مَوَانِعُ الِاستِقَامَةِ وَصَوَارِفُ الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن عَوَائِقِ الهِدَايَةِ وَطَرِيقِ النَّجَاةِ مِنهَا
الحَمدُ للهِ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيل، المُتَفَضِّلِ عَلَى عِبَادِهِ الصَّادِقِينَ بِالتَّوفِيقِ وَالتَّسدِيدِ وَالثَّبَاتِ الجَمِيل، الَّذِي أَمَرَ أَولِيَاءَهُ بِلُزُومِ صِرَاطِهِ المُستَقِيمِ دُونَ مَيلٍ أَو تَبدِيل، وَحَذَّرَهُم مِنَ المَوَانِعِ وَالقَوَاطِعِ الَّتِي تَصرِفُ القُلُوبَ عَن مَنهَجِ التَّنزِيل، القَائِلِ فِي كِتَابِهِ العَزِيز: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢]. وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، شَهَادَةً تُثَبِّتُ القَلبَ عِندَ تَقَلُّبِ الأَهْوَاء، وَتَعصِمُ الرُّوحَ عِندَ تَلَاطُمِ الفِتَنِ وَالبَلَاء، وَأَشهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُ اللهِ وَرَسُولُه، أَقوَمُ الخَلقِ عَلَى أَمرِ اللهِ سِيرَةً وَسَرِيرَة، وَأَثبَتُهُم قَدَمًا عَلَى مَحَجَّةِ الحَقِّ المُنِيرَة، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطهَار، وَأَصحَابِهِ الأَبرَارِ الأَخيَار، وَمَن تَبِعَهُم بِإِحسَانٍ مَا تَعَاقَبَ اللَّيلُ وَالنَّهَار.
أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم عِبَادَ اللهِ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهِيَ زَادُ السَّائِرِينَ إِلَى رِضوَانِه، وَمِفتَاحُ الثَّبَاتِ عَلَى شَرِيعَتِهِ وَإِيمَانِه، قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
أَيُّهَا المُؤمِنُونَ: إِنَّ أَغلَى مَا يَطلُبُهُ العَبدُ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنيَا بَعدَ نِعمَةِ الإِيمَانِ بِاللهِ تَعَالَى هُوَ نِعمَةُ «الِاستِقَامَةِ» عَلَى دِينِ الله؛ أَن يَلزَمَ العَبدُ طَرِيقَ الطَّاعَةِ وَالهدَى، فَلَا تَستَهوِيَهُ الشَّيَاطِينُ عَن يَمِينٍ وَلَا عَن شِمَال، وَلَا تَعصِفَ بِثَوَابِتِهِ عَوَاصِفُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَات. وَلِعِظَمِ شَأنِ الِاستِقَامَةِ سَأَلَنَا اللهُ تَعَالَى أَن نَطلُبَهَا مِنهُ فِي كُلِّ رَكعَةٍ مِن رَكَعَاتِ صَلَاتِنَا حِينَ نَهتِفُ خَاشِعِينَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦].
وَلَقَد جَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَعَالِمَ الدِّينِ كُلَّهَا فِي هَذِهِ الكَلِمَةِ الجَامِعَةِ المَانِعَة؛ فَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ عَن سُفيَانَ بنِ عَبدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قُلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الإِسلَامِ قَولًا لَا أَسأَلُ عَنهُ أَحَدًا بَعدَكَ»، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ: آمَنتُ بِاللهِ، ثُمَّ استَقِمْ». وَفَسَّرَ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ حَقِيقَةَ هَذِهِ الِاستِقَامَةِ بِقَولِهِ البَلِيغ: «الِاستِقَامَةُ أَن تَستَقِيمَ عَلَى الأَمرِ وَالنَّهيِ، وَلَا تَرُوغَ رَوَغَانَ الثَّعلَبِ!». وَلِذَلِكَ كَانَ شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ وَتِلمِيذُهُ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُمَا اللهُ يَقُولَان: «أَعظَمُ الكَرَامَةِ لُزُومُ الِاستِقَامَةِ».
غَيرَ أَنَّ النَّاظِرَ فِي أَحوَالِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ اليَومَ يَرَى عَجَبًا؛ يَرَى أُناسًا يَعفُونَ عَنِ الحَرَامِ تَارَةً ثُمَّ يَنغَمِسُونَ فِيهِ تَارَات، وَيَرَى قُلُوبًا تَرِقُّ عِندَ سَمَاعِ المَوعِظَةِ أَو فِي مَوَاسِمِ الطَّاعَاتِ حَتَّى تَذرِفَ الدُّمُوعَ وَتَعزِمَ عَلَى التَّوبَةِ وَالإِنَابَة، فَمَا إِن تَخرُجَ مِنَ المَسجِدِ أَو يَنقَضِيَ المَوسِمُ حَتَّى تَفْتُرَ العَزِيمَةُ، وَتَنطَفِئَ الجَذوَةُ، وَتَعُودَ النَّفسُ إِلَى سَابِقِ غَفلَتِهَا وَتَفرِيطِهَا! فَمَا الَّذِي يَمنَعُ العَبدَ مِنَ الِاستِقَامَةِ بَعدَ أَن عَرَفَ الحَقَّ وَأَبصَرَ النُّور؟ وَمَا هِيَ العَوَائِقُ وَالمَوَانِعُ الَّتِي تَقِفُ بَينَ الإِنسَانِ وَبَينَ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ المَلِكِ الدَّيَّان؟
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلِاستِقَامَةِ مَوَانِعَ خَطِيرَةً وَقَوَاطِعَ مُهلِكَةً، مَتَى تَمَكَّنَت مِن قَلبِ العَبدِ أَقعَدَتهُ عَنِ السَّيرِ إِلَى اللهِ، أَو رَدَّتهُ عَلَى عَقِبَيهِ بَعدَ الهُدَى؛ وَمِن أَعظَمِ هَذِهِ المَوَانِعِ وَأَخطَرِهَا:
أَوَّلًا: ضَعفُ الإِخلَاصِ وَخَرَابُ السَّرِيرَةِ وَالتَّهَاوُنُ بِذُنُوبِ الخَلَوَات!
إِنَّ الِاستِقَامَةَ شَجَرَةٌ مُبَارَكَةٌ لَا تَنبُتُ وَلَا تَثبُتُ إِلَّا فِي أَرضِ الصِّدقِ مَعَ اللهِ تَعَالَى؛ فَمَن أَقبَلَ عَلَى الطَّاعَةِ تَصَنُّعًا لِلنَّاسِ، أَو طَلَبًا لِثَنَائِهِم وَمَنزِلَتِهِم، أَو كَانَ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحَ بَينَمَا بَاطِنُهُ مَملُوءٌ بِالجُرأَةِ عَلَى مَحَارِمِ اللهِ إِذَا خَلَا بِنَفسِهِ وَأُغلِقَتِ الأَبوَابُ، فَإِنَّ هَذَا الدَّخَلَ البَاطِنِيَّ يَنخَرُ فِي أَصلِ استِقَامَتِهِ حَتَّى يَسقُطَ عِندَ أَوَّلِ امتِحَان! قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وَفِي سُنَنِ ابنِ مَاجَه بِإِسنَادٍ صَحِيحٍ عَن ثَوبَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَعلَمَنَّ أَقوَامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجعَلُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنثُورًا»، قَالَ ثَوبَانُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُم لَنَا، جَلِّهِم لَنَا، أَن لَا نَكُونَ مِنهُم وَنَحنُ لَا نَعلَمُ!»، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُم إِخوَانُكُم وَمِن جِلدَتِكُم، وَيَأخُذُونَ مِنَ اللَّيلِ كَمَا تَأخُذُونَ، وَلَكِنَّهُم أَقوَامٌ إِذَا خَلَوا بِمَحَارِمِ اللهِ انتَهَكُوهَا!». وَلِذَلِكَ قَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ كَلِمَتَهُمُ المَشهُورَة: «أَجمَعَ العَارِفُونَ بِاللهِ عَلَى أَنَّ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ هِيَ أَصلُ الانتِكَاسَاتِ، وَأَنَّ عِبَادَاتِ الخَفَاءِ هِيَ أَعظَمُ أَسبَابِ الثَّبَاتِ!».
ثَانِيًا: اتِّبَاعُ الهَوَى وَإِيثَارُ الشَّهَوَاتِ العَاجِلَةِ وَالِاستِثقَالُ لِتَكَالِيفِ الطَّاعَة!
إِنَّ النَّفسَ البَشَرِيَّةَ جُبِلَت عَلَى حُبِّ الرَّاحَةِ وَالدَّعَةِ وَالانجِذَابِ إِلَى المَلَذَّاتِ الحَاضِرَةِ، وَالِاستِقَامَةُ تَحتَاجُ إِلَى فِطَامِ النَّفسِ عَن مَأْلُوفَاتِهَا المُحَرَّمَةِ وَمُجَاهَدَتِهَا عَلَى الصَّبرِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسلِمٍ مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ». فَحِينَ يُطِيعُ العَبدُ هَوَى نَفسِهِ؛ فَيُؤثِرُ نَومَ الفِرَاشِ الوَثِيرِ عَلَى صَلَاةِ الفَجرِ، وَيُؤثِرُ المَالَ الحَرَامَ وَالرِّبَا وَالغِشَّ عَلَى الكَسبِ الحَلَالِ الطَّيِّب، وَيُؤثِرُ إِطلَاقَ البَصَرِ فِي الشَّاشَاتِ المُحَرَّمَةِ عَلَى حَلَاوَةِ الإِيمَانِ وَغَضِّ البَصَر، فَإِنَّ الهَوَى يَصِيرُ قَيدًا يَمنَعُهُ مِنَ الِاستِقَامَةِ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧-٣٩].
ثَالِثًا: رُفقَةُ السُّوءِ وَبِيئَةُ الغَفلَةِ وَالخَوفُ مِن سُخرِيَةِ البَطَّالِين!
وَمَا أَخطَرَ هَذَا المَانِعَ يَا عِبَادَ الله! كَم مِن شَابٍّ أَو فَتَاةٍ أَو رَجُلٍ أَشرَقَ فِي قَلبِهِ نُورُ التَّوبَةِ، وَهَمَّ أَن يَسلُكَ طَرِيقَ الِاستِقَامَةِ وَالمَسَاجِدِ وَالعَفَاف، فَتَلَقَّفَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ وَأَصدِقَاءُ الغَفلَةِ بِالتَّثبِيطِ وَالتَّهَكُّمِ وَالِاستِهزَاء، أَو جَرُّوهُ إِلَى مَجَالِسِ اللَّهوِ وَالمَعصِيَةِ، فَضَعُفَت نَفسُهُ، وَخَشِيَ كَلَامَ النَّاسِ أَكثَرَ مِن خَشيَتِهِ لِرَبِّ النَّاسِ، فَتَرَاجَعَ وَانتَكَس! تَذكَّرُوا يَا عِبَادَ اللهِ ذَلِكَ المَشهَدَ الرَّهِيبَ الَّذِي صَوَّرَهُ القُرآنُ الكَرِيمُ لِمَن مَنَعَتهُ صُحبَةُ السُّوءِ مِنَ الِاستِقَامَةِ، حَيثُ قَالَ سُبحَانَهُ فِي سُورَةِ الفُرقَان: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٨]. إِنَّ ذَلِكَ الخَلِيلَ الَّذِي يَضحَكُ مَعَكَ اليَومَ وَيَصُدُّكَ عَنِ الصَّلَاةِ وَالِاستِقَامَةِ سَيَفرُّ مِنكَ يَومَ القِيَامَةِ وَتَتَبَرَّأُ مِنهُ وَيَتَبَرَّأُ مِنك!
رَابِعًا: طُولُ الأَمَلِ وَآفَةُ التَّسوِيفِ وَالِاغتِرَارُ بِحِلمِ اللهِ وَسَترِه!
مِن أَخبَثِ مَصَايِدِ إِبلِيسَ الَّتِي يَقطَعُ بِهَا النَّاسَ عَنِ الِاستِقَامَةِ أَنَّهُ لَا يَقُولُ لِلمُسلِمِ: «لَا تَتُبْ أَبَدًا»، بَل يَقُولُ لَهُ: «تُبْ وَلَكِن غَدًا! استَقِمْ وَلَكِن بَعدَ أَن تَتَزَوَّجَ، أَو بَعدَ أَن تَفرُغَ مِن تِجَارَتِكَ، أَو إِذَا دَخَلَ شَهرُ رَمَضَانَ، أَو إِذَا بَلَغتَ سِنَّ الشَّيخُوخَةِ وَالمَشِيب!». وَيَنسَى المِسكِينُ أَنَّ القُبُورَ مَملُوءَةٌ بِالشَّبَابِ الَّذِينَ كَانُوا يُسَوِّفُونَ التَّوبَةَ، وَأَنَّ مَلَكَ المَوتِ لَا يَستَأذِنُ صَحِيحًا وَلَا سَقِيمًا وَلَا شَابًّا وَلَا شَيخًا! قَالَ اللهُ تَعَالَى مُحَذِّرًا مِن هَذَا الدَّاءِ العُضَال: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]. وَكَانَ الحَسَنُ البَصرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ فِي مَوَاعِظِهِ: «إِيَّاكَ وَالتَّسوِيفَ؛ فَإِنَّكَ بِيَومِكَ وَلَستَ بِغَدِكَ، فَإِن يَكُنْ غَدٌ لَكَ فَكُنْ فِي غَدٍ كَمَا كُنتَ فِي اليَومِ، وَإِن لَم يَكُنْ لَكَ غَدٌ لَم تَندَمْ عَلَى مَا فَرَّطتَ فِي اليَومِ!».
خَامِسًا: قَسْوَةُ القَلبِ بِسَبَبِ هَجرِ القُرآنِ وَالإِعرَاضِ عَن مَجَالِسِ العِلمِ وَالذِّكر!
إِنَّ القَلبَ كَالأَرضِ، إِذَا انقَطَعَ عَنهَا غَيثُ الوَحيِ يَبِسَت وَتَصَدَّعَت وَقَسَت؛ فَالمُؤمِنُ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيهِ الأُسبُوعُ وَالأُسبُوعَانِ لَا يَفتَحُ المَصحَفَ، وَلَا يَتَدَبَّرُ آيَةً، وَلَا يَجلِسُ فِي حَلقَةِ عِلمٍ، وَلَا يَذكُرُ المَوتَ وَالآخِرَةَ، يَتَصَلَّبُ قَلبُهُ حَتَّى تَثقُلَ عَلَيهِ الطَّاعَةُ وَتَسهُلَ عَلَيهِ المَعصِيَة! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦].
سَادِسًا: الجَهلُ بِفِقهِ الِاستِقَامَةِ بَينَ الإِفرَاطِ وَالتَّفرِيط!
فَمِنَ النَّاسِ مَن يَندَفِعُ فِي أَوَّلِ تَوبَتِهِ اندِفَاعًا عَاطِفِيًّا غَيرَ مَنضَبِطٍ بِالعِلمِ الشَّرعِيِّ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّة؛ فَيُحَمِّلُ نَفسَهُ مِنَ النَّوَافِلِ الشَّاقَّةِ مَا لَا تُطِيقُ، أَو يَقطَعُهُ الشَّيطَانُ بِوَسوَسَةِ القُنُوطِ إِذَا زَلَّت قَدَمُهُ فِي ذَنبٍ فَيُوهِمُهُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ لَا فائِدَةَ مِنِ استِقَامَتِهِ، فَيَترُكُ الطَّاعَةَ بِالكُلِّيَّة! وَقَد حَسَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ هَذَا البَابَ كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسرٌ، وَلَن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبشِرُوا، وَاستَعِينُوا بِالغَدوَةِ وَالرَّوحَةِ وَشَيءٍ مِنَ الدُّلجَةِ».
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ العَظِيم، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُم بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكرِ الحَكِيم، أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُم وَلِسَائِرِ المُسلِمِينَ مِن كُلِّ ذَنبٍ، فَاستَغفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.
🕌 الخُطبَةُ الثَّانِيَةُ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِين، وَلِيِّ الصَّالِحِينَ، وَمُثَبِّتِ قُلُوبِ المُستَقِيمِين، وَأَشهَدُ أَن لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ المَلِكُ الحَقُّ المُبِين، وَأَشهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِين، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِين.
أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعلَمُوا أَنَّ مَن عَرَفَ مَوَانِعَ الِاستِقَامَةِ وَحَذِرَهَا، وَجَبَ عَلَيهِ أَن يَأخُذَ بِأَسبَابِ الثَّبَاتِ الَّتِي يَكسِرُ بِهَا تِلكَ العَوَائِقَ وَيَعبُرُ بِهَا إِلَى رِضوَانِ اللهِ وَجَنَّتِه. وَإِنَّ أَعظَمَ مَا يُعِينُ العَبدَ عَلَى تَخطِّي مَوَانِعِ الِاستِقَامَةِ أَربَعُ وَصَايَا عَمَلِيَّةٍ جَامِعَة:
الوَصِيَّةُ الأُولَى: صِدقُ اللُّجُوءِ إِلَى اللهِ وَالإِلحَاحُ عَلَيهِ بِدُعَاءِ الثَّبَات!
فَإِنَّ القُلُوبَ بَينَ أُصبُعَينِ مِن أَصَابِعِ الرَّحمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيفَ يَشَاء، وَلَا يَملِكُ أَحَدٌ لِنَفسِهِ هِدَايَةً وَلَا ثَبَاتًا إِلَّا بِمَعُونَةِ الله. وَكَانَ أَكثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -وَهُوَ سَيِّدُ المُستَقِيمِينَ- كَمَا ثَبَتَ فِي جَامِعِ التِّرمِذِيِّ عَن أَنَسٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلبِي عَلَى دِينِكَ». وَأَثنَى اللهُ تَعَالَى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي العِلمِ وَالإِيمَانِ بِدُعَائِهِمُ الخَاشِع: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
وَالوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: إِصلَاحُ السَّرِيرَةِ وَاتِّخَاذُ خَبِيئَةٍ صَالِحَةٍ بَينَكَ وَبَينَ الله!
فَاحرِصْ يَا عَبدَ اللهِ عَلَى أَن يَكُونَ لَكَ عَمَلٌ صَالِحٌ خَفِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيهِ أَحَدٌ مِنَ الخَلقِ؛ مِن رَكعَتَينِ فِي جَوفِ اللَّيلِ، أَو صَدَقَةٍ سِرِّيَّةٍ تُخفِيهَا، أَو دَمعَةٍ تَذرِفُهَا مِن خَشيَةِ اللهِ خَالِيًا، أَو كَفٍّ عَن مَعصِيَةٍ قَدَرتَ عَلَيهَا فِي الخَلوَةِ تَعظِيمًا لِنَظَرِ اللهِ إِلَيك؛ فَإِنَّ خَبِيئَةَ الصِّدقِ تُثَبِّتُ العَبدَ عِندَ المِحَنِ وَتَحفَظُهُ مِنَ الزَّلَل.
وَالوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: مُلَازَمَةُ الصُّحبَةِ الصَّالِحَةِ وَتَطهيرُ البِيئَةِ مِن دَوَاعِي الفِتنَة!
فَاختَرْ لِنَفسِكَ أَصحَابًا إِذَا رَأَيتَهُم ذَكَرتَ اللهَ، وَإِذَا فَتَرتَ نَشَّطُوكَ، وَإِذَا غَفَلتَ ذَكَّرُوك، وَاقطَعْ كُلَّ صِلَةٍ أَو مَجمُوعَةٍ أَو صَفحَةٍ تَجُرُّكَ إِلَى المَعصِيَةِ وَتُزهِّدُكَ فِي الطَّاعَة، امتِثَالًا لِأَمرِ رَبِّكَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وَالوَصِيَّةُ الرَّابِعَةُ: تَجدِيدُ التَّوبَةِ كُلَّمَا عَثَرَتِ القَدَمُ وَعَدَمُ اليَأسِ مِن رَحمَةِ الله!
فَالِاستِقَامَةُ لَا تَعنِي العِصمَةَ مِنَ الخَطَأ، بَل تَعنِي أَنَّكَ كُلَّمَا أَذنَبتَ أَو قَصَّرتَ سَارَعتَ إِلَى التَّوبَةِ وَالِاستِغفَارِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]؛ فَخَتَمَ الأَمرَ بِالِاستِقَامَةِ بِالأَمرِ بِالِاستِغفَارِ لِجَبرِ مَا يَقَعُ مِن نَقصٍ وَتَقصِير. وَللهِ دَرُّ القَائِلِ حِينَ لَخَّصَ طَرِيقَ الِاستِقَامَةِ وَكسرَ مَوَانِعِهَا:
اِسْلُكْ سَبِيلَ الحَقِّ لَا تَعدِلْ بِهِ ... وَاصبِرْ عَلَى نَهجِ الهُدَى وَاستَمسِكِ
وَاحذَرْ قَوَاطِعَ مَن يَصُدُّكَ بِالهَوَى ... أَو خِلِّ سُوءٍ فِي الغَوَايَةِ مُهلِكِ
مَن قَالَ رَبِّيَ ذُو الجَلَالِ مُوَحِّدًا ... ثُمَّ استَقَامَ فَلَيسَ يَومًا بِالشَّقِي
فَأَبشِرُوا يَا أَهلَ الِاستِقَامَةِ وَالثَّبَاتِ بِأَعظَمِ بِشَارَةٍ مِن رَبِّ الأَرضِ وَالسَّمَاوَاتِ عِندَ المَمَاتِ وَفِي القُبُورِ وَيَومَ النُّشُور: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَن أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيهِ فِي مُحكَمِ تَنزِيلِه، فَقَالَ سُبحَانَهُ قَولًا كَرِيمًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِك عَلَى عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّد، وَارضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمَانَ وَعَلِيّ، وَعَن سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجمَعِين، وَعَنَّا مَعَهُم بِمَنِّكَ وَكَرَمِكَ يَا أَكرَمَ الأَكرَمِين.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قُلُوبَنَا عَلَى دِينِك، وَيَا مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّف قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِك. اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَا تُزِغ قُلُوبَنَا بَعدَ إِذ هَدَيتَنَا، وَهَب لَنَا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّاب. اللَّهُمَّ ارزُقنَا الِاستِقَامَةَ عَلَى أَمرِكَ ظاهِرًا وَبَاطِنًا، وَسِرًّا وَعَلَانِيَةً، وَاصْرِف عَنَّا مَوَانِعَ الهُدَى وَقَوَاطِعَ الطَّرِيق، وَأَعِذنَا مِن مُضِلَّاتِ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَن. اللَّهُمَّ اجعَل سَرَائِرَنَا خَيرًا مِن عَلَانِيَتِنَا، وَاجعَل عَلَانِيَتَنَا صَالِحَةً، وَاختِم لَنَا بِخَاتِمَةِ السَّعَادَةِ أَجمَعِين. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوطَانِنَا، وَأَصلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَاجعَل هَذَا البَلَدَ آمِنًا مُطمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلَادِ المُسلِمِين. رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّار.
عِبَادَ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]، فَاذكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذكُرْكُم، وَاشكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكرُ اللهِ أَكبَرُ، وَاللهُ يَعلَمُ مَا تَصنَعُون.
من مكتبة مِداد الخطيب
مَوَانِعُ الِاستِقَامَةِ وَصَوَارِفُ الثَّبَاتِ عَلَى الطَّاعَةِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن عَوَائِقِ الهِدَايَةِ وَطَرِيقِ النَّجَاةِ مِنهَا
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.