من مكتبة مِداد الخطيب

مَقَامَاتُ الرِّجَالِ... وَأَمَانَةُ الكَلِمَة

مشاركة
🕌 مَقَامَاتُ الرِّجَالِ... وَأَمَانَةُ الكَلِمَة #خطبة_جمعة #إنزال_الناس_منازلهم #حفظ_اللسان #مكانة_العلماء #حفظ_الأعراض #أخلاق الحمدُ للهِ الذي رَفَعَ أقوامًا بطاعتِه، ووَضَعَ آخَرينَ بمَعصيتِه، أحكَمَ المَوازينَ وقَسَّمَ بينَ العبادِ مَنازِلَهم، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، شَرَعَ لنا حِفظَ الحُقوقِ وصِيانةَ الأعراض، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا عَبدُهُ ورسولُه، إمامُ المُتَّقينَ وقُدوَةُ المُربِّين، الذي عَلَّمَ الأمَّةَ كيفَ تَعرفُ لأهلِ الفَضلِ فَضلَهم، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تَسليماً كثيراً. أمَّا بعدُ: تَخيَّلوا معي رَجُلًا يَبني قَصرًا عَظيمًا لَبِنَةً لَبِنَة، يَسهَرُ عليهِ سَنواتٍ طِوالًا، حتَّى إذا اكتَمَلَ البِناءُ وزُيِّن، جاءَ عابثٌ بعودِ ثِقابٍ واحدٍ فَأحرَقَهُ في لَحظَة! لعلَّكم تَقولون: ما أشدَّ سَفَهَ هذا العابث. ولكنَّ العَجَبَ ليسَ منه؛ العَجَبُ أنَّ هذا المَشهَدَ يَتكرَّرُ بينَنا كلَّ يَوم. قُصورٌ منَ الحَسَناتِ، وجِبالٌ منَ التَّاريخِ، ومَقاماتٌ رَفيعَةٌ لِرجالٍ بَذَلوا أعمارَهم، تُهدَمُ وتُحرَقُ في مَجالِسِنا بِـ "عُودِ ثِقابٍ" واحِد.. اسمُه: الكَلِمة! فكيفَ نَزِنُ الكَلِمات؟ وكيفَ نَحفَظُ المَقامات؟ إجابَةٌ تَستحِقُّ الإنصات. أيها الإخوةُ المؤمنون، خَلَقَ اللهُ الخَلقَ وفاضَلَ بَينَهم، وجَعَلَ المُجتَمَعَ المُسلِمَ كالبُنيانِ المَرصوص، لا يَقومُ ولا يَثبُتُ إلَّا إذا وُضِعَت كُلُّ لَبِنَةٍ في مَكانِها الصَّحيح. وفي هذا الزَّمانِ الذي تَقارَبَت فيهِ المَسافاتُ، وانفَتَحَت فيهِ المَنابِرُ لِكُلِّ مُتحدِّثٍ عَبرَ شاشاتِ الهواتف، ظَهَرَ داءٌ عَظيم، وآفَةٌ خَطيرَة، كادَت أن تَعصِفَ بأخلاقِنا وقِيَمِنا؛ ألَا وهيَ: التَّساهُلُ في إطلاقِ اللِّسان، والخَوضُ في أعراضِ النَّاس، وإسقاطُ مَقاماتِ الكِبارِ والهُداةِ والدُّعاةِ والمُعلِّمين. قالَ اللهُ تعالى في مُحكَمِ تَنزيلِه، واصِفًا خُطورَةَ الكَلِمَةِ التي تُلقى جُزافًا: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور: 15]. تَأمَّلوا.. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾! يَجلِسُ المَرءُ في مَجلِسِه، أو يَكتُبُ تَغريْدَةً أو رِسالَةً في هاتِفِه، يَطعَنُ بِها في نِيَّةِ داعيَة، أو يُسقِطُ عِلمَ عالِم، أو يَسخَرُ مِن مُعَلِّم، أو يَهتِكُ عِرضَ أخيهِ المُسلِم.. يَظُنُّها مُجرَّدَ "وِجهَةِ نَظَر" أو "حُريَّةَ تَعبير"، ولا يَدري أنَّ هذهِ الكَلِمةَ الصَّغيرَةَ صَعَدَت إلى السَّماءِ، فَوُزِنَت في ميزانِ الجَبَّارِ فَكانت: ﴿عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾. واسمَعوا لِهذا الحَديثِ العَظيم، الذي إذا تأمَّلتُموه لَن يَبقى أيُّ استهتارٍ بكَلِمَة. أَمْسَكَ النَّبيُّ ﷺ بِلِسانِهِ يَومًا، وقالَ لِمُعاذِ بنِ جَبَلٍ رضيَ اللهُ عنه: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا». فَتَعجَّبَ مُعاذٌ — وهوَ العالِمُ الفَقيه — وقالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقالَ الصَّادِقُ المَصدوقُ ﷺ بِنَبرَةٍ حاسِمَة: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ — أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ — إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (رواهُ التِّرمذيُّ وحَسَّنَه). إنَّ اللِّسانَ سَبُعٌ ضارٍ، إن أطلَقتَهُ أكَلَ حَسَناتِك، وإن أرسَلتَهُ في أعراضِ المُسلِمين خَرَّبَ دينَك. قالَ الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمهُ اللهُ في «الداء والدواء»: "ومِنَ العَجَبِ أنَّ الإنسانَ يَهونُ عليهِ التَّحَفُّظُ والاحتِرازُ مِن أكلِ الحَرامِ والظُّلمِ والزِّنى والسَّرِقَةِ، ويَصعُبُ عليهِ التَّحَفُّظُ مِن حَركةِ لِسانِه، حتَّى يُرى الرَّجُلُ يُشارُ إليهِ بالدِّينِ والزُّهدِ والعِبادَة، وهُوَ يَتكلَّمُ بالكَلِماتِ مِن سَخَطِ اللهِ لا يُلقي لَها بالًا، يَزِلُّ بالكَلِمةِ الواحِدَةِ أبعَدَ مِمَّا بَينَ المَشرِقِ والمَغرِب!". عبادَ الله، إنَّ مِن أخطَرِ ما يَحصُدُهُ اللِّسانُ في زَمانِنا، هُوَ تَضييعُ حُقوقِ ذَوي الفَضل، وعَدَمُ إنزالِ النَّاسِ مَنازِلَهم. والمُجتَمَعُ الذي تُكسَرُ فيهِ رُموزُهُ القُدوَة، وتُهْدَرُ فيهِ كَرامَةُ عُلمائِهِ ومُربِّيه، هُوَ مُجتَمَعٌ يَأكُلُ نَفسَه، ويَهدِمُ سُورَ حِمايَتِه بِيَدِه. يقولُ اللهُ جَلَّ جَلالُه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة المجادلة: 11]. إذا كانَ اللهُ مِن فَوقِ سَبعِ سَماواتٍ قد رَفَعَ دَرَجاتِ العُلماءِ، فَمَن نَحنُ حتَّى نَضَعَهم؟ ومَن نَحنُ حتَّى نَجعَلَ مَجالِسَنا مَحاكِمَ تَفتيشٍ لِنَواياهُم وزَلَّاتِهم؟ إنَّ النَّبيَّ ﷺ أسَّسَ في الأمَّةِ قاعِدَةً ذَهَبيَّةً لِحفظِ المَقامات، حتَّى قالَ في الحَديثِ الصَّحيح: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» (رواهُ أحمد). الذي لا يَعرِفُ للعالِمِ حَقَّه.. ليسَ مِنَّا! الذي يَستَبيحُ السُّخريَةَ مِن دُعاةِ الإِسلامِ ومَشايِخِهِم بِمَقطَعٍ مُجتَزَأٍ أو زَلَّةِ لِسان.. ليسَ مِنَّا! لَقد صارَت وِسائلُ التَّواصُلِ اليَومَ مِقْصَلَةً لِلأعراض. يَخرُجُ العالِمُ أو الدَّاعيةُ الذي أمضى خَمسينَ سَنةً يَشيبُ في حِفظِ القُرآن، ونَشرِ السُّنَّة، ورَدِّ الشُّبُهات، ودَعوَةِ الشَّباب.. ثُمَّ يُخطِئُ في مَسألَة، أو يَزِلُّ في اجتِهاد (وكُلُّ بَني آدَمَ خَطَّاء)، فَماذا يَحدُث؟ يَتَصدَّرُ لهُ أُناسٌ لَم يَقرَؤوا في حَياتِهِم كِتابًا مَنهَجيًّا واحِدًا، فَيَنصِبونَ لَهُ المَشانِق، ويَتَّهِمونَ دِينَهُ ونِيَّتَه، ويُسقِطونَ كُلَّ تاريخِه! باللهِ عليكُم.. أيُّ عَدلٍ هذا؟ وأيُّ ميزانٍ هَذا؟ يَقولُ الحافِظُ ابنُ عَساكِرَ رَحِمهُ الله في كَلِمَتِهِ الخالِدَةِ المُدَوِّيَة: "اعلَم يا أخي، وَفَّقَني اللهُ وإيَّاكَ لِمَرضاتِه، أنَّ لُحومَ العُلماءِ مَسمومَة، وعادَةَ اللهِ في هَتكِ أستارِ مُنتَقِصيهِم مَعلومَة. لأنَّ الوَقيعَةَ فيهِم بِما هُم مِنهُ بَراءٌ أَمْرٌ عَظيم، والتَّناوُلَ لِأعراضِهِم بالثَّلْبِ مَرتَعٌ وَخيم، ومَن أطلَقَ لِسانَهُ في العُلماءِ بالثَّلب، بَلاهُ اللهُ قَبلَ مَوتِهِ بِمَوتِ القَلب". أيُّها المؤمنون، هل سَألتُم أنفُسَكم يَومًا: لِماذا يَحرِصُ أعداءُ الدِّينِ وأهلُ النِّفاقِ عَلى تَشويهِ صُورَةِ العالِمِ والدَّاعية؟ لأنَّهُم يَعلَمونَ يَقينًا أنَّهُ إذا سَقَطَت هَيبَةُ العالِمِ مِن قُلوبِ النَّاس، سَقَطَ الدِّينُ الذي يَحمِلُه! إذا شَكَكنا في النَّاقِل، شَكَكنا في المَنقول. يقولُ ربُّنا جَلَّ وعَلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [سورة فاطر: 28]. فَهُم وَرَثَةُ الأنبياءِ وحُرَّاسُ الشَّريعَة، ومَن أسقَطَ الحُرَّاسَ، استَباحَ الحِمى. ولا يَقِفُ حِفظُ المَقاماتِ عِندَ العُلماءِ فَحَسْب، بَل يَمتَدُّ إلى كُلِّ ذي فَضل. انظُروا إِلى "المُعَلِّم".. المُرَبِّي الذي يَقِفُ في صُفوفِ المَدارِسِ يُعَلِّمُ أبناءَنا حُروفَ اللُّغَة، وآياتِ القُرآن، وقَواعِدَ العُلوم. لَقَد بَلَغنا زَمانًا يَتَطاوَلُ فيهِ التِّلميذُ على مُعَلِّمِه، ويَأتيهِ الأبُ لِيَنصُرَ ابنَهُ المُخطِئَ عَلى المُعلِّم! أهكَذا نُعلِّمُ الأجيالَ إنزالَ النَّاسِ مَنازِلَهم؟ يقولُ اللهُ تَعالى آمِرًا بتَوقيرِ أهلِ العِلمِ والمُعَلِّمين: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [سورة طه: 114]. والعِلمُ لا يَنزِلُ في قَلبٍ يَتَكَبَّرُ عَلى مَن يُعَلِّمُه. كانَ السَّلَفُ يَجلِسونَ بَينَ يَدَي مُعَلِّميهِم كَأنَّ عَلى رُؤوسِهِمُ الطَّير، قالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ: "كُنتُ أصفَحُ الوَرَقَةَ بَينَ يَدَي مالِكٍ صَفحًا رَفيقًا هَيبَةً لَه؛ لِئلَّا يَسمَعَ وَقعَها!". فَأينَ نَحنُ اليومَ مِن هَذا الأدَب؟ أيها المسلمون، لِكَي نَفهَمَ كَيفَ نُنْزِلُ النَّاسَ مَنازِلَهُم، تَعالَوا نَعودُ قَليلًا إلى سِيرَةِ مَن أُوتِيَ جَوامِعَ الكَلِم، وخُلاصَةَ الحِكمَة ﷺ. يَومَ فَتحِ مَكَّة.. مَكَّةُ التي أخرَجَتِ النَّبيَّ ﷺ، وعَذَّبَت أصحابَه، وحارَبَتهُ عِشرينَ سَنَة. دَخَلَها النَّبيُّ ﷺ فاتِحًا مُنتَصِرًا، وجِيءَ بِأبي سُفيان — وكانَ هُوَ قائِدَ المُشرِكين وزَعيمَ مَكَّة — وقَد أسلَمَ في تِلكَ اللَّحظَة. كانَ النَّبيُّ ﷺ يَستَطيعُ أن يُهَمِّشَهُ، أن يَجعَلَهُ كأيِّ فَردٍ عاديٍّ بَعدَ أنِ انكَسَرَت شَوكَتُه. لَكِنَّ العَبَّاسَ رضيَ اللهُ عنه هَمَسَ لِلنَّبيِّ ﷺ قالَ: "يا رَسولَ الله، إِنَّ أبَا سُفيانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الفَخْرَ، فاجعَل لَهُ شَيئًا". فَماذا فَعَلَ القائِدُ الأعظَم ﷺ؟ هَل رَفَض؟ هَل قالَ: الإسلامُ يَهدِمُ ما قَبلَه ولا فَخرَ اليَوم؟ لا! بل قالَ كَلِمَةً زَلزَلَت قَلبَ أبي سُفيان، وحَفِظَت لَهُ مَكانَتَهُ وسِيادَتَه بَينَ قَومِه: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ!». يا لله! جَعَلَ بَيتَهُ مَلجَأً كَالمَسجِدِ الحَرام! لِماذا؟ لأنَّهُ يَعرِفُ كيفَ يُنزِلُ النَّاسَ مَنازِلَهُم، وكيفَ يَأسِرُ القُلوبَ بِحِفظِ الكَرامَة. وتَأمَّلوا مَعي هَذا المَشهَدَ الآخَر، الذي تَذوبُ لَهُ القُلوب، ويُعَلِّمُنا كَيفَ يَكونُ المِيزانُ العادِلُ عِندَ الخَطَأ. قَبلَ فَتحِ مَكَّة، ارتَكَبَ الصَّحابيُّ الجَليلُ حاطِبُ بنُ أبي بَلتَعَةَ رضيَ اللهُ عنهُ خَطَأً بَشَعًا؛ لَقَد أرسَلَ رِسالَةً سِرِّيَّةً إِلى قُرَيش، يُخبِرُهم بِتَجهيزاتِ النَّبيِّ ﷺ لِغَزوِهِم! هذهِ في العُرفِ العَسكَريِّ "خِيانَةٌ عُظمى". اكتُشِفَتِ الرِّسالَة، وجيءَ بِحاطِب.. فاحمَرَّت عَينا عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ عنه وقال: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ!". فَماذا فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ؟ هَل نَسيَ كُلَّ تاريخِ حاطِب؟ هَل أسقَطَهُ بِضَربَةٍ واحِدَة؟ الْتَفَتَ النَّبيُّ ﷺ إِلى عُمَر، وقالَ كَلِماتٍ تُكتَبُ بِماءِ الذَّهَب: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا! وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». فَفاضَت عَينا عُمَر، وقال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. تَأمَّلوا يا عِبادَ الله! حاطِبٌ أخطَأَ خَطَأً كَبيرًا، لَكِنَّ النَّبيَّ ﷺ وَضَعَ الخَطَأَ في كِفَّة، ووَضَعَ «شُهودَ بَدرٍ» وسابِقَةَ الخَيرِ والجِهادِ في الكِفَّةِ الأُخرى.. فَرَجَحَت كِفَّةُ الفَضل. لَيسَ مَعنى هَذا ألَّا نُخطِّئَ المُخطِئ، لَكِنْ مَعناهُ ألَّا نَنسِفَ الجَبَلَ الأَشَمَّ لِأجلِ حَصاةٍ سَقَطَت مِنه! قالَ سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمهُ الله: "لَيسَ مِن عالِمٍ ولا شَريفٍ ولا ذي فَضلٍ إلَّا وفيهِ عَيب، ولَكِن مَن كانَ فَضلُهُ أكثَرَ مِن نَقصِه، وُهِبَ نَقصُهُ لِفَضلِه". كيفَ نَرضى أن نَترُكَ هذا المَنهَجَ النَّبَويَّ المُشرِق، ونَتَّبِعَ مَناهِجَ الهَدمِ والإسقاط؟ يَقولُ سُبحانَه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [سورة الإسراء: 36]. كُلُّ تَغريدَةٍ أرسَلْتَها لِتَشويهِ مُسلِم.. مَسؤولٌ عَنها. كُلُّ مَقطَعٍ نَشَرتَهُ لِتَسخَرَ مِن قُدوَة.. مَسؤولٌ عَنه. كُلُّ هَمسَةٍ اغتَبتَ بِها داعِيَةً أو مُعَلِّمًا.. مَسؤولٌ عَنها. فَاللهَ اللهَ في حِفظِ الألسِنَة، واللهَ اللهَ في إنزالِ النَّاسِ مَنازِلَهم، فَإنَّ البُنيانَ لا يَستَوي حتَّى يَتَماسَكَ بالاحتِرام، وتُحفَظَ فيهِ الحُقوق، وتُوَقَّرَ فيهِ الرُّموز، ويُرحَمَ المُخطِئُ بِعَدلٍ دونَ تَساهُلٍ في باطِل، ودونَ إهدارٍ لِحَقّ. أقولُ قَولي هذا وأستَغفِرُ اللهَ العَظيمَ لي ولكم ولِسائرِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ، فاستَغفِروه إنَّه هو الغَفورُ الرَّحيم. [نهاية الخطبة الأولى — الاستغفار] 🕌 الخطبة الثانية الحمدُ للهِ حَمداً يَليقُ بجَلالِ وجهِهِ وعَظيمِ سُلطانِه، الذي جَعَلَ المُؤمِنينَ إخوَة، وأَمَرَهم بِحِفظِ العُهودِ وحِمايَةِ الأعراض، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيِّدِنا مُحمَّدٍ، الصَّادِقِ الأمين، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن سارَ على نَهجِهِ إلى يومِ الدِّين. أمَّا بعدُ: عبادَ الله، تَحَدَّثنا في خُطبَتِنا الأُولى عَن خُطورَةِ الكَلِمَةِ وكَيفَ أنَّها قَد تَهدِمُ في لَحظَةٍ مَقاماتٍ بَنَتْها السِّنون. ووَقَفنا مَع مَنهَجِ النَّبيِّ ﷺ في إنزالِ النَّاسِ مَنازِلَهُم، وتَوقيرِ العُلماءِ، واحتِرامِ المُعَلِّمين، وكَيفَ عالَجَ خَطَأَ الكِبارِ بِميزانِ العَدلِ وفِقهِ السَّابِقَة. والآنَ، ونَحنُ نَعيشُ في واقِعٍ تُمَزَّقُ فيهِ الأعراضُ بِلَمْسَةِ شاشَة.. كَيفَ نُحَوِّلُ هَذا المَفهومَ إلى واقِعٍ عَمَليٍّ في حَياتِنا؟ أوصيكُم بِخَمسٍ قَبلَ أن أَنزِلَ مِن مِنبَري: الأُولى (قَلبيَّة): نَقِّ قَلبَكَ مِن كُلِّ حِقدٍ أو غِلِّ أو حَسَدٍ لِأهلِ الفَضلِ والنِّعْمَة. إِذا رَأيتَ اللهَ قَد رَفَعَ أخاكَ، أو أعَزَّ عالِمًا، أو نَفَعَ بِداعيَة، فَادعُ لَهُ بالبَرَكَة، ولا تَجعَل حَسَدَ الخَفاءِ يَدفعُكَ لِتَطويرِ عَيبِه. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾. الثَّانية (لِسانيَّة): أَمْسِك عَلَيكَ لِسانَك، ولا تَخُض في حَديثٍ لا شَأنَ لَكَ بِه. إِذا سَمِعتَ النَّاسَ يَنهَشونَ في عِرضِ عالِمٍ، أو يَتَفكَّهونَ بِزَلَّةِ داعِيَة — حتَّى ولَو كانَ مُخطِئًا — فَاسكُت! قُل في نَفسِك: لَستُ قاضِيًا رَتَّبَني اللهُ لِمُحاسَبَةِ العِباد، وميزاني مُمتَلِئٌ بالخَطايا فَلْأَشتَغِل بِها. قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ». الثَّالثة (عَمَليَّة فِعليَّة): إِذا عُدتَ إلى بَيتِكَ اليَوم، اجلِس مَع أبنائِك، وعَلِّمْهُم كَيفَ يَحتَرِمونَ مُعَلِّميهم ومُدَرِّسيهم. قُل لَهُم: المُعَلِّمُ في قِسمِكَ كالأب، وقَدْرُهُ كَقَدري، ومَن تَطاوَلَ عَلى مُعَلِّمِهِ لَم يُبارِكِ اللهُ في عِلمِه. المُجتَمَعُ يُبنَى مِن البَيتِ لا مِنَ الشَّارِع. الرَّابِعَة (اجتِماعيَّة): إِذا كُنتَ في مَجلِسٍ، واغتيبَ أخوكَ المُسلِمُ — أيًّا كانَ مَقامُه — فَرُدَّ عَن عِرضِه. لا تَكُن شَيطانًا أخرَس. قالَ ﷺ: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». هَل هُناكَ مُكافَأةٌ أعظَمُ مِن هذهِ لِحِمايَةِ وَجهِكَ مِن نارِ جَهَنَّم؟ الخامِسَة (مَوضوعيَّة): إِذا رَأيتَ زَلَّةً لِكبيرٍ، أو خَطَأً لِعالم، أو هَفوَةً لِقُدوَة.. فَاستُرْها، وانصَحهُ سِرًّا إن استَطَعت، ولا تَكُن مِعْوَلَ هَدمٍ بِأيدي أعداءِ الأُمَّة. الأُمَّةُ القَوِيَّةُ هِيَ التِّي تُقيمُ العَدل، ولَكِنَّها في ذاتِ الوَقتِ تَحفَظُ لِكِبارِها سابِقَتَهم وتَرحَمُ ضَعفَهُم. فاتَّقوا اللهَ عبادَ الله، فَإنَّ تَقوى اللهِ هِيَ الميزانُ الَّذي يُعصَمُ بِهِ اللِّسان، ويُستَقامُ بِهِ الجَنان، ويُنزَلُ بِهِ النَّاسُ مَنازِلَهم التي أرادَها الله. ثمَّ صَلُّوا وسَلِّموا على مَن أُمِرتُم بالصَّلاةِ عليه، إعمالًا لقولِ ربِّكم جلَّ وعَلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: 56]. اللَّهمَّ صَلِّ وسَلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمد، وعلى آلِه وصحبِه، ومَن اتَّبَعه بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين. اللَّهمَّ اجعَلنا مِمَّن يَعرِفونَ لِأهلِ الفَضلِ فَضلَهُم، ويُنْزِلونَ النَّاسَ مَنازِلَهم بالعَدلِ والإنصاف. اللَّهمَّ طَهِّر ألسِنَتَنا مِن الغيبَةِ والنَّميمَةِ والكَذِبِ والبُهتان، وطَهِّر قُلوبَنا مِن الحِقدِ والغِلِّ والحَسَد. اللَّهمَّ ارزُقنا كَلِمَةَ الحَقِّ في الغَضَبِ والرِّضا، واجعَلْنا مَفاتيحَ لِلخَيرِ مَغاليقَ لِلشَّر. اللَّهمَّ احفَظ عُلماءَنا، وبارِك في دُعاتِنا، وأعِن مُعَلِّمينا على أداءِ أمانَتِهم، وارزُقهُم الصَّبرَ والأجرَ العَظيم. اللَّهمَّ مَن أخطَأَ مِنَّا فَرُدَّهُ إليكَ رَدًّا جَميلًا، واجعَلنا مِمَّن يَستُرونَ العَوراتِ ويُقيلونَ العَثَرات. اللَّهمَّ انصُر المُستَضعَفينَ من المُسلمينَ في كُلِّ مَكان، اللَّهمَّ اربُط على قُلوبِهم، وثَبِّت أقدامَهم، واشفِ مُصابَهم، واجعَل دائِرَةَ السَّوءِ على مَن ظَلَمهم. عبادَ الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فاذكُروا اللهَ العظيمَ يَذكُركم، واشكُروه على نِعَمِه يَزِدكم، ولَذِكرُ اللهِ أكبر، واللهُ يَعلمُ ما تَصنَعون. وأقِمِ الصَّلاة. ✍️ إلى هنا تَنتهي الخُطبة، وأمَّا أنتَ أيُّها الخطيب الكريم — فهذه مادَّةٌ صاغَها نموذجٌ يُعينُك لا يُغنيك، والخطأُ وارِدٌ في كلِّ نتاجٍ آليّ. فاقرَأها قبل أن تَصعَد، وحَقِّق آياتِها وأحاديثَها من مصادرها، وألبِسها ثوبَ تَجربَتك وبَصمَة قَلبِك وعَيشَ لُغَتك. المِنبرُ أمانةٌ يَسألك اللهُ عنها، وما يُلقى عليه يَحمِلُه صاحبُه وَحدَه. وإن أرَدتَ تَطويرها فاكتُب طَلَبَك واضحًا مُفصَّلًا — فإنَّ الإجابةَ بقَدرِ السؤال.
لاحظت خطأً في الخطبة؟ملاحظتك تساعدنا على تقديم نص أدق.أبلغ عن خطأإغلاق النموذج

انسخ العبارة المقصودة واشرح الخطأ تحديدًا، ثم أضف التصحيح أو المرجع إن توفر.