكِبَ إِلَى بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ!»، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَصرِهِ فَرَدَّ كُلَّ قَطِيعَةٍ وَمَالٍ كَانَ بِيَدِهِ إِلَى بَيتِ المَالِ، وَخَيَّرَ زَوجَتَهُ فَاطِمَةَ بِنتَ عَبدِ المَلِكِ بَينَ أَن تَبقَى مَعَهُ عَلَى الكَفَافِ وَتَرُدَّ جَوَاهِرَهَا إِلَى بَيتِ مَالِ المُسلِمِينَ، أَو تَلحَقَ بِأَهلِهَا، فَقَالَتِ المَرأَةُ الصَّالِحَةُ: «بَل أَختَارُكَ يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ عَلَى أَضعَافِ مَا عِندِي مِنَ الجَوَاهِرِ!»، وَعَاشَ عُمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ خِلَافَتَهُ بِثَوبٍ وَاحِدٍ حَتَّى فَسَدَ مِنَ التَّرَفِ وَالظُّلمِ مَا أَصلَحَهُ اللهُ بِهِ فِي عَامَينِ وَنِصفٍ، وَفَاضَ المَالُ حَتَّى كَانَ المُنَادِي يُنَادِي فِي الطُّرُقَاتِ: أَينَ الغَارِمُونَ؟ أَينَ النَّاكِحُونَ؟ أَينَ المَسَاكِينُ؟ فَلَا يَجِدُ مَن يَأخُذُ الصَّدَقَةَ!
الشَّاهِدُ التَّارِيخِيُّ الرَّابِعُ: عِبرَةُ مَن تَنَافَسُوا فِي الدُّنيَا فَأَهلَكَتهُم فِي الأَندَلُسِ وَالمَشرِقِ:
وَفِي المُقَابِلِ يَا عِبَادَ اللهِ، انظُرُوا إِلَى صَفَحَاتِ التَّارِيخِ حِينَ غَفَلَ النَّاسُ وَالأُمَرَاءُ عَن تَحذِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهلِكَكُم كَمَا أَهلَكَتهُم»!
مَا الَّذِي أَسقَطَ الفِردَوسَ المَفقُودَ فِي الأَندَلُسِ بَعدَ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ مِنَ المَجدِ وَالحَضَارَةِ وَالعِلمِ وَالجِهَادِ؟ هَل سَقَطَتِ الأَندَلُسُ مِنَ الفَقرِ وَقِلَّةِ المَوَارِدِ؟ كَلَّا وَاللهِ! لَقَد سَقَطَت حِينَ انغَمَسَ «مُلُوكُ الطَّوَائِفِ» وَأَهلُ الدُّنيَا فِي التَّنَافُسِ المَحمُومِ عَلَى العُرُوشِ وَالمَنَاصِبِ، وَبِنَاءِ القُصُورِ المُزَخرَفَةِ، وَجَمعِ الأَموَالِ، وَالانهِمَاكِ فِي مَجَالِسِ الطَّرَبِ وَالجَوَارِي وَالشَّهَوَاتِ، حَتَّى صَارَ الأَمِيرُ المُسلِمُ يَستَعِينُ بِعَدُوِّهِ الصَّلِيبِيِّ الفُونشُو السَّادِسِ عَلَى أَخِيهِ المُسلِمِ لِيَحفَظَ كُرسِيَّهُ الصَّغِيرَ، وَيَدفَعُ الجِزيَةَ مِن أَموَالِ المُسلِمِينَ لِيَبقَى عَلَى عَرشِهِ، فَأَهلَكَتهُمُ الدُّنيَا وَابتَلَعَهُمُ العَدُوُّ وَاحِدًا تِلوَ الآخَرِ، حَتَّى بَكَى آخِرُ مُلُوكِ غَرنَاطَةَ أَبُو عَبدِ اللهِ الصَّغِيرُ وَهُوَ يَنظُرُ مِن تَلَّةِ زَفرَةِ العَرَبِيِّ إِلَى مُلكِهِ الضَّائِعِ، فَقَالَت لَهُ أُمُّهُ عَائِشَةُ الحُرَّةُ كَلِمَتَهَا الَّتِي سَطَّرَهَا التَّارِيخُ: «ابكِ مِثلَ النِّسَاءِ مُلكًا مُضَاعًا ... لَم تُحَافِظ عَلَيهِ مِثلَ الرِّجَالِ»!
وَمَا الَّذِي مَكَّنَ جَحَافِلَ التَّتَارِ مِن بَغدَادَ سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ وَسِتٍّ وَخَمسِينَ لِلهِجرَةِ؟ لَقَد كَانَ بَيتُ المَالِ مَملُوءًا بِالذَّهَبِ وَالجَوَاهِرِ، وَلَكِنَّ التَّنَافُسَ عَلَى الدُّنيَا وَالبُخلَ بِالإِنفَاقِ عَلَى الجُيُوشِ وَالانغِمَاسَ فِي التَّرَفِ وَالمُلَاهِي أَضعَفَ القُلُوبَ وَفَرَّقَ الصُّفُوفَ، فَلَمَّا دَخَلَ هُولَاكُو بَغدَادَ حَبَسَ الخَلِيفَةَ بَينَ أَكدَاسِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَمَنَعَ عَنهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَقَالَ لَهُ: كُلْ مِن هَذَا الذَّهَبِ الَّذِي بَخِلتَ بِهِ عَن حِمَايَةِ دَولَتِكَ وَرَعِيَّتِكَ!
وَهُنَا أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ نَصِلُ إِلَى المَبحَثِ الرَّابِعِ وَالأَخِيرِ، وَهُوَ الثَّمَرَةُ العَمَلِيَّةُ لِهَذِهِ المُحَاضَرَةِ: مَا هِيَ وَسَائِلُ الثَّبَاتِ الإِيمَانِيِّ وَالعَمَلِيِّ فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَبَسطِ الدُّنيَا؟
إِذَا كُنَّا نَعِيشُ فِي عَصرٍ تَكَالَبَت فِيهِ فِتنَةُ المَالِ، وَفِتنَةُ المَنصِبِ وَالشُّهرَةِ، وَفِتنَةُ النِّسَاءِ وَالشَّهَوَاتِ، فَبِأَيِّ سِلَاحٍ نَحفَظُ قُلُوبَنَا وَقُلُوبَ أَولَادِنَا وَأُسَرِنَا مِنَ الزَّيغِ وَالهَلَاكِ؟ هُنَاكَ سِتُّ وَسَائِلَ نَبَوِيَّةٍ وَقُرآنِيَّةٍ مَنِ استَمسَكَ بِهَا ثَبَّتَهُ اللهُ بِالقَولِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفِي الآخِرَةِ:
الوَسِيلَةُ الأُولَى: تَصحِيحُ البُوصلَةِ وَإِحيَاءُ اليَقِينِ بِالدَّارِ الآخِرَةِ:
فَإِنَّمَا يَفتَتِنُ الإِنسَانُ بِالدُّنيَا حِينَ تَغِيبُ الآخِرَةُ عَن عَينِ قَلبِهِ؛ أَمَّا إِذَا استَحضَرَ العَبدُ عَظَمَةَ الجَنَّةِ وَنَعِيمَهَا الأَبَدِيَّ الَّذِي لَا يَزُولُ، وَتَذَكَّرَ وَقفَتَهُ بَينَ يَدَيِ اللهِ يَومَ الحِسَابِ، صَغُرَتِ الدُّنيَا كُلُّهَا فِي عَينِهِ! اقرَأُوا قَولَ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَنِ المُستَورِدِ بنِ شَدَّادٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ مَا الدُّنيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثلُ مَا يَجعَلُ أَحَدُكُم إِصبَعَهُ هَذِهِ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ فِي اليَمِّ، فَلْيَنظُرْ بِمَ تَرجِعُ»!
قَطرَةُ مَاءٍ عَلَى رَأسِ إِصبَعٍ هِيَ الدُّنيَا كُلُّهَا مِن أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا بِمُلُوكِهَا وَكُنُوزِهَا وَمَنَاصِبِهَا وَشَهَوَاتِهَا، وَالبَحرُ المُحِيطُ الزَّاخِرُ الَّذِي لَا سَاحِلَ لَهُ هُوَ الآخِرَةُ! فَأَيُّ سَفَهٍ أَعظَمُ مِن أَن يَبِيعَ العَاقِلُ البَحرَ المُحِيطَ بِقَطرَةٍ زَائِلَةٍ؟
الوَسِيلَةُ الثَّانِيَةُ: الإِقبَالُ عَلَى العِبَادَةِ وَالقُرآنِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ فِي أَوقَاتِ الفِتَنِ:
فَإِنَّ الفِتَنَ إِذَا هَبَّت رِيَاحُهَا شَغَلَتِ النَّاسَ بِالقِيلِ وَالقَالِ، وَالمِرَاءِ وَالجِدَالِ، وَتَتَبُّعِ الشَّاشَاتِ وَالأَهوَاءِ؛ وَالعَاقِلُ المُوَفَّقُ يَفِرُّ فِي زَمَنِ الفِتَنِ إِلَى مِحرَابِ الصَّلَاةِ، وَتِلَاوَةِ القُرآنِ، وَذِكرِ الرَّحمَنِ؛ وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن مَعقِلِ بنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجرَةٍ إِلَيَّ»! وَقالَ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرقَانِ مُبَيِّنًا سِرَّ تَثبِيتِ الفُؤَادِ بِالقُرآنِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. فَمَن أَرادَ الثَّبَاتَ أَمَامَ فِتَنِ المَالِ وَالمَنصِبِ وَالشَّهَوَاتِ فَلْيَربِطْ قَلبَهُ بِكِتَابِ اللهِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا وَعَمَلًا فِي كُلِّ يَومٍ.
الوَسِيلَةُ الثَّالِثَةُ: القَنَاعَةُ وَالنَّظَرُ فِي أُمُورِ الدُّنيَا إِلَى مَن هُوَ دُونَكَ، وَفِي أُمُورِ الدِّينِ إِلَى مَن هُوَ فَوقَكَ:
إِنَّ دَاءَ التَّنَافُسِ المُهلِكِ إِنَّمَا يَنشَأُ مِن مَدِّ العَينِ إِلَى مَا فِي أَيدِي المُترَفِينَ؛ تَرَى الشَّابَّ أَوِ الرَّجُلَ أَوِ المَرأَةَ يُتَابِعُ حَيَاةَ الأَثرِيَاءِ وَالمَشَاهِيرِ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ، فَيَزدَرِي نِعمَةَ اللهِ عَلَيهِ، وَيَسخَطُ عَلَى رِزقِهِ، وَيَندَفِعُ إِلَى الحَرَامِ أَوِ الدُّيُونِ المَاحِقَةِ! وَقَد أَعطَانَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ العِلَاجَ القُرآنِيَّ فِي سُورَةِ طَه فَقَالَ سُبحَانَهُ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «انظُرُوا إِلَى مَن أَسفَلَ مِنكُم، وَلَا تَنظُرُوا إِلَى مَن هُوَ فَوقَكُم، فَهُوَ أَجدَرُ أَن لَا تَزدَرُوا نِعمَةَ اللهِ عَلَيكُم»! وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسلِمٌ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «قَد أَفلَحَ مَن أَسلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللهُ بِمَا آتَاهُ».
الوَسِيلَةُ الرَّابِعَةُ: تحَرِّي الحَلَالِ الطَّيِّبِ وَسَدُّ ذَرَائِعِ الشَّهَوَاتِ قَبلَ استِفحَالِهَا:
فَالثَّبَاتُ أَمَامَ فِتنَةِ المَالِ يَكُونُ بِالوَرَعِ الصَّادِقِ، فَلَا يَدخُلُ جَوفَكَ وَلَا بَيتَكَ إِلَّا دِرهَمٌ حَلَالٌ طَيِّبٌ لَا شُبهَةَ فِيهِ، مَعَ أَدَاءِ حَقِّ اللهِ فِيهِ مِن زَكَاةٍ وَصَدَقَةٍ؛ وَالثَّبَاتُ أَمَامَ فِتنَةِ النِّسَاءِ وَالشَّهَوَاتِ يَكُونُ بِغَضِّ البَصرِ مِن أَوَّلِ لَحظَةٍ، وَحِفظِ الفَرجِ، وَقَطعِ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ قَبلَ أَن تَتَحَوَّلَ النَّظرَةُ إِلَى خَاطِرَةٍ، وَالخَاطِرَةُ إِلَى شَهوَةٍ، وَالشَّهوَةُ إِلَى هَاوِيَةٍ، وَتَحصِينِ الشَّبَابِ وَالفَتَيَاتِ بِتَيسِيرِ الزَّوَاجِ الحَلَالِ وَتَقلِيلِ مُهُورِهِ وَتَكَالِيفِهِ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾.
الوَسِيلَةُ الخَامِسَةُ: مُلَازَمَةُ الصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ وَمَجَالِسِ العِلمِ وَالتَّذكِيرِ:
فَإِنَّ الذِّئبَ إِنَّمَا يَأكُلُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةَ، وَالمَرءُ ضَعِيفٌ بِنَفسِهِ قَوِيٌّ بِإِخوَانِهِ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ يُذَكِّرُونَهُ بِاللهِ إِذَا نَسِيَ، وَيُعِينُونَهُ عَلَى الطَّاعَةِ إِذَا فَتَرَ، وَيَبصِّرُونَهُ بِعُيُوبِ نَفسِهِ إِذَا غَرَّهُ المَالُ أَوِ المَنصِبُ؛ وَفِي ذَلِكَ أَوصَى اللهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ فِي سُورَةِ الكَهفِ السُّورَةِ الَّتِي عَصَمَ اللهُ بِهَا مِن أَعظَمِ الفِتَنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾!
الوَسِيلَةُ السَّادِسَةُ: الِانكِسَارُ بَينَ يَدَيِ اللهِ وَالإِلحَاحُ الدَّائِمُ بِأَدعِيَةِ الثَّبَاتِ وَالِاستِعَاذَةِ مِنَ الفِتَنِ:
فَإِنَّ القُلُوبَ بَينَ إِصبَعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاءُ؛ فَإِذَا كَانَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَتقَى الخَلقِ للهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَى التِّرمِذِيُّ عَن أَنَسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يُكثِرُ فِي دُعَائِهِ وَسُجُودِهِ أَن يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلبِي عَلَى دِينِكَ»، فَكَيَّفَ بِنَا نَحنُ الضُّعَفَاءَ المَقصِّرِينَ؟ وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَأمُرُ أَصحَابَهُ أَن يَتَعَوَّذُوا بِاللهِ فِي كُلِّ صَلَاةٍ قَبلَ السَّلَامِ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَكَانَ يَدعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الجَلِيلِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَحمَدُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ فِعلَ الخَيرَاتِ، وَتَركَ المُنكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَن تَغفِرَ لِي وَتَرحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدتَ بِعِبَادِكَ فِتنَةً فَاقبِضنِي إِلَيكَ غَيرَ مَفتُونٍ»!
وَللهِ دَرُّ الشَّاعِرِ الحَكِيمِ أَبِي العَتَاهِيَةِ إِذ يَصِفُ حَالَ المَغرُورِينَ بِتَنَافُسِ الدُّنيَا فَيَقُولُ:
إِنَّمَا الدُّنيَا مَتَاعٌ زَائِلٌ ... فَاقْتَصِدْ فِيهِ وَخُذْ مِنهُ وَدَعْ
كَمْ حَرِيصٍ جَمَعَ المَالَ فَلَمْ ... يَنتَفِعْ مِنهُ بِشَيءٍ قَدْ جَمَعْ
إِنَّمَا المَغبُونُ مَن بَاعَ البَقَا ... بِحُطَامٍ زَائِلٍ عَمَّنْ قَنَعْ
فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ وَالأَخَوَاتُ: اجعَلُوا الدُّنيَا فِي أَيدِيكُم وَلَا تَجعَلُوهَا فِي قُلُوبِكُم! خُذُوا مِنهَا بِالحَلَالِ مَا يُبلِّغُكُم رِضوَانَ رَبِّكُم، وَسَخِّرُوا مَنَاصِبَكُم لِخِدمَةِ الخَلقِ وَنُصرَةِ الحَقِّ وَإِقَامَةِ العَدلِ، وَسَخِّرُوا أَموَالَكُم لِعِمَارَةِ الأَرضِ وَإِغَاثَةِ المَلهُوفِ وَكِفَايَةِ الفَقِيرِ، وَصُونُوا أَبصَارَكُم وَبُيُوتَكُم وَأَعرَاضَكُم بِحِصنِ العِفَّةِ وَالطُّهرِ وَالحَيَاءِ، وَتَذَكَّرُوا دَائِمًا أَنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلهَى، وَأَنَّ السَّعِيدَ الحَقَّ هُوَ مَن لَقِيَ اللهَ يَومَ القِيَامَةِ بِقَلبٍ سَلِيمٍ لَم تَلوِّثهُ فِتنَةُ المَنصِبِ وَلَا فِتنَةُ المَالِ وَلَا فِتنَةُ الشَّهَوَاتِ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ وَالأَبصَارِ ثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَيَا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّف قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ. اللَّهُمَّ لَا تَجعَلِ الدُّنيَا أَكبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبلَغَ عِلمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَاجعَلِ الجَنَّةَ هِيَ دَارَنَا وَقَرَارَنَا. اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِن فِتنَةِ الغِنَى وَفِتنَةِ الفَقرِ، وَمِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ. اللَّهُمَّ اكفِنَا بِحَلَالِكَ عَن حَرَامِكَ، وَأَغنِنَا بِفَضلِكَ عَمَّن سِوَاكَ، وَاحفَظ شَبَابَنَا وَفَتَيَاتِنَا وَبُيُوتَنَا وَأَهلِينَا بِحِفظِكَ الجَمِيلِ، وَاختِم لَنَا بِالصَّالِحَاتِ أَعمَالَنَا، وَتَوَفَّنَا مُسلِمِينَ غَيرَ خَزَايَا وَلَا مَفتُونِينَ، وَأَلحِقنَا بِالصَّالِحِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَآخِرُ دَعوَانَا أَنِ الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَا الفَقرَ أَخشَى عَلَيكُم: كَلِمَةٌ وَمُحَاضَرَةٌ إِيمَانِيَّةٌ عَن فِتنَةِ الدُّنيَا مِن مَنصِبٍ وَمَالٍ وَنِسَاءٍ وَشَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَوَسَائِلِ الثَّبَاتِ فِي زَمَنِ الفِتَنِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.