🕌 سفينةُ النَّجاة... طوفانُ نُوحٍ وعَواصِفُ واقِعِنا
#خطبة_جمعة #نوح_عليه_السلام #الثبات #الابتلاء #الأسرة #قصص_الأنبياء #إيمانيات
الحمدُ للهِ الذي قَصَّ علينا أحسَنَ القَصَصِ في مُحكَمِ التنزيل، وجَعَلَ في سِيَرِ أنبيائهِ مَصابيحَ تُضيءُ لِلسَّالكينَ ظُلماتِ الدُّروب. الحمدُ للهِ الذي جَعَلَ سُنَّتَهُ سفينةَ نَجاةٍ، مَن رَكِبَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عنها غَرِقَ وهَلك. وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، يُنجي المؤمنينَ برحمَتِه، ويَقصِمُ الجبَّارينَ بعَدلِه. وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إمامُ الصَّابرينَ وقُدوَةُ الدُّعاةِ المُصلِحين، صلَّى اللهُ وسلَّمَ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحبِهِ أجمعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعد:
تَخَيَّلوا مَعي رَجُلًا يَقِفُ وَحدَهُ ضِدَّ العالَمِ كُلِّه... يَدعو قَومَهُ ألفَ سَنَةٍ إلَّا خَمسينَ عامًا، فلا يَجِدُ مِنهُم إلَّا السُّخريَةَ والشَّتيمَة، ثُمَّ يَبني سَفينةً ضَخمَةً في قَلبِ الصَّحراءِ فيُتَّهَمُ بالجُنون. ما السِّرُّ الَّذي أبقاهُ صامِدًا كالجَبَلِ طَوالَ هذه القُرون؟ وما رِسالَتُهُ لنا اليومَ ونحنُ نَعيشُ في طوفانٍ مُظلِمٍ من الفِتَنِ والشُّبُهات؟ بَينَنا وبَينَ نُوحٍ عليهِ السَّلامُ مَسافَةُ زَمَنٍ سَحيق، لكنَّ سفينتَهُ لا تَزالُ مَفتوحةً لمَن أرادَ النَّجاة. فكَيفَ نَركَبُها اليوم؟
أيُّها الإخوةُ المؤمنون، لو أَرَدنا أن نُلَخِّصَ صِراعَ الحقِّ والباطلِ، وصِراعَ الإيمانِ والمادَّةِ، وصِراعَ الثَّباتِ والفِتنَةِ في مَشهَدٍ واحد، لَكانَ هو مَشهَدَ نبيِّ اللهِ نُوحٍ عليهِ السَّلام. هذا النَّبيُّ الكَريم، الَّذي هو أوَّلُ أولي العَزمِ من الرُّسُل، لم تَكُن قِصَّتُهُ مُجرَّدَ حادِثَةٍ تاريخيَّةٍ انقَضَت تحتَ رِمالِ الزَّمَن، بَل هي مِرآةٌ نَرى فيها واقِعَنا اليومَ بِكُلِّ تَفاصيلِه.
عبادَ الله، لِنَبدَأ بالمَشهَدِ الأوَّل: مَشهَدُ الصَّبرِ الَّذي تَنوءُ بحَملِهِ الجِبال.
يَقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُهُ واصِفًا عُمُرَ هذه الدَّعوَة: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 14].
تَأمَّلوا... تِسعُمِائةٍ وخَمسونَ عامًا! ليسَت عُمُرَهُ، بَل هي مُدَّةُ دَعوَتِه. تِسعُمِائةٍ وخَمسونَ عامًا وهو يَستَيقِظُ كُلَّ صَباح، يَحمِلُ هَمَّ الدَّعوَة، يَذهَبُ إلى قَومِهِ، يَدعوهُم إلى اللهِ، فَيَرفُضون. يَعودُ إليهِم في المَساء، فَيَسخَرون. لا يَكَلُّ ولا يَمَلُّ. ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 5-6].
هل سَأَلتُم أنفُسَكم يَومًا: كَيفَ لِقَلبِ بَشَرٍ أن يَحتَمِلَ هذا الرَّفضَ المُتَواصِلَ لِقُرابةِ ألفِ عام؟
نحنُ اليومَ — يا كِرام — نَفقِدُ الأَمَلَ بسُرعَةٍ مُخيفَة. يَنصَحُ الأَبُ ابنَهُ مَرَّتينِ أو ثَلاثًا، ثُمَّ يَقول: "لقد تَعِبتُ، غَسَلتُ يَدي مِنه". تَنصَحُ الزَّوجَةُ زَوجَها بِضعَ شُهور، ثُمَّ تَستَسلِم. نَدعو النَّاسَ إلى الخَيرِ سَنَةً أو سَنَتَين، فَإذا لم نَرَ استِجابَةً تَرَكنا مَيدانَ الدَّعوَةِ وقُلنا: "لا فائِدَةَ في هذا الجيل".
أينَ نحنُ مِن نُوحٍ عليهِ السَّلام؟ كانَ الرَّجُلُ مِن قَومِهِ يَأتي بابنِهِ الصَّغير، يَقِفُ أمامَ نُوحٍ ويَقولُ لِوَلَدِه: "يا بُنَيَّ، إنَّ أبي قَد حَذَّرَني مِن هذا الرَّجُل، فاحذَرهُ أنتَ أيضًا، ولا تُصَدِّقْه". يَتَوارَثونَ الكُفرَ جيلًا بَعدَ جيل، ونُوحٌ صامِدٌ لا يَتزَحزَح.
واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيمِ الَّذي يُرَتِّبُ مَوازينَ النَّجاحِ في عَينِ المُؤمِن. قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «يُعرَضُ عَلَيَّ الأنبياءُ، فَيَمُرُّ النَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُل، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّجُلان، والنَّبيُّ ومَعَهُ الرَّهط، والنَّبيُّ وليسَ مَعَهُ أحَد» (متفق عليه).
نَبيٌّ مُؤَيَّدٌ بالوَحي، يَأتي يومَ القيامَةِ وليسَ مَعَهُ أحَد! هل كانَ هذا النَّبيُّ فاشِلًا؟ حاشا وكَلَّا. لَقَد أدَّى الأمانَة، ولَكِنَّ الهِدايَةَ بِيَدِ الله. قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رَحِمَهُ الله: "النَّجاحُ ليسَ أن تَجلِبَ النَّاسَ إلى الحَقِّ، بَل النَّجاحُ أن تَثبُتَ أنتَ على الحَقِّ حتَّى تَلقى الله".
ثُمَّ نَنتَقِلُ إلى المَشهَدِ الثَّاني: مَشهَدِ صِناعَةِ السَّفينَة... ومَشَقَّةِ الغُربَة.
يُوحِي اللهُ إلى نُوحٍ أن يَبنِيَ سَفينَة. أين؟ في قَلبِ اليابِسَة. بَعيدًا عَن أيِّ بَحرٍ أو نَهر. يَبدَأُ نُوحٌ عليهِ السَّلامُ بِجَمعِ الأخشابِ ودَقِّ المَسامير. ويَبدَأُ اختِبارٌ جَديدٌ أَقسى مِنَ الرَّفض... إنَّهُ اختِبارُ السُّخريَة.
﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: 38].
تَخَيَّلوا المَوقِف: كُبَراءُ القَوم، أصحابُ الأموالِ والمَناصِب، يَمُرُّونَ على نُوحٍ، يَضحَكونَ ويَتَغامَزون. يَقولون: "يا نُوح، صِرتَ نَجَّارًا بَعدَ أن كُنتَ نَبيًّا؟ أينَ الماءُ الَّذي سَتَجري فيهِ سَفينَتُك؟".
هذا المَشهَدُ أليسَ يَتَكَرَّرُ في أيَّامِنا هذه بِحَذافيرِه؟
عِندَما يَتمَسَّكُ الشَّابُّ اليَومَ بِصَلاتِهِ، ويَغُضُّ بَصَرَهُ عَن الحَرامِ في وَسَطٍ غارِقٍ في الشَّهَوات، ماذا يَفعَلُ المُجتَمَع؟ يَسخَرُ مِنه. يُسَمُّونَهُ مُتَخَلِّفًا، أو مُعَقَّدًا. عِندَما تَتمَسَّكُ الفَتاةُ بِحِجابِها وعِفَّتِها في زَمَنِ التَّبَرُّج، يَنظُرونَ إليها بِسُخريَة. عِندَما يَرفُضُ المُوَظَّفُ أن يَأكُلَ الرِّشوَة، ويَرضى بالرَّاتِبِ الحَلالِ القَليل، يَضحَكُ زُمَلاؤُهُ مِنهُ ويَعتَبِرونَهُ غَبِيًّا لا يَعرِفُ كَيفَ يَغتَنِمُ الفُرَص.
هؤلاءِ المُتمَسِّكونَ بِدينِهِم اليَوم... هُم في الحَقيقَةِ يَبنونَ سَفينَةَ نُوحٍ في قَلبِ صَحراءِ العَصرِ المادِّي. المُجتَمَعُ المَغرورُ بِتِكنولوجيَّتِهِ وأموالِهِ يَسخَرُ مِنهُم. ولَكِن، مَن الَّذي سَيَضحَكُ أخيرًا عِندَما يَأتي الطُّوفان؟ طوفانُ المَوت، وطوفانُ الحِساب؟
يَقولُ الإمامُ الفُضَيلُ بنُ عِياضٍ رَحِمَهُ الله، بِكَلِماتٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: "عَلَيكَ بِطُرقِ الهُدى، ولا يَغُرَّكَ قِلَّةُ السَّالكين. وإيَّاكَ وطُرُقَ الضَّلالَة، ولا تَغتَرَّ بِكَثرَةِ الهالِكين".
نَعَم يا عِبادَ الله، صِناعَةُ السَّفينَةِ تَحتاجُ إلى يَقينٍ لا يُزَلزِلُهُ كَلامُ النَّاس. المُؤمِنُ يَرى بِعَينِ البَصيرَةِ ما لا يَراهُ الغافِلُ بِعَينِ البَصَر.
ثُمَّ يَأتي المَشهَدُ الثَّالِث... اللَّحظَةُ الحاسِمَة. لَحظَةُ وُقوعِ الوَعد.
صَدَرَ الأمرُ الإلهيُّ. انتهَت مُهلَةُ السُّخريَة، وحانَ وَقتُ الحَقيقَة. ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11-12].
انظُروا إلى دِقَّةِ الوَصفِ القُرآني. لم يَقُل أَمطَرَتِ السَّماء، بَل ﴿فَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾. انشَقَّتِ السَّماءُ كُلُّها بالماء. والأرضُ الَّتي كانَت صَحراءَ جافَّةً يَسخَرونَ فيها مِنَ السَّفينَة، تَفَجَّرَت كُلُّها عُيونًا. الماءُ مِن فَوقِهِم، والماءُ مِن تَحتِهِم. القَوانينُ الفيزيائيَّةُ الَّتي كانَ الكُفَّارُ يَعتَمِدونَ عليها، تَحَطَّمَت في لَحظَةٍ بِأمرِ خالِقِها.
في تِلكَ اللَّحظَةِ المُرعِبَة، أينَ كانَ المُؤمِنون؟ ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: 13-14].
كانوا آمِنين، مُطمَئِنِّين، في سَفينَةٍ تَجري بِحِفظِ اللهِ وعِنايَتِه.
وهنا أُذَكِّرُكُم بِتِلكَ المَقولَةِ العَظيمَةِ الَّتي صاغَها الإمامُ مالِكُ بنُ أنَسٍ رَحِمَهُ الله، حينَ قال: "السُّنَّةُ سَفينَةُ نُوح، مَن رَكِبَها نَجا، ومَن تَخَلَّفَ عَنها غَرِق".
اليَوم، طوفانُ الشُّبُهاتِ يَقتَلِعُ عَقائِدَ الشَّباب. طوفانُ الشَّهَواتِ يُدَمِّرُ البُيوتَ والأُسَر. طوفانُ المادِّيَّةِ يُغشِي الأبصار. أينَ المَفرّ؟ أينَ العاصِم؟ لا عاصِمَ اليَومَ مِن أمرِ اللهِ إلَّا السُّنَّة. إلَّا القُرآن. إلَّا التَّمَسُّكُ بِهذا الدِّينِ كَما تَمَسَّكَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ بِأخشابِ السَّفينَة.
ولَكِن... في وَسَطِ هذا المَشهَدِ المَهيب، يَقَعُ أَقسى مَشهَدٍ يُمكِنُ أن يَعيشَهُ إنسان... فضلًا عن نبيّ.
المَشهَدُ الرَّابِع: قَلبُ الأبِ... ومَأسَاةُ الابن.
تَرتَفِعُ الأمواجُ كالجِبال. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾. يَنظُرُ نُوحٌ عليهِ السَّلام، فَيَرى وَلَدَهُ وفِلذَةَ كَبِدِهِ يَتَخَبَّطُ في الأمواج، يَقِفُ مَعَ الكافِرين. تَتَحَرَّكُ عاطِفَةُ الأُبُوَّةِ الرَّحيمَة. يُنادي بأعلى صَوتِه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ﴾ [هود: 42].
"يا بُنَيَّ"... كَلِمَةٌ تَقطُرُ حَنانًا وخَوفًا. اركَب مَعَنا، لا تَهلِك مَعَ الهالِكين.
بِماذا رَدَّ الشَّابُّ المَغرورُ بِقُوَّتِه؟ المَغرورُ بِعَقلِه؟ المَغرورُ بِقَوانينِ الطَّبيعَة الَّتي يَراها أمامَه؟
﴿قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾.
الجَبَل! رَمزُ الثَّباتِ المادِّيِّ الَّذي يَعتَمِدُ عليهِ الكَثيرونَ اليوم. الجَبَلُ هو المَنصِب، الجَبَلُ هو الحِسابُ البَنكي، الجَبَلُ هو الشَّهادَةُ الدُّنيَويَّة، الجَبَلُ هو القُوَّةُ العَسكَريَّة. يَظُنُّونَ أنَّها سَتَعصِمُهُم مِن قَدَرِ الله!
بِماذا أجابَهُ الأبُ النَّبيّ؟ صَرَخَ مُحَذِّرًا الحَقيقَةَ القاطِعَة: ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ﴾.
وفي لَحظَةٍ خاطِفَة... ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43].
يا سُبحانَ الله! نَبيٌّ يُنقِذُ البَشَريَّة، ولا يَستَطيعُ أن يُنقِذَ ابنَه! نَبيٌّ يَبني سَفينَةَ النَّجاة، وابنُهُ يَغفِلُ عَنها لِيَغرق.
رِسالَةٌ إلى كُلِّ أبٍ وأمٍّ تَتَمَزَّقُ قُلوبُهُم حُزنًا على أولادٍ سَلَكوا طَريقَ الضَّلالِ رَغمَ التَّربيَةِ الصَّالِحَة. لا تَجلِدوا أنفُسَكُم. أنتُم عَلَيكُم التَّوجيهُ والبَلاغ، ولَيسَ بِيَدِكُم مَفاتيحُ القُلوب. استَمِرُّوا في الدُّعاء، ولا تَيأَسوا. إنَّ الهِدايَةَ بِيَدِ مَن يُقَلِّبُ القُلوب.
وقد صَرَّحَ رَسولُ الله ﷺ بِهذا المَعنى العَظيمِ لِعَمِّهِ أبي طالِب، فأنزَلَ الله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. بل قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لأقرب الناس إليه: «يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئاً».
النَّسَبُ لا يَنفَعُ إذا انفَصَلَ السَّبَب. والعاطِفَةُ لا تُنقي إذا ضاعَتِ العَقيدَة.
إخوَتي في الله... انتَهى الطُّوفان.
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ۖ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 44].
انظُروا إلى الجَلالِ الإلهي! بِكَلامٍ قَصيرٍ حاسِم، تَعودُ الأرضُ كَما كانَت، وتَسجُدُ الكَواكِبُ لِأمرِ رَبِّها. السَّفينَةُ استَوَت، والمُؤمِنونَ نَجَوا. وبَدَأت حَياةٌ جَديدَةٌ نَظيفَة، طاهِرَةٌ مِنَ الشِّرك.
العِبرَةُ الكُبرى لَنا اليوم: كُلُّ طوفانٍ سَيَنتَهي. كُلُّ ابتِلاءٍ سَيَزول. طوفانُ الأزماتِ الَّذي يَمرُّ بِالأمَّةِ الإسلاميَّةِ اليَوم... سَيَبتَلِعُ ماءَهُ قَريبًا بِإذنِ الله. دِماءُ المُستَضعَفينَ الَّتي تُسفَكُ اليَوم، وحِصارُ المُسلِمين، وظُلمُ الجَبَّارين... كُلُّهُ سَيُقالُ له: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. فاللهُ جلَّ جلاله يُمهِلُ الظَّالم، ولَكِنَّهُ لا يُهمِلُه، وإذا أخَذَهُ لم يُفلِتْه.
السُّؤالُ لَيسَ "هل سَيَنتَهي الطُّوفان؟". الطُّوفانُ سَيَنتَهي حَتمًا.
السُّؤالُ هو: هَل ستَكونُ أنتَ مِن رُكَّابِ السَّفينَةِ عِندَما تَستَوي على الجوديّ، أم سَتَكونُ مَعَ الَّذي آوى إلى جَبَلٍ فَغَرِق؟
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين مِن كُلِّ ذَنبٍ، فاستَغفِروهُ إنَّهُ هو الغَفورُ الرَّحيم.
[نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار]
أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم.
🕌 الخطبة الثانية
الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، أحمَدُهُ سُبحانَهُ وأشكُرُه، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، جَعَلَ العاقِبَةَ للمُتَّقين، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورَسولُه، أرسَلَهُ رَحمَةً للعالمين، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بَعد:
عِبادَ الله، عِشنا في خُطبَتِنا الأُولى مَعَ نَبيِّ اللهِ نُوحٍ عليهِ السَّلام. وقَفنا مَع صَبرِهِ الأُسطوريِّ قُرابَةَ ألفِ عام. ورَأَينا كَيفَ بَنى سَفينَةَ النَّجاةِ رَغمَ سُخريَةِ المُجتَمَع. وتَأمَّلنا مَشهَدَ الطُّوفانِ العَظيم، وحَسرَةَ الأَبِ وهو يَرى ابنَهُ يَغرَقُ رافِضًا النَّجاة. وخَتَمنا بِلَحظَةِ استِواءِ السَّفينَةِ وبِدايَةِ الفَرَج.
والآن أيُّها الإخوَة، كَيفَ نُتَرجِمُ هذا التَّاريخَ إلى واقِعٍ نَعيشُهُ اليَوم؟ كَيفَ نَبني سَفينَتَنا قَبلَ فَواتِ الأوان؟
أُوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أنزِلَ مِن مِنبَري، فاجمَعوا لَها عُقولَكُم وقُلوبَكُم:
الأولى (قلبيَّة): ابْنِ سَفينَتَكَ الدَّاخِليَّةَ بِاليَقين. لا تَجعَل قَلبَكَ مَفتوحًا لِكُلِّ شُبهَةٍ يَرميها طوفانُ الإنترنت ووَسائِلِ التَّواصُل. اليَقينُ بِوعدِ اللهِ هو الخَشَبُ والمَساميرُ الَّتي تَحمي قَلبَكَ مِنَ الغَرَق. قال النَّبيُّ ﷺ: «لا يَزالُ المُؤمِنُ في فُسحَةٍ مِن دينِهِ ما لَم يُصِب دَمًا حَرامًا»، فاجعَل يَقينَكَ سَدًّا دونَ الحَرام.
الثَّانية (لِسانيَّة): لا تَمَلَّ مِن دَعوَةِ أهلِ بَيتِك، ولا تَيأَس مِن كَلِمَةِ الخَير. إذا كانَ نُوحٌ قَد دَعا ألفَ سَنَةٍ، فَلا يَحِقُّ لَكَ أن تَقول: "نَصَحتُ زَوجَتي مَرَّتين ولَم تَستَجِب"، أو "نَصَحتُ أبنائي وشَتموني". استَمِرَّ في الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ الهادِئَةِ لَيلًا ونَهارًا، فَإنَّكَ مَأجورٌ على النُّصح، ولَستَ مُحاسَبًا على النَّتيجَة.
الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): خُذ خُطوَةً عَمَليَّةً اليَومَ لِحِمايَةِ أُسرَتِكَ مِنَ الطُّوفان. اجعَل في بَيتِكَ جَلسَةً أُسبوعيَّةً واحِدَةً تَتَقارَبونَ فيها. الصَّلاةُ في وَقتِها، وقِراءَةُ صَفحَةٍ مِنَ القُرآن، هي حِبالُ النَّجاة. لا تُبقِ أبناءَكَ في غُرفِهِم المُغلَقَةِ لِيَبتَلِعَهُم مَوجُ الشَّاشاتِ وأنتَ غافِل.
الرَّابعة (اجتماعيَّة): إيَّاكَ أن تَشمَتَ بِعاصٍ، أو تَسخَرَ مِن مُبتَلًى. نُوحٌ عليهِ السَّلام لم يَشمَت بِقَومهِ بَل دَعاهُم إلى آخِرِ لَحظَة. المُجتَمَعُ المُؤمِنُ هو الَّذي يَرحَمُ العُصاةَ ويُحاوِلُ انتِشالَهُم، لا الَّذي يُغَيِّبُهُم في التَّوبيخ ويَدفَعُهُم إلى الغَرَق.
الخامسة (موضوعيَّة حاسِمَة): لا تَعبَأ بِسُخريَةِ المُجتَمَعِ إذا كُنتَ على طاعَةِ الله. إذا ضَحِكوا مِن أمانَتِكَ في العَمَل، أو مِن حِجابِ ابنتِك، أو مِن تَمَسُّكِكَ بِالمَبدَأ — فَابتَسِم! لأنَّكَ تَعرِفُ أنَّكَ تَبني السَّفينَة، وهُم يَقِفونَ في مَجَرى الطُّوفان. ولا عاصِمَ اليَومَ مِن أمرِ اللهِ إلَّا مَن رَحِم.
فاتَّقوا اللهَ عِبادَ الله، واعلَموا أنَّ أقدارَ اللهِ ماضيَة، وأنَّ وعْدَهُ حَقّ، فاستَعِدُّوا لِذلِكَ اليَومِ بِعَمَلٍ صالِحٍ يُنجيكُم عِندَ لِقاءِ رَبِّكُم.
ثُمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بِالصَّلاةِ والسَّلامِ عَلَيه، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عَبدِكَ ورَسولِكَ مُحمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن تَبِعَهُ بِإحسانٍ إلى يَومِ الدِّين.
اللَّهُمَّ اجعَلنا مِمَّن رَكِبَ سَفينَةَ النَّجاة، واستَمَسَكَ بِسُنَّةِ حَبيبِكَ المُصطَفى. اللَّهُمَّ لا تَجعَلنا مِنَ المَغرورينَ الَّذينَ آوَوا إلى جِبالِ الدُّنيا فَغَرِقوا في شَهَواتِها.
اللَّهُمَّ احفَظ شَبابَنا وبَناتِنا مِن طوفانِ الفِتَنِ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَن. اللَّهُمَّ مَن ضَلَّ مِن أبنائِنا فَرُدَّهُ إلَيكَ رَدًّا جَميلًا، واهدِ قُلوبَهُم، واجعَلهُم قُرَّةَ عَينٍ لِآبائِهِم وأُمَّهاتِهِم.
اللَّهُمَّ أَفرِغ عَلَينا صَبرًا كَصَبرِ أولي العَزمِ مِنَ الرُّسُل، وثَبِّت أقدامَنا عِندَ الشَّدائِد. اللَّهُمَّ إنَّا نَعوذُ بِكَ مِن جَهدِ البَلاء، ودَرَكِ الشَّقاء، وسُوءِ القَضاء، وشَماتَةِ الأعداء.
اللَّهُمَّ كُن لِلمُستَضعَفينَ والمَظلومينَ مِن أُمَّةِ مُحمَّدٍ في كُلِّ مَكان، اللَّهُمَّ ارفَع عَنهُم الظُّلمَ والطُّغيان، وأَنزِل عَلَيهِم سَكينَتَكَ ونَصرَكَ يا قَويُّ يا مَتين.
اللَّهُمَّ آمِنَّا في أوطانِنا، وأصلِح أحوالَنا، واجعَل بَلَدَنا هذا آمِنًا مُطمَئِنًّا رَخاءً سَخاءً وسائِرَ بِلادِ المُسلِمين.
عِبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، فاذكُروا اللهَ العَظيمَ يَذكُركُم، واشكُروهُ على نِعَمِهِ يَزِدكُم، ولَذِكرُ اللهِ أكبَر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة.
✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
من مكتبة مِداد الخطيب
سفينةُ النَّجاة... طوفانُ نُوحٍ وعَواصِفُ واقِعِنا
1,967 كلمةنص كامل · جاهز للقراءة والنسخ
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج
انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.
كلماتٌ أخرى تحمل أثرًا
كل المكتبةخطب الجمعةالعربية
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضلِهِ وَآثَارِهِ الخَالِدَةِ وَالدِّفَاعِ عَنهُ
شَيخُ الإِسلَامِ ابنُ تَيمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن سِيرَتِهِ العِلمِيَّةِ وَالجِهَادِيَّةِ وَشَهَادَةِ الأَئِمَّةِ وَالخُصُومِ بِفَضل…
العقيدة والإيمانالشباب والهويةالعلم والدعوة
2,457 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ الحِصَارِ وَالعُدوَانِ وَفَضلِ المُرَابَطَةِ وَالذَّودِ عَنِ الدِّينِ
ثَبَاتُ أَبنَاءِ تَعِزَّ وَصَبرُهُم فِي مَيَادِينِ الرِّبَاطِ وَدَفعِ البَغيِ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَن شَجَاعَةِ أَهلِ تَعِزَّ وَصُمُودِهِم فِي مُوَاجَهَةِ…
العقيدة والإيمانقضايا الأمة
2,273 كلمةاقرأ النص كاملًا
خطب الجمعةالعربية
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُبُوطِ العَمَلِ وَشُرُوطِ قَبُولِهِ
الخَسَارَةُ الكُبرَى وَالسَّعيُ الضَّائِعُ: خطبةُ جُمُعَةٍ عَنِ الأَخسَرِينَ أَعمَالًا الَّذِينَ يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنعًا وَأَسبَابِ حُب…
العقيدة والإيمانتزكية النفسالقرآن والتفسير
2,528 كلمةاقرأ النص كاملًا