🕌 مُعَلِّمُونَ بِلَا أَلْسِنَة: عِظَاتُ الهُدْهُدِ وَالغُرَابِ وَالنَّمْلَة
#خطبة_جمعة #الهدهد #الغراب #النملة #قصص_القرآن #العبرة_والاتعاظ #تدبر #رقائق #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي أبدَعَ في خَلقِه وأحكَم، وعلَّمَ بالقَلمِ ما لم يَكُنِ الإنسانُ يَعلَم، وأودَعَ في أضعَفِ مَخلوقاتِه من بَديعِ صُنعِه ما يُبهرُ العُقولَ ويُلجِم، وجَعَلَ في كَونِه آياتٍ بَيِّناتٍ يَعتَبِرُ بها مَن أنابَ وسَلَّم. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، جَلَّ عَنِ الأندادِ وتَعالى عَنِ الشُّبَهاءِ وتَقَدَّسَ في عُلاه. وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنا ونبيَّنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ العابدين، ورَحمةُ اللهِ للعالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِه الطيِّبين، وصَحابتِه الغُرِّ المَيامين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين.
أمَّا بعد:
نَقِفُ اليومَ بين يَدَي ثلاثةِ مَخلوقاتٍ، لا تَزِنُ في مَقاييسِ القُوَّةِ البشريَّةِ شَروَى نَقير: طائرٌ ضَعيفُ الجَناح، وغُرابٌ يَتَشائمُ منه جُهَّالُ الناس، ونَملةٌ صغيرةٌ تُداسُ بالأقدام! ومع ذلك، خَلَّدَ اللهُ ذِكرَهم في قُرآنٍ يُتلَى، وأقامَهم أساتذةً ومُعَلِّمينَ لبَني آدم. فعلَّمَ الغرابُ الإنسانَ حُرمَةَ المَيتِ وسَترَ السَّوءة، وعلَّمَ الهدهدُ مَلِكًا نبيًّا قِيمَةَ الغَيرةِ على التَّوحيدِ والتَّثَبُّتِ في الأخبار، وعلَّمتِ النملةُ أُمَّةً كاملةً فِقهَ المسؤوليَّةِ وحُسنَ الظَّنِّ والتَّضحيَة! فما الرِّسالةُ الَّتي أرادَ اللهُ أن يَبُثَّها في قلبِ هذا الإنسانِ المُتَعالي، حينَ جَعَلَ هذهِ الكائناتِ الصَّغيرةَ مَرايا تَكشِفُ نَقائصَه وتَدُلُّه على رَبِّه؟ تعالَوا لِنَسمَعَ نِداءَ العِبرةِ قَبلَ أن يَنقَضيَ العُمُر.
أيها المسلمون:
عَجَبًا لابنِ آدم! خَلَقَهُ اللهُ بيدِه، ونَفَخَ فيهِ من رُوحِه، وأسجَدَ له مَلائكتَه، وسَخَّرَ له ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ جَميعًا منه، فإذا بهِ يَطغى ويَستَكبِر، ويَظُنُّ أنَّه العالِمُ الذي لا يَجهَل، والقَويُّ الذي لا يَعجَز. فحينَ يَقسو قَلبُه، ويَعمى بَصَرُه، ويَنسى أَصلَ نَشأتِه، يَضرِبُ اللهُ له الأمثالَ بمَن هم دُونَهُ في الخَلق، لِيَكسِرَ كِبرياءَهُ، ويَرُدَّهُ إلى فِطرتِه.
يقولُ ربُّنا جلَّ في عُلاه: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: 38].
أُمَمٌ مِثلُنا! تُسَبِّح، وتَعرِفُ خالِقَها، وتَقومُ بوَظيفتِها الَّتي قَدَّرَها اللهُ لها دُونَ تَمَرُّدٍ ولا نُكران.
معاشر المصلين:
تأمَّلوا معي أوَّلَ هذهِ الأمثلة، يَومَ وَقَعَت أوَّلُ جَريمةِ قَتلٍ على وَجهِ البَسيطة، يَومَ قَتَلَ قابيلُ أخاهُ هابيلَ حَسَدًا وبَغيًا. حَمَلَ القاتلُ جُثمانَ أخيه، ومَشى بهِ تائهًا حائرًا لا يَدري ماذا يَصنَعُ به، غَشِيَتْهُ ظُلمَةُ الجَريمة، وأحاطَت به حَيرةُ العَجز. فمَن الذي أرسَلَهُ اللهُ لِيُعَلِّمَ هذا الإنسانَ المُتَفَرِّعِن؟ هل أرسَلَ مَلَكًا من السَّماء؟ هل أرسَلَ ريحًا عاصفًا؟
كَلَّا! بل أرسَلَ أضعَفَ طائرٍ يَنفرُ منهُ الناس: غُرابًا!
يقولُ الحقُّ تَباركَ وتَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31].
انظُروا يا عبادَ اللهِ إلى حَجمِ الصَّدمةِ في قَولِه: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ﴾! إنَّها ذِروَةُ المَذَلَّةِ للكِبرِ الإنسانيّ! طائرٌ أعرَفُ مِنكَ بالحُرمَة، طائرٌ أهدَى مِنكَ سَبيلًا في كَتمِ القَبيحِ ومُواراةِ السَّوءة!
قالَ الإمامُ ابنُ كثيرٍ رحمه الله في تفسيره: "أي فرَأى الغُرابَ يَدفِنُ غُرابًا مَيتًا، فتَنَبَّهَ لِمَا يَجِبُ عليهِ نَحوَ أخيه، واسْتَصْغَرَ نَفسَهُ إذ لَم يَهْتَدِ لِمَا اهْتَدَى إليهِ ذلكَ الطَّائر، فاصْطَدَمَت كِبرياؤُهُ بِحَقارةِ نَفسِه".
وكانَ الحسنُ البصريُّ رحمه الله يَبكي إذا تَلا هذه الآيةِ ويقول: "سُبحانَ الله! خَلَقَ اللهُ الإنسانَ ففَضَّلَه، فلمَّا عَصى رَبَّهُ أذَلَّهُ حتَّى جَعَلَ الغُرابَ لهُ مُعَلِّمًا وإمامًا!".
فما الرِّسالةُ هُنا يا عبادَ الله؟
الرِّسالةُ أنَّ المَعصيةَ تَحُطُّ مِن قَدرِ صاحِبِها حتَّى يَصيرَ أضلَّ مِنَ البَهيمةِ والطَّير! والرِّسالةُ الثَّانيةُ أنَّ حُرمَةَ ابنِ آدمَ مَصونَةٌ حَيًّا ومَيِّتًا، وأنَّ أوَّلَ دَرسٍ في مَدارسِ الأخلاقِ بَعدَ الجَريمةِ هو: دَفنُ السَّوءات، لا إشهارُها ولا الفَخرُ بها! وكم في زَمانِنا مَن يَرتَكِبُ الفَواحِشَ والمَظالِمَ ثمَّ يَنشُرُها على رُؤوسِ الأشهادِ في شاشاتِه، فلم يَتَعَلَّم حتَّى ما تَعَلَّمَهُ القاتلُ الأوَّلُ مِن ذَلِكَ الغُراب!
يا أمة الإسلام:
ثمَّ طِيروا معي بأبصارِكم وقُلوبِكم إلى المَثلِ الثَّاني في كتابِ الله؛ إلى وادٍ نَزَلَ فيهِ سُليمانُ عليهِ السلام، بجُنودِه العِظام، وخَيلِه وجَيشِه الجَرَّار، يَرجُفُ لهُمُ البَيداء، وتَخضَعُ لَهُمُ الأُمَم. ومِن بينِ هذا الضَّجيجِ كُلِّه، ومِن تَحتِ أقدامِ الجَيشِ الخافِقة، يَلتَفِتُ القُرآنُ إلى كائنٍ لا يُرَى إلَّا بالعَينِ المُجَرَّدةِ إذا اقتَرَبْت: نَملة!
يقولُ اللهُ جلَّ شأنُه: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 18].
اللهُ أكبر! تأمَّلوا هذه الآيةَ بعَينِ التَّدبُّرِ لا بعَينِ العُبور!
نَملةٌ تَحمِلُ هَمَّ أُمَّتِها كاملة! لَم تَقُل: "أنجُو بنَفْسي ودَعِ الباقينَ يَهلِكون"! لَم تَبحَث عَن جُحرِها وحدَها وتُغلِقَ عليهَا بابَها، بل وَقَفَت في مَيدانِ الخَطَر، تُنادي، وتُحَذِّر، وتُرشِد!
بل اسْمَعوا لِمَا قَرَّرَهُ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة" حينَ فَكَّكَ هذه الكلماتِ العَجيبة، فقال: "جَمَعَت هذه النَّملةُ في قَولِها بين عَشَرةِ أنواعٍ مِنَ الخِطاب: نادَت، ونَبَّهَت، وسَمَّت، وأمَرَت، ونَصَحَت، وحَذَّرَت، وخَصَّت، وعَمَّت، وأعذَرَت، وبَيَّنَت!".
نادَت بـ: ﴿يَا﴾، ونَبَّهَت بـ: ﴿أَيُّهَا﴾، وسَمَّت بـ: ﴿النَّمْلُ﴾، وأمَرَت بـ: ﴿ادْخُلُوا﴾، ونَصَحَت بـ: ﴿مَسَاكِنَكُمْ﴾، وحَذَّرَت مِنَ الخَطرِ بـ: ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾، وخَصَّت المَلِكَ بـ: ﴿سُلَيْمَانُ﴾، وعَمَّت بـ: ﴿وَجُنُودُهُ﴾، وأعذَرَت في خِتامِها بقِمَّةِ الأدَبِ والإحسان: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾!
يا لله! نَملةٌ تَلتَمِسُ العُذرَ لنَبيِّ اللهِ وجُندِه، فتَقول: إنْ حَطَمُوكم فلَيسَ عَن قَصدٍ ولا بَغيٍ، بل لِأنَّهم "لا يَشعُرون"!
أينَ نَحنُ — يا مَعاشرَ المؤمنين — مِن فِقهِ هذه النَّملة؟
أينَ حُسنُ الظَّنِّ بينَنا؟ أحدُنا يَقَعُ أخوهُ في خَطأٍ غَيرِ مَقصود، فيَنسُبُ إليهِ أخبَثَ النِّيَّات، ويَفترِي عليهِ عَمْدَ الإساءة، ونَملةٌ تَلتَمِسُ العُذرَ لجَيشٍ يَسحَقُ وادِيَها بأقدامِه!
وأينَ المسؤوليَّةُ الجماعيَّةُ فينا؟ كم مِنَّا يَرى أجيالَ المسلمينَ تَتَحَطَّمُ تَحتَ أقدامِ الشُّبُهاتِ والشَّهوات، فيَقول: "لا شأنَ لي، نَفْسي نَفْسي، وبَيتي بَيتي"!
أفلا نَستَحي أن تَكونَ نَملةٌ أحمَلَ لهَمِّ قَومِها، وأصدَقَ نُصحًا لمُجتَمَعِها، مِن رِجالٍ مَنَحَهُمُ اللهُ العَقلَ والبَيان؟
إخوتي في الله:
ثمَّ نَصِلُ إلى المَعلَمِ الثَّالث، إلى طائرٍ بَهيِّ الرِّيش، لكنَّه لَم يَخلُد في كتابِ اللهِ لحُسنِ شَكلِه، بل بِحُسنِ تَوحيدِه وغَيرتِه على حَقِّ الله: الهُدهد!
غابَ الهدهدُ عَن مَجلِسِ سُليمان، فلمَّا حَضَرَ لَم يَعتَذِر بأعذارٍ واهية، بل ألقَى بَينَ يَدَي سُليمانَ قَضيَّةً تَزِلُّ لها الأركان.
يقولُ اللهُ جلَّ وعلا: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 22-23].
رَأى مَملكةً تَموجُ بالرِّياش، رَأى عَرشًا هائلًا، ورَأى ثَرواتٍ تَبهَرُ الأبصار. لكنَّ الطَّائرَ المُوَحِّدَ لَم تَخدَعْهُ المَظاهر، ولَم يَنشَغِل بالتَّرف، بل نَفَذَ بَصَرُهُ وبَصِيرتُهُ إلى الجُرحِ الأكبَر:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل: 24-26].
تأمَّلوا يا عِبادَ الله! طائرٌ يَغارُ على التَّوحيد! طائرٌ يَتَفَطَّرُ كَبِدُهُ لِأنَّ هُناكَ مَن يَسجُدُ لِغَيرِ الله! لَم يَشغَلْهُ عَرشُ بَلقيسَ المُرَصَّع، بل قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾. العَرشُ الحَقيقيُّ لله، والرُّبوبيَّةُ لله، فكيفَ يُصرَفُ السُّجودُ لِمخلوق؟
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله: "إنَّ الفِطَرِ السَّليمةِ حتَّى في البَهائمِ والطَّيرِ تَعرفُ رَبَّها وتُوَحِّدُه، وإنَّما يَنتَكِسُ مَن فَسَدَت فِطرَتُه مِن بَني آدَم. ولِهذا أنكَرَ الهُدهدُ الشِّركَ إنكارَ مَن عَرَفَ اللهَ وعَظَّمَه".
أينَ الغَيرةُ على حُرماتِ اللهِ في قُلوبِنا اليوم؟
طائرٌ لا يُكَلَّفُ بجَنَّةٍ ولا نار، ولا يُحاسَبُ على مِيزان، تَطيرُ رُوحُهُ غَضبًا لِأنَّ الشِّمسَ عُبِدَت مِن دُونِ الله! ونَحنُ نَرى في قَنَواتِنا وشَوارِعِنا مَن يَستَهزئُ بالدِّين، ومَن يُحارِبُ السُّنَّة، ومَن يَدعو إلى الإلحادِ والشُّذوذِ، فلا تَتَحَرَّكُ فينا نَبضَة، ولا يَحمَرُّ فينا وَجه!
أيُّ قَلبٍ نَحمِلُه إذا كانَ الهُدهدُ أصدَقَ مِنَّا غَيرةً، وأحرَقَ مِنَّا فُؤادًا على لا إلهَ إلَّا الله؟!
عباد الله:
إنَّ الرِّسالةَ الكُبرى التي يُريدُ اللهُ أن يُوصِلَها للبشريَّةِ مِن خِلالِ الغُرابِ والنَّملةِ والهُدهد، هي رِسالةُ التَّواضُعِ والانكِسارِ لِعَظَمَةِ الخالق:
أن يا ابنَ آدم: لا تَغتَرَّ بعَقلِك؛ فقد أضلَّكَ الشَّيطانُ وعلَّمَكَ الغُراب!
ولا تَغتَرَّ بمَكانَتِك وجَمعِك؛ فقد بَنَتِ النَّملةُ أمَّتَها على التَّراحُمِ والنُّصحِ وأنتَ تُهَدِّمُ أُمَّتَكَ بالأثَرَةِ والشِّقاق!
ولا تَغتَرَّ بعِلمِك وحَضارَتِك؛ فقد عَرَفَ الهُدهدُ حَقَّ اللهِ وأفرَدَهُ بالتَّوحيدِ يومَ غَرِقَتْ أُمَمُ الأرضِ في ضَلالاتِ الوَثنيَّةِ والإلحاد!
جاءَ في الحديثِ الصَّحيحِ عنِ النبيِّ ﷺ: «نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عَن قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ» (رواه أبو داود وأحمد بإسنادٍ صحيح).
نَهى عن قَتلِها، لِأنَّها كائناتٌ تَحمِلُ رِسالات، وتُسَبِّحُ لِرَبِّ السَّماوات.
فيا خَيبَةَ إنسانٍ سَخَّرَ اللهُ لهُ الكَونَ كلَّه، فيَعيشُ غافِلًا عَن مَولاه، وتَعيشُ النَّملةُ والهدهدُ عارِفينَ مُسَبِّحين!
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمينَ مِن كُلِّ ذَنب، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ وكَفَى، وصَلاةً وسَلامًا على عبدِه المُصطفَى، وعلى آلِهِ وصَحبِه ومَنِ اقتَفَى، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه ﷺ.
أمَّا بعد:
عبادَ الله، وقَفنا في خُطبَتِنا الأولى مَع ثَلاثِ عَجائبَ مِن مَخلوقاتِ اللهِ في القُرآن: وقَفنا مع الغُرابِ الذي علَّمَ القاتلَ حُرمَةَ الدَّمِ وسَترَ المَعصية، ومع النَّملةِ التي علَّمَتِ الدُّنيا صِدقَ المسؤوليَّةِ وحُسنَ الظَّنِّ بالمؤمنين، ومع الهُدهدِ الذي ضَرَبَ أروعَ الأمثلةِ في الغَيرةِ على التَّوحيدِ ورَفضِ الشِّرك. والآن، كيفَ نَنزِلُ بهذهِ العِظاتِ إلى واقِعِ حَياتِنا قَبلَ أن نَنفَضَّ مِن جُمُعَتِنا هذه؟
أُوصيكم ونَفْسي بخَمسِ وَصايا عمليَّة:
الأولى: جَدِّد غَيرتَكَ على تَوحيدِ اللهِ في قَلبِك، واجعَل دِينَكَ وقُرآنَكَ أغلى عِندَكَ مِن كُلِّ مَظاهِرِ الدُّنيا، فلا تَسمَع باطلًا أو شُبهَةً إلَّا وأنكَرْتَها بقَلبِك، وتَعلَّم مِنَ الهُدهدِ أنَّ العِزَّةَ الحَقيقيَّةَ هي في إفرادِ اللهِ بالعِبادةِ لا في البُيوتِ والمَناصِب.
الثانية: كُن طَيِّبَ القَلبِ سَليمَ الصَّدرِ نَحوَ إخوانِك، والتَمِس لَهُمُ الأعذارَ عندَ الزَّلَل، وتَذكَّر كَلمةَ النَّملةِ العَظيمة: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فمَن سَلِمَ صَدرُهُ للمسلمينَ دَخَلَ الجنَّةَ بأيسَرِ سَبيل.
الثالثة: لا تَحقِرَنَّ أحدًا مِن خَلقِ الله، واخلَع عَنكَ رِداءَ الكِبرِ والعُجب، فمَن عَصى وتَكبَّرَ أذَلَّهُ الله، وتَذكَّر أنَّ ابنَ آدمَ الأوَّلَ احتَاجَ إلى غُرابٍ لِيُعَلِّمَه، فالزَمِ التَّواضُعَ لِرَبِّكَ ولِعِبادِه.
الرابعة: كُن إيجابيًّا حامِلًا لهَمِّ أُمَّتِك، ناصِحًا لأهلِ بَيتِكَ وحَيِّكَ كمَا نَصَحَتِ النَّملةُ وادِيَها، فلا تَقُل: "أنا وَحدي لا أُغَيِّرُ شَيئًا"، فإنَّ كَلِمةَ صِدقٍ واحِدةٍ قد تُنقِذُ أُمَّةً مِنَ الهَلاك.
الخامسة: افتَح عَينَ قَلبِكَ على كَونِ اللهِ مِن حَولِك؛ تَأمَّل في سِربِ الطَّير، ودَبيبِ النَّمل، وتَصريفِ الرِّياح، واعلَم أنَّ كُلَّ شَيءٍ يَدعو إلى الله، فلا تَكُن أنتَ الكائِنَ الوَحيدَ الغافِلَ في مَلكوتٍ كُلُّهُ ساجِدٌ مُسَبِّح.
فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، واعلَموا أنَّ التَّقوى هي العاصِمُ مِنَ الزَّلَل، والسَّبيلُ إلى الفَوزِ برِضوانِ مَن لا يَغفُلُ ولا يَنَام.
ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أمَرَكم ربُّكم بالصَّلاةِ والسَّلامِ عليه، فقالَ جلَّ مِن قائل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
اللَّهمَّ صَلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِكَ ورسولِكَ محمَّد، وارضَ اللَّهمَّ عن خُلفائِه الرَّاشدين: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ، وعَليّ، وعَن سائِرِ الصَّحابةِ والتَّابعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.
اللَّهمَّ إنَّا نَسأَلُكَ قُلوبًا تَعرِفُكَ وتَخشاك، وألسِنَةً تَلهَجُ بذِكرِكَ وشُكرِك.
اللَّهمَّ اخلَع عَنَّا رِداءَ الكِبرِ والغُرور، وألبِسنا لِباسَ الذِّلَّةِ والانكِسارِ بينَ يَدَيك.
اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعتَبِرُ بآياتِك، ويَتَدَبَّرُ في مَصنوعاتِك، ويَستَلْهِمُ الحِكمَةَ مِن بَديعِ خَلقِك.
اللَّهمَّ ارزُقنا غَيرةً على حُرماتِك كغَيرةِ الهُدهد، وحِرصًا على إخوانِنا كنُصحِ النَّملة، وتَواضُعًا يَكفُّنا عَن كُلِّ سَوءة.
اللَّهمَّ اغفِر للمسلمينَ والمؤمنات، الأحياءِ مِنهُم والأموات.
اللَّهمَّ أصلِح أحوالَ المسلمينَ في كُلِّ مَكان، وفَرِّج كَربَ المَكروبين، ونَفِّس هَمَّ المَهمومين، واحقِن دِماءَ المُستَضعَفين.
اللَّهمَّ رُدَّنا إلى دِينِكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَل خَيرَ أعمارِنا أواخِرَها، وخَيرَ أعمالِنا خَواتيمَها، وخَيرَ أيَّامِنا يومَ نَلقاك.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].
عبادَ الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فاذكُروا اللهَ العَظيمَ الجَليلَ يَذكُركم، واشكُروهُ على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعون.
وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
🕌 مُعَلِّمُونَ بِلَا أَلْسِنَة: عِظَاتُ الهُدْهُدِ وَالغُرَابِ وَالنَّمْلَة
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.