وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ: مُحَاضَرَةٌ عِلمِيَّةٌ وَتَربَوِيَّةٌ وَنَفسِيَّةٌ لِلنِّسَاءِ وَالفَتَيَاتِ فِي فِقهِ التَّوَازُنِ الزَّوجِيِّ وَنَمَاذِجِ الصَّحَابِيَّاتِ وَوَصَايَا المُقبِلَاتِ عَلَى الزَّوَاجِ
الحَمدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهرًا، وَجَعَلَ مِن آيَاتِهِ البَاهِرَاتِ أَن خَلَقَ لَنَا مِن أَنفُسِنَا أَزوَاجًا لِنَسكُنَ إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَنَا مَوَدَّةً وَرَحمَةً وَطُهرًا، وَأَقَامَ بُنيَانَ الأُسرَةِ فِي الإِسلَامِ عَلَى مِيزَانِ العَدلِ وَالفَضلِ وَالمَعرُوفِ، فَأَنصَفَ المَرأَةَ إِنصَافًا لَم تَعرِفهُ البَشَرِيَّةُ فِي قَدِيمِ الدَّهرِ وَلَا حَدِيثِهِ، وَصَانَ كَرَامَتَهَا وَحُقُوقَهَا دُنيَا وَأُخرَى، نَحمَدُهُ سُبحَانَهُ حَمدَ الشَّاكِرَاتِ الذَّاكِرَاتِ، وَنَستَعِينُهُ استِعَانَةَ المُؤمِنَاتِ الصَّابِرَاتِ القَانِتَاتِ، وَنَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، سَمِعَ قَولَ الَّتِي تُجَادِلُ فِي زَوجِهَا وَتَشتَكِي إِلَى اللهِ مِن فَوقِ سَبعِ سَمَاوَاتٍ، وَأَنزَلَ فِي كِتَابِهِ أَحكَمَ الآيَاتِ لِإِصلَاحِ البُيُوتِ وَالأُسَرِ وَالمُجتَمَعَاتِ، وَنَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، خَيرُ النَّاسِ لِأَهلِهِ، وَأَرحَمُهُم بِالنِّسَاءِ، وَأَحفَظُهُم لِلعَهدِ وَالوَفَاءِ، الَّذِي أوصَى بِالنِّسَاءِ خَيرًا وَهُوَ يُودِّعُ الدُّنيَا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِ بَيتِهِ الطَّاهِرِينَ وَأُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ، وَعَلَى الصَّحَابَةِ وَالصَّحَابِيَّاتِ الغُرِّ المَيَامِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
أَمَّا بَعدُ: فَأُحَيِّيكُنَّ - أَيَّتُهَا الأُمَّهَاتُ الفَاضِلَاتُ، وَالزَّوجَاتُ الكَرِيمَاتُ، وَالأَخَوَاتُ العَزِيزَاتُ، وَبَنَاتِيَ النَّجِيبَاتُ المُقبِلَاتُ عَلَى مَرحَلَةِ الزَّوَاجِ وَبِنَاءِ الأُسرَةِ - بِتَحِيَّةِ الإِسلَامِ العَطِرَةِ؛ فَقَولِي لَكُنَّ: السَّلَامُ عَلَيكُنَّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَطِبتُنَّ وَطَابَ مَجلِسُكُنَّ هَذَا فِي ظِلَالِ كَلِمَةِ اللهِ وَهَديِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ.
إِنَّنَا نَجتَمِعُ اليَومَ فِي هَذِهِ المُحَاضَرَةِ المُطَوَّلَةِ لِنَتَدَبَّرَ مَعًا قَاعِدَةً قُرآنِيَّةً مُعجِزَةً، تَتَكَوَّنُ مِن خَمسِ كَلِمَاتٍ فَقَط فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، وَلَكِنَّهَا لَو كُتِبَت بِمَاءِ العُيُونِ، وَطُبِّقَت فِي بُيُوتِنَا بِوَعيٍ شَرعِيٍّ وَنَفسِيٍّ وَتَربَوِيٍّ صَحِيحٍ، لَأُغلِقَت تِسعَةُ أَعشَارِ مَحَاكِمِ الأُسرَةِ، وَلَتَحَوَّلَت بُيُوتُنَا مِن حَلَبَاتِ صِرَاعٍ وَمُشَاحَنَاتٍ إِلَى رِيَاضِ سَكِينَةٍ وَجَنَّاتِ مَوَدَّةٍ وَرَحمَةٍ!
تِلكُمُ القَاعِدَةُ هِيَ قَولُ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي الآيَةِ الثَّامِنَةِ وَالعِشرِينَ بَعدَ المِئَتَينِ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَبَنَاتِيَ الفَتَيَاتِ: قَبلَ أَن نَغُوصَ فِي أَعمَاقِ هَذِهِ الآيَةِ العَظِيمَةِ، دَعُونَا نَتَسَاءَلْ: كَيفَ فَهِمَ أَصحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ يَومَ نَزَلَت؟
اِسمَعنَ إِلَى تَرجُمَانِ القُرآنِ وَحَبرِ الأُمَّةِ عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي تَفسِيرِهِ وَابنُ أَبِي شَيبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَالبَيهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ؛ كَانَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا يَقِفُ أَمَامَ المِرآةِ يَتَطَيَّبُ وَيُسَرِّحُ شَعرَهُ وَيَتَجَمَّلُ لِزَوجَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ كَلِمَتَهُ الخَالِدَةَ: «إِنِّي لَأُحِبُّ أَن أَتَزَيَّنَ لِلمَرأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَن تَتَزَيَّنَ لِي؛ لِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَمَا أُحِبُّ أَن أَستَنظِفَ جَمِيعَ حَقِّي عَلَيهَا، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾»!
اللهُ أَكبَرُ! تَأَمَّلنَ - يَا رَعَاكُنَّ اللهُ - كَيفَ فَسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا هَذِهِ الآيَةَ تَفسِيرًا يَهدِمُ كُلَّ المَفَاهِيمِ المَغلُوطَةِ عِندَ الجُهَلَاءِ!
أَوَّلًا: فَهِمَ مِن قَولِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أَنَّ كُلَّ مَا يُحِبُّهُ الرَّجُلُ مِن زَوجَتِهِ مِنَ التَّجَمُّلِ، وَالِاحتِرَامِ، وَالكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالبَشَاشَةِ، وَحِفظِ الغَيبِ، وَالإِشبَاعِ النَّفسِيِّ وَالعَاطِفِيِّ، فَإِنَّ لِلمَرأَةِ عَلَى زَوجِهَا مِثلَهُ تَمَامًا بِالمَعرُوفِ!
ثَانِيًا: كَيفَ فَسَّرَ ابنُ عَبَّاسٍ وَالإِمَامُ الطَّبَرِيُّ قَولَهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؟ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ العَوَامِّ يَظُنُّ أَنَّ «الدَّرَجَةَ» مَعنَاهَا أَنَّ الرَّجُلَ يَتَسَلَّطُ عَلَى المَرأَةِ وَيَأخُذُ كُلَّ حَقِّهِ مِنهَا بِالقَهرِ! بَينَمَا يَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «مَا أُحِبُّ أَن أَستَنظِفَ (أَي أَستَوفِيَ كَامِلًا) جَمِيعَ حَقِّي عَلَيهَا لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ»! أَي أَنَّ دَرَجَةَ القِوَامَةِ وَالرُّجُولَةِ تَفرِضُ عَلَى الرَّجُلِ أَن يَكُونَ أَوسَعَ صَدرًا، وَأَعظَمَ حِلمًا، فَيُؤَدِّيَ إِلَى زَوجَتِهَا حَقَّهَا كَامِلًا، وَيَتَغَافَلَ وَيَصفَحَ عَن بَعضِ تَقصِيرِهَا فِي حَقِّهِ تَفضُّلًا وَكَرَمًا!
وَمِن هَذَا المَنطَلَقِ النُّورَانِيِّ، سَنَسِيرُ فِي مُحَاضَرَتِنَا هَذِهِ عَبرَ خَمسَةِ مَبَاحِثَ كُبرَى، نَجمَعُ فِيهَا بَينَ الأَدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ القَطعِيَّةِ، وَتَأصِيلَاتِ عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ وَالأُسَرِيِّ، وَالقِصَصِ الحَيَّةِ مِن بُيُوتِ النُّبُوَّةِ وَالصَّحَابِيَّاتِ، وَالوَصَايَا التَّطبِيقِيَّةِ لِكُلِّ زَوجَةٍ وَكُلِّ فَتَاةٍ مُقبِلَةٍ عَلَى الزَّوَاجِ.
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ الفَاضِلَاتُ: أَمَّا المَبحَثُ الأَوَّلُ، فَهُوَ «فَلسَفَةُ العَلَاقَةِ الزَّوجِيَّةِ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ وَعِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ: بَينَ التَّكَافُؤِ فِي الحُقُوقِ وَالتَّكَامُلِ فِي الأَدوَارِ»:
إِنَّ مِن أَخطَرِ الأَزمَاتِ الفِكرِيَّةِ وَالنَّفسِيَّةِ الَّتِي تَعصِفُ بِالبُيُوتِ فِي عَصرِنَا الحَاضِرِ، أَنَّ الفَتَاةَ وَالشَّابَّ يَدخُلَانِ الحَيَاةَ الزَّوجِيَّةَ وَفِي رَأسِهِمَا تَصَوُّرٌ مَشَوَّهٌ عَنِ الزَّوَاجِ؛ فَإِمَّا تَصَوُّرٌ تَسلُّطِيٌّ جَاهِلِيٌّ يَرَى المَرأَةَ خَادِمَةً لَا حَقَّ لَهَا فِي الحِوَارِ وَلَا فِي الشُّعُورِ، وَإِمَّا تَصَوُّرٌ مَادِّيٌّ غَربِيٌّ صِرَاعِيٌّ يَرَى الزَّوَاجَ «حَلبَةَ مُلَاكَمَةٍ وَصِرَاعَ نِدِّيَّةٍ» بَينَ الرَّجُلِ وَالمَرأَةِ، كُلُّ طَرَفٍ فِيهَا يَترَبَّصُ بِالآخَرِ وَيَحسُبُ عَلَيهِ أَنفَاسَهُ بِالمِسطَرَةِ وَالقَلَمِ!
وَفِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ وَالإِرشَادِ الأُسَرِيِّ، يُؤَكِّدُ العُلَمَاءُ أَنَّ أَيَّ مُؤَسَّسَةٍ إِنسَانِيَّةٍ تَقُومُ عَلَى «ثَقَافَةِ الصِّرَاعِ وَالتَّرَبُّصِ وَالأنَانِيَّةِ» مَصِيرُهَا الِانهِيَارُ النَّفسِيُّ وَالطَّلَاقُ العَاطِفِيُّ أَوِ الفِعلِيُّ!
أَمَّا القُرآنُ الكَرِيمُ، فَقَد وَضَعَ لِلعَلَاقَةِ الزَّوجِيَّةِ أَربَعَ رَكَائِزَ نَفسِيَّةٍ وَشَرعِيَّةٍ غَايَةً فِي الرُّقِيِّ وَالإِبدَاعِ:
الرَّكِيزَةُ الأُولَى: أَنَّهُ سَمَّى عَقدَ الزَّوَاجِ «مِيثَاقًا غَلِيظًا»؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾. وَتَأَمَّلنَ أَنَّ اللهَ لَم يُسَمِّ عَقدًا فِي القُرآنِ كُلِّهِ «مِيثَاقًا غَلِيظًا» إِلَّا عَهدَ النُّبُوَّةِ مَعَ أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسُلِ، وَعَقدَ الزَّوَاجِ! لِأَنَّ الزَّوَاجَ لَيسَ صَفقَةً تِجَارِيَّةً مؤقَّتَةً، بَل هُوَ عَهدٌ مَتِينٌ يُستَحَلُّ بِكَلِمَةِ اللهِ وَأَمَانَتِهِ!
الرَّكِيزَةُ الثَّانِيَةُ: قَانُونُ «اللِّبَاسِ المُتَبَادَلِ»؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾. وَفِي هَذَا التَّشبِيهِ القُرآنِيِّ ذِروَةُ التحلِيلِ النَّفسِيِّ لِلعَلَاقَةِ الزَّوجِيَّةِ؛ مَاذَا يَصنَعُ اللِّبَاسُ لِلإِنسَانِ؟ اللِّبَاسُ هُوَ أَقرَبُ شَيءٍ إِلَى الجَسَدِ لَا يَفصِلُ بَينَهُ وَبَينَ البَشَرَةِ حَائِلٌ، وَاللِّبَاسُ يَستُرُ العُيُوبَ، وَيَحمِي مِنَ الحَرِّ وَالبَردِ، وَيُعطِي الجَمَالَ وَالزِّينَةَ وَالدِّفءَ! فَالزَّوجَةُ سِترٌ وَدِفءٌ وَزِينَةٌ لِزَوجِهَا، وَالزَّوجُ سِترٌ وَدِفءٌ وَأَمَانٌ لِزَوجَتِهِ عَلَى السَّوَاءِ!
الرَّكِيزَةُ الثَّالِثَةُ: ثلاثِيَّةُ «السَّكَنِ وَالمَوَدَّةِ وَالرَّحمَةِ»؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرُّومِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
وَفِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ، تُسَمَّى هَذِهِ الثَّلَاثِيَّةُ «مُثلَّثَ الإِشبَاعِ النَّفسِيِّ الأُسَرِيِّ»: فَالـ «سَكَنُ» هُوَ الأَمَانُ النَّفسِيُّ وَالطُّمَأنِينَةُ الَّتِي يَهدَأُ بِهَا القَلَقُ بَعدَ عَنَاءِ الحَيَاةِ؛ وَ«المَوَدَّةُ» أَبلَغُ مِنَ الحُبِّ المَجَرَّدِ، لِأَنَّ الحُبَّ شُعُورٌ قَلبِيٌّ بَاطِنٌ، أَمَّا المَوَدَّةُ فَهِيَ الحُبُّ المَتَرجَمُ إِلَى سُلُوكٍ ظَاهِرٍ مِن كَلِمَةٍ حَانِيَةٍ وَابتِسَامَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَاهتِمَامٍ؛ وَ«الرَّحمَةُ» هِيَ الحِصنُ الَّذِي يَبقَى حِينَ يَضعُفُ الجَسَدُ أَو يَمرَضُ أَحَدُ الزَّوجَينِ أَو يَتَقَدَّمُ بِهِمَا العُمُرُ! وَلِذَلِكَ قَالَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ لِرَجُلٍ أَرَادَ أَن يُطَلِّقَ زَوجَتَهُ بِحُجَّةِ أَنَّهُ لَم يَعُدْ يُحِبُّهَا عَاطِفِيًّا: «وَيحَكَ! أَوَكُلُّ البُيُوتِ بُنِيَت عَلَى الحُبِّ؟ فَأَينَ الرِّعَايَةُ وَالتَّذَمُّمُ؟!»؛ أَي أَينَ الرَّحمَةُ وَالمُرُوءَةُ وَحِفظُ العَهدِ؟!
الرَّكِيزَةُ الرَّابِعَةُ: قَاعِدَةُ «التَّبَادُلِيَّةِ بِالمَعرُوفِ مَعَ تَكَامُلِ الأَدوَارِ» فِي آيَةِ مُحَاضَرَتِنَا: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾!
مَا مَعنَى «المِثلِيَّةِ» هُنَا أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ؟ قَالَ الإِمَامُ ابنُ الجَوزِيِّ وَالإِمَامُ القُرطُبِيُّ وَالشَّيخُ ابنُ عُثَيمِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ: المِثلِيَّةُ هُنَا هِيَ «المِثلِيَّةُ فِي القِيمَةِ وَالوُجُوبِ وَالكَرَامَةِ وَالمَعرُوفِ، لَا المِثلِيَّةُ فِي صُورَةِ العَمَلِ الحِسِّيِّ»؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَالمَرأَةَ يَختَلِفَانِ فِي التَّكوِينِ البَدَنِيِّ وَالنَّفسِيِّ؛ فَلَا يُكلَّفُ الرَّجُلُ بِالحَملِ وَالإِرضَاعِ وَالعَاطِفَةِ الأُمُومِيَّةِ، وَلَا تُكلَّفُ المَرأَةُ بِالكَدحِ المَالِيِّ الشَّاقِّ وَالإِنفَاقِ الوَاجِبِ! بَل يَتَكَامَلُ الطَّرَفَانِ كَجَنَاحَيِ الطَّائِرِ: عَلَى الرَّجُلِ القِوَامَةُ وَالإِنفَاقُ وَالحِمَايَةُ وَالإِحسَانُ، وَعَلَى المَرأَةِ السَّكَنُ وَالطَّاعَةُ بِالمَعرُوفِ وَرِعَايَةُ البَيتِ وَالأَولَادِ، وَلكُلِّ وَاحِدٍ مِنهُمَا عَلَى الآخَرِ مِنَ الاحتِرَامِ وَالمَوَدَّةِ وَحُسنِ العِشرَةِ مِثلُ الَّذِي عَلَيهِ بِالمَعرُوفِ!
أَخَوَاتِي الفَاضِلَاتُ: وَهُنَا نَنتَقِلُ إِلَى المَبحَثِ الثَّانِي، وَهُوَ الشِّقُّ الأَوَّلُ مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «وَلَهُنَّ»؛ أَي: مَا هِيَ حُقُوقُ المَرأَةِ المَقطُوعُ بِهَا فِي الشَّرعِ الحَنِيفِ، وَكَيفَ تَطلُبُهَا المَرأَةُ العَاقِلَةُ بِذَكَاءٍ تَربَوِيٍّ وَنَفسِيٍّ؟
لَقَدِ افتَتَحَ اللهُ تَعَالَى الجُملَةَ بِتَقدِيمِ حَقِّ المَرأَةِ فَقَال: «وَلَهُنَّ» قَبلَ أَن يَقُولَ «عَلَيهِنَّ»! وَفِي هَذَا التَّقدِيمِ البَلَاغِيِّ إِنصَافٌ إِلَهِيٌّ عَظِيمٌ لِلمَرأَةِ؛ لِأَنَّ المَرأَةَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَيهَا وَاجِبَاتٌ وَلَيسَ لَهَا حُقُوقٌ، فَجَاءَ الإِسلَامُ فَبَدَأَ بِتَثبِيتِ حَقِّهَا أَوَّلًا فَقَال: «وَلَهُنَّ»!
وَحُقُوقُ الزَّوجَةِ فِي الإِسلَامِ تَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ عَظِيمَينِ ثَبَتَا بِالأَدِلَّةِ القَطعِيَّةِ:
القِسمُ الأَوَّلُ: «الحُقُوقُ المَالِيَّةُ وَالمَادِّيَّةُ المَصُونَةُ»:
فَلِلمَرأَةِ حَقُّ الصَّدَاقِ (المَهرِ) خَالِصًا لَهَا رَمزًا لِلتَّكرِيمِ وَالرَّغبَةِ الصَّادِقَةِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وَلَهَا حَقُّ النَّفَقَةِ الكَامِلَةِ بِالمَعرُوفِ فِي مَطعَمِهَا وَمَلبَسِهَا وَمَسكَنِهَا وَعِلَاجِهَا وَلَو كَانَت غَنِيَّةً تَملِكُ المَلَايِينَ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الطَّلَاقِ: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾. وَلَهَا ذِمَّتُهَا المَالِيَّةُ المُستَقِلَّةُ التَّامَّةُ، فَلَا يَحِلُّ لِزَوجِهَا وَلَا لِغَيرِهِ أَن يَأخُذَ مِن مَالِهَا الخَاصِّ أَو رَاتِبِهَا أَو مِيرَاثِهَا دِرهَمًا وَاحِدًا إِلَّا بِطِيبِ نَفسٍ مِنهَا وَرِضًا حَقِيقِيٍّ لَا إِكرَاهَ فِيهِ وَلَا إِحرَاجَ!
وَأَمَّا القِسمُ الثَّانِي الأَعمَقُ أَثَرًا فِي نَفسِيَّةِ المَرأَةِ: فَهُوَ «الحُقُوقُ المَعنَوِيَّةُ وَالعَاطِفِيَّةُ وَالنَّفسِيَّةُ (المُعَاشَرَةُ بِالمَعرُوفِ)»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قَالَ عُلَمَاءُ التَّفسِيرِ وَالفِقهِ: لَيسَ المَعرُوفُ مُجَرَّدَ كَفِّ الأَذَى عَنِ الزَّوجَةِ، بَل هُوَ «بَذلُ النَّدَى، وَكَفُّ الأَذَى، وَاحتِمَالُ الأَذَى، وَطَلَاقَةُ الوَجهِ، وَطِيبُ الكَلَامِ»!
وَتَأَمَّلنَ كَيفَ أَسَّسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ قَوَاعِدَ الإِشبَاعِ النَّفسِيِّ لِلمَرأَةِ قَبلَ عُلَمَاءِ النَّفسِ بِأَربَعَةَ عَشَرَ قَرنًا:
أَوَّلًا: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مِعيَارَ خَيرِيَّةِ الرَّجُلِ الحَقِيقِيَّةِ هُوَ حُسنَ مُعَامَلَتِهِ لِزَوجَتِهِ وَأَهلِهِ فِي دَاخِلِ البَيتِ لَا مَظهَرَهُ أَمَامَ النَّاسِ فِي الشَّارِعِ فَقَط! فَرَوَى التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «خَيرُكُم خَيرُكُم لِأَهلِهِ، وَأَنَا خَيرُكُم لِأَهلِي».
ثَانِيًا: أَوصَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمُرَاعَاةِ الطَّبِيعَةِ العَاطِفِيَّةِ الرَّقِيقَةِ لِلمَرأَةِ وَتَقَلُّبَاتِهَا النَّفسِيَّةِ؛ فَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «استَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا، فَإِنَّ المَرأَةَ خُلِقَت مِن ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعوَجَ شَيءٍ فِي الضِّلَعِ أَعلَاهُ، فَإِن ذَهَبتَ تُقِيمُهُ كَسَرتَهُ، وَإِن تَرَكتَهُ لَم يَزَل أَعوَجَ، فَاستَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا».
وَفِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ، يُشِيرُ هَذَا الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ إِلَى أَنَّ «اعوِجَاجَ الضِّلَعِ وَانحِنَاءَهُ هُوَ سِرُّ وَظِيفَتِهِ فِي حِمَايَةِ القَلبِ وَالاحتِوَاءِ وَالحُنُوِّ عَلَى الأَطفَالِ»؛ فَمَن أَرَادَ مِنَ المَرأَةِ أَن تَكُونَ صَلبَةً جَافَّةً خَالِيَةً مِنَ الِانفِعَالِ العَاطِفِيِّ كَالرَّجُلِ فَقَد كَسَرَ فِطرَتَهَا!
ثَالِثًا: وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَعظَمَ قَاعِدَةٍ فِي «العِلَاجِ المَعرِفِيِّ السُّلُوكِيِّ لِلزَّوجَينِ» فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حِينَ قَال: «لَا يَفرَكْ (أَي لَا يُبغِضْ) مُؤمِنٌ مُؤمِنَةً؛ إِن كَرِهَ مِنهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنهَا آخَرَ»!
وَهَذِهِ القَاعِدَةُ تَصدُقُ عَلَى الزَّوجِ وَالزَّوجَةِ مَعًا: لَا يُوجَدُ إِنسَانٌ كَامِلٌ بِلَا عُيُوبٍ! فَإِذَا نَظَرَ أَحَدُ الزَّوجَينِ إِلَى عَيبٍ وَاحِدٍ فِي شَرِيكِ حَيَاتِهِ وَأَغمَضَ عَينَيهِ عَن عَشَرَاتِ الإِيجَابِيَّاتِ، دَخَلَ فِي دَوَّامَةِ السُّخطِ وَالتَّعَاسَةِ؛ أَمَّا إِذَا وَازَنَ بَينَ مَا يَكرَهُ وَمَا يَرضَى، عَاشَ فِي رِضًا وَسَكِينَةٍ!
رَابِعًا: حَقُّ المَرأَةِ فِي الإِنصَاتِ العَاطِفِيِّ وَالتَّقَبُّلِ وَالمُشَارَكَةِ الوِجدَانِيَّةِ؛ يُقرِّرُ عُلَمَاءُ النَّفسِ أَنَّ المَرأَةَ تَحتَاجُ فِطرِيًّا إِلَى «الحِوَارِ وَالبَوحِ وَمَن يَستَمِعُ إِلَى تَفَاصِيلِ يَومِهَا وَمَشَاعِرِهَا بِاهتِمَامٍ». وَانظُرْنَ كَيفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ: جَلَسَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَستَمِعُ إِلَيهَا وَهِيَ تَحكِي لَهُ قِصَّةَ إِحدَى عَشرَةَ امرَأَةً اجتَمَعنَ فَوَصَفَت كُلُّ وَاحِدَةٍ زَوجَهَا (حَدِيثُ أُمِّ زَرعٍ الطَّوِيلُ)، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَ عِظَمِ مَشَاغِلِهِ بِأَمرِ الأُمَّةِ وَالوَحيِ يَستَمِعُ إِلَيهَا بِكُلِّ حُبٍّ وَاهتِمَامٍ لَا يُقَاطِعُهَا وَلَا يَسأَمُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَت قَالَ لَهَا تِلكَ الكَلِمَةَ الرَّقِيقَةَ: «كُنتُ لَكِ كَأَبِي زَرعٍ لِأُمِّ زَرعٍ، إِلَّا أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَإِنِّي لَا أُطَلِّقُكِ»!
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَشرَبُ مِنَ المَوضِعِ الَّذِي تَضَعُ فِيهِ عَائِشَةُ شَفَتَيهَا عَلَى الإِنَاءِ، وَيَتَّكِئُ فِي حِجرِهَا، وَيُسَابِقُهَا فِي السَّفَرِ، وَيُشَاوِرُ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا فِي أَدَقِّ أَزمَاتِ الأُمَّةِ يَومَ الحُدَيبِيَةِ فَيَأخُذُ بِرَأيِهَا السَّدِيدِ!
أَيَّتُهَا الأَخَوَاتُ وَالبَنَاتُ الفَاضِلَاتُ: ثُمَّ تَعَالَينَ بِنَا إِلَى المَبحَثِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الشِّقُّ الثَّانِي مِنَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: «مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ»؛ أَي: مَا هِيَ وَاجِبَاتُ الزَّوجَةِ الصَّالِحَةِ، وَكَيفَ تَملِكُ بِهَا قَلبَ زَوجِهَا وَتَبنِي مَملَكَتَهَا وَتَفُوزُ بِالفِردَوسِ الأَعلَى؟
كَمَا أَعطَى الإِسلَامُ المَرأَةَ حُقُوقَهَا كَامِلَةً، فَقَد جَعَلَ عَلَيهَا وَاجِبَاتٍ شَرِيفَةً بِالمَعرُوفِ تُحقِّقُ التَّوَازُنَ فِي كِفَّتَيِ المِيزَانِ؛ وَإِذَا فَهِمَتِ المَرأَةُ المُسلِمَةُ هَذِهِ الوَاجِبَاتِ بِمِنظَارِ «العُبُودِيَّةِ للهِ» وَبِمِنظَارِ «الذَّكَاءِ النَّفسِيِّ وَالعَاطِفِيِّ»، تَحَوَّلَت حَيَاتُهَا إِلَى سَعَادَةٍ غَامِرَةٍ:
الوَاجِبُ الأَوَّلُ: «احتِسَابُ طَاعَةِ الزَّوجِ بِالمَعرُوفِ وَحُسنِ تَبَعُّلِهِ قُربَةً إِلَى اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ»:
إِنَّ الشَّيطَانَ وَدُعَاةَ التَّغْرِيبِ يُحَاوِلُونَ أَن يُوهِمُوا الفَتَاةَ أَنَّ طَاعَةَ الزَّوجِ فِي غَيرِ مَعصِيَةِ اللهِ هِيَ «إِهَانَةٌ لِكَرَامَتِهَا وَانتِقَاصٌ مِن شَخصِيَّتِهَا»! وَهَذَا وَاللهِ مِن أَعظَمِ الجَهلِ بِالشَّرعِ وَبِفِقهِ الحَيَاةِ!
فَإِنَّ طَاعَةَ الزَّوجِ مَقَيَّدَةٌ فِي الآيَةِ بِقَيدٍ عَظِيمٍ وَهُوَ «بِالمَعرُوفِ»؛ فَلَا طَاعَةَ لِمَخلُوقٍ فِي مَعصِيَةِ الخَالِقِ، وَلَا طَاعَةَ فِيمَا فَوقَ الطَّاقَةِ وَالوُسعِ! وَأَمَّا طَاعَتُهُ بِالمَعرُوفِ فِي إِدَارَةِ سَفِينَةِ البَيتِ فَهِيَ مِن أَقرَبِ الطُّرُقِ الَّتِي تُوصِلُ المَرأَةَ إِلَى الجَنَّةِ!
اِسمَعنَ إِلَى هَذِهِ البِشَارَةِ النَّبَوِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ أَحمَدُ فِي مُسنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَال: «إِذَا صَلَّتِ المَرأَةُ خَمسَهَا، وَصَامَت شَهرَهَا، وَحَفِظَت فَرجَهَا، وَأَطَاعَت زَوجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادخُلِي الجَنَّةَ مِن أَيِّ أَبوَابِ الجَنَّةِ شِئتِ»!
وَفِي مُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ وَمُوطَّإِ مَالِكٍ وَالمُستَدرَكِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن حُصَينِ بنِ مِحصَنٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَلَمَّا فَرَغَت مِن حَاجَتِهَا قَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «أَذَاتُ زَوجٍ أَنتِ؟»، قَالَت: نَعَم، قَال: «كَيفَ أَنتِ لَهُ؟»، قَالَت: مَا آلُوهُ (أَي لَا أُقَصِّرُ فِي خِدمَتِهِ وَطَاعَتِهِ) إِلَّا مَا عَجَزتُ عَنهُ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «فَانظُرِي أَينَ أَنتِ مِنهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ»!
الوَاجِبُ الثَّانِي (وَهُوَ سِرٌّ عَظِيمٌ فِي عِلمِ النَّفسِ الزَّوجِيِّ): «فَنُّ الإِشبَاعِ النَّفسِيِّ لِلرَّجُلِ بِالِاحتِرَامِ وَالتَّقدِيرِ وَشُكرِ المَعرُوفِ»:
تُثبِتُ الدِّرَاسَاتُ النَّفسِيَّةُ وَالتَّربَوِيَّةُ الحَدِيثَةُ حَقِيقَةً فِطرِيَّةً مُهِمَّةً جِدًّا: وَهِيَ أَنَّ أَعظَمَ حَاجَةٍ نَفسِيَّةٍ عِندَ المَرأَةِ هِيَ الحَاجَةُ إِلَى «الحُبِّ وَالرِّعَايَةِ وَالأَمَانِ»، بَينَمَا أَعظَمُ حَاجَةٍ نَفسِيَّةٍ عِندَ الرَّجُلِ السَّوِيِّ هِيَ الحَاجَةُ إِلَى «التَّقدِيرِ وَالِاحتِرَامِ وَالإِحسَاسِ بِقِيمَةِ مَا يَبذُلُهُ لِأَهلِهِ»!
فَالرَّجُلُ يَخرُجُ طَوَالَ النَّهَارِ يَكدَحُ وَيَتَعَبُ لِيُوَفِّرَ لِبَيتِهِ لُقمَةَ العَيشِ الكَرِيمَةَ؛ فَإِذَا عَادَ إِلَى بَيتِهِ فَسَمِعَ مِن زَوجَتِهِ كَلِمَةَ تَقدِيرٍ صَادِقَةً وَدُعَاءً طَيِّبًا: «جَزَاكَ اللهُ عَنَّا خَيرًا، أَخلَفَ اللهُ عَلَيكَ، لَا حَرَمَنَا اللهُ مِنكَ»، نَسِيَ تَعَبَ الدُّنيَا كُلَّهُ وَأَحَبَّ بَيتَهُ وَزَوجَتَهُ أَضعَافًا مُضَاعَفَةً!
وَأَمَّا إِذَا ابتُلِيَ بِزَوجَةٍ كَثِيرَةِ التَّسَخُّطِ وَالتَّذَمُّرِ وَالمُقَارَنَةِ بِالأَغنِيَاءِ، تَنسَى كُلَّ إِحسَانِهِ عِندَ أَوَّلِ خِلَافٍ فَتَقُولُ لَهُ: «أَنتَ لَم تَفعَلْ لِي شَيئًا قَطُّ! أَنَا مَا رَأَيتُ مَعَكَ يَومًا حُلوًا قَطُّ!»؛ فَإِنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَذبَحُ المَوَدَّةَ فِي قَلبِ الرَّجُلِ، وَتُحبطُ نَفسِيَّتَهُ، وَتُوغِرُ صَدرَهُ، وَفَوقَ ذَلِكَ فَهِيَ مِنَ الكَبَائِرِ الَّتِي حَذَّرَ مِنهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ!
فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطبَةِ الكُسُوفِ: «وَأُرِيتُ النَّارَ فَلَم أَرَ مَنظَرًا كَاليَومِ قَطُّ أَفظَعَ، وَرَأَيتُ أَكثَرَ أَهلِهَا النِّسَاءَ»، قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَال: «بِكُفرِهِنَّ»، قِيلَ: أَيَكفُرنَ بِاللهِ؟ قَال: «يَكفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكفُرنَ الإِحسَانَ؛ لَو أَحسَنتَ إِلَى إِحدَاهُنَّ الدَّهرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَت مِنكَ شَيئًا قَالَت: مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ»!
فَاحذَرْنَ - يَا أَخَوَاتِي وَبَنَاتِي - هَذِهِ الكَلِمَةَ القَاتِلَةَ عِندَ الغَضَبِ: «مَا رَأَيتُ مِنكَ خَيرًا قَطُّ»، وَاستَبدِلنَهَا بِحِفظِ الجَمِيلِ وَالِاعتِرَافِ بِالفَضلِ حَتَّى فِي سَاعَةِ العِتَابِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرمِذِيِّ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ: «مَن لَا يَشكُرُ النَّاسَ لَا يَشكُرُ اللهَ»!
الوَاجِبُ الثَّالِثُ: «القُنُوتُ للهِ وَحِفظُ الغَيبِ فِي النَّفسِ وَالمَالِ وَالأَولَادِ وَأَسرَارِ البَيتِ»:
يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَاصِفًا المَرأَةَ الصَّالِحَةَ بِأَجمَلِ وَصفٍ فِي الوُجُودِ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
«قَانِتَاتٌ» أَي مُطِيعَاتٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ قَائِمَاتٌ بِحَقِّ أَزوَاجِهِنَّ؛ «حَافِظَاتٌ لِلغَيبِ» أَي إِذَا غَابَ عَنهَا زَوجُهَا حَفِظَتهُ فِي نَفسِهَا وَعِفَّتِهَا وَحَيَائِهَا، وَحَفِظَتهُ فِي مَالِهِ فَلَا تُبَذِّرُهُ، وَحَفِظَتهُ فِي أَولَادِهِ فَتُرَبِّيهِم عَلَى التَّقوَى وَاحتِرَامِ أَبِيهِم، وَحَفِظَتهُ فِي «أَسرَارِ بَيتِهِ»!
وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَا يُخَرِّبُ البُيُوتَ اليَومَ: إِفشَاءُ أَسرَارِ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ! فَبِمُجَرَّدِ أَن يَحدُثَ سُوءُ تَفَاهُمٍ بَسِيطٌ بَينَ الزَّوجَةِ وَزَوجِهَا، تَمسِكُ الهَاتِفَ فَتَنقُلُ كُلَّ كَلِمَةٍ إِلَى أُمِّهَا أَو أَخَوَاتِهَا أَو صَدِيقَاتِهَا أَو مَجمُوعَاتِ النِّسَاءِ! فَتَتَدَخَّلُ الأَطرَافُ الخَارِجِيَّةُ، وَتَكبُرُ الفَجوَةُ، وَقَد يَتَصَالَحُ الزَّوجَانِ فِي اليَومِ التَّالِي وَلَكِنَّ الصُّورَةَ تَبقَى مَكسُورَةً فِي قُلُوبِ الأَهلِ! فَالزَّوجَةُ العَاقِلَةُ الحَافِظَةُ لِلغَيبِ تَجعَلُ بَيتَهَا صُندُوقًا مَغلَقًا لَا يَخرُجُ سِرُّهُ إِلَّا لِلإِصلَاحِ عِندَ الحُكَمَاءِ إِذَا استَعصَى الأَمرُ!
أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَبَنَاتِيَ الفَتَيَاتِ: تَعَالَينَ بِنَا الآنَ إِلَى المَبحَثِ الرَّابِعِ وَالأَمتَعِ، لِنَعِيشَ مَعَ «نَمَاذِجَ حَيَّةٍ مُشرِقَةٍ مِن حَيَاةِ الصَّحَابِيَّاتِ وَالصَّالِحَاتِ»، نَرَى فِيهَا كَيفَ تَجَسَّدَت آيَةُ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فِي أَروعِ صُوَرِ الوَفَاءِ وَالذَّكَاءِ العَاطِفِيِّ وَالإِيمَانِيِّ:
النَّمُوذَجُ الأَوَّلُ: «أُمُّ المُؤمِنِينَ خَدِيجَةُ بِنتُ خُوَيلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنهَا (مَدرَسَةُ الِاحتِوَاءِ النَّفسِيِّ وَالتَّثبِيتِ)»:
انظُرْنَ إِلَى السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ، يَومَ نَزَلَ الوَحيُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَرَجَعَ يَرجُفُ فُؤَادُهُ وَهُوَ يَقُول: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي... لَقَد خَشِيتُ عَلَى نَفسِي»!
كَيفَ استَقبَلَتهُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا؟ لَم تَزِدْ مِن قَلَقِهِ، وَلَم تُقَلِّلْ مِن شَأنِ مَا يَشعُرُ بِهِ؛ بَل مَارَسَت أَرقَى دَرَجَاتِ «الدَّعمِ النَّفسِيِّ وَالطَّمأَنَةِ المَعنَوِيَّةِ»: زَمَّلَتهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، ثُمَّ ذَكَّرَتهُ بِفَضَائِلِهِ وَمَكَارِمِ أَخلَاقِهِ فَقَالَت: «كَلَّا وَاللهِ مَا يُخزِيكَ اللهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحمِلُ الكَلَّ، وَتَكسِبُ المَعدُومَ، وَتَقرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ»!
فَكَيَفَ كَافَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَحقِيقًا لِقَاعِدَةِ ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ حَفِظَ لَهَا هَذَا الوَفَاءَ طَوَالَ حَيَاتِهَا وَبَعدَ مَمَاتِهَا، فَكَانَ يَذكُرُهَا وَيُثنِي عَلَيهَا وَيَذبَحُ الشَّاةَ فَيُهدِي لِصَدِيقَاتِ خَدِيجَةَ وَيَقُولُ كَمَا فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ: «إِنِّي قَد رُزِقتُ حُبَّهَا»، وَبَشَّرَهَا جِبرِيلُ عَلَيهِ السَّلَامُ مِن رَبِّهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ (لُؤلُؤٍ مُجَوَّفٍ) لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ!
النَّمُوذَجُ الثَّانِي: «أُمُّ المُؤمِنِينَ عَائِشَةُ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا (فِقهُ المَوَدَّةِ وَإِدَارَةِ العِتَابِ الزَّوجِيِّ بِلُطفٍ)»:
تَأَمَّلنَ ذَلِكَ المَوقِفَ اللَّطِيفَ فِي الصَّحِيحَينِ، حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «إِنِّي لَأَعلَمُ إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنتِ عَلَيَّ غَضبَى»! قَالَت: فَقُلتُ: مِن أَينَ تَعرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَال: «أَمَّا إِذَا كُنتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنتِ عَلَيَّ غَضبَى قُلتِ: لَا وَرَبِّ إِبرَاهِيمَ!»؛ فَقَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهَا بِذَكَاءٍ عَاطِفِيٍّ بَاهِرٍ: «أَجَل وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَهجُرُ إِلَّا اسمَكَ»!
تَأَمَّلنَ هَذِهِ الجُملَةَ العَجِيبَةَ: «مَا أَهجُرُ إِلَّا اسمَكَ»! أَي: حَتَّى فِي لَحظَةِ العِتَابِ وَالمَوجِدَةِ النَّفسِيَّةِ، يَبقَى حُبُّكَ وَمَقَامُكَ فِي قَلبِي ثَابِتًا لَا يَتَزَحزَحُ! هَكَذَا تَكُونُ الخِلَافَاتُ فِي البُيُوتِ الرَّاقِيَةِ: عِتَابٌ لَطِيفٌ لَا يَهدِمُ المَوَدَّةَ وَلَا يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الأَدَبِ!
النَّمُوذَجُ الثَّالِثُ: «أُمُّ سُلَيمٍ بِنتُ مِلحَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا (أَعظَمُ مَدرَسَةٍ فِي الثَّبَاتِ النَّفسِيِّ وَالرَّحمَةِ بِالزَّوجِ)»:
رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ قِصَّةَ أُمِّ سُلَيمٍ مَعَ زَوجِهَا أَبِي طَلحَةَ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا؛ كَانَ لِأَبِي طَلحَةَ ابنٌ صَغِيرٌ مِن أُمِّ سُلَيمٍ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، فَمَرِضَ الصَّبِيُّ، وَخَرَجَ أَبُو طَلحَةَ لِبَعضِ شَأنِهِ، فَمَاتَ الصَّبِيُّ وَأَبُوهُ غَائِبٌ!
مَاذَا صَنَعَت هَذِهِ المَرأَةُ العَظِيمَةُ؟ غَسَّلَت طِفلَهَا وَسَجَّتهُ فِي جَانِبِ البَيتِ، وَقَالَت لِأَهلِهَا: «لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلحَةَ بِابنِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ»! فَلَمَّا عَادَ زَوجُهَا فِي اللَّيلِ مُتعَبًا صَائِمًا، سَأَلَهَا: كَيفَ ابنِي؟ فَقَالَت لَهُ بِتَورِيَةٍ حَكِيمَةٍ: «هُوَ أَسكَنُ مَا كَانَ»! فظَنَّ أَنَّهُ قَد عُوفِيَ وَنَامَ، فَقَرَّبَت إِلَيهِ العَشَاءَ فَأَفطَرَ وَتَعَشَّى، ثُمَّ تَصَنَّعَت وَتَزَيَّنَت لَهُ أَحسَنَ مَا كَانَت تَتَصَنَّعُ قَبلَ ذَلِكَ!
فَلَمَّا استَرَاحَ وَشَبِعَ وَهَدَأَت نَفسُهُ فِي آخرِ اللَّيلِ، مَهَّدَت لَهُ الخَبَرَ بِلُطفٍ نَفسِيٍّ عَجِيبٍ فَقَالَت: «يَا أَبَا طَلحَةَ، أَرَأَيتَ لَو أَنَّ قَومًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُم أَهلَ بَيتٍ، فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُم، أَلَهُم أَن يَمنَعُوهُم؟»، قَال: لَا! فَقَالَت لَهُ: «فَاحتَسِبِ ابنَكَ عِندَ اللهِ»!
فَلَمَّا أَخبَرَ أَبُو طَلحَةَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِصَنِيعِهَا، دَعَا لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَائِلًا: «بَارَكَ اللهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيلَتِكُمَا»؛ فَحَمَلَت فِي تِلكَ اللَّيلَةِ بِغُلَامٍ سَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «عَبدَ اللهِ»، فَرَزَقَهُ اللهُ تِسعَةَ أَولَادٍ كُلُّهُم قَرَؤُوا القُرآنَ وَصَارُوا مِنَ العُلَمَاءِ!
النَّمُوذَجُ الرَّابِعُ: «أَسمَاءُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَزَوجَةُ القَاضِي شُرَيحٍ رَحِمَهُ اللهُ»:
تَزَوَّجَت أَسمَاءُ بِنتُ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا الزُّبَيرَ بنَ العَوَّامِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ وَهُوَ شَابٌّ فَقِيرٌ فِي بِدَايَةِ حَيَاتِهِ مَا لَهُ فِي الأَرضِ مَالٌ وَلَا مَملُوكٌ غَيرَ فَرَسِهِ، فَصَبَرَت مَعَهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَينِ تَعجِنُ وَتَعلِفُ فَرَسَهُ وَتَنقُلُ النَّوَى عَلَى رَأسِهَا، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيهِمَا فَصَارَ الزُّبَيرُ مِن أَغنَى الصَّحَابَةِ وَعَاشَا فِي أَطيَبِ عَيشٍ!
وَلَمَّا تَزَوَّجَ القَاضِي الجَلِيلُ شُرَيحٌ الكِندِيُّ رَحِمَهُ اللهُ زَوجَتَهُ «زَينَبَ التَّمِيمِيَّةَ»، قَامَت مَعَهُ فِي لَيلَةِ زِفَافِهَا فَصَلَّيَا رَكعَتَينِ، ثُمَّ وَقَفَت أَمَامَهُ وَقَالَت لَهُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الذَّهَبِيَّةَ الَّتِي تَختَصِرُ عِلمَ النَّفسِ الزَّوجِيَّ كُلَّهُ: «الحَمدُ للهِ، أَمَّا بَعدُ: فَإِنَّكَ رَجُلٌ غَرِيبٌ لَا أَعرِفُ أَخلَاقَكَ، فَأَخبِرنِي بِمَا تُحِبُّ فآتِيَهُ، وَبِمَا تَكرَهُ فَأَجتَنِبَهُ، وَأَخبِرنِي عَن أَهلِكَ وَجِيرَانِكَ: مَن تُحِبُّ أَن يَدخُلَ بَيتَكَ فَأُكرِمَهُ، وَمَن تَكرَهُ فَأَمنَعَهُ»!
يَقُولُ القَاضِي شُرَيحٌ رَحِمَهُ اللهُ: «فَمَكَثَت مَعِي عِشرِينَ سَنَةً، مَا عَقَبتُ عَلَيهَا فِي شَيءٍ قَطُّ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَكُنتُ أَنَا الظَّالِمَ لَهَا فِيهَا»!
أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ، وَبَنَاتِيَ العَزِيزَاتِ: نَختِمُ مُحَاضَرَتَنَا بِالمَبحَثِ الخَامِسِ وَالتَّطبِيقِيِّ، وَهُوَ: «تَوصِيَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلفَتَيَاتِ المُقبِلَاتِ عَلَى الزَّوَاجِ، وَلِلنِّسَاءِ المتَزَوِّجَاتِ فِي إِدَارَةِ بُيُوتِهِنَّ بِحِكمَةٍ وَسَكِينَةٍ»:
أَوَّلًا: خَمسُ وَصَايَا ذَهَبِيَّةٍ لِبَنَاتِيَ الفَتَيَاتِ المُقبِلَاتِ عَلَى الزَّوَاجِ:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: «أَحسِنِي الِاختِيَارَ عَلَى مِيزَانِ الدِّينِ وَالخُلُقِ وَالأَمَانَةِ»؛ إِيَّاكِ أَن تَنخَدِعِي بِالمَظَاهِرِ الخَارِجِيَّةِ وَحدَهَا مِن مَالٍ أَو وَسَامَةٍ أَو كَلَامٍ مَعسُولٍ دُونَ دِينٍ وَخُلُقٍ! فَإِنَّ الرَّجُلَ صَاحِبَ الدِّينِ وَالخُلُقِ إِن أَحَبَّكِ أَكرَمَكِ، وَإِن غَضِبَ مِنكِ لَم يَظلِمكِ خَوفًا مِنَ اللهِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيكُم مَن تَرضَونَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ».
الوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: «تَحَرَّرِي مِنَ الصُّورَةِ الخَيَالِيَّةِ الزَّائِفَةِ لِلزَّوَاجِ عَلَى الشَّاشَاتِ»؛ إِنَّ المُسَلسَلَاتِ وَحِسَابَاتِ المَشهُورِينَ عَلَى مَوَاقِعِ التَّوَاصُلِ تَرسُمُ لِلفَتَاةِ حَيَاةً وَهمِيَّةً كُلُّهَا سَفَرٌ وَهَدَايَا وَحَفَلَاتٌ بِلَا مَسؤُولِيَّةٍ وَلَا تَعبٍ! فَتَدخُلُ الفَتَاةُ الزَّوَاجَ بِتَوَقُّعَاتٍ خَيَالِيَّةٍ مُستَحِيلَةٍ فَتُصدَمُ بِالوَاقِعِ! اِعلَمِي يَا بُنَيَّتِي أَنَّ الزَّوَاجَ الحَقِيقِيَّ هُوَ شَرَاكَةُ بِنَاءٍ وَصَبرٍ وَتَدرُّجٍ فِي الرِّزقِ، تَبدَأُ صَغِيرَةً ثُمَّ يُبَارِكُ اللهُ فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
الوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: «يَسِّرِي المَهرَ وَتَكَالِيفَ الزَّوَاجِ وَلَا تُرهِقِي زَوجَكِ بِالدُّيُونِ»؛ فَإِنَّ البَيتَ الَّذِي يَبدَأُ بِالدُّيُونِ الرِّبَوِيَّةِ أَوِ القُرُوضِ الثَّقِيلَةِ مِن أَجلِ لَيلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ المُبَاهَاةِ يَبقَى يُعَانِي سَنَوَاتٍ مِنَ التَّوَتُّرِ المَالِيِّ وَالنَّفسِيِّ! وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي مُسنَدِ أَحمَدَ وَمُستَدرَكِ الحَاكِمِ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا: «إِنَّ مِن يُمنِ المَرأَةِ تَيسِيرَ خِطبَتِهَا وَتَيسِيرَ صَدَاقِهَا».
الوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: «تَعَلَّمِي قَبلَ الزَّوَاجِ فِقهَ الحَيَاةِ الزَّوجِيَّةِ، وَفَنَّ الحِوَارِ، وَمَهَارَاتِ إِدَارَةِ البَيتِ»؛ كَمَا تَتَعَلَّمِينَ فِي الجَامِعَةِ لِلوَظِيفَةِ، تَعَلَّمِي كَيفَ تَفهمِينَ نَفسِيَّةَ الرَّجُلِ، وَكَيفَ تُدِيرِينَ مَملَكَتَكِ بِنَظَافَةٍ وَذَوقٍ وَحُسنِ تَدبِيرٍ!
الوَصِيَّةُ الخَامِسَةُ: «احفَظِي وَصِيَّةَ أُمَامَةَ بِنتِ الحَارِثِ لِابنَتِهَا عِندَ زِفَافِهَا» حِينَ قَالَت لَهَا: «أَي بُنَيَّةُ، كُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَكِ عَبدًا، وَلَا تَقَعَنَّ عَينُهُ مِنكِ عَلَى قَبِيحٍ، وَلَا يَشَمَّنَّ مِنكِ إِلَّا أَطيَبَ رِيحٍ، وَاحفَظِي وَقتَ طَعَامِهِ وَهُدُوءَ مَنَامِهِ، فَإِنَّ حَرَارَةَ الجُوعِ مَلهَبَةٌ، وَتَنغِيصَ النَّومِ مَغضَبَةٌ»!
ثَانِيًا: خَمسُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ لِأَخَوَاتِيَ الزَّوجَاتِ وَالأُمَّهَاتِ:
الأُولَى: «تَبنِّي مَبْدَأَ التَّغَافُلِ الذَّكِيِّ وَالتَّسَامُحِ»؛ قَالَ الإِمَامُ أَحمَدُ بنُ حَنبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ: «تِسعَةُ أَعشَارِ حُسنِ الخُلُقِ فِي التَّغَافُلِ»! فَلَا تَقِفِي عِندَ كُلِّ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ أَو هَفوَةٍ صَغِيرَةٍ مِن زَوجِكِ، بَل تَغَافَلِي عَنِ الصَّغَائِرِ لِتَبقَى المَحَبَّةُ فِي الكَبَائِرِ!
الثَّانِيَةُ: «اختَارِي الوَقتَ وَالأُسلُوبَ المُنَاسِبَ لِلحِوَارِ وَالطَّلَبِ»؛ فَفِي عِلمِ النَّفسِ التَّربَوِيِّ يُقَال: «تَوقِيتُ الكَلِمَةِ أَهَمُّ مِنَ الكَلِمَةِ نَفسِهَا»؛ فَلَا تُفَاتِحِي زَوجَكِ بِمُشكِلَةٍ أَو مَطلَبٍ مَالِيٍّ لَحظَةَ دُخُولِهِ مِنَ العَمَلِ مُرهَقًا أَو جَائِعًا أَو مَهمُومًا، بَلِ انتَظِرِي حَتَّى يَستَرِيحَ وَتَطِيبَ نَفسُهُ، وَاطلُبِي مَا تُرِيدِينَ بِلِسَانِ الدُّعَاءِ وَالمَوَدَّةِ لَا بِلِسَانِ الأَمرِ وَالتَّحَدِّي!
الثَّالِثَةُ: «أَكرِمِي أَهلَ زَوجِكِ وَخَاصَّةً أُمَّهُ وَأَبَاهُ ابتِغَاءَ وَجهِ اللهِ»؛ فَإِنَّ الزَّوجَةَ الذَّكِيَّةَ تَعلَمُ أَنَّ إِعَانَةَ زَوجِهَا عَلَى بِرِّ وَالِدَيهِ لَا تَنتَقِصُ مِن مَكَانَتِهَا، بَل تَرفَعُ قَدرَهَا فِي عَينِ اللهِ ثُمَّ فِي عَينِ زَوجِهَا، وَتَزرَعُ البِرَّ فِي قُلُوبِ أَولَادِهَا لَهَا فِي المُستَقبَلِ!
الرَّابِعَةُ: «اقطَعِي دَابِرَ المُقَارَنَاتِ المَسمُومَةِ»؛ لَا تُقَارِنِي زَوجَكِ وَبَيتَكِ وَرزقَكِ بِحَيَاةِ الآخَرِينَ؛ فَإِنَّ مَن نَظَرَ إِلَى مَا فِي أَيدِي النَّاسِ طَالَ حُزنُهُ وَقلَّ شُكرُهُ، وَمَن رَضِيَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ مَلَأَ اللهُ قَلبَهُ وَبَيتَهُ غِنًى وَبَرَكَةً!
الخَامِسَةُ: «اجعَلِي طَاعَةَ اللهِ وَالذِّكرَ وَالقُرآنَ وَالدُّعَاءَ رُوحَ بَيتِكِ»؛ فَمَا عُمِرَ بَيتٌ بِتَقوَى اللهِ وَتِلَاوَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَّا فَرَّت مِنهُ الشَّيَاطِينُ وَسَكَنَتهُ المَلَائِكَةُ وَالرَّحمَةُ!
وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ صَوَّرَ جَمَالَ العَدلِ الإِلَهِيِّ فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَقَال:
بِالمَعرُوفِ قَامَ العَدلُ فِي شَرعِ رَبِّنَا ... لَهُنَّ كَمَا كَانَ الَّذِي هُوَ وَاجِبُ
فَبِالوُدِّ وَالرُّحمَى تَدُومُ بُيُوتُنَا ... وَيَصفُو بِإِحسَانِ القُلُوبِ التَّقَارُبُ
فَيَا أَخَوَاتِي الكَرِيمَاتِ وَبَنَاتِيَ الفَتَيَاتِ: هَذَا هُوَ دِينُكُنَّ العَظِيمُ، وَهَذِهِ هِيَ كَرَامَتُكُنَّ المَصُونَةُ فِي قَولِ رَبِّكُنَّ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فَعَضُّوا عَلَى هَديِ الإِسلَامِ بِالنَّوَاجِذِ، وَابنِينَ بُيُوتَكُنَّ عَلَى الإِيمَانِ وَالمَوَدَّةِ وَالفَضلِ وَالصَّبرِ، تَفُزنَ بِسَعَادَةِ الدُّنيَا وَنَعِيمِ الآخِرَةِ.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَكرَمَ المَرأَةَ أُمًّا وَزَوجَةً وَبِنتًا وَأُختًا، كَمَا أَمَرَكُم رَبُّكُم جَلَّ فِي عُلَاهُ فَقَال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَن أُمَّهَاتِ المُؤمِنِينَ وَفَاطِمَةَ الزَّهرَاءِ وَسَائِرِ الصَّحَابِيَّاتِ وَالصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ أَصلِحْ نِسَاءَ المُسلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِم، وَاحفَظهُنَّ بِحِفظِكَ الجَمِيلِ، وَجَمِّلهُنَّ بِالإِيمَانِ وَالحَيَاءِ وَالعَفَافِ وَالحِكمَةِ، اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَينَ قُلُوبِ الأَزوَاجِ وَالزَّوجَاتِ، وَأَنزِلْ عَلَى بُيُوتِ المُسلِمِينَ السَّكِينَةَ وَالمَوَدَّةَ وَالرَّحمَةَ وَالبَرَكَةَ، وَارزُقْ بَنَاتِنَا وَشَبَابَنَا الأَزوَاجَ الصَّالِحِينَ وَالذُّرِّيَّةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي تَقَرُّ بِهَا العُيُونُ، يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ، وَالحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين.
من مكتبة مِداد الخطيب
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.