مَنَاقِبُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَفَضَائِلُ طَيبَةَ الطَّيِّبَةِ: دَارُ الهِجرَةِ وَمَأرِزُ الإِيمَانِ وَحُرمَةُ مَسجِدِ سَيِّدِ الأَنَامِ
الحَمدُ للهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، العَلِيمِ القَدِيرِ، يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ، وَيَصطَفِي مِنَ الأَزمِنَةِ وَالأَمكِنَةِ مَا يَشَاءُ بِحِكمَتِهِ البَالِغَةِ وَهُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ، الحَمدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ المَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ مُهَاجَرَ نَبِيِّهِ المُصطَفَى، وَمَأرِزَ الإِيمَانِ وَالهُدَى، وَمَثوَى خَيرِ مَن وَطِئَ الثَّرَى، وَحَرَّمَهَا مَا بَينَ لَابَتَيهَا تَعظِيمًا وَتَكرِيمًا وَاصطِفَاءً، يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِهِ فِي سُورَةِ القَصَصِ، مُبَيِّنًا سُنَّتَهُ فِي الاِصطِفَاءِ وَالاِختِيَارِ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾، ثُمَّ يُنَزِّهُ ذَاتَهُ العَلِيَّةَ فَيَقُولُ سُبحَانَهُ: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ وَيَقِينٍ، أَعَزَّ دِينَهُ وَأَعلَى كَلِمَتَهُ، وَشَرَّفَ طَيبَةَ الطَّيِّبَةَ فَجَعَلَهَا عَاصِمَةَ الإِسلَامِ الأُولَى، وَمُنطَلَقَ النُّورِ الَّذِي أَضَاءَ المَشَارِقَ وَالمَغَارِبَ، وَحَفِظَ أَنقَابَهَا بِمَلَائِكَةٍ كِرَامٍ فَلَا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا المَسِيحُ الدَّجَّالُ.
وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا وَحَبِيبَنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِن خَلقِهِ وَخَلِيلُهُ، الَّذِي أَخرَجَهُ قَومُهُ مِن مَكَّةَ فَأَدخَلَهُ رَبُّهُ مُدخَلَ صِدقٍ فِي طَيبَةَ المُبَارَكَةِ، فَأَحَبَّهَا وَأَحَبَّ أَهلَهَا وَجِبَالَهَا وَأَودِيَتَهَا، وَدَعَا لَهَا بِالبَرَكَةِ المُضَاعَفَةِ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا وَثَمَرِهَا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَأَصحَابِهِ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا أَيُّهَا الإِخوَةُ المُؤمِنُونَ:
أُوصِيكُم وَنَفسِي المَقَصِّرَةَ بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّ تَقوَى اللهِ هِيَ الأَسَاسُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيهِ مَسجِدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَأُسِّسَت عَلَيهِ دَولَةُ الإِيمَانِ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وَهِيَ وَصِيَّةُ اللهِ لِلأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ آلِ عِمرَانَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسلِمُونَ:
إِنَّ البُلدَانَ وَالدِّيَارَ تَتَفَاوَتُ فِي مِيزَانِ اللهِ قَدرًا وَشَرَفًا، وَتَتَبَايَنُ فِي شَرِيعَةِ الإِسلَامِ مَنزِلَةً وَحُرمَةً؛ وَإِنَّ فِي طَلِيعَةِ البِقَاعِ المُقَدَّسَةِ بَعدَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ بَلدَةً طَيِّبَةً مُبَارَكَةً، تَهِيمُ بِذِكرِهَا الأَروَاحُ، وَتَحنُّ إِلَى رُبَاهَا القُلُوبُ، وَتَشتَاقُ إِلَى نَسِيمِهَا الأَفئِدَةُ، وَتَسِيلُ شَوقًا إِلَى رَوضَتِهَا الدُّمُوعُ؛ إِنَّهَا «المَدِينَةُ النَّبَوِيَّةُ المُنَوَّرَةُ»، إِنَّهَا «طَيبَةُ الطَّيِّبَةُ»، وَ«طَابَةُ المُبارَكَةُ»، وَ«دَارُ الهِجرَةِ وَالسُّنَّةِ»، وَ«مَأرِزُ الإِيمَانِ»!
أَتَدرُونَ لِمَاذَا احتَلَّتِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ هَذِهِ المَكَانَةَ السَّامِيَةَ فِي قَلبِ كُلِّ مُؤمِنٍ وَمُؤمِنَةٍ عَلَى وَجهِ الأَرضِ؟
لِأَنَّهَا البَلدَةُ الَّتِي اختَارَهَا اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِن بَينِ سَائِرِ بِقَاعِ الأَرضِ لِتَكُونَ حَاضِنَةً لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ حِينَ ضَاقَت بِهِ مَكَّةُ، وَلِتَكُونَ مَنَارَةً يَنطَلِقُ مِنهَا نُورُ الوَحيِ إِلَى العَالَمِينَ! قَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ رَضِيَ اللهُ عَنهُم فِي تَفسِيرِ قَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الإِسرَاءِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾: «أَخرَجَهُ اللهُ مِن مَكَّةَ مَخرَجَ صِدقٍ، وَأَدخَلَهُ المَدِينَةَ مُدخَلَ صِدقٍ»!
كَانَت تُسَمَّى فِي الجَاهِلِيَّةِ «يَثرِبَ»، فَلَمَّا قَدِمَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَبدَلَهَا اللهُ بِاسمٍ يَفُوحُ مِنهُ الطِّيبُ وَالطَّهَارَةُ وَالزَّكَاءُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى المَدِينَةَ طَابَةَ»، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّهَا طَيبَةُ، وَإِنَّهَا تَنفِي الخَبَثَ كَمَا تَنفِي النَّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ»!
وَسَمَّاهَا اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ «الدَّارَ وَالإِيمَانَ»، فَجعَلَ الإِيمَانَ نَفسَهُ اسمًا لَهَا وَصِفَةً لِأَهلِهَا، فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الحَشرِ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾!
لَقَد أَشرَقَتِ المَدِينَةُ يَومَ دَخَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِشرَاقًا لَم تَشهَدْ مِثلَهُ قَطُّ؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا قَالَ: «فَمَا رَأَيتُ أَهلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيءٍ فَرَحَهُم بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!»، وَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَابنِ مَاجَه وَمُسنَدِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «لَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَومُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظلَمَ مِنهَا كُلُّ شَيءٍ، وَمَا نَفَضنَا عَن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الأَيدِي وَإِنَّا لَفِي دَفنِهِ حَتَّى أَنكَرنَا قُلُوبَنَا»!
عِبَادَ اللهِ.. وَإِنَّ مِن أَعظَمِ مَنَاقِبِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ أَنَّهَا مَأرِزُ الإِيمَانِ وَمَوئِلُهُ الَّذِي يَأوِي إِلَيهِ فِي أَوَّلِ الزَّمَانِ وَآخِرِهِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحرِهَا»!
تَأَمَّلُوا هَذَا التَّشبِيهَ النَّبَوِيَّ البَلِيغَ: كَمَا أَنَّ الحَيَّةَ إِذَا خَرَجَت مِن جُحرِهَا لِطَلَبِ مَعَاشِهَا، فَإِذَا رَاعَهَا شَيءٌ أَو خَافَت عَلَى نَفسِهَا رَجَعَت مُسرِعَةً إِلَى جُحرِهَا لِأَنَّ فِيهِ أَمنَهَا وَحِرزَهَا، فَكَذَلِكَ الإِيمَانُ انتَشَرَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى آفَاقِ الدُّنيَا، وَكُلَّمَا غَرُبَ الدِّينُ أَو هَاجَتِ الفِتَنُ حَنَّ الإِيمَانُ وَأَهلُهُ إِلَى مَهدِهِ الأَوَّلِ وَحِصنِهِ الحَصِينِ فِي مَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
وَلَقَد أَحَبَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ حُبًّا عَظِيمًا مَلَأَ شَغَافَ قَلبِهِ الشَّرِيفِ، وَسَأَلَ رَبَّهُ أَن يَغْرِسَ حُبَّهَا فِي قُلُوبِ المُؤمِنِينَ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَينَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَو أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحهَا لَنَا، وَانقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الجُحفَةِ»!
بَل بَلَغَ مِن شِدَّةِ شَوقِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِلَيهَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَجَعَ مِن سَفَرٍ أَو غَزوَةٍ، فَرَأَت عَينَاهُ جُدرَانَ المَدِينَةِ وَجَبَلَ أُحُدٍ، تَهَلَّلَ وَجهُهُ الشَّرِيفُ، وَحَرَّكَ دَابَّتَهُ شَوقًا إِلَى دُخُولِهَا؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ فَأَبصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ، أَوضَعَ نَاقَتَهُ -أَي أَسرَعَ بِهَا-، وَإِن كَانَت دَابَّةً حَرَّكَهَا مِن حُبِّهَا»، وَفِي الصَّحِيحَينِ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى جَبَلِ أُحُدٍ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لَابَتَيهَا»!
يَا اللهُ! حَتَّى الجِبَالُ الصُّمُّ وَالحِجَارَةُ الجَامِدَةُ فِي طَيبَةَ تَعرِفُ نَبِيَّهَا فَتُحِبُّهُ وَيُحِبُّهَا، وحَتَّى غُبَارُهَا يَأنَسُ بِهِ المُصطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!
إِخوَةَ الإِيمَانِ:
وَإِنَّ مِن أَجَلِّ خَصَائِصِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ الَّتِي اختَصَّهَا اللهُ بِهَا:
أَوَّلًا: أَنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ مُحَرَّمٌ مَا بَينَ لَابَتَيهَا -أَي حَرَّتَيهَا الشَّرقِيَّةِ وَالغَربِيَّةِ- وَمَا بَينَ جَبَلِ عَيرٍ إِلَى جَبَلِ ثَورٍ؛ لَا يُعضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنفَّرُ صَيدُهَا، وَلَا يُختَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُرفَعُ فِيهَا السِّلَاحُ لِقِتَالٍ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَينَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ أَن يُقطَعَ عِضَاهُهَا أَو يُقتَلَ صَيدُهَا»، وَقَالَ: «المَدِينَةُ خَيرٌ لَهُم لَو كَانُوا يَعلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغبَةً عَنهَا إِلَّا أَبدَلَ اللهُ فِيهَا مَن هُوَ خَيرٌ مِنهُ، وَلَا يَثبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَجَهدِهَا إِلَّا كُنتُ لَهُ شَفِيعًا أَو شَهِيدًا يَومَ القِيَامَةِ».
ثَانِيًا: أَنَّ اللهَ جَعَلَ فِي أَقوَاتِهَا وَمَكَايِيلِهَا وَثِمَارِهَا بَرَكَتَينِ مُضَاعَفَتَينِ بِدَعوَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اجعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعفَي مَا جَعَلتَ بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ»، وَكَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاؤُوا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَيَأخُذُهُ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبرَاهِيمَ عَبدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي عَبدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي أَدعُوكَ لِلمَدِينَةِ بِمِثلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثلِهِ مَعَهُ»، ثُمَّ يَدعُو أَصغَرَ وَلِيدٍ يَرَاهُ فَيُعطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ!
ثَالِثًا: أَنَّهَا مَحرُوسَةٌ بِحِفظِ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ مِنَ الطَّاعُونِ وَمِن فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى أَنقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»، وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي بَكرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدخُلُ المَدِينَةَ رُعبُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَومَئِذٍ سَبعَةُ أَبوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ»!
بَل إِذَا نَزَلَ الدَّجَّالُ فِي السَّبَخَةِ خَارِجَ المَدِينَةِ، رَجَفَتِ المَدِينَةُ بِأَهلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخرُجُ إِلَيهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ، وَيَبقَى فِيهَا المُؤمِنُونَ الخُلَّصُ كَمَا يَبقَى الذَّهَبُ الخَالِصُ بَعدَ نَفيِ الخَبَثِ!
رَابِعًا: شَرَفُ مَسَاجِدِهَا وَمَعَالِمِهَا الشَّرعِيَّةِ المُبَارَكَةِ؛ وَفِي مُقَدِّمَتِهَا المَسجِدُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ الَّذِي تُشَدُّ إِلَيهِ الرِّحَالُ، وَتُضَاعَفُ فِيهِ الصَّلَوَاتُ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسجِدِي هَذَا خَيرٌ مِن أَلفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المَسجِدَ الحَرَامَ»، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَنهُ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا بَينَ بَيتِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رِيَاضِ الجَنَّةِ، وَمِنبَرِي عَلَى حَوضِي»!
وَفِي المَدِينَةِ مَسجِدُ قُبَاءٍ، أَوَّلُ مَسجِدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى فِي الإِسلَامِ، والَّذِي أَنزَلَ اللهُ فِيهِ وَفِي أَهلِهِ قَولَهُ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ التَّوبَةِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾، وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن سَهلِ بنِ حُنَيفٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن تَطَهَّرَ فِي بَيتِهِ، ثُمَّ أَتَى مَسجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً، كَانَ لَهُ كَأَجرِ عُمرَةٍ»!
خَامِسًا: فَضلُ السُّكنَى فِي المَدِينَةِ وَالمَوتِ عَلَى ثَرَاهَا الطَّاهِرِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرمِذِيِّ وَمُسنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ استَطَاعَ أَن يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا؛ فَإِنِّي أَشفَعُ لِمَن يَمُوتُ بِهَا»!
وَلِهَذَا كَانَ الفَارُوقُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ يَجمَعُ فِي دُعَائِهِ بَينَ أَسمَى كَرَامَتَينِ، كَمَا رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَن زَيدِ بنِ أَسلَمَ عَن أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ ارزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجعَلْ مَوتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! فَاستَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ، فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي مِحرَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَدُفِنَ إِلَى جِوَارِ صَاحِبَيهِ فِي الحُجرَةِ الشَّرِيفَةِ!
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ وَخَطِيئَةٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ حَمدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرضَى، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ المُصطَفَى وَحَبِيبُهُ المُجتَبَى، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ أَهلِ البِرِّ وَالتُّقَى، وَمَن سَارَ عَلَى نَهجِهِم وَاهتَدَى.
أَمَّا بَعدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ:
اِتَّقُوا اللهَ تَعَالَى، وَاعلَمُوا أَنَّ تَعظِيمَ شَعَائِرِ اللهِ وَحُرُمَاتِهِ مِن تَقوَى القُلُوبِ، وَأَنَّ لِلمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ حُرمَةً عَظِيمَةً وَحُقُوقًا وَاجِبَةً عَلَى مَن أَكرَمَهُ اللهُ بِسُكنَاهَا أَو مَنَّ عَلَيهِ بِزِيَارَتِهَا، بَل وَعَلَى كُلِّ مُسلِمٍ فِي مَشَارِقِ الأَرضِ وَمَغَارِبِهَا!
أَوَّلُ هَذِهِ الحُقُوقِ: تَعظِيمُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِيهَا، وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ مِن إِحدَاثِ البِدَعِ أَوِ المَعَاصِي أَو إِيوَاءِ المُحدِثِينَ فِي حَرَمِهَا!
فَإِنَّ المَدِينَةَ النَّبَوِيَّةَ هِيَ مَهدُ السُّنَّةِ وَمَنهَلُهَا الصَّافِي، وَقَد تَوَعَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَن أَحدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَو نَشَرَ فِيهَا بِدعَةً أَو مُنكَرًا بِأَشَدِّ الوَعِيدِ؛ فَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَينَ عَيرٍ إِلَى ثَورٍ، فَمَن أَحدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَو آوَى مُحدِثًا، فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ، لَا يُقبَلُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرفٌ وَلَا عَدلٌ»!
وَثَانِي هَذِهِ الحُقُوقِ: مَحَبَّةُ أَهلِ المَدِينَةِ وَإِكرَامُهُم، وَالحَذَرُ كُلَّ الحَذَرِ مِن إِخَافَتِهِم أَو ظُلمِهِم أَو إِرَادَتِهِم بِسُوءٍ أَو مَكرٍ!
فَقَد جَعَلَ اللهُ تَعَالَى مَن أَرَادَ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ هَالِكًا مَخذُولًا فِي الدُّنيَا وَالآخِرَةِ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سَعدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوبَ الرَّصَاصِ، أَو ذَوبَ المِلحِ فِي المَاءِ»، وَفِي الصَّحِيحَينِ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «مَن أَرَادَ أَهلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ المِلحُ فِي المَاءِ»!
وَلَقَد صَدَقَ وَعدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَبرَ التَّارِيخِ؛ فَمَا قَصَدَهَا جَبَّارٌ وَلَا بَاغٍ بِكَيدٍ إِلَّا كَسَرَهُ اللهُ وَأَذَابَ سُلطَانَهُ، وَلَقَد سَجَّلَ القُرآنُ الكَرِيمُ مَصِيرَ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَطَاوَلُوا عَلَى المَدِينَةِ وَأَهلِهَا فَقَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ المُنَافِقُونَ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وَثَالِثُ هَذِهِ الحُقُوقِ: التَّأَدُّبُ بِآدَابِ الشَّرِيعَةِ عِندَ زِيَارَةِ مَسجِدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ وَعَلَى صَاحِبَيهِ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا، وَزِيَارَةِ البَقِيعِ وَشُهَدَاءِ أُحُدٍ عَلَى وَفقِ الهَديِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ، مَعَ خَفضِ الصَّوتِ وَالسَّكِينَةِ وَالوَقَارِ، امتِثَالًا لِقَولِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الحُجُرَاتِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
قَالَ العُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ: وَحُرمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بَعدَ وَفَاتِهِ وَتَوقِيرُ حَدِيثِهِ وَمَسجِدِهِ كَحُرمَتِهِ فِي حَيَاتِهِ! وَلَقَد كَانَ إِمَامُ دَارِ الهِجرَةِ مَالِكُ بنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللهُ إِذَا أَرَادَ أَن يُحَدِّثَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي المَدِينَةِ اغتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ أَحسَنَ ثِيَابِهِ وَجَلَسَ عَلَى مَنَصَّةِ الهَيبَةِ وَالوَقَارِ، وَيَقُولُ: «أُحِبُّ أَن أُعَظِّمَ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ»! وَرَحِمَ اللهُ القَائِلَ فِي حُبِّ طَيبَةَ وَالشَّوقِ إِلَى رِحَابِهَا:
طَابَت بِطَيبَةَ أَروَاحُ المُحِبِّينَا ... وَأَشرَقَ النُّورُ فِي أَرجَاءِ وَادِينَا
دَارٌ حَبَاهَا إِلَهُ العَرشِ مَنزِلَةً ... بِالمُصطَفَى الهَاشِمِيِّ الهَادِي المُرَبِّينَا
فَاعْرِفُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- لِمَدِينَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَدرَهَا، وَاحفَظُوا لَهَا حُرمَتَهَا، وَاعرِفُوا لِأَهلِهَا مِنَ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ سَابِقَتَهُم وَفَضلَهُم، وَاستَمسِكُوا بِالسُّنَّةِ الَّتِي أَشرَقَت مِن مِشكَاتِهَا؛ فَإِنَّ مَحَبَّةَ المَدِينَةِ وَأَهلِهَا وَالاهتِدَاءَ بِسُنَّةِ سَاكِنِهَا صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عُنوَانُ الإِيمَانِ وَسَبِيلُ الفَوزِ بِالجِنَانِ.
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- عَلَى سَاكِنِ طَيبَةَ الطَّيِّبَةِ وَإِمَامِ المُرسَلِينَ، كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحزَابِ فَقَالَ جَلَّ مِن قَائِلٍ عَلِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الأَئِمَّةِ المَهدِيِّينَ: أَبِي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ مِنَ المَهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَحُبَّ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَحُبَّ مَن يُحِبُّهَا، اللَّهُمَّ احفَظِ الحَرَمَينِ الشَّرِيفَينِ مَكَّةَ المُكَرَّمَةَ وَالمَدِينَةَ المُنَوَّرَةَ، وَاحفَظْ المَسجِدَ الأَقصَى المُبَارَكَ وَفُكَّ أَسرَهُ وَطَهِّرهُ مِن دَنَسِ الغَاصِبِينَ المُعتَدِينَ يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ.
اللَّهُمَّ ارزُقْنَا صَلَاةً فِي مَسجِدِ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وَاحشُرْنَا فِي زُمرَتِهِ، وَأَورِدنَا حَوضَهُ، وَاسقِنَا مِن يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَربَةً هَنِيئَةً مَرِيئَةً لَا نَظمَأُ بَعدَهَا أَبَدًا، وَلَا تَحرِمنَا شَفَاعَتَهُ وَمُرَافَقَتَهُ فِي الفِردَوسِ الأَعلَى يَا أَرحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسلَامَ وَالمُسلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّركَ وَالمُشرِكِينَ، وَانصُرْ عبَادَكَ المُستَضعَفِينَ فِي فِلَسطِينَ وَغَزَّةَ وَالسُّودَانِ وَاليَمَنِ وَالشَّامِ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُركُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُونَ، وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَنَاقِبُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ وَفَضَائِلُ طَيبَةَ الطَّيِّبَةِ: دَارُ الهِجرَةِ وَمَأرِزُ الإِيمَانِ وَحُرمَةُ مَسجِدِ سَيِّدِ الأَنَامِ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.